عرض مشاركة واحدة
  #754  
قديم 17-07-2025, 11:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,144
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد

تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الرابع عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ براءة
الحلقة (754)
صــ 131 إلى صــ 140





القول في تأويل قوله: {فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (فإن تبتم) ، من كفركم، أيها المشركون، ورجعتم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له = دون الآلهة والأنداد (1) = فالرجوع إلى ذلك (خير لكم) ، من الإقامة على الشرك في الدنيا والآخرة = (وإن توليتم) ، يقول: وإن أدبرتم عن الإيمان بالله وأبيتم إلا الإقامة على شرككم = (فاعلموا أنكم غير معجزي الله) ، يقول: فأيقنوا أنكم لا تُفِيتون الله بأنفسكم من أن يحلّ بكم عذابه الأليم وعقابه الشديد، على إقامتكم على الكفر، (2) كما فعل بمن قبلكم من أهل الشرك من إنزال نقمه به، (3) وإحلاله العذاب عاجلا بساحته = (وبشر الذين كفروا) ، يقول: واعلم، يا محمد، الذين جحدوا نبوتك وخالفوا أمر ربهم (4) = (بعذاب) ، موجع يحلُّ بهم. (5)
16470- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قوله: (فإن تبتم) ، قال: آمنتم.
* * *
(1)
انظر تفسير "التوبة" فيما سلف من فهارس اللغة (توب) .

(2)
انظر تفسير "الإعجاز" فيما سلف ص 111، تعليق: 1، والمراجع هناك.

(3)
في المطبوعة: "كما فعل بذويكم من أهل الشرك" ، وفي المخطوطة: "كما فعل برونكم" ، ولا أدري ما هو، فآثرت أن أجعلها "بمن قبلكم" لتستقيم الضمائر بعد ذلك.

(4)
انظر تفسير "بشر" فيما سلف 13: 418، تعليق: 1، والمراجع هناك.

(5)
انظر تفسير "أليم" فيما سلف من فهارس اللغة (ألم) .


القول في تأويل قوله: {إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله) ،، إلا من عَهْدِ الذين عاهدتم من المشركين، أيها المؤمنون (1) = (ثم لم ينقصوكم شيئا) ، من عهدكم الذي عاهدتموهم = (ولم يظاهروا عليكم أحدًا) ، من عدوكم، فيعينوهم بأنفسهم وأبدانهم، ولا بسلاح ولا خيل ولا رجال (2) = (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) ، يقول: فَفُوا لهم بعهدهم الذي عاهدتموهم عليه، (3) ولا تنصبوا لهم حربًا إلى انقضاء أجل عهدهم الذي بينكم وبينهم = (إن الله يحب المتقين) ، يقول: إن الله يحب من اتقاه بطاعته، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. (4)
16471- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) ، يقول: إلى أجلهم.
16472- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (إلا الذين عاهدتم من المشركين) ،: أي العهد الخاص إلى الأجل المسمى = (ثم لم ينقصوكم شيئا) ، الآية. (5)
(1)
انظر تفسير "المعاهدة" فيما سلف ص: 21، تعليق: 2، والمراجع هناك.

(2)
انظر تفسير "المظاهرة" فيما سلف 2: 304.

(3)
انظر تفسير "الإتمام" فيما سلف 13: 87، تعليق 1، والمراجع هناك.

(4)
انظر تفسير "التقوى" فيما سلف من فهارس اللغة (وقى) .

(5)
الأثر: 16472 - سيرة ابن هشام 2: 188، وهو تابع الأثر السالف رقم: 16469.

16473- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا) ، الآية، قال: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر. فأمر الله نبيه أن يوفي لهم بعهدهم إلى مدتهم، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمره بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن لا يقبل منهم إلا ذلك.
16474- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: مدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل "براءة" أربعة أشهر، من يوم أذن ببراءة إلى عشر من شهر ربيع الآخر، وذلك أربعة أشهر. فإن نقضَ المشركون عهدهم، وظاهروا عدوًّا فلا عهد لهم. وإن وفوْا بعهدهم الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يظاهروا عليه عدوًّا، فقد أمر أن يؤدِّي إليهم عهدهم ويفي به.
* * *
القول في تأويل قوله: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) }
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) ، فإذا انقضى ومضى وخرج.
* * *
يقال منه: سلخنا شهر كذا نسلَخه سَلْخًا وسُلُوخًا، بمعنى: خرجنا منه. ومنه قولهم: "شاة مسلوخة" ، بمعنى: المنزوعة من جلدها، المخرجة منه. (1)
* * *
ويعني بـ "الأشهر الحرم" ، ذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم. (2)
وإنما أريد في هذا الموضع انسلاخ المحرم وحده، لأن الأذان كان ببراءة يوم الحج الأكبر. فمعلوم أنهم لم يكونوا أجَّلوا الأشهرَ الحرم كلَّها = وقد دللنا على صحة ذلك فيما مضى = ولكنه لما كان متصلا بالشهرين الآخرين قبله الحرامين، وكان هو لهما ثالثًا، وهي كلها متصل بعضها ببعض، قيل: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم" ، ومعنى الكلام: فإذا انقضت الأشهر الحرم الثلاثة عن الذين لا عهد لهم، أو عن الذين كان لهم عهد فنقضوا عهدهم بمظاهرتهم الأعداءَ على رسول الله وعلى أصحابه، أو كان عهدهم إلى أجل غيره معلوم.
* * *
= (فاقتلوا المشركين) ، يقول: فاقتلوهم = (حيث وجدتموهم) ، يقول: حيث لقيتموهم من الأرض، في الحرم، وغير الحرم في الأشهر الحرم وغير الأشهر الحرم = (وخذوهم) يقول: وأسروهم = (واحصروهم) ، يقول: وامنعوهم من التصرف في بلاد الإسلام ودخول مكة = (واقعدوا لهم كل مرصد) ، يقول: واقعدوا لهم بالطلب لقتلهم أو أسرهم = "كل مرصد" ، يعني: كل طريق ومرقَب.
* * *
وهو "مفعل" ، من قول القائل: "رصدت فلانًا أرصُده رَصْدًا" ، بمعنى: رقبته.
* * *
(فإن تابوا) ، يقول: فإن رجعوا عما نهاهم عليه من الشرك بالله وجحود نبوة نبيه محمد
(1)
انظر تفسير "الانسلاخ" فيما سلف 13: 260.

(2)
انظر تفسير "الأشهر الحرم" فيما سلف 3: 575 - 579 / 9: 456، 466 / 11: 91، 94.

صلى الله عليه وسلم، (1) إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد، والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم = (وأقاموا الصلاة) ، يقول: وأدّوا ما فرض الله عليهم من الصلاة بحدودها = وأعطوا الزكاة التي أوجبها الله عليهم في أموالهم أهلها (2) = (فخلوا سبيلهم) ، يقول: فدعوهم يتصرفون في أمصاركم، ويدخلون البيت الحرام = (إن الله غفور رحيم) ، لمن تاب من عباده = فأناب إلى طاعته، بعد الذي كان عليه من معصيته، ساتر على ذنبه، رحيم به، أن يعاقبه على ذنوبه السالفة قبل توبته، بعد التوبة. (3)
* * *
وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في الذين أجِّلوا إلى انسلاخ الأشهر الحرم.
* * *
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16475- حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا يشرك له شيئًا، فارقها والله عنه راضٍ = قال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هَرْج الأحاديث، (4) واختلاف الأهواء. وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله، قال الله: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) ، قال: توبتهم، خلع الأوثان، وعبادة ربهم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ
(1)
انظر تفسير "التوبة" فيما سلف من فهارس اللغة (تاب) .

(2)
انظر تفسير "إقامة الصلاة" ، و "إيتاء الزكاة" فيما سلف منم فهارس اللغة (قوم) ، (أتى) .

(3)
انظر تفسير "غفور" و "رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) ، (رحم) .

(4)
"هرج الأحاديث" ، الإكثار فيها، واختلاف المختلفين، واختلاط أصواتهم.

وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) ، [سورة التوبة: 11] . (1)
16476- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ، حتى ختم آخر الآية. وكان قتادة يقول: خلوا سبيل من أمركم الله أن تخلوا سبيله، فإنما الناس ثلاثة: رَهْط مسلم عليه الزكاة، ومشرك عليه الجزية، وصاحب حرب يأمن بتجارته في المسلمين إذا أعطى عُشُور ماله.
16477- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) ، وهي الأربعة التي عددت لك = يعني: عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيعًا الأول، وعشرًا من شهر ربيع الآخر.
* * *
وقال قائلو هذه المقالة: قيل لهذه: "الأشهر الحرم" ، لأن الله عز وجل حرّم على المؤمنين فيها دماءَ المشركين، والعَرْضَ لهم إلا بسبيلِ خيرٍ. (2)
* ذكر من قال ذلك:
(1)
الأثر: 16475 - "عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى بن هلال الأسدي" ، شيخ الطبري، ثقة، مضى برقم: 11125.

و "عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي" ، روى له الجماعة، سلف مرارا، آخرها: 13177. وسائر رجال السند، ثقات، مضوا جميعا، إلا أبا جعفر الرازي، فقد تكلموا فيه، وهو ثقة إن شاء الله
وهذا الخبر رواه ابن ماجه في سننه: 27، رقم: 70، من طريقتين: من طريق نصر بن علي الجهضمي، عن أبي أحمد، عن أبي جعفر الرازي، ثم من طريق أبي حاتم، عن عبيد الله بن موسى العبسي، عن أبي جعفر، بمثله.
ورواه الحاكم في المستدرك 2: 331، 332 عن طريق إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي جعفر الرازي، ولم يقل فيه: "قال أنس: وهو دين الله. . .، بل ساقه مدرجا في الحديث، ثم قال:" وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، وافقه الذهبي، إلا أنه استدرك عليه فقال:" صدر الخبر مرفوع، وسائره مدرج فيما أرى "، وصدق الذهبي."
(2)
في المطبوعة والمخطوطة: "والعرض لهم" ، وهو بمعنى "التعرض" .

16478- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن إبراهيم بن أبي بكر: أنه أخبره عن مجاهد وعمرو بن شعيب في قوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) ، أنها الأربعة التي قال الله: (فسيحوا في الأرض) ، قال: هي "الحُرم" ، من أجل أنهم أومنوا فيها حتى يسيحوها. (1)
16479- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) ، قال: ضُرِب لهم أجلُ أربعة أشهر، وتبرأ من كل مشرك. ثم أمر إذا انسلخت تلك الأشهر الحرم = (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد) ، لا تتركوهم يضربون في البلاد، ولا يخرجوا لتجارة، (2) ضَيِّقوا عليهم بعدها. ثم أمر بالعفو (3) (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) ،.
16480- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) ، يعني: الأربعة التي ضربَ الله لهم أجلا = لأهل العهد العامّ من المشركين = (فاقتلوهم حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد) ، الآية. (4)
* * *
(1)
الأثر: 16478 - "إبراهيم بن أبي بكر الأخنسي" ، ثقة، مضى برقم: 10758.

(2)
في المطبوعة: "ولا يخرجون للتجارة" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(3)
في المخطوطة: "بعد ما أمر بالعفو" ، وفي المطبوعة: "بعدها أمر بالعفو" ، وصواب السياق يقتضي ما أثبت، وزيادة "ثم" .

(4)
الأثر: 16480 - سيرة ابن هشام 3: 189، وهو تابع الأثر السالف رقم: 16472، قوله: "لأهل العهد العام من المشركين" ، من كلام أبي جعفر، استظهارا مما سلف قبله في السيرة، وفي رقم: 16356.

القول في تأويل قوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن استأمنك، يا محمد، من المشركين، الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، أحدٌ ليسمع كلام الله منك = وهو القرآن الذي أنزله الله عليه = (فأجره) ، يقول: فأمّنه حتى يسمع كلام الله وتتلوه عليه = (ثم أبلغه مأمنه) ، يقول: ثم رُدَّه بعد سماعه كلام الله إن هو أبَي أن يسلم، ولم يتعظ لما تلوته عليه من كلام الله فيؤمن = "إلى مأمنه" ، يقول: إلى حيث يأمن منك وممن في طاعتك، حتى يلحق بداره وقومه من المشركين (1) = (ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) ، يقول: تفعل ذلك بهم، من إعطائك إياهم الأمان ليسمعوا القرآن، وردِّك إياهم إذا أبوا الإسلام إلى مأمنهم، من أجل أنهم قوم جهلة لا يفقهون عن الله حجة، ولا يعلمون ما لهم بالإيمان بالله لو آمنوا، وما عليهم من الوِزْر والإثم بتركهم الإيمان بالله.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
16481- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (وإن أحد من المشركين استجارك) ، أي: من هؤلاء الذين أمرتك بقتالهم، (فأجره) . (2)
(1)
انظر تفسير "الأمن" فيما سلف 13: 420، تعليق 1، والمراجع هناك.

(2)
الأثر: 16481 - سيرة ابن هشام 4: 189، وهو تابع الأثر السالف رقم: 16480.

16482- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (فأجره حتى يسمع كلام الله) ، أما "كلام الله" ، فالقرآن.
16483- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره) ، قال: إنسان يأتيك فيسمع ما تقول، ويسمع ما أنزل عليك، فهو آمنٌ حتى يأتيك فيسمع كلام الله، وحتى يبلغ مأمنه، حيث جاءه. (1)
16484- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
16485- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد قال: خرج رسوله الله صلى الله عليه وسلم غازيًا، فلقي العدوَّ، وأخرج المسلمون رجلا من المشركين وأشرعوا فيه الأسنّة، فقال الرجل: ارفعوا عني سلاحكم، وأسمعوني كلام الله! فقالوا: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وتخلع الأنداد، وتتبرأ من اللات والعزى! فقال: فإنّي أشهدكم أني قد فعلت.
16486- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ثم أبلغه مأمنه) ، قال: إن لم يوافقه ما تتلو عليه وتحدثه، (2) فأبلغه. قال: وليس هذا بمنسوخ.
* * *
واختلفت في حكم هذه الآية، وهل هو منسوخ أو هو غير منسوخ؟
فقال بعضهم: هو غير منسوخ. وقد ذكرنا قول من قال ذلك.
* * *
وقال آخرون: هو منسوخ.
(1)
في المطبوعة: "حيث جاء" ، والصواب من المخطوطة.

(2)
في المخطوطة والمطبوعة: "ما تقول عليه وتحدثه" ، وفي المخطوطة فوق "تقول" حرف (ط) دلالة على الخطأ، والصواب ما أثبت.

* ذكر من قال ذلك:
16487- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ، نسختها: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) ،. [سورة محمد: 4]
16488- قال، حدثنا سفيان، عن السدي، مثله.
* * *
وقال آخرون: بل نسخ قوله: (فاقتلوا المشركين) ، قوله: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ) .
* ذكر من قال ذلك:
16489- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة: (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) ، [سورة محمد: 4] نسخها قوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ،
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، قولُ من قال: "ليس ذلك بمنسوخ" . وقد دللنا على أن معنى "النسخ" ، هو نفي حكم قد كان ثبت بحكم آخر غيره. (1) ولم تصحّ حجةٌ بوجوب حكم الله في المشركين بالقتل بكل حال، ثم نسخه بترك قتلهم على أخذ الفداء، ولا على وجه المنّ عليهم. فإذ كان ذلك كذلك، وكان الفداء والمنّ والقتل لم يزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أول حرب حاربهم، (2) وذلك من يوم بدر = كان معلومًا أن معنى الآية: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم للقتل أو المنِّ أو الفداء، واحصروهم. وإذا كان ذلك معناه، صحّ ما قلنا في ذلك دون غيره.
* * *
(1)
انظر ما قاله أبو جعفر في "النسخ" مرارا في فهارس الكتاب.

(2)
في المطبوعة: "فكان الفداء" ، وهو خطأ، لم يحسن قراءة المخطوطة.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.77 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.14 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.37%)]