
17-07-2025, 11:22 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,639
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الرابع عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ براءة
الحلقة (756)
صــ 151 إلى صــ 160
الله صلى الله عليه وسلم بأكلةٍ أطعمهموها أبو سفيان بن حرب.
16514- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلا) ، قال: أبو سفيان بن حرب أطعم حلفاءه، وترك حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم.
16515- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
* * *
وأما قوله: (فصدوا عن سبيله) ، فإن معناه: فمنعوا الناس من الدخول في الإسلام، وحاولوا ردَّ المسلمين عن دينهم (1) = (إنهم ساء ما كانوا يعلمون) ، يقول جل ثناؤه: إن هؤلاء المشركين الذين وصفت صفاتهم، ساء عملهم الذي كانوا يعملون، من اشترائهم الكفرَ بالإيمان، والضلالة بالهدى، وصدهم عن سبيل الله من آمن بالله ورسوله، أو من أراد أن يؤمن. (2)
* * *
القول في تأويل قوله: {لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لا يتقي هؤلاء المشركون الذين أمرتكم، أيها المؤمنون، بقتلهم حيث وجدتموهم، في قتل مؤمن لو قدورا عليه = (إلا ولا ذمة) ، يقول: فلا تبقوا عليهم، أيها المؤمنون، كما لا يبقون عليكم لو ظهروا عليكم (3) = (وأولئك هم المعتدون) ، يقول: المتجاوزون فيكم إلى ما ليس لهم بالظلم والاعتداء. (4)
* * *
(1) انظر تفسير "الصد" فيما سلف 13: 581، تعليق: 2، والمراجع هناك.
= وتفسير "سبيل الله" في سلف من فهارس اللغة (سبل) .
(2) انظر تفسير "ساء" فيما سلف 13: 275، تعليق: 2، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير "الإل" و "الذمة" فيما سلف قريبا ص: 145 - 149.
(4) انظر تفسير "الاعتداء" فيما سلف 13: 182، تعليق: 2، والمراجع هناك.
القول في تأويل قوله: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) }
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: فإن رجع هؤلاء المشركون الذين أمرتكم، أيها المؤمنون، بقتلهم عن كفرهم وشركهم بالله، إلى الإيمان به وبرسوله، وأنابوا إلى طاعته = (وأقاموا الصلاة) ، المكتوبة، فأدّوها بحدودها = (وآتوا الزكاة) ، المفروضة أهلَها (1) = (فإخوانكم في الدين) ، يقول: فهم إخوانكم في الدين الذي أمركم الله به، وهو الإسلام = (ونفصل الآيات) ، يقول: ونبين حجج الله وأدلته على خلقه (2) = (لقوم يعلمون) ، ما بُيِّن لهم، فنشرحها لهم مفصلة، دون الجهال الذين لا يعقلون عن الله بيانه ومحكم آياته.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16516- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) ، يقول: إن تركوا اللات والعزّى، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله = (فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون) .
16517- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث، عن ليث،
(1) انظر تفسير "التوبة" و "إقامة الصلاة" و "إيتاء الزكاة" في فهارس اللغة (توب) ، (قوم) ، (أتى) .
(2) انظر تفسير "التفصيل" فيما سلف 13: 252، تعليق: 1، والمراجع هناك.
= وتفسير "الآيات" فيما سلف من فهارس اللغة (أيى) .
عن رجل، عن ابن عباس: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) ، قال: حرَّمت هذه الآية دماءَ أهل القِبْلة.
16518- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعًا لم يفرَّق بينهما. وقرأ: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) ، وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة. وقال: رحم الله أبا بكر، ما كان أفقهه.
16519- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: أمرتم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له.
* * *
وقيل: (فإخوانكم) ، فرفع بضمير: "فهم إخوانكم" ، إذ كان قد جرى ذكرهم قبل، كما قال: (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) ، [سورة الأحزاب: 5] ، فهم إخوانكم في الدين. (1)
* * *
القول في تأويل قوله: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فإن نقض هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم من قريش، عهودَهم من بعد ما عاقدوكم أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدًا من أعدائكم (2) = (وطعنوا في دينكم) ، يقول: وقدَحوا في دينكم الإسلام،
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1: 425.
(2) انظر تفسير "نكث" فيما سلف 13: 73.
فثلبوه وعابوه (1) = (فقاتلوا أئمة الكفر) ، يقول: فقاتلوا رؤساء الكفر بالله (2) = (إنهم لا أيمان لهم) ، يقول: إن رؤساء الكفر لا عهد لهم (3) = (لعلهم ينتهون) ، لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم. (4)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، على اختلاف بينهم في المعنيِّين بأئمة الكفر.
فقال بعضهم: هم أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب ونظراؤهم. وكان حذيفة يقول: لم يأت أهلها بعدُ.
* ذكر من قال: هم من سمَّيتُ:
16520- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم) ، إلى: (لعلهم ينتهون) ، يعني أهل العهد من المشركين، سماهم "أئمة الكفر" ، وهم كذلك. يقول الله لنبيه: وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم، فقاتلهم، أئمةُ الكفر لا أيمان لهم (5) = (لعلهم ينتهون) .
16521- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم) ، إلى: (ينتهون) ، فكان من أئمة الكفر: أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان، وسهيل بن عمرو، وهم الذين همُّوا بإخراجه.
16522- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر،
(1) في المطبوعة: "فثلموه" ، والصواب من المخطوطة.
(2) انظر تفسير "الإمام" فيما سلف 3: 18.
(3) انظر تفسير "اليمين" فيما سلف 8: 272، 273، 281.
(4) انظر تفسير "الانتهاء" فيما سلف 13: 543، تعليق: 3، والمراجع هناك.
(5) أثبتت ما في المخطوطة، وهو صواب محض، وصححها في المطبوعة هكذا، كما ظن: "فقاتل أئمة الكفر لأنهم لا أيمان له" فزاد وغير! ! .
عن قتادة: (أئمة الكفر) ، أبو سفيان، وأبو جهل، وأمية بن خلف، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن ربيعة.
16523- حدثنا ابن وكيع وابن بشار = قال، ابن وكيع، حدثنا غندر = وقال ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر=، عن شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم) ، قال: أبو سفيان منهم.
16524- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (وإن نكثوا أيمانهم) ، إلى: (ينتهون) ، هؤلاء قريش. يقول: إن نكثوا عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام، وطعنوا فيه، فقاتلهم. (1)
16525- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (فقاتلوا أئمة الكفر) ، يعني رؤوسَ المشركين، أهلَ مكة.
16526- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (فقاتلوا أئمة الكفر) ، أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله، وهمُّوا بإخراج الرسول. وليس والله كما تأوَّله أهل الشبهات والبدع والفِرَى على الله وعلى كتابه. (2)
* * *
* ذكر الرواية عن حذيفة بالذي ذكرنا عنه:
16527- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة: (فقاتلوا أئمة الكفر) ، قال: ما قوتل أهلُ هذه الآية بعدُ. (3)
(1) في المطبوعة: "فقاتلوهم" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) "الفرى" (بكسر ففتح) جمع "فرية" ، وهي الكذب. ويعني بذلك الخوارج، فهم يستدلون بهذه الآية على قتال من خالفهم من أهل القبلة، ويستحلون بها دماءهم وأموالهم.
(3) الأثر: 16527 - "زيد بن وهب الهمداني الجهني" ، تابعي مخضرم، سمع عمر، وعبد الله، وحذيفة، وأبا الدرداء. روى له الجماعة. مضى برقم: 4222.
وهذا الخبر رواه البخاري مطولا (الفتح 8: 243) ، بغير هذا اللفظ، من طريق محمد بن المثني، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زيد بن وهب قال، كنا عند حذيفة. . . ""
وانظر الآثر التالي، والذي بعده.
16528- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا حبيب بن حسان، عن زيد بن وهب قال: كنت عند حذيفة، فقرأ هذه الآية: (فقاتلوا أئمة الكفر) ، فقال: ما قوتل أهل هذه الآية بعدُ. (1)
16529- حدثني أبو السائب قال، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب قال: قرأ حذيفة: (فقاتلوا أئمة الكفر) ، قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعدُ. (2)
16530- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر: (إنهم لا أيمان لهم) ، لا عهد لهم. (3)
16531- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (وإن نكثوا أيمانهم) ، قال: عهدهم.
16532- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (وإن نكثوا أيمانهم) ، عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام.
16533- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن عمار بن ياسر، في قوله: (لا أيمان لهم) ، قال: لا عهد لهم. (4)
(1) الأثر 16528 - مكرر الأثر السالف، وانظر تخريجه هناك. و "حبيب بن حسان" ، هو "حبيب بن أبي الأشرس" ، وهو "حبيب بن أبي هلال" ، منكر الحديث، متروك قال ابن حبان: "منكر الحديث جدا، وكان قد عشق نصرانية، فقيل إنه تنصر وتزوج بها. فأما اختلافه إلى البيعة من أجلها فصحيح" . وقال يحيى بن معين: "كانت له جاريتان نصرانيتان، فكان يذهب معهما إلى البيعة" .
مترجم في الكبير 1 / 2 / 311، وميزان الاعتدال 1: 209، 211، ولسان الميزان 2: 167، 170.
(2) الأثر: 16529 - مكرر الأثرين السالفين.
(3) الأثر: 16530 - "صلة ابن زفر العبسي" تابعي ثقة. روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير 2 / 2 / 322، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 446.
وانظر رقم: 16533، مرفوعا إلى عمار بن ياسر. ورقم: 16534 مرفوعا إلى حذيفة.
(4) الأثر: 16533 - مكرر الأثر رقم 16530، مرفوعا إلى عمار بن ياسر.
و "صلة" ، هو "صلة بن زفر العبسي" كما سلف.
16534- حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة في قوله: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم) ، قال: لا عهد لهم. (1)
* * *
وأما "النكث" فإن أصله النقض، يقال منه: "نكث فلان قُوَى حبله" ، إذا نقضها. (2)
* * *
و "الأيمان" : جمع "اليمين" . (3)
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: (إنهم لا أيمان لهم) .
فقرأه قرأة الحجاز والعراق وغيرهم: (إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ) ، بفتح الألف من "أيمان" بمعنى: لا عهود لهم، على ما قد ذكرنا من قول أهل التأويل فيه.
* * *
وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: (إِنَّهُمْ لا إِيمَانَ لَهُمْ) ، بكسر الألف، بمعنى: لا إسلام لهم.
* * *
وقد يتوجَّه لقراءته كذلك وجهٌ غير هذا. وذلك أن يكون أراد بقراءته ذلك كذلك: أنهم لا أمان لهم = أي: لا تؤمنوهم، ولكن اقتلوهم حيث وجدتموهم = كأنه أراد المصدر من قول القائل: "آمنته فأنا أومنه إيمانًا" . (4)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك، الذي لا أستجيز القراءة بغيره، قراءة من قرأ بفتح "الألف" دون كسرها، لإجماع الحجة من القرأة على
(1) الأثر: 16534 - مكرر الأثرين السالفين مرفوعا إلى حذيفة.
(2) انظر تفسير "النكث" فيما سلف ص: 153، وتعليق: 2 والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير "اليمين" فيما سلف ص: 154، تعليق: 3، والمراجع هناك.
(4) انظر معاني القرآن للفراء 1: 425.
القراءة به، ورفض خلافه، ولإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من أن تأويله: لا عهد لهم = و "الأيمان" التي هي بمعنى العهد، لا تكون إلا بفتح "الألف" ، لأنها جمع "يمين" كانت على عقدٍ كان بين المتوادعين.
* * *
القول في تأويل قوله: {أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله، حاضًّا لهم على جهاد أعدائهم من المشركين: (ألا تقاتلون) ، أيها المؤمنون، هؤلاء المشركين الذين نقضوا العهد الذي بينكم وبينهم، وطعنوا في دينكم، وظاهروا عليكم أعداءكم، (1) = (وهموا بإخراج الرسول) ، من بين أظهرهم فاخرجوه (2) = (وهم بدءوكم أول مرة) ، بالقتال، يعني فعلهم ذلك يوم بدر، وقيل: قتالهم حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة = (أتخشونهم) ، يقول: أتخافونهم على أنفسكم فتتركوا قتالهم خوفًا على أنفسكم منهم (3) = (فالله أحق أن تخشوه) ، يقول: فالله أولى بكم أن تخافوا عقوبته بترككم جهادهم، وتحذروا سخطه عليكم، من هؤلاء المشركين الذين لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا إلا بإذن الله = (إن كنتم مؤمنين) ، يقول: إن كنتم مقرِّين أن خشية الله لكم أولى من خشية هؤلاء المشركين على أنفسكم.
* * *
(1) انظر تفسير "النكث" ، ص: 157، تعليق: 2، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير "الهم" فيما سلف 9: 199 / 10: 100.
(3) انظر تفسير "الخشية" فيما سلف 10، 344، تعليق: 1، والمراجع هناك.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16535- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم) ، من بعد عهدهم = (وهموا بإخراج الرسول) ، يقول: هموا بإخراجه فأخرجوه = (وهم بدأوكم أول مرة) ، بالقتال.
16536- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وهم بدأوكم أول مرة) ، قال: قتال قريش حلفاءَ محمد صلى الله عليه وسلم.
16537- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
16538- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
16539- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: أمر الله رسوله بجهاد أهل الشرك ممن نقض من أهل العهد الخاص، (1) ومن كان من أهل العهد العامّ، بعد الأربعة الأشهر التي ضرب لهم أجلا إلا أن يعدُوَ فيها عادٍ منهم، فيقتل بعدائه، (2) ثم قال: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول) ، إلى قوله: (والله خبير بما تعملون) . (3)
* * *
(1) في المطبوعة والمخطوطة أسقط "الخاص" وأثبتها من ابن هشام.
(2) في المطبوعة: "إلا أن يعودوا فيها على دينهم فيقبل بعد ثم قال" ، وهو كلام لا معنى له البتة وفي المخطوطة: "إلا أن يعودوا فيها على دينهم فيقتل بعدائه، فقال" ، وقد دخلها تحريف شديد، فقوله: "يعودوا" ، هو تحريف: "يعدو" و "على دينهم" ، صوابها "عاد منهم" ، فأساء كتابتها، والصواب من سيرة ابن هشام.
(3) الأثر: 16539 - سيرة ابن هشام 4: 191، وهو تابع الأثر السالف قديما رقم: 16377.
القول في تأويل قوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قاتلوا، أيها المؤمنون بالله ورسوله، هؤلاء المشركين الذين نكثوا أيمانهم، ونقضوا عهودهم بينكم وبينهم، وأخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم = (يعذبهم الله بأيديكم) ، يقول: يقتلهم الله بأيديكم = (ويخزهم) ، يقول: ويذلهم بالأسر والقهر (1) = (وينصركم عليهم) ، فيعطيكم الظفر عليهم والغلبة = (ويشف صدور قوم مؤمنين) ، يقول: ويبرئ داء صدور قوم مؤمنين بالله ورسوله، بقتل هؤلاء المشركين بأيديكم، وإذلالكم وقهركم إياهم. وذلك الداء، هو ما كان في قلوبهم عليهم من الموْجِدة بما كانوا ينالونهم به من الأذى والمكروه.
* * *
وقيل: إن الله عنى بقوله: (ويشف صدور قوم مؤمنين) ،: صدورَ خزاعة حلفاءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أن قريشًا نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعونتهم بكرًا عليهم.
* ذكر من قال ذلك:
16540- حدثنا محمد بن المثنى وابن وكيع قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في هذه الآية: (ويشف صدور قوم مؤمنين) ، قال: خزاعة.
16541- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، عن أسباط، عن السدي: (ويشف صدور قوم مؤمنين) ، قال: خزاعة، يشف صدورهم من بني بكر.
(1) انظر تفسير "الإخزاء" فيما سلف ص: 112، تعليق: 1، والمراجع هناك.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|