عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 18-07-2025, 03:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,898
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد

تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الخامس عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ يونس
الحلقة (813)
صــ 141 إلى صــ 150






ومنها: بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الثواب الجزيل، كما قال جل ثناؤه: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) الآية، [سورة البقرة: 25] .
وكل هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها، ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى، فذلك مما عمه جل ثناؤه: أن (لهم البشرى في الحياة الدنيا) ، وأما في الآخرة فالجنة.
* * *
وأما قوله: (لا تبديل لكلمات الله) ، فإن معناه: إن الله لا خُلْفَ لوعده، ولا تغيير لقوله عما قال، ولكنه يُمْضي لخلقه مواعيدَه وينجزها لهم، (1) وقد:-
17759- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع قال: أطال الحجاج الخطبة، فوضع ابن عمر رأسَه في حِجْري، فقال الحجاج: إن ابن الزبير بدّل كتاب الله! فقعد ابن عمر فقال: لا تستطيع أنت ذاك ولا ابن الزبير! لا تبديل لكلمات الله! فقال الحجاج: لقد أوتيت علمًا إن نفعك! (2) = قال أيوب: فلما أقبل عليه في خاصّة نفسه سكَتَ. (3)
* * *
(1)
انظر تفسير "تبديل الكلمات" فيما سلف 2: 62، تعليق: 1، 3، والمراجع هناك.

(2)
في المطبوعة والمخطوطة: "لقد أوتيت علما أن تفعل" ، وهو بين الفساد، صوابه من المستدرك للحاكم.

(3)
الأثر: 17759 - رواه الحاكم في المستدرك 2: 339، 340، من طريق أبي النعمان، عن إسماعيل بن علية، عن أيوب، بمثله، ليس فيه كلمة أيوب. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي. وهذا خبر عظيم القدر فيه أخلاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ظاهرة كما علمهم رسولهم، من ترك هيبة الجبابرة، ومن إنكار المنكر من القول والعمل، ومن اليقظة لمعاني الكلام ومقاصد الأعمال، ومن تعليم الناس جهرة أخطاء أمرائهم والولاة عليهم، ومن الصبر على أذى هؤلاء الجبابرة إذا كان الأذى يمسهم في خاصة أنفسهم. فأما إذا كان الأمر أمر الله وأمر رسوله، وأمر الكتاب المنزل بالحق إلى الديانين والجبابرة جميعًا، يأمرهم وينهاهم على السواء، فهم لا يخافون جبارًا قد عود سيفه سفح الدماء، ودرب لسانه على اللذع والقرص واللجاجة. فرحم الله أمة كان هؤلاء النبلاء، أئمتها وهداتها!

وقوله: (ذلك هو الفوز العظيم) ، يقول تعالى ذكره: هذه البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة = "وهي الفوز العظيم" ، يعني الظفر بالحاجة والطَّلبة والنجاة من النار. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا يحزنكَ، يا محمد، قول هؤلاء المشركين في ربهم ما يقولون، وإشراكهم معه الأوثان والأصنام (2) = فإنّ العزة لله جميعًا، يقول تعالى ذكره: فإن الله هو المنفرد بعزة الدنيا والآخرة، لا شريك له فيها، وهو المنتقم من هؤلاء المشركين القائلين فيه من القول الباطل ما يقولون، فلا ينصرهم عند انتقامه منهم أحدٌ، لأنه لا يُعَازُّه شيء (3) = (هو السميع العليم) ، يقول: وهو ذو السمع لما يقولون من الفرية والكذب عليه، وذو علم بما يضمرونه في أنفسهم ويعلنونه، مُحْصًى ذلك عليهم كله، وهو لهم بالمرصاد. (4)
* * *
وكسرت "إن" من قوله: (إن العزة لله جميعًا) لأن ذلك خبرٌ من الله مبتدأ، ولم يعمل فيها "القول" ، لأن "القول" ، عني به قول المشركين، وقوله: (إن العزة لله جميعًا) ، لم يكن من قِيل المشركين، ولا هو خبرٌ عنهم أنهم قالوه. (5)
* * *
(1)
انظر تفسير "الفوز" فيما سلف 14: 439، تعليق: 4، والمراجع هناك.

(2)
انظر تفسير "الحزن" فيما سلف 10: 108، تعليق: 5، والمراجع هناك.

(3)
انظر تفسير "العزة" فيما سلف 10: 421، تعليق: 3، والمراجع هناك.

(4)
انظر تفسير "السميع" و "العليم" فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) ، (علم) .

(5)
انظر معاني القرآن للفراء 1: 471، 472 وفيه تفصيل موقع "إن" بعد "القول" وشبهه.

القول في تأويل قوله تعالى: {أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ (66) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ألا إن لله يا محمد كلَّ من في السموات ومن في الأرض، ملكًا وعبيدًا، لا مالك لشيء من ذلك سواه. يقول: فكيف يكون إلهًا معبودًا من يعبُده هؤلاء المشركون من الأوثان والأصنام، وهي لله ملك، وإنما العبادة للمالك دون المملوك، وللرب دون المربوب؟ = (وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء) ، يقول جل ثناؤه: وأيُّ شيء يتبع من يدعو من دون الله = يعني: غير الله وسواه = شركاء. ومعنى الكلام: أيُّ شيءٍ يتبع من يقول لله شركاء في سلطانه وملكه كاذبًا، والله المنفرد بملك كل شيء في سماء كان أو أرض؟ = (إن يتبعون إلا الظن) ، يقول: ما يتبعون في قيلهم ذلك ودعواهم إلا الظن، يقول: إلا الشك لا اليقين (1) = (وإن هم إلا يخرصون) ، يقول: وإن هم إلا يتقوّلون الباطل تظنِّيًا وتَخَرُّصا للإفك، (2) عن غير علمٍ منهم بما يقولون.
* * *
(1)
انظر تفسير "الظن" فيما سلف من فهارس اللغة (ظنن) .

(2)
في المطبوعة: "تظننا" وأثبت ما في المخطوطة معجما، على قلة إعجام الحروف فيها.

"والتظني" ، هو "التظنن" ، وإنما قلبت نونه الآخرة ياء لتوالي النونات وثقل تواليها، وهو كثير فاش في كلام العرب.
القول في تأويل قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنّ ربكم أيها الناس الذي استوجب عليكم العبادة، هو الرب الذي جعل لكم الليل وفصله من النهار، لتسكنوا فيه مما كنتم فيه في نهاركم من التَّعب والنَّصب، وتهدءوا فيه من التصرف والحركة للمعاش والعناء الذي كنتم فيه بالنهار (1) = (والنهار مبصرًا) ، يقول:: وجَعَل النهار مبصرًا، فأضاف "الإبصار" إلى "النهار" ، وإنما يُبْصَر فيه، وليس "النهار" مما يبصر، ولكن لما كان مفهوما في كلام العرب معناه، خاطبهم بما في لغتهم وكلامهم،
وذلك كما قال جرير:
لَقَدْ لُمْتِنَا يَا أُمَّ غَيْلانَ فِي السُّرَى ... وَنِمتِ، وَمَا لَيْلُ الْمَطِيِّ بِنَائِمِ (2)
فأضاف "النوم" إلى "الليل" ووصفه به، ومعناه نفسه، أنه لم يكن نائمًا فيه هو ولا بَعِيره.
* * *
يقول تعالى ذكره: فهذا الذي يفعل ذلك هو ربكم الذي خلقكم وما تعبدون، لا ما لا ينفع ولا يضر ولا يفعل شيئًا.
* * *
وقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) ، يقول تعالى ذكره: إن في اختلاف حال الليل والنهار وحال أهلهما فيهما، دلالةً وحججًا على أن الذي له العبادة خالصا بغير شريك، هو الذي خلق الليل والنهار، وخالف بينهما، بأن جعل هذا للخلق
(1)
انظر تفسير "جعل" فيما سلف في فهارس اللغة (جعل) .

(2)
ديوانه: 554، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 279، من قصيدة له طويلة، أجاب بها الفرزدق.

سكنًا، وهذا لهم معاشًا، دون من لا يخلق ولا يفعل شيئًا، ولا يضر ولا ينفع.
* * *
وقال: (لقوم يسمعون) ، لأن المراد منه: الذين يسمعون هذه الحجج ويتفكرون فيها، فيعتبرون بها ويتعظون. ولم يرد به: الذين يسمعون بآذانهم، ثم يعرضون عن عبره وعظاته.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (68) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المشركون بالله من قومك، يا محمد: (اتخذ الله ولدًا) ، وذلك قولهم: "الملائكة بنات الله" . يقول الله منزهًا نفسه عما قالوا وافتروا عليه من ذلك: "سبحان الله" ، تنزيهًا لله عما قالوا وادَّعوا على ربهم (1) = "هو الغني" يقول: الله غنيٌّ عن خلقه جميعًا، فلا حاجة به إلى ولد، (2) لأن الولد إنما يَطْلُبه من يطلبه، ليكون عونًا له في حياته وذكرًا له بعد وفاته، والله عن كل ذلك غنيٌّ، فلا حاجة به إلى معين يعينه على تدبيره، ولا يبيدُ فيكون به حاجة إلى خلف بعده = (له ما في السموات وما في الأرض) ، يقول تعالى ذكره: لله ما في السموات وما في الأرض مِلْكًا، والملائكةُ عباده وملكه، فكيف يكون عبد الرجل وملكه له ولدًا؟ يقول: أفلا تعقلون أيها القوم خطأ ما تقولون؟ = (إن عندكم من سلطان بهذا) ، يقول: ما عندكم أيها القوم،
(1)
انظر تفسير "سبحان" فيما سلف ص: 47، تعليق: 1، والمراجع هناك.

(2)
انظر تفسير "الغني" فيما سلف 12: 126، تعليق: 1، والمراجع هناك.

بما تقولون وتدّعون من أن الملائكة بنات الله، من حجة تحتجون بها = وهي السلطان (1) = أتقولون على الله قولا لا تعلمون حقيقته وصحته، وتضيفون إليه ما لا يجوز إضافته إليه، جهلا منكم بما تقولون، بغير حجة ولا برهان؟
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل) يا محمد، لهم (إن الذين يفترون على الله الكذب) ، فيقولون عليه الباطل، ويدّعون له ولدًا (2) = (لا يفلحون) ، يقول: لا يَبْقَون في الدنيا (3)
، ولكن لهم متاع في الدنيا يمتعون به، وبلاغ يتبلغون به إلى الأجل الذي كُتِب فناؤهم فيه (4) = (ثم إلينا مرجعهم) ، يقول: ثم إذا انقضى أجلهم الذي كتب لهم، إلينا مصيرهم ومنقلبهم (5)
= (ثم نذيقهم العذاب الشديد) ، وذلك إصلاؤهم جهنم (6) = (بما كانوا يكفرون) بالله في الدنيا، فيكذبون رسله، ويجحدون آياته.
* * *
ورفع قوله: (متاع) بمضمر قبله إما "ذلك" ، وإما "هذا" . (7)
* * *
(1)
انظر تفسير "السلطان" فيما سلف 12: 523، تعليق: 2، والمراجع هناك.

(2)
انظر تفسير "الافتراء" فيما سلف من فهارس اللغة (فرى) .

(3)
انظر تفسير "الفلاح" فيما سلف ص: 46،، تعليق: 1، والمراجع هناك.

(4)
انظر تفسير "المتاع" فيما سلف ص: 53،، تعليق: 3، والمراجع هناك.

(5)
انظر تفسير "المرجع" فيما سلف ص: 98، تعليق: 2، والمراجع هناك.

(6)
انظر تفسير "الذوق" فيما سلف ص: 102، تعليق: 1، والمراجع هناك.

(7)
انظر معاني القرآن للفراء 1: 472، وفيه ": إما (هو) ، وإما (ذاك) " .

القول في تأويل قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (71) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (واتل) على هؤلاء المشركين الذي قالوا: (اتخذ الله ولدًا) ، من قومك (1) = (نبأ نوح) ، يقول: خبر نوح (2) (إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي) ، يقول: إن كان عظم عليكم مقامي بين أظهركم وشقّ عليكم، (3) = (وتذكيري بآيات الله) ، يقول، ووعظي إياكم بحجج الله، وتنبيهي إياكم على ذلك (4) = (فعلى الله توكلت) ، يقول: إن كان شق عليكم مقامي بين أظهركم، وتذكيري بآيات الله، فعزمتم على قتلي أو طردي من بين أظهركم، فعلى الله اتكالي وبه ثقتي، وهو سَنَدي وظهري (5) = (فأجمعوا أمركم) ، يقول: فأعدُّوا أمركم، واعزموا على ما تنوُون عليه في أمري. (6)
* * *
يقال منه: "أجمعت على كذا" ، بمعنى: عزمت عليه، (7)
ومنه قول النبي
(1)
انظر تفسير "التلاوة" فيما سلف من فهارس اللغة (تلا) .

(2)
انظر تفسير "النبأ" فيما سلف ص: 102، تعليق: 3، والمراجع هناك.

(3)
انظر تفسير "كبر" فيما سلف 11: 336، 337.

(4)
انظر تفسير "التذكير" فيما سلف من فهارس اللغة (ذكر) .

(5)
انظر تفسير "التوكل" فيما سلف 14: 587، تعليق: 3، والمراجع هناك.

(6)
في المطبوعة: "وما تقدمون عليه" ، وفي المخطوطة: "وما سومون" غير منقوطة، وهو وهم من الناسخ، والصواب الذي أرجحه، ما أثبت، لأن "الإجماع" هو إحكام النية والعزيمة.

(7)
انظر معاني القرآن للفراء 1: 473، وقد فصل القول فيه هناك.

صلى الله عليه وسلم:: "من لم يُجْمِع على الصوم من الليل فلا صَوْم له" ، بمعنى: من لم يعزم، (1) ومنه قول الشاعر: (2)
يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لا تَنْفَعُ ... هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ (3)
* * *
وروي عن الأعرج في ذلك ما:-
17760- حدثني بعض أصحابنا، عن عبد الوهاب، عن هارون، عن أسيد، عن الأعرج: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) ، يقول: أحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم. (4)
ونصب قوله: (وشركاءكم) ، بفعل مضمر له، وذلك: "وادعوا شركاءكم" ، وعطف ب "الشركاء" على قوله: (أمركم) ، على نحو قول الشاعر:
(1)
هذا حديث رواه بلا إسناد. أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، من حديث حفصة أم المؤمنين. انظر سنن أبي داود 2: 441، 442، رقم: 2454.

(2)
لم أعرف قائله، ولكني أظنه لأبي النجم، هكذا أذكر.

(3)
نوادر أبي زيد: 133، معاني القرآن للفراء 1: 473، اللسان (جمع) ، (زفا) ، وبعده فيما روى أبو زيد: وَتَحْتَ رَحْلِي زَفَيَانٌ مَيْلَعُ

حَرْفٌ، إذَا مَا زُجِرَتْ تَبَوَّعُ.
(4)
الأثر: 17760 - "عبد الوهاب" ، هو "عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي" ، مضى مرارًا كثيرة، آخرها رقم: 14229. "وهارون" هو "هارون بن موسى" الأعور النحوي، مضى برقم: 4985، 11693، 15514، 15515. "وأسيد" ، هو "أسيد بن أبي أسيد، يزيد" ، البراد. روى الحروف عن الأعرج، مترجم في التهذيب، والكبير 2 / 1/ 49، ولم يزد على أن قال "أسيد، حدثنا موسى، حدثنا هارون، عن أسيد سمع عكرمة، وعن الأعرج في القراءة" ، لم يذكر له نسبًا. وفي ابن أبي حاتم 1 / 1 / 316، في ترجمة "أسيد بن يزيد المدني" ، وقال: "روى عن الأعرج، روى عنه هارون النحوي" . ثم أتبعه بترجمة "أسيد بن أبي أسيد البراد" ، وقال: "واسم أبي أسيد يزيد" ، ولم يذكر له رواية عن الأعرج، ولا في الرواة عنه هارون النحوي، فجعلهما رجلين. بيد أني رأيت ابن الجزري في طبقات القراء 1: 381 في ترجمة "الأعرج" ، وهو "عبد الرحمن بن هرمز" قال: "وروى عنه الحروف أسيد بن أبي أسيد" . وانظر هذا الاختلاف في التهذيب، وما قاله الحافظ ابن حجر هناك.

وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا (1)
فالرمح لا يُتَقلَّد، ولكن لما كان فيما أظهر من الكلام دليلٌ على ما حذف، اكتفي بذكر ما ذكر منه مما حذف، (2) فكذلك ذلك في قوله: (وشركاءكم) .
* * *
واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته قراء الأمصار: (وَشُرَكَاءَكُمْ) نصبًا، وقوله: (فَأَجْمِعُوا) ، بهمز الألف وفتحها، من: "أجمعت أمري فأنا أجمعه إجماعًا."
* * *
وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) ، بفتح الألف وهمزها = (وَشُرَكَاؤُكُمْ) ، بالرفع على معنى: وأجمعوا أمركم، وليجمع أمرَهم أيضًا معكم شركاؤكم. (3)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك قراءةُ من قرأ: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) ، بفتح الألف من "أجمعوا" ، ونصب "الشركاء" ، لأنها في المصحف بغير واو، ولإجماع الحجة على القراءة بها، ورفض ما خالفها، ولا يعترض عليها بمن يجوز عليه الخطأ والسهو.
* * *
وعني ب "الشركاء" ، آلهتهم وأوثانهم.
* * *
وقوله: (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) ، يقول: ثم لا يكن أمركم عليكم ملتبسًا مشكلا مبهمًا.
* * *
(1)
مضى البيت وتخريجه في مواضع، آخرها 13: 434، تعليق: 2، والمراجع هناك، وانظر معاني القرآن للفراء 1: 473.

(2)
في المطبوعة والمخطوطة: "فاكتفى" بالفاء، والصواب حذفها، وإنما خلط الناسخ.

(3)
انظر تفصيل هذا في معاني القرآن للفراء 1: 473.

= من قولهم: "غُمَّ على الناس الهلال" ، وذلك إذا أشكل عليهم فلم يتبيَّنوه، ومنه قول [العجاج] : (1)
بَلْ لَوْ شَهِدْتِ النَّاسَ إِذْ تُكُمُّوا ... بِغُمّةٍ لَوْ لَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا (2)
وقيل: إن ذلك من "الغم" ، لأن الصدر يضيق به، ولا يتبين صاحبه لأمره مَصدرًا يَصْدُرُه يتفرَّج عليه ما بقلبه، (3) ومنه قول خنساء:
وَذِي كُرْبَةٍ رَاخَى ابْنُ عَمْرٍو خِنَاقَه ... وَغُمَّتَهُ عَنْ وَجْهِهِ فَتَجَلَّتِ (4)
* * *
وكان قتادة يقول في ذلك ما:
17761- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (أمركم عليكم غمة) ، قال: لا يكبر عليكم أمركم.
* * *
وأما قوله: (ثم اقضوا إليّ) ، فإن معناه: ثم امضوا إليّ ما في أنفسكم وافرغوا منه، كما:-
17762- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون) ، قال: اقضوا إليّ ما كنتم قاضين.
17763- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون) ، قال: اقضوا إليّ ما في أنفسكم.
(1)
في المطبوعة والمخطوطة: "ومنه قول رؤبة" ، وأنا أرجح أنه خطأ من الناسخ، فلذلك وضعته بين القوسين، وإنما نقل هذا أبو جعفر من مجاز القرآن لأبي عبيدة، وهو فيه على الصواب "العجاج" .

(2)
ديوانه: 63، واللسان (غمم) ، (كمم) ، وغيرها. أول رجز له طويل في ديوانه، ذكر فيه مسعود بن عمرو العتكي، وما أصابه وقومه من تميم رهط العجاج، وسلف بيان ذلك 13: 75، تعليق: 2، في شرح بيت من هذا الرجز. وقوله: "تكموا" من قوله: "تكممه" ، أي غطاه وغشاه، ثم لما توالت الميمات في "تكمموا" ، قلبت الأخيرة ياء، كما قيل في "التظنن" و "التظني" ، فلما أسند إليه الواو، قال: "تكموا" .

(3)
في المطبوعة: "يتفرج عنه" ، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.

(4)
ديوانها: 22، وروايته "ومُخْتَنِقٍ رَاخَى ابنُ عَمْرٍو" من رثائها في أخيها صخر.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.52 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.89 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.24%)]