
18-07-2025, 12:21 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الرابع عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ براءة
الحلقة (782)
صــ 411 إلى صــ 420
على قبره، من أجل كثرة ماله وولده، فإني إنما أعطيته ما أعطيته من ذلك لأعذبه بها في الدنيا بالغموم والهموم، بما ألزمه فيها من المؤن والنفقات والزكوات، وبما ينوبه فيها من الرزايا والمصيبات، = (وتزهق أنفسهم) ، يقول: وليموت فتخرج نفسه من جسده، (1) فيفارق ما أعطيته من المال والولد، فيكون ذلك حسرة عليه عند موته، ووبالا عليه حينئذٍ، ووبالا عليه في الآخرة، بموته جاحدًا توحيدَ الله، ونبوةَ نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
17060- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن السدي: (وتزهق أنفسهم) ، في الحياة الدنيا.
* * *
القول في تأويل قوله: {وَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا أنزل عليك، يا محمد، سورة من القرآن، بأن يقال لهؤلاء المنافقين: (آمنوا بالله) ، يقول: صدِّقوا بالله = (وجاهدوا مع رسوله) ، يقول: اغزوا المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) = (استأذنك أولوا الطول منهم) ، يقول: استأذنك ذوو الغنى والمال منهم في التخلف عنك، والقعود في أهله (3) = (وقالوا ذرنا) ، يقول: وقالوا لك: دعنا، (4) نكن ممن يقعد في منزله مع ضعفاء الناس ومرضاهم، ومن لا يقدر على
(1) انظر تفسير "زهق" فيما سلف ص: 297.
(2) انظر تفسير "الجهاد" فيما سلف ص: 399، تعليق: 1، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير "الطول" فيما سلف 8: 182 - 185.
(4) انظر تفسير "ذر" فيما سلف 13: 291، تعليق: 2، والمراجع هناك.
الخروج معك في السفر. (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
17061- حدثنا علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (استأذنك أولوا الطول) ، قال: يعني أهل الغنى.
17062- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (أولوا الطول منهم) ، يعني: الأغنياء.
17063- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم) ، كان منهم عبد الله بن أبيّ، والجدُّ بن قيس. فنعى الله ذلك عليهم. (2)
* * *
(1) انظر تفسير "القعود" فيما سلف ص: 404، تعليق: 1، والمراجع هناك.
(2) الأثر: 17063 - سيرة ابن هشام 4: 197، وهو تابع الأثر السالف رقم: 17055، غير أن ابن هشام قال: "وكان ابن أبي من أولئك، فنعى الله ذلك عليه، وذكره منه" .
ولم يذكر هنا "الجد بن قيس" .
القول في تأويل قوله: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (87) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: رضي هؤلاء المنافقون = الذين إذا قيل لهم: آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله، استأذنك أهل الغنى منهم في التخلف عن الغزو والخروج معك لقتال أعداء الله من المشركين = أن يكونوا في منازلهم،
كالنساء اللواتي ليس عليهن فرض الجهاد، فهن قعود في منازلهنّ وبيوتهنّ (1) = (وطبع على قلوبهم) ، يقول: وختم الله على قلوب هؤلاء المنافقين = (فهم لا يفقهون) ، عن الله مواعظه، فيتعظون بها. (2)
* * *
وقد بينا معنى "الطبع" ، وكيف الختم على القلوب، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (3)
* * *
وبنحو الذي قلنا في معنى "الخوالف" قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
17064- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) ، قال: "الخوالف" هنّ النساء.
17065- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) ، يعني: النساء.
17066- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حبوية أبو يزيد، عن يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) ، قال: النساء.
17067- قال: حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: (مع الخوالف) ، قال: مع النساء.
17068- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
(1) انظر تفسير "الخوالف" فيما سلف ص: 405، تعليق 1، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير "فقه" فيما سلف ص: 399، تعليق: 4، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير "الطبع" فيما سلف 13: 10، تعليق: 1، والمراجع هناك.
قوله: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) ، أي: مع النساء.
17069- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة والحسن: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) ، قالا النساء.
17070- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
17071- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
17072- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) ، قال: مع النساء.
* * *
القول في تأويل قوله: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لم يجاهد هؤلاء المنافقون الذين اقتصصت قصصهم المشركين، لكن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والذين صدقوا الله ورسوله معه، هم الذين جاهدوا المشركين بأموالهم وأنفسهم، فأنفقوا في جهادهم أموالهم واتعبوا في قتالهم أنفسهم وبذلوها (1) = (وأولئك) ، يقول: وللرسول وللذين آمنوا معه الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم = (الخيرات) ، وهي خيرات الآخرة، وذلك: نساؤها، وجناتها، ونعيمها.
* * *
(1) انظر تفسير "الجهاد" فيما سلف ص: 411، تعليق: 2، والمراجع هناك.
= واحدتها "خَيْرَة" ، كما قال الشاعر: (1)
وَلَقَدْ طَعَنْتُ مَجَامِعَ الرَّبَلاتِ ... رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ (2)
و "الخيرة" ، من كل شيء، الفاضلة. (3)
* * *
= (وأولئك هم المفلحون) ، يقول: وأولئك هم المخلدون في الجنات، الباقون فيها، الفائزون بها. (4)
* * *
القول في تأويل قوله: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أعد الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وللذين آمنوا معه (5) = (جنات) ، وهي البساتين، (6) تجري من تحت أشجارها الأنهار = (خالدين فيها) ، يقول: لابثين فيها، لا يموتون فيها، ولا يظعنون عنها (7) = (ذلك الفوز العظيم) ، يقول: ذلك النجاء العظيم، والحظّ الجزيل. (8)
* * *
(1) لرجل من بني عدي، عدي تيم تميم، وهو جاهلي.
(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 267، واللسان (خير) ، و "الربلات" جمع "ربلة" (بفتح الراء وسكون الباء، أو فتحها) ، وهي لحم باطن الفخذ. عنى أمرًا قبيحًا. وقوله "خيرة" ، مؤنث "خير" ، صفة، لا بمعنى التفضيل، يقال: "رجل خير، وامرأة خيرة" ، فإذا أردت التفضيل قلت: "فلانة خير الناس" .
(3) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 267.
(4) انظر تفسير "الفلاح" فيما سلف 13: 574، تعليق: 2، والمراجع هناك.
(5) انظر تفسير "أعد" فيما سلف ص: 31، 267.
(6) انظر تفسير "الجنة" فيما سلف من فهارس اللغة (جنن) .
(7) انظر تفسير "الخلود" فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .
(8) انظر تفسير "الفوز" فيما سلف ص: 357، تعليق: 3، والمراجع هناك.
القول في تأويل قوله: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (وجاء) ، رسولَ الله صلى الله عليه وسلم = (المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم) ، في التخلف = (وقعد) ، عن المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه (1) = (الذين كذبوا الله ورسوله) ، وقالوا الكذب، واعتذرُوا بالباطل منهم. يقول تعالى ذكره: سيُصيب الذين جحدوا توحيد الله ونبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم منهم، عذابٌ أليم. (2)
* * *
فإن قال قائل: (وجاء المعذّرون) ، وقد علمت أن "المعذِّر" ، في كلام العرب، إنما هو: الذي يُعَذِّر في الأمر فلا يبالغ فيه ولا يُحكمه؟ وليست هذه صفة هؤلاء، وإنما صفتهم أنهم كانوا قد اجتهدوا في طلب ما ينهضون به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدوّهم، وحرصوا على ذلك، فلم يجدوا إليه السبيل، فهم بأن يوصفوا بأنهم: "قد أعذروا" ، أولى وأحق منهم بأن يوصفوا بأنهم "عذَّروا" . وإذا وصفوا بذلك، (3) فالصَّواب في ذلك من القراءة، ما قرأه ابن عباس، وذلك ما:-
17073- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك قال: كان ابن عباس يقرأ: (وَجَاءَ الْمُعْذِرُونَ) ، مخففةً، ويقول: هم أهل العذر.
= مع موافقة مجاهد إياه وغيره عليه؟
(1) انظر تفسير "القعود" فيما سلف ص: 412، تعليق: 1، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير "أليم" فيما سلف من فهارس اللغة (ألم) .
(3) في المطبوعة: "بأنهم عذروا، إذا وصفوا بذلك" ، كأنه متعلق بالسالف.
والصواب أنه ابتداء كلام، والواو في "وإذا" ثابتة في المخطوطة.
قيل: إن معنى ذلك على غير ما ذهبتَ إليه، وإن معناه: وجاء المعتذِرون من الأعراب = ولكن "التاء" لما جاورت "الذال" أدغمت فيها، فصُيِّرتا ذالا مشدَّدة، لتقارب مخرج إحداهما من الأخرى، كما قيل: "يذَّكَّرون" في "يتذكرون" ، و "يذكّر" في "يتذكر" وخرجت العين من "المعذّرين" إلى الفتح، لأن حركة التاء من "المعتذرين" ، وهي الفتحة، نقلت إليها، فحركت بما كانت به محركة. والعرب قد توجِّه في معنى "الاعتذار" ، إلى "الإعذار" ، فيقول: "قد اعتذر فلان في كذا" ، يعني: أعذر، (1) ومن ذلك قول لبيد:
إِلَى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُمَا ... ومَنْ يَبْكِ حَوْلا كَامِلا فَقَدِ اعتَذَرْ (2)
فقال: فقد اعتذر، بمعنى: فقد أعْذَر.
* * *
على أن أهل التأويل قد اختلفوا في صفة هؤلاء القوم الذين وصفهم الله بأنهم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم "معذِّرين" .
فقال بعضهم: كانوا كاذبين في اعتذارهم، فلم يعذرهم الله.
* ذكر من قال ذلك:
17074- حدثني أبو عبيدة عبد الوارث بن عبد الصمد قال، حدثني أبي، عن الحسين قال: كان قتادة يقرأ: (وجاء المعذرون من الأعراب) ، قال: اعتذروا بالكذب.
17075- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا يحيى بن زكريا، عن ابن جريج، عن مجاهد: (وجاء المعذرون من الأعراب) ، قال: نفر من بني غفار، جاءوا فاعتذروا، فلم يعذرهم الله.
* * *
= فقد أخبر من ذكرنا من هؤلاء: أن هؤلاء القوم إنما كانوا أهل اعتذار
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1: 447، 448.
(2) سلف البيت وتخريجه 1: 119، تعليق: 1.
بالباطل لا بالحق، فغير جائز أن يوصفوا بالإعذار، إلا أن يوصفوا بأنهم أعْذَرُوا في الاعتذار بالباطل. فأمّا بالحق = على ما قاله من حكينا قوله من هؤلاء = فغير جائز أن يوصَفوا به.
* * *
وقد كان بعضهم يقول: إنما جاءوا معذّرين غير جادِّين، يعرضون ما لا يريدون فعله. فمن وجَّهه إلى هذا التأويل فلا كلفة في ذلك، غير أني لا أعلم أحدًا من أهل العلم بتأويل القرآن وجَّه تأويله إلى ذلك، فأستحبُّ القول به. (1)
وبعدُ، فإن الذي عليه من القراءة قرأة الأمصار، التشديد في "الذال" ، أعني من قوله: (المُعَذّرُونَ) ، ففي ذلك دليلٌ على صحة تأويل من تأوله بمعنى الاعتذار، لأن القوم الذين وُصفوا بذلك لم يكلفوا أمرًا عَذَّرُوا فيه، وانما كانوا فرقتين: إما مجتهد طائع، وإما منافق فاسقٌ، لأمر الله مخالف. فليس في الفريقين موصوفٌ بالتعذير في الشخوص مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو معذّر مبالغٌ، أو معتَذِر.
فإذا كان ذلك كذلك، وكانت الحجة من القرأة مجمعة على تشديد "الذال" من "المعذرين" ، عُلم أن معناه ما وصفناه من التأويل.
* * *
وقد ذكر عن مجاهد في ذلك موافقة ابن عباس.
17076- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن حميد قال: قرأ مجاهد: (وَجاءَ المُعذَرُونَ) ، مخففةً، وقال: هم أهل العذر.
17077- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كان المعذرون، [فيما بلغني، نفرًا من بني غِفارٍ، منهم: خفاف بن أيماء بن
(1) في المطبوعة: "فاستحبوا" جمعًا، وإنما جاء الخطأ من سوء كتابة المخطوطة، لأنه أراد أن يكتب بعد آخر الباء واوًا، ثم عدل عن ذلك، فأخذ الناشر بما عدل عنه الناسخ! ! .
رَحَضة، ثم كانت القصة لأهل العذر، حتى انتهى إلى قوله: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم) ، الآية] . (1)
* * *
القول في تأويل قوله: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ليس على أهل الزمانة وأهل العجز عن السفر والغزو، (2) ولا على المرضى، ولا على من لا يجد نفقة يتبلَّغ بها إلى مغزاه = "حرج" ، وهو الإثم، (3) يقول: ليس عليهم إثم، إذا نصحوا لله ولرسوله في مغيبهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم = (ما على المحسنين من سبيل) ، يقول: ليس على من أحسن فنصح لله ولرسوله في تخلّفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجهاد معه، لعذر يعذر به، طريقٌ يتطرَّق عليه فيعاقب من قبله (4) = (والله غفور رحيم) ، يقول: والله ساتر على ذنوب المحسنين، يتغمدها بعفوه لهم عنها = (رحيم) ، بهم، أن يعاقبهم عليها. (5)
* * *
وذكر أن هذه الآية نزلت في "عائذ بن عمرو المزني" .
* * *
(1) الأثر: 17077 - سيرة ابن هشام 4: 197، وهو تابع الأثر السالف رقم: 17063. وكان هذا الخبر في المخطوطة والمطبوعة مبتورًا، أتممته من سيرة ابن هشام، ووضعت تمامه بين القوسين.
(2) انظر تفسير "الضعفاء" فيما سلف 5: 551 \ 8: 19.
(3) انظر تفسير "الحرج" فيما سلف 12: 295، تعليق: 2، والمراجع هناك.
(4) انظر تفسير "المحسن" و "السبيل" فيما سلف من فهارس اللغة (حسن) ، (سبل) .
(5) انظر تفسير "غفور" و "رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) ، (رحم) .
وقال بعضهم في "عبد الله بن مغفل" .
* * *
* ذكر من قال: نزلت في "عائذ بن عمرو" .
17078- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله) ، نزلت في عائذ بن عمرو.
* * *
* ذكر من قال: نزلت في "ابن مغفل" .
17079- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) ، إلى قوله: (حزنًا أن لا يجدوا ما ينفقون) ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه، فيهم "عبد الله بن مغفل المزني" ، فقالوا: يا رسول الله، احملنا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما أجد ما أحملكم عليه! فتولوا ولهم بكاءٌ، وعزيزٌ عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، (1) ولا يجدون نفقةً ولا محملا. فلما رأى الله حرصَهم على محبته ومحبة رسوله، أنزل عذرهم في كتابه فقال: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) ، إلى قوله: (فهم لا يعلمون) .
* * *
(1) في المطبوعة: "وعز عليهم" ، وأثبت ما في المخطوطة، وهو محض صواب.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|