عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 17-07-2025, 01:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد

تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الثالث عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الأعراف
الحلقة (716)
صــ 321 إلى صــ 330





سَوَاءٌ عَلَيْكَ النَّفْرُ أَمْ بِتَّ لَيْلَةً بِأَهْلِ الْقِبَابِ مِنْ نُمَيْرِ بنِ عَامِرِ (1)
وقد ينشد: "أم أنْتَ بَائِتٌ" .
* * *
القول في تأويل قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) }
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان، موبِّخهم على عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الأصنام: (إن الذين تدعون) أيها المشركون، آلهةً = (من دون الله) ، وتعبدونها، شركًا منكم وكفرًا بالله = (عباد أمثالكم) ، يقول: هم أملاك لربكم، كما أنتم له مماليك. فإن كنتم صادقين أنها تضر وتنفع، وأنها تستوجب منكم العبادة لنفعها إياكم، فليستجيبوا لدعائكم إذا دعوتموهم، (2) فإن لم يستجيبوا لكم، لأنها لا تسمع دعاءكم، فأيقنوا بأنها لا تنفع ولا تضر; لأن الضر والنفع إنما يكونان ممن إذا سُئل سمع مسألة سائله وأعطى وأفضل، ومن إذا شكي إليه من شيء سمع، فضرّ من استحق العقوبة، ونفع من لا يستوجب الضرّ.
* * *
(1)
معاني القرآن للفراء 1: 401، وكان في المطبوعة والمخطوطة (( عليك الفقر )) ، وهو خطأ محض، صوابه من المعاني. و (( النفر )) بمعنى: النفر من منى في أيام الحج، وهو الثاني من أيام التشريق.

(2)
انظر تفسير (( الاستجابة )) فيما سلف 3: 483، 484 / 7: 486 - 488 / 11: 341.

القول في تأويل قوله: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين عبدوا الأصنام من دونه، معرِّفَهم جهل ما هم عليه مقيمون: ألأصنامكم هذه، أيها القوم = (أرجل يمشون بها) ، فيسعون معكم ولكم في حوائجكم، ويتصرفون بها في منافعكم = (أم لهم أيد يبطشون بها) ، فيدفعون عنكم وينصرونكم بها عند قصد من يقصدكم بشرّ ومكروهٍ = (أم لهم أعين يبصرون بها) ، فيعرفونكم ما عاينوا وأبصروا مما تغيبون عنه فلا ترونه = (أم لهم آذان يسمعون بها) ، فيخبروكم بما سمعوا دونكم مما لم تسمعوه؟
يقول جل ثناؤه: فإن كانت آلهتكم التي تعبدونها ليس فيها شيء من هذه الآلات التي ذكرتُها، والمعظَّم من الأشياء إنما يعظَّم لما يرجى منه من المنافع التي توصل إليه بعض هذه المعاني عندكم، فما وجه عبادتكم أصنامكم التي تعبدونها، وهي خالية من كل هذه الأشياء التي بها يوصل إلى اجتلاب النفع ودفع الضر؟
وقوله: (قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون) ، [قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان: ادعوا شركاءكم الذين جعلتموهم لله شركاء في العبادة = (ثم كيدون) ، (1) ] أنتم وهي (2) (فلا تنظرون) ، يقول: فلا تؤخرون بالكيد والمكر، (3) ولكن عجِّلوا بذلك. يُعْلِمه جل ثناؤه بذلك أنهم لن يضروه، وأنه قد عصمه منهم، ويُعَرِّف الكفرة به عجز أوثانهم عن نصرة من بغى أولياءهم بسوء.
* * *
(1)
هذه العبارة التي بين الأقواس، استظهرتها من سياق الآية والتفسير، وظاهر أنها قد سقطت من الناسخ، وأن الكلام بغيرها، أو بغير ما يقوم ما مقامها، لا يستقيم.

(2)
في المطبوعة: (( أنتم وهن )) ، وأثبت ما في المخطوطة. ثم انظر تفسير (( الكيد )) فيما سلف ص 288، تعليق: 2، والمراجع هناك.

(3)
انظر تفسير (( الإنظار )) فيما سلف 12: 331، تعليق: 1، والمراجع هناك.

القول في تأويل قوله: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، للمشركين من عبدة الأوثان = "إن وليي" ، نصيري ومعيني وظهيري عليكم (1) = (الله الذي نزل الكتاب) عليّ بالحق، وهو الذي يتولى من صلح عمله بطاعته من خلقه.
* * *
القول في تأويل قوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) }
قال أبو جعفر: وهذا أيضًا أمر من الله جل ثناؤه لنبيه أن يقوله للمشركين. يقول له تعالى ذكره: (2) قل لهم، إن الله نصيري وظهيري، والذين تدعون أنتم أيها المشركون من دون الله من الآلهة، لا يستطيعون نصركم، ولا هم مع عجزهم عن نصرتكم يقدرون على نصرة أنفسهم، فأي هذين أولى بالعبادة وأحق بالألوهة؟ أمن ينصر وليه ويمنع نفسه ممن أراده، أم من لا يستطيع نصر وليه ويعجز عن منع نفسه ممن أراده وبَغاه بمكروه؟
* * *
(1)
انظر تفسير (( الولي )) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى) .

(2)
في المطبوعة: (( بقوله تعالى )) ، وفي المخطوطة مثله غير منقوط، والصواب: (( يقول له )) .

القول في تأويل قوله: {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (198) }
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل للمشركين: وإن تدعوا، أيها المشركون، آلهتكم إلى الهدى =وهو الاستقامة إلى السداد= (لا يسمعوا) ، يقول: لا يسمعوا دعاءكم = (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) .
* * *
وهذا خطاب من الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم. يقول: وترى، يا محمد، آلهتهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون = ولذلك وحَّد. (1) ولو كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم بخطاب المشركين، لقال: "وترونهم ينظرون إليكم" . (2)
* * *
وقد روى عن السدي في ذلك ما: -
15533 - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك هم لا يبصرون) قال: هؤلاء المشركين.
* * *
وقد يحتمل قول السدي هذا أن يكون أراد بقوله: "هؤلاء المشركون" ، قول الله: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا) . وقد كان مجاهد يقول في ذلك، ما: -
15534 - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن
(1)
يعني أن الخطاب أولا كان للمشركين جميعا، فقال: "وإن تدعوهم" ، ثم قال: "وتراهم" على الإفراد، خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

(2)
في المخطوطة: (( وترونهم ينظرون إليك ... )) وبعد (( إليك )) بياض بقدر كلمة. والذي في المطبوعة شبيه بالصواب.

ابن أبي نجيح عن مجاهد: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) ، ما تدعوهم إلى الهدى. وكأنّ مجاهدًا وجّه معنى الكلام إلى أن معناه: وترى المشركين ينظرون إليك وهم لا يبصرون = فهو وجهٌ، ولكن الكلام في سياق الخبر عن الآلهة، فهو بوصفها أشبه.
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما معنى قوله: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) ؟ وهل يجوز أن يكون شيء ينظر إلى شيء ولا يراه؟
قيل: إن العرب تقول للشيء إذا قابل شيئًا أو حاذاه: "هو ينظر إلى كذا" ، ويقال: "منزل فلان ينظر إلى منزلي" إذا قابله. وحكي عنها: "إذا أتيتَ موضع كذا وكذا، فنظر إليك الجبل، فخذ يمينًا أو شمالا" . وحدثت عن أبي عبيد قال: قال الكسائي: "الحائط ينظر إليك" إذا كان قريبًا منك حيث تراه، ومنه قول الشاعر: (1) إِذَا نَظَرْتَ بِلادَ بَنِي تَمِيمٍ بِعَيْنٍ أَوْ بِلادَ بَنِي صُبَاحِ
(1)
لم أعرف قائله.

(1)

يريد: تقابل نبتُها وعُشْبها وتحاذَى.
* * *
قال أبو جعفر: فمعنى الكلام: وترى، يا محمد، آلهة هؤلاء المشركين من عبدة الأوثان، يقابلونك ويحاذونك، وهم لا يبصرونك، لأنه لا أبصار لهم. وقيل: "وتراهم" ، ولم يقل: "وتراها" ، لأنها صور مصوَّرة على صور بني آدم عليه السلام.
* * *
القول في تأويل قوله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) }
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:
فقال بعضهم: تأويله: (خذ العفو) من أخلاق الناس، وهو الفضل وما لا يجهدهم. (2)
* ذكر من قال ذلك:
15535 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن مجاهد، في قوله: (خذ العفو) قال: من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس. (3)
15536 - حدثنا يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله: (خذ العفو) قال: عفو أخلاق الناس، وعفوَ أمورهم.
15537 - حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدثني ابن أبي الزناد،
(1)
نوادر أبي زيد: 131، أساس البلاغة (عين) ، المقاييس 4: 203، ورواية أبي زيد:إذا نظرت بلاد بني حبيب ... بعينٍ أو بلاد بني صباح

رميناهم بكل أقب نهدٍ ... وفتيان الغدو مع الرواح
ولا أدري ما (( بنو حبيب )) ، وأما (( بنو صباح )) ، فهم في ضبة، والظاهر أن في غيرهم من العرب أيضاً (( بنو صباح )) . انظر الاشتقاق: 122. ورواية الزمخشري وابن فارس (( بلاد بني نمير )) ، فلا أدري ما أصح ذلك، حتى يعرف صاحب الشعر، وفيمن قيل. قال الزمخشري قبل استشهاده بالشعر: (( نظرت الأرض بعين أو بعينين )) ، إذا طلع بأرض ما ترعاه الماشية بغير استكمال. وقال ابن فارس: إذا طلع النبت، وكل هذا محمول، واستعارة وتشبيه.
(2)
(1) انظر تفسير (( العفو )) فيما سلف 4: 337 - 343.

(3)
(2) في المخطوطة هنا، وفي الذي يليه رقم: 15539 (( تحسيس )) بالياء، ولا أدرى ما هو. و (( تحسس الشيء )) تبحثه وتطلبه، كأنه يعني الاستقصاء في الطلب، يؤيد هذا ما سيأتي برقم: 15542.

عن هشام بن عروة، عن أبيه في قوله: (خذ العفو) ،.. الآية. قال عروة: أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. (1)
15538 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن الزبير قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس: (خذ العفو وأمر بالعرف) ، الآية. (2)
15539 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج قال: بلغني عن مجاهد: (خذ العفو) ، من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس. (3)
15540 -.... قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن ابن الزبير: (خذ العفو) قال: من أخلاق الناس، والله لآخذنَّه منهم ما صحبتم. (4)
15541 -.... قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن الزبير (5) قال: إنما أنزل الله: (خذ العفو) ، من أخلاق الناس.
15542 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (خذ العفو) قال: من أخلاق
(1)
(1) الأثر: 15537 - رواه البخاري في صحيحه (الفتح 8: 229) من طريق عبد الله بن براد، عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير. وانظر ما قاله فيه الحافظ ابن حجر.

(2)
(2) الأثر: 15538 - (( هشام بن عروة بن الزبير )) ، ثقة، معروف، مضي مرارًا.وأبوه (( عروة بن الزبير )) ، يروى عن أخيه (( عبد الله بن الزبير )) . وكان في المطبوعة هنا: (( عن أبي الزبير )) ، وهو خطأ، صوابه ما كان في المخطوطة.

وهذا خبر صحيح، رواه البخاري في صحيحه (الفتح 8: 299) وسيأتي برقم 15541، بإسناد آخر
(3)
انظر التعليق السالف، ص: 326 رقم: 2.

(4)
الأثر: 15540 - (( ابن الزبير )) ، وهو (( عبد الله بن الزبير )) ، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا (( أبي الزبير )) ، وهو خطأ صححناه آنفاً.

(5)
في المطبوعة هنا (( عن أبي الزبير )) ، وهو خطأ كما أسلفت.

الناس وأعمالهم، من غير تحسس =أو تجسس، شك أبو عاصم. (1)
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: خذ العفو من أموال الناس، وهو الفضل. قالوا: وأمر بذلك قبل نزول الزكاة، فلما نزلت الزكاة نُسِخ.
* ذكر من قال ذلك:
15543 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله (خذ العفو) ، يعني: خذ ما عفا لك من أموالهم، وما أتوك به من شيء فخذه. فكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت الصدقات إليه.
15544 - حدثني محمد بن الحسين. قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: (خذ العفو) ، أما "العفو" : فالفضل من المال، نسختها الزكاة.
15545 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: (خذ العفو) ، يقول: خذ ما عفا من أموالهم. وهذا قبل أن تنزل الصدقة المفروضة.
* * *
وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ من الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالعفو عن المشركين، وترك الغلظة عليهم قبل أن يفرض قتالهم عليه.
* ذكر من قال ذلك:
15546 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: (خذ العفو) قال: أمره فأعرض عنهم عشر سنين بمكة. قال: ثم أمره بالغلظة عليهم، وأن يقعد لهم كل مَرْصَد، وأن يحصرهم، ثم قال: (فَإِنْ تَابُوا
(1)
(( التجسس )) ، مثل (( التحسس )) ، مع خلاف يسير، وانظر ما سلف ص: 326، تعليق رقم: 2.

وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) ، [سورة التوبة: 5، 11] الآية، كلها. وقرأ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) ، [سورة التوبة: 73 / سورة التحريم: 9] قال: وأمر المؤمنين بالغلظة عليهم، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) ، [سورة التوبة: 123] بعدما كان أمرهم بالعفو. وقرأ قول الله: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) ، [سورة الجاثية: 14] ثم لم يقبل منهم بعد ذلك إلا الإسلام أو القتل، فنسخت هذه الآية العفو. (1)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: خذ العفو من أخلاق الناس، واترك الغلظة عليهم = وقال: أُمر بذلك نبيّ الله صلى الله عليه وسلم في المشركين.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك تعليمَه نبيَّه صلى الله عليه وسلم محاجَّته المشركين في الكلام، وذلك قوله: (قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون) ، وعقَّبه بقوله: (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا) ، فما بين ذلك بأن يكون من تأديبه نبيَّه صلى الله عليه وسلم في عشرتهم به، (2) أشبهُ وأولى من الاعتراض بأمره بأخذ الصدقة من المسلمين.
* * *
فإن قال قائل: أفمنسوخ ذلك؟
قيل: لا دلالة عندنا على أنه منسوخ، إذ كان جائزًا أن يكون = وإن كان الله أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم في تعريفه عشرةَ من لم يُؤْمَر بقتاله من المشركين = مرادًا به تأديبُ نبيّ الله والمسلمين جميعًا في عشرة الناس، وأمرهم بأخذ عفو
(1)
مضي خبر آخر برقم: 4175، فيه ذكر هذه الآية، وتفسيرها بذلك عن ابن عباس.

(2)
قوله: (( به )) في آخر الجملة، متعلق بقوله في أولها (( من تأديبه )) ، كأنه قال (( من تأديبه به )) ، أي بهذا الذي بين الآيتين.

أخلاقهم، فيكون وإن كان من أجلهم نزل تعليمًا من الله خلقه صفةَ عشرة بعضهم بعضًا، [إذا] لم يجب استعمال الغلظة والشدة في بعضهم، (1) فإذا وجب استعمال ذلك فيهم، استعمل الواجب، فيكون قوله: (خذ العفو) ، أمرًا بأخذه ما لم يجب غيرُ العفو، فإذا وجب غيره أخذ الواجب وغير الواجب إذا أمكن ذلك. فلا يحكم على الآية بأنها منسوخة، لما قد بينا ذلك في نظائره في غير موضع من كتبنا. (2)
* * *
وأما قوله: (وأمر بالعرف) ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم بما: -
15547 - حدثني الحسن بن الزبرقان النخعي قال: حدثني حسين الجعفي، عن سفيان بن عيينة، عن رجل قد سماه قال: لما نزلت هذه الآية: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل، ما هذا؟ قال: ما أدري حتى أسأل العالِم! قال: ثم قال جبريل: يا محمد، إن الله يأمرك أن تَصِل مَن قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. (3)
15548 - حدثني يونس قال: أخبرنا سفيان، عن أمَيّ قال: لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله يأمرك أن تعفوَ عمن ظلمك، وتعطيَ من حرمك، وتصل من قطعك. (4)
* * *
(1)
في المطبوعة (( لم يجب )) ، بغير (( إذا )) ، فوضعتها بين قوسين، فالسياق يتطلبها، وإلا اضطرب الكلام.

(2)
انظر مقالة أبي جعفر في (( النسخ )) فيما سلف من فهارس الأجزاء الماضية.

(3)
الأثر: 15547 - (( الحسن بن الزبرقان النخعي )) ، شيخ الطبري، مضى برقم: 2995. والرجل الذي لم يسم في هذا الخبر هو (( أمي بن ربيعة )) ، الذي يأتي في الخبر التالي.

(4)
الأثر: 15548 - (( سفيان )) هو ابن عيينة. و (( أمي )) هو: (( أمي بن ربيعة المرادى الصيرفي )) ، سمع الشعبي، وعطاء، وطاوس. روى عنه سفيان بن عيينة، وشريك. ثقة. مترجم في التهذيب، وابن سعد 6: 254، والكبير 1/2/ 67، وابن أبي حاتم 1/1/ 347. وكان في المخطوطة فوق (( أمى )) حرف (ط) دلالة على الخطأ، وبالهامش (كذا) ، ولكن الناسخ جهل الاسم فأشكل علية. فجاء في المطبوعة فجعله (( أبى )) ، وكذلك في تفسير ابن كثير 3: 618، والصواب ما اثبت. وهذا الخبر، رواه (( أمى بن ربيعة )) ، عن الشعبي، كما يظهر ذلك من روايات الخبر في ابن كثير، والدر المنثور 3: 153.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.88 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.25 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.37%)]