
18-07-2025, 01:10 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,533
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الرابع عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ براءة
الحلقة (795)
صــ 541 إلى صــ 550
17428- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوا في ساعة العسرة) ، الآية، الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قِبَل الشأم في لهَبَانِ الحرّ على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهدٌ شديد، حتى لقد ذُكر لنا أن الرجلين كانا يشقّان التمرة بينهما، وكان النفر يتناولون التمرة بينهم، يمصُّها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصُّها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوهم.
17429- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس: أنه قيل لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه في شأن العسرة، فقال عمر: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمسُ الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فَرْثه فيشربه، (1) ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عوّدك في الدعاء خيرًا، فادع لنا! قال: تحب ذلك؟ قال: نعم! فرفع يديه، فلم يَرْجِعهما حتى قالت السماء، فأظلّت، ثم سكبت، (2) فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها، (3)
(1) "الفرث" ، سرجين الكرش ما دام في الكرش.
(2) "قالت السماء" ، أي: أقبلت بالسحاب، وكان في المطبوعة: "مالت" وأثبت ما في المخطوطة. وهو مطابق لما في مجمع الزوائد، وفي ابن كثير، وغيره "سالت" وليست بشيء. وهذا تعبير عزيز جيد.
وقوله: "فأظلت" ، أي: جاء السحاب بالظل، وفي ابن كثير وغيره "فأهطلت" ، وليست بشيء. وفي مجمع الزوائد: "فأطلت" ، وكأنه تصحيف.
(3) في المطبوعة: "ثم رجعنا ننظر فلم نجدها، جاوزت العسكر" ، غير ما كان في المخطوطة، وهو صواب مطابق لما في المراجع. وقوله: "ذهبنا ننظر" ، العرب تضع "ذهب" في الكلام ظرفا للفعل، انظر ما سلف 11: 128، تعليق: 1، ثم ص: 250، في كلام أبي جعفر، والتعليق: 1، ثم رقم: 16206.
جاوزت العسكر. (1)
17430- حدثني إسحاق بن زيادة العطار قال، حدثنا يعقوب بن محمد قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قيل لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه: حدِّثنا عن شأن جيش العسرة! فقال عمر: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه. (2)
* * *
(1) الأثر: 17429 - "عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري" . ثقة متقن، مضى مرارا، آخرها رقم: 13570، 16732.
و "سعيد بن أبي هلال الليثي المصري" ، ثقة، مضى مرارا، آخرها رقم: 13570.
و "عتبة بن أبي عتبة" . هو "عتبة بن مسلم التيمي" ، ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 374.
و "نافع بن جبير بن مطعم" . تابعي ثقة، أحد الأئمة، مترجم في التهذيب، والكبير 4 / 2 / 82، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 451.
ورجال إسناد هذا الخبر ثقات.
وهذا الخبر خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 6: 194، 195، وقال: "رواه البزار، والطبراني في الأوسط، ورجال البزار ثقات" . وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 286، ونسبه إلى ابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي في الدلائل.
وهو في دلائل النبوة لأبي نعيم ص: 190 في باب "ذكر ما كان في غزوة تبوك" .، بهذا الإسناد.
وذكره ابن كثير في تفسيره 4: 257، 258، والبغوي بهامشه.
(2) الأثر: 17430 - "إسحاق بن زياد العطار" ، شيخ الطبري، مضى برقم: 14146، ولم نجد له ذكرا، وقد مضى هناك: "إسحاق بن زياد العطار النصري" بغير تاء في "زياد" في المطبوعة والمخطوطة. وغير ممكن فصل القول في ذلك، ما لم نجد له ترجمة تهدي إلى الصواب.
القول في تأويل قوله: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار) = (وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا) ، وهؤلاء الثلاثة الذين وصفهم الله في هذه الآية بما وصفهم به فيما قيل، هم الآخرون الذين قال جل ثناؤه: (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم) [سورة التوبة: 106] ، فتاب عليهم عز ذكره وتفضل عليهم.
وقد مضى ذكر من قال ذلك من أهل التأويل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خلفهم الله عن التوبة، فأرجأهم عمَّن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما:-
17431- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عمن سمع عكرمة في قوله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: خُلِّفوا عن التوبة.
17432- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أما قوله: (خلفوا) ، فخلِّفوا عن التوبة.
* * *
(حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) ، يقول: بسعتها، (2) غمًّا وندمًا على تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم = (وضاقت عليهم أنفسهم) ، بما نالهم من الوَجْد والكرْب بذلك = (وظنوا أن لا ملجأ) ، يقول: وأيقنوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يلجأون إليه مما نزل بهم من أمر الله من البلاء، (3)
(1) انظر ما سلف ص: 464 - 467.
(2) انظر تفسير "رحب" فيما سلف. ص: 179.
(3) انظر تفسير "الظن" فيما سلف 2: 17 - 20، 265 / 5: 352.
= وتفسير "الملجأ" فيما سبق ص: 298.
بتخلفهم خِلافَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينجيهم من كربه، ولا مما يحذرون من عذاب الله، إلا الله، ثم رزقهم الإنابة إلى طاعته، والرجوع إلى ما يرضيه عنهم، لينيبوا إليه، ويرجعوا إلى طاعته والانتهاء إلى أمره ونهيه = (إن الله هو التواب الرحيم) ، يقول: إن الله هو الوهّاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الموفقُ من أحبَّ توفيقه منهم لما يرضيه عنه = (الرحيم) ، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبةَ والإنابةَ ولا يتوب عليه. (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
17433- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر في قوله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع، وكلهم من الأنصار. (2)
17434- حدثني عبيد بن محمد الوراق قال، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بنحوه = إلا أنه قال: ومرارة بن الربيع، أو: ابن ربيعة، شكّ أبو أسامة. (3)
(1) انظر تفسير "التواب" ، "والرحيم" ، فيما سلف من فهارس اللغة (ثوب) ، (رحم) .
(2) الأثر: 17433 - "مرارة بن ربيعة" ، المشهور: "مرارة بن الربيع" ، ولكنه هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة هنا. ثم جاء في الأخبار التالية "الربيع" . وقد مضى مثل هذا الاختلاف وأشد منه فيما سلف في التعليق على رقم 17177، 17178، 17183. وذكر ابن كثير في تفسيره 4: 264، وذكر هذا الخبر فقال: "وكذا في مسلم: ربيعة، في بعض نسخه، وفي بعضها: مرارة بن الربيع" .
(3) الأثر: 17434 - "عبيد بن محمد الوراق" ، هو "عبيد بن محمد بن القاسم بن سليمان بن أبي مريم" ، "أبو محمد الوراق النيسابوري" ، سكن بغداد، وحدث بها عن موسى بن هلال العبدي وأبي النضر هاشم بن القاسم، والحسن بن موسى الأشيب، ويعقوب بن محمد الزهري، وبشر بن الحارث. كان ثقة، مات سنة 255، ولم أجد له ترجمة في غير تاريخ بغداد 11: 97، وروى عنه الطبري في موضعين من تاريخه 2: 202، 250، روى عن روح بن عبادة.
وكان في المطبوعة: "عبيد بن الوراق" ، لم يحسن قراءة المخطوطة، لأن الناسخ كتب "عبيد بن محمد" كلمة واحدة مشتبكة الحروف.
وأما "مرارة بن الربيع" أو "ابن ربيعة" ، فانظر التعليق السالف.
17435- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة وعامر: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: أرْجئوا، في أوسط "براءة" .
17436- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: الذين أرجئوا في أوسط "براءة" ، قوله: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ) ، [سورة التوبة: 106] هلال بن أمية، ومرارة بن رِبْعيّ، وكعب بن مالك. (1)
17437- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، الذين أرجئوا في وسط "براءة" .
17438- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: كلهم من الأنصار: هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك.
17439- قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: الذين أرجئوا.
17440- قال، حدثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد قال: (الثلاثة الذين خلفوا) ، كعب بن مالك وكان شاعرا، ومرارة بن الربيع، وهلال ابن أمية، وكلهم أنصاريّ. (2)
17441- قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، والمحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: كلهم من الأنصار: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك.
(1) الأثر: 17436 - "مرارة بن ربعي" ، هكذا في المخطوطة كما أثبته، وفي المطبوعة "ابن ربيعة" ولكن هكذا، جاء هنا، كالذي مضى في رقم: 17177، 17178، فانظر التعليق هناك.
(2) في المطبوعة: "أنصار" ، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.
17442- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هاشم، عن جويبر، عن الضحاك قوله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، كلهم من الأنصار.
17443- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، إلى قوله: (ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم) ، كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، تخلفوا في غزوة تبوك. ذكر لنا أن كعب بن مالك أوثق نفسه إلى سارية، فقال: لا أطلقها = أو لا أطلق نفسي (1) = حتى يُطلقني رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال رسول الله: والله لا أطلقه حتى يطلقه ربُّه إن شاء! وأما الآخر فكان تخلف على حائط له كان أدرك، (2) فجعله صدقة في سبيل الله، وقال: والله لا أطعمه! وأما الآخر فركب المفاوز يتبع رسول الله، ترفعه أرض وتَضَعه أخرى، وقدماه تَشَلْشَلان دمًا. (3)
17444- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك قال: (الثلاثة الذين خلفوا) ، هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة.
17445- قال، حدثنا أبو داود الحفري، عن سلام أبي الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ، قال: هلال بن أمية، ومرارة، وكعب بن مالك.
17446- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن عون،
(1) في المطبوعة: "لا أطلقها، أو لا أطلق نفسي" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) "الحائط" ، هو البستان من النخيل، إذا كان عليه حائط، وهو الجدار. ويقال لها أيضا "حديقة" ، لإحداق سوره بها. فإذا لم يكن عليها حائط، فهي "ضاحية" ، لبروزها للعين. و "أدرك الثمر" ، أي بلغ نضجه.
(3) "تشلشلان" ، "تتشلشلان" ، على حذف إحدى التائين. "تشلشل الماء والدم" ، إذا تبع قطران بعضه بعضا في سيلانه متفرقا.
عن عمر بن كثير بن أفلح قال: قال كعب بن مالك: ما كنت في غَزاة أيسر للظهر والنفقة مني في تلك الغَزاة! قال كعب بن مالك: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: "أتجهز غدًا ثم ألحقه" ، فأخذت في جَهازي، فأمسيت ولم أفرغ. فلما كان اليوم الثالث، أخذت في جهازي، فأمسيت ولم أفرغ، فقلت: هيهات! سار الناس ثلاثًا! فأقمت. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل الناس يعتذرون إليه، فجئت حتى قمت بين يديه، فقلت: ما كنت في غَزاة أيسر للظهر والنفقة مني في هذه الغزاة! فأعرض عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الناس أن ألا يكلمونا، وأمِرَتْ نساؤنا أن يتحوَّلن عنَّا. قال: فتسوَّرت حائطا ذات يوم، فإذا أنا بجابر بن عبد الله، فقلت: أيْ جابر! نشدتك بالله، هل علمتَني غششت الله ورسوله يومًا قطُّ؟ فسكت عني فجعل لا يكلمني. (1) فبينا أنا ذات يوم، إذ سمعت رجلا على الثنيَّة يقول: كعب! كعب! حتى دنا مني، فقال: بشِّروا كعبًا. (2)
17447- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك، أقام بها بضع عشرة ليلة، ولقيه بها وفد أذْرُح ووفد أيلة، فصَالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية، ثم قَفَل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ولم يجاوزها، وأنزل الله: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوا في ساعة العسرة) ، الآية،
(1) انظر "جعل" ، وأنها من حروف الاستعانة فيما سلف 11: 250، في كلام الطبري، والتعليق هناك رقم: 1، والتعليق على الأثر رقم: 13862.
(2) الأثر: 17446 - "عمر بن كثير بن أفلح المدني" ، مولى أبي أيوب الأنصاري، ثقة، ذكره ابن حبان في أتباع التابعين، وكأنه لم يصح عنده لقيه للصحابة. وذكر غيره أنه روى عن كعب بن مالك. وابن عمر، وسفينة. ومضى برقم: 12223.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 4: 454، 455، من هذه الطريق نفسها بنحوه.
والثلاثة الذين خلفوا: رَهْطٌ منهم: كعب بن مالك، وهو أحد بني سَلِمة، ومرارة بن ربيعة، وهو أحد بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية، وهو من بني واقف، وكانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة في بضعة وثمانين رجلا. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، صَدَقه أولئك حديثهم، واعترفوا بذنوبهم، وكذب سائرهم، فحلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حبسهم إلا العذر، فقبل منهم رسول الله وبايعهم، ووكَلَهم في سرائرهم إلى الله، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلام الذين خُلِّفوا، وقال لهم حين حدَّثوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم: قد صدقتم، فقوموا حتى يقضى الله فيكم. فلما أنزل الله القرآن، تاب على الثلاثة، وقال للآخرين: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم) ، حتى بلغ: (لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) [سورة التوبة: 95، 96] .
= قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبد الله بن كعب بن مالك = وكان قائد كعبٍ من بنيه حين عَمي = قال: سمعت كعب بن مالك يحدِّث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. قال كعب: لم أتخلَّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتبْ أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عِيرَ قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد. ولقد شهدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبُّ أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكرَ في الناس منها. (1)
= فكان من خبري حين تخلفت عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك،
(1) قوله: "أذكر" أي أشهر ذكرا.
أني لم أكن قط أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قطُّ حتى جمعْتُهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفاوِزَ، واستقبل عدوًّا كثيرًا، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهَّبُوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظٌ = يريد بذلك: الديوان = قال كعب: فما رجلٌ يريد أن يتغيّب إلا يظنَّ أن ذلك سيخفى، ما لم ينزل فيه وَحْيٌ من الله. وغزا رسول الله تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وأنا إليهما أصعَرُ. (1) فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، [فأرجع ولم أقض شيئًا، وأقول في نفسي: "أنا قادر على ذلك إذا أردت!" ، فلم يزل ذلك يتمادى بي، حتى استمرّ بالناس الجدُّ. فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديًا والمسلمون معه] ، (2) ولم أقض من جَهازي شيئًا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا. فلم يزل ذلك يتمادى [بي] ، (3) حتى أسرعوا وتفارط الغزْوُ، (4) وهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، فلم يُقْدَر ذلك لي. فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم يحزنني أنّي لا أرى لي أسوةً إلا رجلا مغموصًا عليه في النفاق، (5) أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سَلِمَة: يا رسول الله، حبسه بُرْداه، والنظر في عِطْفيْه! (6) [فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا] ! (7) فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا هو على ذلك، رأى رجلا مُبَيِّضًا يزول به السرابُ، (8) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة! فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدَّق بصاع التمر، فلمزه المنافقون. (9)
= قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجَّه قافلا من تبوك، حضرني بثِّي، (10) فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: "بم أخرج من سَخَطه غدًا" ؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي. فلما قيل: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظَلّ قادمًا!" ، زاح عني الباطل، (11) حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه، (12) وصَبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمًا، (13) وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك، جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا
(1) "أصعر" ، أي: أميل، على وزن "أفعل" التفضيل، وأصله من "الصعر" (بفتحتين) ، وهو ميل في الوجه، كأنه يلتفت إليه شوقا.
(2) الذي بين القوسين ساقط من المخطوطة، وأثبته من رواية مسلم في صحيحه. وكان في المطبوعة: ". . . لكي أتجهز معهم، فلم أقضي من جهازي شيئا" ، أما المخطوطة، فكان فيها ما يدل على أن الناسخ قد أسقط من الكلام: ". . . لكي أتجهز معهم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا" .
(3) الزيادة بين القوسين، من صحيح مسلم.
(4) "تفارط الغزو" ، أي فات وقته، ومثله "تفرط" ، وفي الحديث: "أنه نام عن العشاء حتى تفرطت" ، أي: فات وقتها.
(5) "أسوة" ، أي: قدوة ومثلا. و "المغموص عليه" ، من قولهم "غمص عليه قولا قاله" ، أي: عابه عليه، وطعن به عليه. ويعني: مطعونا في دينه، متهما بالنفاق.
(6) "النظر في عطفيه" ، كناية عن إعجابه بنفسه، واختياله بحسن لباسه. و "العطفان" ، الجانبان، فهو يتلفت من شدة خيلائه.
(7) الزيادة بين القوسين، من صحيح مسلم. وظاهر أن الناسخ أسقطها في نسخه.
(8) "المبيض" (بتشديد الباء وكسرها) ، هو لا بس البياض. و "يزول به السراب" ، أي: يرفعه ويخفضه، وإنما يحرك خياله.
(9) "لمزه" ، عابه وحقره.
(10) في المطبوعة: "حضرني همي" ، لم يحسن قراءة المخطوطة، والذي فيها مطابق لرواية مسلم في صحيحه. و "البث" ، أشد الحزن. وذلك أنه إذا اشتد حزن المرء، احتاج أن يفضي بغمه وحزنه إلى صاحب له يواسيه، أو يسليه، أو يتوجع له.
(11) "أظل قادما" ، أي: أقبل ودنا قدومه، كأنه ألقى على المدينة ظله. وقوله: "زاح عني الباطل" ، أي: زال وذهب وتباعد.
(12) "أجمعت صدقه" ، أي: عزمت على ذلك كل العزم، "أجمع صدقه" و "أجمع على صدقه" ، سواء.
(13) في المطبوعة: "وأصبح" ، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في صحيح مسلم.
بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. حتى جئتُ، فلما سلمت تبسم تبسُّم المغْضَب، ثم قال: تعالَ! فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سَخَطه بعذرٍ، لقد أعطيتُ جدلا (1) ولكني والله لقد علمت لئن حدَّثتك اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عني، ليوشكنّ الله أن يُسْخِطَك عليّ، ولئن حدثتك حديث صِدْق تَجدُ عليّ فيه، (2) إني لأرجو فيه عفوَ الله، (3) والله ما كان لي عُذْر! والله ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمّا هذا فقد صَدَق، قم حتى يقضي الله فيك! فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني وقالوا: والله ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا! لقد عجزتَ في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون، (4) فقد كان كافِيَك ذنبك استغفارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لك! قال: فوالله ما زالوا يؤنِّبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذّبَ نفسي! قال: ثم قلت لهم: هل لَقي هذا معي أحدٌ؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثلَ ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيع العامري، (5) وهلال بن أمية الواقفي. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة. (6) قال: فمضيت حين ذكروهما لي. (7)
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|