
17-07-2025, 01:53 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الثالث عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الأنفال
الحلقة (723)
صــ 391 إلى صــ 400
القول في تأويل قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) }
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الجالب لهذه "الكاف" التي في قوله: "كما أخرجك" ، وما الذي شُبِّه بإخراج الله نبيه صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق.
فقال بعضهم: شُبِّه به في الصلاح للمؤمنين، اتقاؤهم ربهم، وإصلاحهم ذات بينهم، وطاعتهم الله ورسوله. وقالوا: معنى ذلك: يقول الله: وأصلحوا ذات بينكم، فإن ذلك خير لكم، كما أخرج الله محمدًا صلى الله عليه وسلم من بيته بالحقّ، فكان خيرًا له. (1)
* ذكر من قال ذلك:
15700- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة: "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين. كما أخرجك ربك من بيتك بالحق" ، الآية، أي: إن هذا خيرٌ لكم، كما كان إخراجك من بيتك بالحق خيرًا لك.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: كما أخرجك ربك، يا محمد، من بيتك بالحق على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم يكرهون القتال، فهم يجادلونك فيه بعد ما تبين لهم.
* ذكر من قال ذلك:
15701- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا
(1) في المطبوعة، والمخطوطة: "كان خيرًا له" ، بغير فاء، والصواب ما أثبت، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة.
عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق" ، قال: كذلك يجادلونك في الحق.
15702 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق" ، كذلك يجادلونك في الحقِّ، القتالِ.
15703-. . . . قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق" ، قال: كذلك أخرجك ربك. (1)
15704- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أنزل الله في خروجه = يعني خروج النبي صلى الله عليه وسلم= إلى بدر، ومجادلتهم إياه فقال: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون" ، لطلب المشركين، "يجادلونك في الحق بعد ما تبين" .
* * *
واختلف أهل العربية في ذلك.
فقال بعض نحويي الكوفيين: ذلك أمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يمضي لأمره في الغنائم، على كره من أصحابه، كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العِير وهم كارهون. (2)
* * *
وقال آخرون منهم: معنى ذلك: يسألونك عن الأنفال مجادلةً، كما جادلوك يوم بدر فقالوا: "أخرجتنا للعِير، ولم تعلمنا قتالا فنستعدَّ له" .
(1) هكذا في المخطوطة والمطبوعة، ولعل الصواب: "قال: كذلك يجادلونك" ، وهو ما تدل عليه الآثار السالفة عن مجاهد.
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1: 403
وقال بعض نحويي البصرة، يجوز أن يكون هذا "الكاف" في (كما أخرجك) ، على قوله: (أولئك هم المؤمنون حقًّا) ، (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) . وقال: "الكاف" بمعنى "على" . (1)
* * *
وقال آخرون منهم (2) هي بمعنى القسم. قال: ومعنى الكلام: والذي أخرجك ربّك. (3)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال في ذلك بقول مجاهد، وقال: معناه: كما أخرجك ربك بالحقّ على كره من فريق من المؤمنين، كذلك يجادلونك في الحق بعد ما تبين= لأن كلا الأمرين قد كان، أعني خروج بعض من خرج من المدينة كارهًا، وجدالهم في لقاء العدو وعند دنوِّ القوم بعضهم من بعض، فتشبيه بعض ذلك ببعض، مع قرب أحدهما من الآخر، أولى من تشبيهه بما بَعُد عنه.
* * *
وقال مجاهد في "الحق" الذي ذكر أنهم يجادلون فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ما تبينوه: هو القتال.
15705- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (يجادلونك في الحق) ، قال: القتال.
15706 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
(1) في المطبوعة: "وقيل: الكاف ..." ، كأنه قول آخر، والصواب ما في المخطوطة. ولعل قائل هذا هو الأخفش، لأنه الذي قال: "الكاف بمعنى: على" ، وزعم أن من كلام العرب إذا قيل لأحدهم: "كيف أصبحت" ، أن يقول: "كخير" ، والمعنى: على خير.
وانظر تفسير "كما" فيما سلف 3: 209، في قوله تعالى: "كما أرسلنا فيكم رسولا" [سورة البقرة: 151] .
(2) في المطبوعة: "وقال آخرون" ، جمعًا، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب، وقائل ذلك هو أبو عبيدة معمر بن المثنى.
(3) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 240، 241.
15707 - حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
* * *
وأما قوله: (من بيتك) ، فإن بعضهم قال: معناه: من المدينة.
* ذكر من قال ذلك:
15708- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي بزة: (كما أخرجك ربك من بيتك) ، المدينة، إلى بدر.
15709- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني محمد بن عباد بن جعفر في قوله: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) ، قال: من المدينة إلى بدر.
* * *
وأما قوله: (وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون) ، فإن كراهتهم كانت، كما:-
15710- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن عباس، قالوا: لما سمع رَسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشأم، ندب إليهم المسلمين، (1) وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، (2) فاخرجوا إليها، لعل الله أن ينفِّلكموها! فانتدب الناس، فخفّ بعضهم وثقُل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربًا. (3)
15711- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون) ، لطلب المشركين.
* * *
(1) "ندب الناس إلى حرب أو معونة، فانتدبوا" ، أي: دعاهم فاستجابوا وأسرعوا إليه.
(2) "العير" ، (بكسر العين) : القافلة، وكل ما امتاروا عليه من أبل وحمير وبغال. وهي قافلة تجارة قريش إلى الشام.
(3) الأثر: 15710 - سيرة ابن هشام 2:257، 258.
ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: (يجادلونك في الحق بعد ما تبين) .
فقال بعضهم: عُني بذلك: أهلُ الإيمان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين كانوا معه حين توجَّه إلى بدر للقاء المشركين.
* ذكر من قال ذلك:
15712- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال، لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم في لقاء القوم، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمرَ الناس، فتعبَّوْا للقتال، (1) وأمرهم بالشوكة، وكره ذلك أهل الإيمان، فأنزل الله: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) .
15713- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم ذكر القومَ= يعني أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم = ومسيرَهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين عرف القوم أن قريشًا قد سارت إليهم، وأنهم إنما خرجوا يريدون العيرَ طمعًا في الغنيمة، فقال: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) ، إلى قوله: (لكارهون) ، أي كراهيةً للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريش حين ذُكِروا لهم. (2)
* * *
وقال آخرون: عُني بذلك المشركون.
* ذكر من قال ذلك:
15714- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في
(1) "عبى الجيش" و "عبأة" بالهمز، واحد. و "تعبوا للقتال" و "تعبأوا" ، تهيأوا له.
(2) الأثر: 15713- سيرة ابن هشام 2: 322، وهو تابع الأثر السالف رقم: 15655.
قوله: (يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) ، قال: هؤلاء المشركون، جادلوه في الحق (1) = "كأنما يساقون إلى الموت" ، حين يدعون إلى الإسلام= (وهم ينظرون) ، قال: وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر.
15715- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب بن محمد قال، حدثني عبد العزيز بن محمد، عن ابن أخي الزهري، عن عمه قال: كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر: (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) ، خروجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العِير. (2)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس وابن إسحاق، من أن ذلك خبرٌ من الله عن فريق من المؤمنين أنهم كرهوا لقاء العدو، وكان جدالهم نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم أن قالوا: "لم يُعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، وإنما خرجنا للعير" . ومما يدلّ على صحته قولُه (3) (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) ، ففي ذلك الدليلُ الواضح لمن فهم عن الله، أن القوم قد كانوا للشوكة كارهين، وأن جدالهم كان في القتال، كما قال مجاهد، كراهيةً منهم له= وأنْ لا معنى لما قال ابن زيد، لأن الذي قبل قوله: (يجادلونك في الحق) ، خبرٌ عن أهل الإيمان، والذي يتلوه
(1) في المطبوعة: "جادلوك" ، وأثبت الصواب الجيد من المخطوطة.
(2) الأثر: 15715 - "يعقوب بن محمد الزهري" ، مضى قريبًا برقم 15654، وهو يروي عن ابن أخي الزهري مباشرة، ولكنه روى عنه هنا بالواسطة.
و "عبد العزيز بن محمد بن عبيد بن أبي عبيد الدراوردي" ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: 10676.
و "ابن أخي الزهري" ، هو "محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري" ، ثقة، متكلم فيه، روى له الجماعة. يروي عن عمه "ابن شهاب الزهري" .
(3) في المطبوعة والمخطوطة: "على صحة قوله" ، والصواب ما أثبت.
خبرٌ عنهم، فأن يكون خبرًا عنهم، أولى منه بأن يكون خبرًا عمن لم يجرِ له ذكرٌ.
* * *
وأما قوله: (بعد ما تبين) ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: معناه: بعد ما تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرك الله.
* ذكر من قال ذلك:
15816- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: بعد ما تبين أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به.
* * *
وقال آخرون: معناه: يجادلونك في القتال بعدما أمرت به.
* ذكر من قال ذلك:
15717- رواه الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. (1)
* * *
وأما قوله: (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) ، فإن معناه: كأن هؤلاء الذين يجادلونك في لقاء العدوّ، من كراهتهم للقائهم إذا دعوا إلى لقائهم للقتال، "يساقون إلى الموت" .
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
15718- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) ، أي كراهةً للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريش حين ذكروا لهم. (2)
* * *
(1) الأثر: 15717 - هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة، لم يذكر نصًا، وكأن صواب العبارة: "رواه الكلبي ..." .
(2) الأثر: 15718 - سيرة بن هشام 2: 322، وهو جزء من الخبر السالف رقم: 15713.
القول في تأويل قوله: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذكروا، أيها القوم= (إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين) ، يعني إحدى الفرقتين، (1) فرقة أبي سفيان بن حرب والعير، وفرقة المشركين الذين نَفَروا من مكة لمنع عيرهم.
* * *
وقوله: (أنها لكم) ، يقول: إن ما معهم غنيمة لكم= (وتودون أنّ غير ذات الشوكة تكون لكم) ، يقول: وتحبون أن تكون تلك الطائفة التي ليست لها شوكة= يقول: ليس لها حدٌّ، (2) ولا فيها قتال= أن تكون لكم. يقول: تودُّون أن تكون لكم العيرُ التي ليس فيها قتال لكم، دون جماعة قريش الذين جاءوا لمنع عيرهم، الذين في لقائهم القتالُ والحربُ.
* * *
وأصل "الشوكة" من "الشوك" .
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
15719- حدثنا علي بن نصر، وعبد الوارث بن عبد الصمد قالا حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا أبان العطار قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة: أن أبا سفيان أقبل ومن معه من رُكبان قريش مقبلين من الشأم، (3) فسلكوا طريق الساحل. فلما سمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم، ندب أصحابه، وحدّثهم بما معهم من الأموال، وبقلة عددهم. فخرجوا
(1) انظر تفسير "الطائفة" فيما سلف 12: 560، تعليق: 3، والمراجع هناك.
(2) "الحد" (بفتح الحاء) هو: الحدة (بكسر الحاء) ، والبأس الشديد، والنكاية.
(3) "الركبان" و "الركب" ، أصحاب الإبل في السفر، وهو اسم جمع لا واحد له.
لا يريدون إلا أبا سفيان والركب معه، لا يرونها إلا غنيمة لهم، لا يظنون أن يكون كبيرُ قتالٍ إذا رأوهم. وهي التي أنزل الله فيها (1) (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) . (2)
15720- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، (3) عن عبد الله بن عباس، كُلٌّ قد حدثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سُقت من حديث بدر، قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشأم، ندب المسلمين إليهم وقال: هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفِّلكموها! فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعض، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربًا. وكان أبو سفيان يستيقن حين دنا من الحجاز ويتحسس الأخبار، (4) ويسأل من لقي من الركبان، تخوفًا على
(1) في المطبوعة: "وهي ما أنزل الله" ، وفي المخطوطة: "وهي أنزل الله" ، وأثبت ما في تاريخ الطبري.
(2) الأثر: 15719 - "علي بن نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضي" ، الثقة الحافظ، شيخ الطبري، روى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، في غير الجامع الصحيح. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم 3 \ 1 \ 207.
و "عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث العنبري" ، شيخ الطبري. ثقة، مضى برقم: 2340.
وأبوه: "عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبري" ، ثقة، مضى مرارًا كثيرة.
و "أبان العطار" ، هو "أبان بن يزيد العطار" ، ثقة، مضى برقم: 3832، 9656.
وهذا الخبر رواه أبو جعفر، بإسناده هذا في التاريخ 2: 267، مطولا مفصلا، وهو كتاب من عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان. وكتاب عروة إلى عبد الملك بن مروان كتاب طويل رواه الطبري مفرقًا في التاريخ، وسأخرجه مجموعًا في تعليقي على الأثر 16083.
(3) القائل "من علمائنا ..." إلى آخر السياق، هو محمد بن إسحاق.
(4) في المطبوعة، وفي تاريخ الطبري، وفي سيرة ابن هشام: "وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس" ، ليس فيها "يستقين" ، وليس فيها واو العطف في "يتحسس" ، ولكن المخطوطة واضحة، فأثبتها.
وكان في المطبوعة: "يتجسس" بالجيم، وإنما هي بالحاء المهملة، و "تحسس الخبر" ، تسمعه بنفسه وتبحثه وتطلبه.
أموال الناس، (1) حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: "أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعِيرك" ! (2) فحذر عند ذلك، واستأجر ضمضم بن عمرو الغِفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشًا يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه. فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة. (3) وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى بلغ واديًا يقال له "ذَفِرَان" ، فخرج منه، (4) حتى إذا كان ببعضه، نزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عِيرهم، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناسَ، وأخبرهم عن قريش. فقام أبو بكر رضوان الله عليه، فقال فأحسن. ثم قام عمر رضي الله عنه، فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض إلى حيث أمرك الله، فنحن معك، والله، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ، [سورة المائدة: 24] ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون! فوالذي بعثك بالحق، لئن سرت بنا إلى بَرْك الغِمَاد = يعني: مدينة الحبشة (5) = لجالدنا معك مَن دونه حتى تبلغه! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا، ثم دعا له بخيرٍ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليّ أيها الناس! = وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عَدَدَ الناس، وذلك أنهم حين بايعوه على العقبة قالوا: "يا رسول الله، إنا برآء من ذِمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا، (6) نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا" ، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نُصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، (7) وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوٍّ من بلادهم= قال: فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له سعد بن معاذ: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل! قال: فقد آمنا بك وصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق إن استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخضته لخُضناه معك، (8) ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، (9) إنا لصُبُرٌ عند الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، (10) لعلّ الله أن يريك منا ما تَقرُّ به عينك، فسر بنا على بركة الله! فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: سيروا على بركة الله وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، (11) والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم غدًا ". (12) "
15721- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أن أبا سفيان أقبل في عير من الشأم فيها تجارة قريش، وهي اللَّطيمة، (13) فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قد أقبلت، فاستنفر الناس، فخرجوا معه ثلثمائة وبضعة عشر رجلا. فبعث عينًا له من جُهَينة، حليفًا للأنصار، يدعى "ابن أريقط" ، (14) فأتاه بخبر القوم. وبلغ أبا سفيان خروج محمد صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى أهل مكة يستعينهم، فبعث رجلا من بني غِفار يدعى ضمضم بن عمرو، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ولا يشعر بخروج قريش، فأخبره الله بخروجهم، فتخوف من الأنصار أن يخذلوه ويقولوا: "إنا عاهدنا أن نمنعك إن أرادك أحد ببلدنا" ! فأقبل على أصحابه فاستشارهم في طلب العِير، فقال له أبو بكر رحمة الله عليه: إنّي قد سلكت هذا الطريق، فأنا أعلم به، وقد فارقهم الرجل بمكان كذا وكذا، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد فشاورهم، فجعلوا يشيرون عليه بالعير. فلما أكثر المشورة، تكلم سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، أراك تشاور أصحابك فيشيرون عليك، وتعود فتشاورهم، فكأنك لا ترضى ما يشيرون عليك، وكأنك تتخوف أن تتخلف عنك الأنصار! أنت رسول الله، وعليك أنزل الكتاب، وقد أمرك الله بالقتال، ووعدك النصر، والله لا يخلف الميعاد، امض لما أمرت به، فوالذي بعثك بالحق لا يتخلف عنك رجل من الأنصار! ثم قام المقداد بن الأسود الكندي فقال: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: (اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ
(1) في المطبوعة: "تخوفًا من الناس" ، وفي سيرة ابن هشام: "تخوفًا على أمر الناس" ، وأثبت ما في تاريخ الطبري.
(2) "استنفر الناس" ، استنجدهم واستنصرهم، وحثهم على الخروج للقتال.
(3) عند هذا الموضع انتهي ما في سيرة ابن هشام 2: 257، 258، وسيصله بالآتي في السيرة بعد 2: 266، وعنده انتهي الخبر في تاريخ الطبري 2: 270، وسيصله بالآتي في التاريخ أيضًا 2: 273.
وانظر التخريج في آخر هذا الخبر.
(4) في السيرة وحدها "فجزع فيه" ، وهي أحق بهذا الموضع، ولكني أثبت ما في لمطبوعة والمخطوطة والتاريخ. و "جزع الوادي" ، قطعه عرضًا.
(5) "برك الغماد" ، "برك" (بفتح الباء وكسرها) ، و "الغماد" ، (بكسر الغين وضمها ". قال الهمداني: "برك الغماد" ، في أقاصي اليمن (معجم ما استعجم: 244) ."
(6) "الذمام" و "الذمة" ، العهد والكفالة والحرمة.
(7) في المطبوعة "خاف أن لا تكون الأنصار" ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام، وتاريخ الطبري. و "يتخوف" ساقطة من المخطوطة.
و "دهمه" (بفتح الهاء وكسرها) : إذا فاجأه على غير استعداد.
(8) "استعرض البحر، أو الخطر" : أقبل عليه لا يبالي خطره. وهذا تفسير للكلمة، استخرجته، لا تجده في المعاجم.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|