
17-07-2025, 04:39 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,018
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الثالث عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الأنفال
الحلقة (734)
صــ 501 إلى صــ 510
ثم قدِّم آخر، فنقر فوق رأسه. بعصًا نقرة ثم أرسله، فقال: ما صورته يا جبريل؟ فقال: كُفِيته يا نبي الله! ثم أتي بآخر فنقر في ركبته، فقال: ما صورته يا جبريل؟ قال: كفيته! ثم أتي بآخر فسقاه مَذْقة، (1) فقال: ما صورته يا جبريل؟ قال: كفيته يا نبي الله! وأتي بالخامس، (2) فلما غدا من بيته، مرّ بنبّال فتعلق مِشْقَص بردائه، (3) فالتوى، فقطع الأكحل من رجله. (4) وأما الذي كحلت عيناه، فأصبح وقد عمي. وأما الذي سقي مَذْقةً، فأصبح وقد استسقى بطنه. وأما الذي نقر فوق رأسه، فأخذته النقبة = و "النقبة" ، قرحة عظيمة (5)
= أخذته في رأسه. وأما الذي طعن في ركبته، فأصبح وقد أقعد. فذلك قول الله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" .
15975 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله: "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" ، أي: فمكرت لهم بكيدي المتين، حتى خلّصك منهم. (6)
(1) "المذقة" ، الطائفة من اللبن الممزوج بالماء.
(2) لم يذكر ما فعل جبريل عليه السلام بالخامس، وإن كان ذكر ما آل إليه أمره، فأخشى أن يكون سقط من الكلام شيء.
(3) في المطبوعة "مر" حذف الفاء، وهو صواب، فأثبتها من المخطوطة. و "المشقص" ، نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض.
(4) "الأكحل" ، عرق الحياة، ويقال له: "نهر البدن" ، وهو عرق في اليد ووسط الذراع، وفي كل عضو منه شعبة، لها اسم على حدة، إذا قطع لم يرقأ الدم.
(5) في المطبوعة: "النقدة" ، في الموضعين. وأما المخطوطة، فالأولى، يوشك أن يكتبها "النقبة" إلا أنه يزيد في رأس الباء، ثم كتب بعد "النقدة" ولم أجد في القروح ما يقال له: "نقدة" .
و "النقبة" (بضم فسكون) أول بدء الجرب، ترى الرقعة مثل الكف بجنب البعير أو وركه أو بمشفرة، ثم تتمشى فيه تشريه كله، أي تملؤه كله. فلعل هذه هي المرادة هنا.
(6) الأثر: 15975 - سيرة ابن هشام 1: 325، وهو تابع الأثر السالف رقم: 15955.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: "فمكرت لهم" ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام، وهي أجود.
15976 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا" ، قال: هذه مكية= قال: ابن جريج، قال مجاهد: هذه مكية. (1)
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: واذكر، يا محمد، نعمتي عندك، بمكري بمن حاول المكرَ بك من مشركي قومك، بإثباتك أو قتلك أو إخراجك من وطنك، حتى استنقذتك منهم وأهلكتهم، فامض لأمري في حرب من حاربك من المشركين، وتولى عن إجابة ما أرسلتك به من الدين القيم، ولا يَرْعَبَنَّك كثرة عددهم، فإن ربّك خيرُ الماكرين بمن كفر به، وعبد غيره، وخالف أمره ونهيه.
* * *
وقد بينا معنى "المكر" فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (2)
القول في تأويل قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (31) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذا تتلى على هؤلاء الذين كفروا آياتِ كتاب الله الواضحةَ لمن شرح الله صدره لفهمه (3) =، قالوا جهلا منهم، وعنادًا للحق، وهم يعلمون أنهم كاذبون في قيلهم= "لو نشاء لقلنا مثل هذا" ،
(1) الأثر: 15976 - انظر التعليق على الأثر السالف رقم: 15964. كأنه يعني أن هذه الآية، معنى بها أمر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة. والقطع بأن هذه الآية أو اللواتي تليها آيات نزلت بمكة، أمر صعب، لا يكاد المرء يطمئن إلى صوابه، والاعتراض على ذلك له وجوه كثيرة لا محل لذكرها هنا.
(2) انظر تفسير "المكر" فيما سلف 12: 95، 97، 579 \ 13: 33، 491.
(3) انظر تفسير "التلاوة" فيما سلف ص: 385، تعليق: 1، والمراجع هناك.
الذي تُلِي علينا= "إن هذا إلا أساطير الأولين" ، يعني: أنهم يقولون: ما هذا القرآن الذي يتلى عليهم إلا أساطير الأولين.
و "الأساطير" جمع "أسطر" ، وهو جمع الجمع، لأن واحد "الأسطر" "سطر" ، ثم يجمع "السطر" ، "أسطر" و "سطور" ، ثم يجمع "الأسطر" "أساطير" و "أساطر" . (1)
وقد كان بعضُ أهل العربية يقول: واحد "الأساطير" ، "أسطورة" .
* * *
وإنما عنى المشركون بقولهم: "إن هذا إلا أساطير الآولين" ، إنْ هذا القرآن الذي تتلوه علينا، يا محمد، إلا ما سطَّره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم! كأنهم أضافوه إلى أنه أخذ عن بني آدم، وأنه لم يوحِه الله إليه.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
15977 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: "وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا" ، قال: كان النضر بن الحارث يختلف تاجرًا إلى فارس، فيمرّ بالعِباد وهم يقرأون الإنجيل ويركعون ويسجدون. (2) فجاء مكة، فوجد محمدًا صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه وهو يركع ويسجد، فقال النضر: "قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا!" ، للذي سَمِع من العباد. فنزلت: "وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد"
(1) انظر تفسير "الأساطير" فيما سلف 11: 308 - 310.
(2) "العباد" ، قوم من قبائل شتى من بطون العرب، اجتمعوا على النصرانية قبل الإسلام، فأنفوا أن يسموا بالعبيد، فقالوا: "نحن العباد" ، ونزلوا بالحيرة. فنسب إلى "العباد" ، ومنهم عدى بن يزيد العبادي الشاعر.
سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا "، قال: فقص ربُّنا ما كانوا قالوا بمكة، وقص قولهم: إذ قالوا:" اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك "، الآية."
15978 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان النضر بن الحارث بن علقمة، أخو بني عبد الدار، يختلف إلى الحيرة، فيسمع سَجْع أهلها وكلامهم. فلما قدم مكة، سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن، فقال: "قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إنْ هذا إلا أساطير الأولين" ، يقول: أساجيع أهل الحيرة. (1)
15979 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قتل النبيُّ من يوم بدر صبرًا: عقبةَ بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث. وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله، قال المقداد: يا رسول الله، أسيري! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول! فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، فقال المقداد: أسيري! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: واللهم اغْنِ المقداد من فضلك! "فقال المقداد: هذا الذي أردت! وفيه نزلت هذه الآية:" وإذا تتلى عليهم آياتنا "، الآية."
15980- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَتل يوم بدر ثلاثة رهط من قريش صبرًا: المطعم بن عديّ، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط. قال: فلما أمر بقتل النضر، قال المقداد بن الأسود: أسيري، يا رسول الله! قال: إنه كان يقول في كتاب الله وفي رسوله ما كان يقول! قال: فقال ذلك مرتين أو ثلاثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغْن المقداد من فضلك! وكان المقداد أسر النضر. (2) "
(1) "الأساجيع" جمع "أسجوعة" ، ما سجع به الكاهن وغيره. وانظر ما سلف رقم: 13157.
(2) الأثر: 15980 - هكذا جاء في رواية هذا الخبر "المطعم بن عدي" ، مكان "طعيمة بن عدى" ، وكأنه ليس خطأ من الناسخ، لأن ابن كثير في تفسيره 4: 51، قال: "وهكذا رواه هشيم، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير أنه قال: المطعم بن عدي، بدل طعيمة. وهو غلط، لأن المطعم بن عدي لم يكن حيًا يوم بدر، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: لو كان المطعم بن عدي حيًا، ثم سألني في هؤلاء النتنى، لوهبتهم له! يعني الأسارى، لأنه كان قد أجار رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم رجع من الطائف" . وانظر التعليق على رقم: 15981.
القول في تأويل قوله: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذكر، يا محمد، أيضًا ما حلّ بمن قال: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم" ، إذ مكرت بهم، فأتيتهم بعذاب أليم= (1) وكان ذلك العذاب، قتلُهم بالسيف يوم بدر.
* * *
وهذه الآية أيضًا ذكر أنها نزلت في النضر بن الحارث.
* ذكر من قال ذلك.
15981 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: "وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء" ، قال: نزلت في النضر بن الحارث. (2)
15982 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا
(1) في المطبوعة والمخطوطة: "مكرت لهم" ، وليست بشيء.
(2) الأثر: 15981 - "أبو بشر" ، هو "جعفر بن إياس" ، "جعفر بن أبي وحشية" ، مضى مرارًا كثيرة. وكان في تعليق ابن كثير، الذي نقلته في التعليق على الخبر السالف "جعفر بن أبي دحية" ، وهو خطأ محض.
عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: "إن كان هذا هو الحق من عندك" ، قال: قول النضر بن الحارث= (1) أو: ابن الحارث بن كَلَدة.
15983- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك" ، قول النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة، من بني عبد الدار.
15984-قال، أخبرنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: "إن كان هذا هو الحق من عندك" ، قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة.
15985 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء قال: قال رجل من بني عبد الدار، يقال له النضر بن كلدة: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم" ، فقال الله: (( وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ )) [سورة ص: 16] ، وقال: (( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ )) [سورة الأنعام: 94] ، وقال: (( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرينَ )) [سورة المعارج: 1-2] . قال عطاء: لقد نزل فيه بضعَ عشرة آية من كتاب الله.
15986 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: فقال= يعني النضر بن الحارث =: اللهم إن كان ما يقول محمد هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو
(1) الأثر: 15982 - في المطبوعة: "النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة" .
والصواب ما في المخطوطة، لأن الاختلاف في نسبة هكذا: "النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار" أو: "النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار" انظر سيرة ابن هشام 2: 320، 321. وقد غير ما في المخطوطة بلا حرج ولا ورع.
ائتنا بعذاب أليم! قال الله: (( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرينَ )) .
15987 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد في قوله: "إن كان هذا هو الحق من عندك" الآية، قال: (( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرينَ )) .
15988 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك" ، الآية قال: قال ذلك سُفَّهُ هذه الأمة وجهلتها، (1) فعاد الله بعائدته ورحمته على سَفَهة هذه الأمة وجهلتها. (2)
15989 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم ذكر غِرَّة قريش واستفتاحهم على أنفسهم، إذ قالوا: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك" ، أي: ما جاء به محمد= "فأمطر علينا حجارة من السماء" ، كما أمطرتها على قوم لوط = "أو ائتنا بعذاب أليم" ، أي: ببعض ما عذبت به الأمم قبلنا. (3)
* * *
واختلف أهل العربية في وجه دخول "هو" في الكلام.
فقال بعض البصريين: نصب "الحق" ، لأن "هو" والله أعلم، حُوِّلت
(1) في المطبوعة: "سفهة هذه الأمة" ، غير ما في المخطوطة، طرح الصواب المحض يقال: "سفيه" ، والجمع "سفهاء" "وسفاه" (بكسر السين) و "سفه" ، بضم السين وتشديد الفاء المفتوحة. والذي في كتب اللغة أن "سفاه" و "سفه" ، و "سفائه" جمع "سفيهة" . وسيأتي في المخطوطة بعد قليل "سفهه" ، وكأنها جائزة أيضًا.
(2) هكذا في المخطوطة أيضًا "سفهة" ، فتركتها على حالها. انظر التعليق السالف. وكأنه إتباع لقوله "جهلة" ، وهذا من خصائص العربية.
(3) الأثر: 15989 - سيرة ابن هشام 2: 325، وهو تبع الأثر السالف رقم: 15975.
وكان في المطبوعة: "ثم ذكر غيرة قريش" ، وهو لا معنى له، صوابه من المخطوطة وابن هشام. يعني: اغترارهم بأمرهم، وغفلتهم عن الحق.
زائدة في الكلام صلةَ توكيدٍ، كزيادة "ما" ، ولا تزاد إلا في كل فعل لا يستغني عن خبر، وليس هو بصفة، ل "هذا" ، لأنك لو قلت: "رأيت هذا هو" ، لم يكن كلامًا. ولا تكون هذه المضمرة من صفة الظاهرة، ولكنها تكون من صفة المضمرة، نحو قوله: (( وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ )) [سورة الزخرف: 76] و (( خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا )) [سورة المزمل: 20] .
لأنك تقول: "وجدته هو وإياي" ، فتكون "هو" صفة. (1)
وقد تكون في هذا المعنى أيضا غير صفة، ولكنها تكون زائدة، كما كان في الأول. وقد تجري في جميع هذا مجرى الاسم، فيرفع ما بعدها، إن كان بعدها ظاهرًا أو مضمرًا في لغة بني تميم، يقولون في قوله: "إن كان هذا هو الحق من عندك" ، "ولكن كانوا هم الظالمون" ، (2) و "تجدوه عند الله هو خيرٌ وأعظم أجرًا" (3) كما تقول: "كانوا آباؤهم الظالمون" ، جعلوا هذا المضمر نحو "هو" و "هما" و "أنت" زائدًا في هذا المكان، ولم تجعل مواضع الصفة، لأنه فصْلٌ أراد أن يبين به أنه ليس ما بعده صفةً لما قبله، ولم يحتج إلى هذا في الموضع الذي لا يكون له خبر.
* * *
وكان بعض الكوفيين يقول: لم تدخل "هو" التي هى عماد في الكلام، (4) إلا لمعنى صحيح. وقال: كأنه قال: "زيد قائم" ، فقلت أنت: "بل عمرو هو القائم" ف "هو" لمعهود الاسم، و "الألف واللام" لمعهود الفعل، (5) [ "والألف واللام" ] التي هي صلة في الكلام، (6) مخالفة لمعنى "هو" ، لأن دخولها وخروجها واحد
(1) "الصفة" ، هو "ضمير الفصل" ، وانظر التعليق التالي رقم: 4.
(2) في المطبوعة: "هم الظالمين" ، خالف المخطوطة وأساء.
(3) في المطبوعة والمخطوطة: "هو خيرًا" ، ولا شاهد فيه، وصوابه ما أثبت.
(4) "العماد" ، اصطلاح الكوفيين، والبصريون يقولون: "ضمير الفصل" ، ويقال له أيضًا: "دعامة" و "صفة" . انظر ما سلف 2: 312، تعليق 2، ثم ص 313، 374 \ ثم 7: 429، تعليق: 2.
(5) "الفعل" ، يعني الخبر.
(6) ما بين القوسين، مكانه بياض في المخطوطة، ولكن ناشر المطبوعة ضم الكلام بعضه إلى بعض. وأثبت ما بين القوسين استظهارًا، وكأنه الصواب إن شاء الله. وقوله: "صلة" ، أي: زيادة، انظر تفسير ذلك فيما سلف 1: 190، 405، 406، 548 \ 4: 282 \ 5: 460، 462 \ 7: 340، 341.
في الكلام. وليست كذلك "هو" . وأما التي تدخل صلة في الكلام، فتوكيدٌ شبيه بقولهم: "وجدته نفسَه" ، تقول ذلك، وليست بصفة "كالظريف" و "العاقل" . (1)
* * *
القول في تأويل قوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) }
(1) انظر مبحث ضمير "العماد" في معاني القرآن للفراء 1: 50 - 52، 104، 248، 249، 409، 410.
وما سلف من التفسير 2: 312، 313 \ 7: 429، 430، وغيرها في فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما.
القول في تأويل قوله: {وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: تأويله: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم" ، أي: وأنت مقيم بين أظهرهم. قال: وأنزلت هذه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بمكة. قال: ثم خرجَ النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم، فاستغفر من بها من المسلمين، فأنزل بعد خروجه عليه، حين استغفر أولئك بها: "وما كان الله معذِّبهم وهم يستغفرون" . قال: ثم خرج أولئك البقية من المسلمين من بينهم، فعذّب الكفار.
* ذكر من قال ذلك.
15990 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فأنزل الله عليه:
"وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم" ، قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأنزل الله: "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" . قال: فكان أولئك البقية من المسلمين الذين بقوا فيها يستغفرون= يعني بمكة= فلما خرجوا أنزل الله عليه: "وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياء" . قال: فأذن الله له في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم.
15991 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن أبي مالك، في قوله: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم" ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم= "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" ، يعني: من بها من المسلمين= "وما لهم ألا يعذبهم الله" ، يعني مكة، وفيهم الكفار. (1)
15992- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قول الله: "وما كان الله ليعذبهم" ، يعني: أهل مكة= "وما كان الله معذبهم" ، وفيهم المؤمنون، يستغفرون، يُغفر لمن فيهم من المسلمين.
15993- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل الرازي، وأبو داود الحفري، عن يعقوب، عن جعفر، عن ابن أبزى: "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" ، قال: بقية من بقي من المسلمين منهم. فلما خرجوا قال: "وما لهم ألا يعذبهم الله" . (2)
15994 - قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن أبي مالك: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم" ، قال: أهل مكة.
(1) في المطبوعة: "وفيها الكفار" ، أما المخطوطة فتقرأ: "بغير مكة، وفيهم الكفار" ، ولعل ما في المطبوعة أولى بالإثبات.
(2) الأثر: 15993 - "إسحاق بن إسماعيل الرازي" هو: "حبويه، أبو يزيد" سلف مرارًا، آخرها رقم: 15311.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|