عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 18-07-2025, 11:53 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد

تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الرابع عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ براءة
الحلقة (790)
صــ 491 إلى صــ 500





اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمَّنْ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ) ، على وجه ما لم يسمَّ فاعله في الحرفين كليهما.
* * *
وقرأت ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: "أَفَمَنْ أُسِّس أبُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أُسِّس بُنْيَانَهُ" ، على وصف "من" بأنه الفاعل الذي أسس بنيانه. (1)
* * *
قال أبو جعفر: وهما قراءتان متفقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ. غير أن قراءته بتوجيه الفعل إلى "من" ، إذ كان هو المؤسس، (2) أعجبُ إليّ.
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: أيُّ هؤلاء الذين بنوا المساجد خير، أيها الناس، عندكم: الذين ابتدأوا بناء مسجدهم على اتقاء الله، بطاعتهم في بنائه، وأداء فرائضه ورضًى من الله لبنائهم ما بنوه من ذلك، وفعلهم ما فعلوه = خيرٌ، أم الذين ابتدأوا بناءَ مسجدهم على شفا جُرفٍ هارٍ؟
يعني بقوله: (على شفا جرف) ، على حرف جُرُف. (3)
* * *
و "الجرف" ، من الركايا، ما لم يُبْنَ له جُولٌ (4)
* * *
(1)
في المطبوعة: "على وصف من بناء الفاعل" ، وهو خلط في الكلام، صوابه ما في المخطوطة، وهو ما أثبته.

(2)
في المطبوعة: "إذا كان من المؤسس" وأثبت ما في المخطوطة، وهو محض صواب.

(3)
انظر تفسير "الشفا" فيما سلف 7: 85، 86.

(4)
في المطبوعة: "من الركي" ، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 269، وهذا نص كلامه.

و "الركايا" جمع "ركية" ، وتجمع أيضا على "ركي" ، بحذف التاء، وهي البئر. و "الجول" (بضم الجيم) ، هو جانب البئر والقبر إلى أعلاها من أسفلها.
وهذا التفسير الذي ذكره أبو عبيدة، لم أجده في تفسير الكلمة في كتب اللغة، ولكنه جائز صحيح المعنى، إن صحت روايته.
(هار) ، يعني متهوِّر. وإنما هو "هائر" ، ولكنه قلب، فأخرت ياؤها فقيل: "هارٍ" ، كما قيل: "هو شاكي السلاح" ، (1) و "شائك" ، وأصله من "هار يهور فهو هائر" ، وقيل: "هو من هارَ يهار" ، إذا انهدم. ومن جعله من هذه اللغة قال: "هِرْت يا جرف" ، ومن جعله "من هار يهور" ، قال: "هُرْت يا جرف" .
* * *
قال أبو جعفر: وإنما هذا مَثَلٌ. يقول تعالى ذكره: أيّ هذين الفريقين خير؟ وأيّ هذين البناءين أثبت؟ أمَن ابتدأ أساس بنائه على طاعة الله، وعلمٍ منه بأن بناءه لله طاعة، والله به راضٍ، أم من ابتدأه بنفاق وضلال، وعلى غير بصيرة منه بصواب فعله من خطئه، فهو لا يدري متى يتبين له خطأ فعله وعظيم ذنبه، فيهدمه، كما يأتي البناءُ على جرف ركيَّةٍ لا حابس لماء السيول عنها ولغيره من المياه، ثَرِيّةِ التراب متناثرة، (2) لا تُلْبِثه السيول أن تهدمه وتنثره؟
= يقول الله جل ثناؤه: (فانهار به في نار جهنم) ، يعني فانتثر الجرف الهاري ببنائه في نار جهنم. كما:-
17244- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (فانهار به) ، يعني قواعده = (في نار جهنم) . (3)
17245- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (فانهار به) ، يقول: فخرَّ به.
17246- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله) ، إلى قوله: (فانهار به في نار جهنم) ،
(1)
في المطبوعة: "شاك السلاح" ، والصواب ما في المخطوطة بالياء في آخره.

(2)
في المطبوعة: "ترى به التراب متناثرا" ، غير ما في المخطوطة، إذ كانت غير منقوطة، ويقال: "أرض ثرية" ، إذا كانت ذات ثرى وندى. و "ثريت الأرض فهي ثرية" ، إذا نديت ولانت بعد الجدوبة واليبس.

(3)
في المطبوعة، أسقط "يعني" .

قال: والله ما تناهَى أنْ وقع في النار. ذكر لنا أنه تحفَّرت بقعة منها، (1) فرُؤي منها الدخان.
17247- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: بنو عمرو بن عوف. استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في بنيانه، فأذن لهم، ففرغوا منه يوم الجمعة، فصلوا فيه الجمعة ويوم السبت ويوم الأحد. قال: وانهار يوم الاثنين. قال: وكان قد استنظرهم ثلاثًا، السبت والأحد والاثنين = (فانهار به في نار جهنم) ، مسجد المنافقين، انهار فلم يتناهَ دون أن وقع في النار = قال ابن جريج: ذكر لنا أن رجالا حفروا فيه، فأبصروا الدخان يخرج منه.
17248- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عبد الله الداناج، عن طلق بن حبيب، عن جابر قوله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا) ، قال: رأيت المسجد الذي بني ضرارًا يخرج منه الدخان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. (2)
17249- حدثنا محمد بن مرزوق البصري قال، حدثنا أبو سلمة قال، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عبد الله الداناج قال، حدثني طلق العنزي،
(1)
في المطبوعة: "أنه حفرت بقعة منه" ، وأثبت ما في المخطوطة. وقوله "تحفرت" أي: صارت فيها حفرة، وكأنه غيرها لأنها لم تذكر في كتب اللغة، ولكنها قياس عربي عريق.

وقوله "منها" أي: من أرض مسجد الضرار.
(2)
الأثر: 17248 - "عبد العزيز بن المختار الأنصاري، الدباغ" ، ثقة، روى له الجماعة. مضى برقم: 1685.

و "عبد الله الداناج" ، هو "عبد الله بن فيروز" و "دانا" بالفارسية، العالم. ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 136.
و "طلق بن حبيب العنزي" ، ثقة، سمع جابرا. مترجم في التهذيب، والكبير 2 / 2 / 360، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 490.
وهذا خبر صحيح الإسناد، خرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 279، وقال: "أخرجه مسدد في مسنده، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه، وابن مردويه" . وسيأتي بإسناد آخر في الذي يليه.
عن جابر بن عبد الله قال: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار. (1)
17250- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا خلف بن ياسين الكوفي قال: حججت مع أبي في ذلك الزمان = يعني: زمان بني أمية = فمررنا بالمدينة، فرأيت مسجد القبلتين = يعني مسجد الرسول = وفيه قبلة بيت المقدس، فلما كان زمان أبي جعفر، قالوا: يدخل الجاهل فلا يعرف القبلة! فهذا البناءُ الذي ترون، جرى على يَدِ عبد الصمد بن علي. ورأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله في القرآن، وفيه حجر يخرج منه الدخان، وهو اليوم مَزْبَلة. (2)
* * *
قوله: (والله لا يهدي القوم الظالمين) ، يقول: والله لا يوفق للرشاد في أفعاله، من كان بانيًا بناءه في غير حقه وموضعه، ومن كان منافقًا مخالفًا بفعله أمرَ الله وأمرَ رسوله.
* * *
القول في تأويل قوله: {لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لا يزال بنيان هؤلاء الذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا = (ريبة) ، يقول: لا يزال مسجدهم الذي بنوه = (ريبة في قلوبهم) ،
(1)
الأثر: 17249 - هو مكرر لأثر السالف.

"محمد بن مرزوق" ، هو "محمد بن محمد بن مرزوق الباهلي" . شيخ الطبري، مضى برقم 28: 8224.
و "أبو سلمة" ، هو: "موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي" ، ثقة. مضى برقم: 15202.
(2)
الأثر: 17250 - "سلام بن سالم الخزاعي" ، شيخ الطبري، مضى برقم: 252، 6529.

و "خلف بن ياسين الكوفي" ، مضى برقم: 252، ورواية "سلام بن سالم الخراعي" عنه. وذكر أخي السيد أحمد هناك أنه قد يكون "خلف بن ياسين بن معاذ الزيات" ، وهو كذاب. والظاهر أنه هو هو، لأن خلفا يروي في هذا الخبر عن أبيه، وأبوه "ياسين بن معاذ الزيات" ، وهو أيضا ضعيف متروك الحديث، وكان من كبار فقهاء الكوفة، روى عن الزهري، ومكحول، وحماد بن أبي سليمان، وهو مترجم في لسان الميزان 6: 238، والكبير 4 / 2 / 429، وقال: "يتكلمون فيه، منكر الحديث" ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 312، وذكر أنه قد روى عنه ابنه خلف، ولكنه لم يترجم "خلف بن ياسين بن معاذ" . وهذا الخبر الشاهد بأن "ياسين" أبا "خلف" ، كان على عهد بني أمية، ورواية خلف ابنه عنه، وشيوخ "ياسين" الذين روى عنهم، كل ذلك دال على صواب ما ذهب إليه أخي، من أن "خلف بن ياسين الكوفي" ، هو "خلف بن ياسين بن معاذ الزيات" .
يعني: شكًّا ونفاقًا في قلوبهم، يحسبون أنهم كانوا في بنائه مُحْسنين (1) = (إلا أن تقطع قلوبهم) ، يعني: إلا أن تتصدع قلوبهم فيموتوا = (والله عليم) ، بما عليه هؤلاء المنافقون الذين بنوا مسجد الضرار، من شكهم في دينهم، وما قصدوا في بنائهموه وأرادوه، وما إليه صائرٌ أمرهم في الآخرة، وفي الحياة ما عاشوا، وبغير ذلك من أمرهم وأمر غيرهم = (حكيم) ، في تدبيره إياهم، وتدبير جميع خلقه. (2)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
17251- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم) ، يعني شكًّا = (إلا أن تقطع قلوبهم) ، يعني الموت.
17252- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (ريبة في قلوبهم) ، قال: شكًّا في قلوبهم = (إلا أن تقطع قلوبهم) ، إلا أن يموتوا.
17253- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم) ، يقول: حتى يموتوا.
(1)
انظر تفسير "الريبة" فيما سلف ص: 275، تعليق: 3، والمراجع هناك.

(2)
انظر تفسير "عليم" و "حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة (علم) ، (حكم) .

17254- حدثني مطر بن محمد الضبي قال، حدثنا أبو قتيبة قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في قوله: (إلا أن تقطع قلوبهم) ، قال: إلا أن يموتوا. (1)
17255- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (إلا أن تقطع قلوبهم) ، قال: يموتوا.
17256- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (إلا أن تقطع قلوبهم) ، قال: يموتوا.
17257- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
17258- قال، حدثنا سويد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة والحسن: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم) ، قالا شكًّا في قلوبهم.
17259- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق الرازي قال، حدثنا أبو سنان، عن حبيب: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم) ، قال: غيظًا في قلوبهم.
17260- قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (إلا أن تقطع قلوبهم) ، قال: يموتوا.
17261- قال، حدثنا إسحاق الرازي، عن أبي سنان، عن حبيب: (إلا أن تقطع قلوبهم) ،: إلا أن يموتوا.
17262- قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن السدي: (ريبة في قلوبهم) ، قال: كفر. قلت: أكفر مجمّع بن جارية؟ قال: لا ولكنها حَزَازة.
(1)
الأثر: 17254 - "مطر بن محمد الضبي" ، انظر ما سلف رقم: 12198، 14610.

17263- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن السدي: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم) ، قال: حزازة في قلوبهم.
17264- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم) ، لا يزال ريبة في قلوبهم راضين بما صنعوا، كما حُبِّب العجل في قلوب أصحاب موسى. وقرأ: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) ، [سورة البقرة: 93] قال: حبَّه = (إلا أن تقطع قلوبهم) ، قال: لا يزال ذلك في قلوبهم حتى يموتوا = يعني المنافقين.
17265- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس، عن السدي، عن إبراهيم: (ريبة في قلوبهم) ، قال شكًّا. قال قلت: يا أبا عمران، تقول هذا وقد قرأت القرآن؟ قال: إنما هي حَزَازة.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: (إلا أن تقطع قلوبهم) .
فقرأ ذلك بعض قرأة الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة: (إِلا أَنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) ، بضم التاء من "تقطع" ، على أنه لم يسمَّ فاعله، وبمعنى: إلا أن يُقَطِّع الله قلوبهم.
* * *
وقرأ ذلك بعض قرأة المدينة والكوفة: (إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) ، بفتح التاء من "تقطع" ، على أن الفعل للقلوب. بمعنى: إلا أن تنقطّع قلوبهم، ثم حذفت إحدى التاءين.
* * *
وذكر أن الحسن كان يقرأ: "إِلَى أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ" ، بمعنى: حتى تتقطع قلوبهم. (1)
* * *
وذكر أنها في قراءة عبد الله: (وَلَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهُمْ) ، وعلى الاعتبار بذلك
(1)
انظر معاني القرآن للفراء 1: 452.

قرأ من قرأ ذلك: (إلا أَنْ تُقَطَّع) ، بضم التاء.
* * *
قال أبو جعفر: والقول عندي في ذلك أن الفتح في التاء والضم متقاربا المعنى، لأن القلوب لا تتقطع إذا تقطعت، إلا بتقطيع الله إياها، ولا يقطعها الله إلا وهي متقطعة. وهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرأة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في قراءته.
وأما قراءة ذلك: (إلَى أَنْ تَقَطَّعَ) ، فقراءةٌ لمصاحف المسلمين مخالفةٌ، ولا أرى القراءة بخلاف ما في مصاحفهم جائزةً.
* * *
القول في تأويل قوله: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الله ابتاعَ من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة = (وعدًا عليه حقًّا) = يقول: وعدهم الجنة جل ثناؤه، وعدًا عليه حقًّا أن يوفِّي لهم به، في كتبه المنزلة: التوراة والإنجيل والقرآن، إذا هم وَفَوا بما عاهدوا الله، فقاتلوا في سبيله ونصرةِ دينه أعداءَه، فقَتَلوا وقُتِلوا = (ومن أوفى بعهده من الله) ، يقول جل ثناؤه: ومن أحسن وفاءً بما ضمن وشرط من الله = (فاستبشروا) ، يقول ذلك للمؤمنين: فاستبشروا، أيها المؤمنون، الذين صَدَقوا الله فيما عاهدوا، ببيعكم أنفسكم وأموالكم بالذي بعتموها من ربكم به، فإن ذلك هو الفوز العظيم، (1) كما:-
(1)
انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.

17266- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية قال: ما من مسلم إلا ولله في عنقه بَيْعة، وَفى بها أو مات عليها، في قول الله: (إن الله اشترى من المؤمنين) ، إلى قوله: (وذلك هو الفوز العظيم) ، ثم حَلاهم فقال: (التائبون العابدون) ، إلى: (وبشر المؤمنين) .
17267- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) ، يعني بالجنة.
17268- قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن محمد بن يسار، عن قتادة: أنه تلا هذه الآية: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) ، قال: ثامَنَهُم الله، فأغلى لهم الثمن. (1)
17269- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن: أنه تلا هذه الآية: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) ، قال: بايعهم فأغلى لهم الثمن.
17270- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اشترط لربِّك ولنفسك ما شئت! قال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسَكم وأموالكم. قالوا: فإذا فعلنا ذلك، فماذا لنا؟ قال: الجنة! قالوا: ربح البيعُ، لا نُقيل ولا نستقيل! (2) فنزلت: (إن الله اشترى من المؤمنين) ، الآية.
(1)
"ثامنت الرجل في المبيع" ، إذا قاولته في ثمنه وفاوضته، وساومته على بيعه واشترائه.

(2)
"أقاله البيع يقيله إقالة" ، و "تقايلا البيعان" ، إذا فسخا البيع، وعاد المبيع إلى مالكه، والثمن إلى المشتري، إذا كان قد ندم أحدهما أو كلاهما. وتكون "الإقالة" في البيعة والعهد. و "استقاله" طلب إليه أن يقيله.

17271- قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبيد بن طفيل العبسي قال، سمعت الضحاك بن مزاحم، وسأله رجل عن قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم) ، الآية، قال الرجل: ألا أحمل على المشركين فأقاتل حتى أقتل؟ قال: ويلك! أين الشرط؟ (التائبون العابدون) . (1)
(1)
الأثر: 17271 - "عبيد بن طفيل العبسي" ، هو "الغطفاني" ، "أبو سيدان" ، و "عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان" ، ولكنه في كتب الرجال "الغطفاني" . وقد مضى برقم: 2547.

القول في تأويل قوله: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الله اشترى من المؤمنين التائبين العابدين أنفسهم وأموالهم = ولكنه رفع، إذ كان مبتدأ به بعد تمام أخرى مثلها. والعرب تفعل ذلك، وقد تقدَّم بياننا ذلك في قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) [سورة البقرة: 18] ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
ومعنى: "التائبون" ، الراجعون مما كرهه الله وسخطه إلى ما يحبُّه ويرضاه، (2) كما:-
17272- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام بن سلم، عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن في قول الله: (التائبون) ، قال: تابوا إلى الله من الذنوب كلها. (3)
(1)
انظر ما سلف 1: 330، 331.

(2)
انظر تفسير "تائب" فيما سلف من فهارس اللغة (توب) .

(3)
الأثر: 17272 - "ثعلبة بن سهيل الطهوي" ، ثقة، مضى برقم: 12273. مترجم في التهذيب، والكبير 1 / 2 / 175، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 464.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.33 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.70 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.33%)]