عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 17-07-2025, 01:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,779
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد

تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الثالث عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الأعراف
الحلقة (714)
صــ 301 إلى صــ 310





(1)
سُؤَالَ حَفِيٍّ عَنْ أَخِيهِ كَأَنَّهُ بِذِكْرَتِهِ وَسْنَانُ أَوْ مُتَوَاسِنُ (2)

* * *
وأما قوله: (قل إنما علمها عند الله) ، فإن معناه: قل، يا محمد، لسائليك عن وقت الساعة وحين مجيئها: لا علم لي بذلك، ولا علم به إلا [عند] الله الذي يعلم غيب السموات والأرض (3) = (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ، يقول: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك لا يعلمه إلا الله، بل يحسبون أن علم ذلك يوجد عند بعض خلقه.
* * *
(1)
هو المعطل الهذلي.

(2)
ديوان الهذليين 3: 45 من قصيدة له طويلة. وبهذه الرواية التي رواها أبو جعفر (( سؤال حفي )) ، يختل سياق الشعر. وروايته في ديوانه: فإن ترني قصدًا قريبًا، فإنه ... بعيد علي المرء الحجازي أين

بعيد على ذى حاجة، ولو أننى ... إذا نفجت يوماً بها الدار آمن
يقول الذي أمسى إلى الحرز أهله: ... بأي الحشاء أمسى الخليط المباين
سؤال الغني عن أخيه، كأنه ... بذكرته وسنان أو متواسن
و (( الذي أمسى إلى الحرز أهله )) هو الذي صار في مكان حصين آمناً مطمئناً، فهو يسأل عنه ويقول: (( بأي الحشا )) ، بأي النواحي أمسي فلان؟ وهو صاحبه المفارق. ثم يقول: إنه يسأل سؤال غير حفي - لا سؤال حفي - (( سؤال غني عن أخيه )) وأنما يذكره كالنائم أو المتناوم، لقلة حفاوة به. فهذا نقيض رواية أبي جعفر. وكان في المطبوعة: (( يذكره وسنان )) ، والصواب من المخطوطة والديوان.
(3)
في المطبوعة: (( ولا يعلم به إلا الله )) وليس بجيد، وأثبت ما في المخطوطة وزدت ما يقتضيه السياق بين قوسين.

القول في تأويل قوله: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لسائليك عن الساعة: "أيان مرساها؟" = (لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا) ،
يقول: لا أقدر على اجتلاب نفع إلى نفسي، ولا دفع ضر يحلّ بها عنها إلا ما شاء الله أن أملكه من ذلك، بأن يقوّيني عليه ويعينني (1) = (ولو كنت أعلم الغيب) ، يقول: لو كنت أعلم ما هو كائن مما لم يكن بعد (2) = (لاستكثرت من الخير) ، يقول: لأعددت الكثير من الخير. (3)
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى "الخير" الذي عناه الله بقوله: (لاستكثرت من الخير) . (4) فقال بعضهم: معنى ذلك: لاستكثرت من العمل الصالح.
* ذكر من قال ذلك:
15494 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: قوله: (قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا) قال: الهدى والضلالة = (لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) قال: "أعلم الغيب" ، متى أموت = لاستكثرت من العمل الصالح.
15495 - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، مثله.
15496 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء) ،: قال: لاجتنبت ما يكون من الشرّ واتَّقيته.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: "ولو كنت أعلم الغيب" لأعددت للسَّنة المجدبة من المخصبة، ولعرفت الغلاء من الرُّخْص، واستعددت له في الرُّخْص.
* * *
(1)
انظر تفسير (( ملك )) فيما سلف 10: 147، 187، 317.

(2)
انظر تفسير (( الغيب )) فيما سلف 11: 464، تعليق: 2، والمراجع هناك.

(3)
انظر تفسير (( استكثر )) فيما سلف 12: 115.

(4)
انظر تفسير (( الخير )) فيما سلف 2: 505 / 7: 91.

وقوله: (وما مسني السوء) ، يقول: وما مسني الضر (1) = (إن أنا إلا نذير وبشير) ، يقول: ما أنا إلا رسولٌ لله أرسلني إليكم، أنذر عقابه مَن عصاه منكم وخالف أمره، وأبشّرَ بثوابه وكرامته من آمن به وأطاعه منكم. (2)
* * *
وقوله: (لقوم يؤمنون) ، يقول: يصدقون بأني لله رسول، ويقرون بحقية ما جئتهم به من عنده. (3)
* * *
القول في تأويل قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) ، يعني بالنفس الواحدة: آدم، (4) كما: -
15497 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: (خلقكم من نفس واحدة) قال: آدم عليه السلام. (5)
(1)
انظر تفسير (( المس )) فيما سلف 12: 573، تعليق: 2، والمراجع هناك.

(2)
انظر تفسير (( نذير )) فيما سلف ص: 290، تعليق: 2، والمراجع هناك. = وتفسير (( بشير )) فيما سلف 11: 369، تعليق 1، والمراجع هناك.

(3)
في المطبوعة: (( بحقية ما جئتهم به )) ، والصواب من المخطوطة، وقد غيرها في مئات من المواضع، انظر ما سلف ص: 113، تعليق: 1 والمراجع هناك. و (( الحقيقة )) ، مصدر، بمعني الصدق والحق، كما أسلفت.

(4)
انظر تفسير (( نفس واحدة )) فيما سلف 7: 513، 514.

(5)
الأثر: 15497 - مضى برقم: 8402

15498 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) ، من آدم. (1)
* * *
ويعني بقوله: (وجعل منها زوجها) ،: وجعل من النفس الواحدة، وهو آدم، زوجها حواء، (2) كما: -
15499 - حدثني بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة. (وحمل منها زوجها) ،: حواء، فجعلت من ضلع من أضلاعه، ليسكن إليها. (3)
* * *
ويعني بقوله: (ليسكن إليها) ،: ليأوي إليها لقضاء حاجتة ولذته. (4)
* * *
ويعني بقوله: (فلما تغشاها) ، فلما تدثَّرها لقضاء حاجته منها، فقضى حاجته منها = (حملت حملا خفيفًا) ، وفي الكلام محذوف، ترك ذكرُه استغناءً بما ظهر عما حذف، وذلك قوله: (فلما تغشاها حملت) ، وإنما الكلام: فلما تغشاها =فقضى حاجته منها= حملت.
* * *
وقوله: (حملت حملا خفيفًا) ، يعني ب "خفة الحمل" : الماء الذي حملته حواء في رَحِمها من آدم، أنه كان حملا خفيفًا، وكذلك هو حملُ المرأة ماءَ الرجل خفيفٌ عليها.
* * *
وأما قوله: (فمرت به) ، فإنه يعني: استمرَّت بالماء: قامت به وقعدت، وأتمت الحمل، كما: -
15500 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو أسامة، عن أبي عمير، عن أيوب قال: سألت الحسن عن قوله: (حملت حملا خفيفًا فمرت به) قال:
(1)
الأثر: 15498 - مضى برقم: 8401.

(2)
انظر تفسير (( جعل )) فيما سلف من فهارس اللغة (جعل) .

(3)
الأثر: 15499 - مضى برقم: 8405.

(4)
في المطبوعة والمخطوطة: (( لقضاء الحاجة ولذته )) ، والسياق يقتضى ما أثبت.

لو كنت امرءًا عربيًّا لعرفت ما هي؟ إنما هي: فاستمرَّت به. (1)
15501 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: (فلما تغشاها حملت حملا خفيفًا فمرت به) ، استبان حملها.
15502 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فمرت به) قال: استمرّ حملها.
15503 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قوله: (حملت حملا خفيفًا) قال: هي النطفة = وقوله: (فمرّت به) ، يقول: استمرّت به.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: فشكَّت فيه.
* ذكر من قال ذلك:
15504 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: (فمرت به) قال: فشكت، أحملت أم لا؟
* * *
ويعني بقوله: (فلما أثقلت) ، فلما صار ما في بطنها من الحمل الذي كان خفيفًا، ثقيلا ودنت ولادتها.
* * *
يقال منه: "أثقلت فلانة" إذا صارت ذات ثقل بحملها، كما يقال: "أَتْمَرَ فلان" : إذا صار ذا تَمْر. كما: -
15505 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي: (فلما أثقلت) ،: كبر الولد في بطنها.
* * *
(1)
الأثر: 15500 (( أبو عمير )) ، هو (الحارث بن عمير البصري) . ثقة متكلم فيه، مترجم في التهذيب، والكبير 1 / 2 / 83. و (( أيوب )) هو السختياني، (( أيوب بن أبي تميمه، مترجم في التهذيب، والكبير 1 / 1 / 409، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 255.

قال أبو جعفر: (دعوا الله ربهما) ، يقول: نادى آدم وحواء ربهما وقالا يا ربنا، "لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين" .
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى "الصلاح" الذي أقسم آدم وحواء عليهما السلام أنه إن آتاهما صالحًا في حمل حواء: لنكونن من الشاكرين.
فقال بعضهم: ذلك هو أن يكون الحمل غلامًا.
* ذكر من قال ذلك:
15506 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الحسن، في قوله: (لئن آتيتنا صالحًا) قال: غلامًا.
* * *
وقال آخرون: بل هو أن يكون المولود بشرًا سويًّا مثلهما، ولا يكون بهيمة.
* ذكر من قال ذلك:
15507 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن زيد بن جبير الجُشَمي، عن أبي البختري، في قوله: (لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين) قال: أشفقا أن يكون شيئًا دون الإنسان. (1)
15508 - ... قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن زيد بن جبير، عن أبي البختري قال: أشفقا أن لا يكون إنسانًا.
15509 - ... قال: حدثنا محمد بن عبيد، عن إسماعيل، عن أبي صالح قال: لما حملت امرأة آدم فأثقلت، كانا يشفقان أن يكون بهيمة، فدعوا ربهما: (لئن آتيتنا صالحًا) ، الآية.
15510 - ... قال: حدثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: أشفقا أن يكون بهيمة.
(1)
الأثر: 15507 - (( زيد بن جبير الحشمي الطائى )) ، ثقة، روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير 2 / 1 / 356، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 558. وكان في المطبوعة: (( الحسمي )) ، غير منقوطة كما في المخطوطة، والصواب ما أثبت.

15511 - حدثني القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال سعيد بن جبير: لما هبط آدم وحواء، ألقيت الشهوة في نفسه فأصابها، فليس إلا أن أصابها حملت، فليس إلا أن حملت تحرك في بطنها ولدها، (1) قالت: ما هذا؟ فجاءها إبليس، فقال [لها: إنك حملت فتلدين! قالت: ما ألد؟ قال] : (2) أترين في الأرض إلا ناقةً أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة، أو بعض ذلك! (3) [ويخرج من أنفك، أو من أذنك، أو من عينك] . (4) قالت: والله ما مني شيء إلا وهو يضيق عن ذلك! قال: فأطيعيني وسميه "عبد الحارث" = [وكان اسمه في الملائكة الحارث] = (5) تلدي شبهكما مثلكما! قال: فذكرت ذلك لآدم عليه السلام، فقال: هو صاحبنا الذي قد علمت! (6) فمات، ثم حملت بآخر، فجاءها فقال: أطيعيني وسميه عبد الحارث -وكان اسمه في الملائكة الحارث= وإلا ولدت ناقة أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة، أو قتلته، فإني أنا قتلت الأول! قال: فذكرت ذلك لآدم، فكأنه لم يكرهه، فسمته "عبد الحارث" ، فذلك قوله: (لئن آتيتنا صالحًا) ، يقول: شبهنا مثلنا = (فلما آتاهما صالحًا) قال: شبههما مثلهما. (7)
15512 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي: (فلما أثقلت) ، كبر الولد في بطنها، جاءها إبليس، فخوَّفها وقال لها:
(1)
هذا تعبير جيد، يصور سرعة حدوث ذلك، ولو شاء أن يقوله قائل، لقال: (( فليس إلا أن أصابها حتي حملت. . . )) ، فتهوى العبارة من قوة إلى ضعف.

(2)
الزيادة بين القوسين من الدر المنثور3: 152، وهي زيادة لا بد منها. والمخطوطة مضطربة في الوضع.

(3)
في المطبوعة والدر المنثور: (( هو بعض ذلك )) .

(4)
الزيادة بين القوسين من الدر المنثور، ولا يستقيم الكلام إلا بها.

(5)
هذه الزيادة أيضا من الدر المنثور.

(6)
في المطبوعة: (( هو صاحبنا الذي قد أخرجنا من الجنة )) ، وفي المخطوطة: (( الذي قد فمات )) وبين (( قد )) و (( فمات )) حرف (( ط )) وبالهامش و (( كذا )) . وأثبت نص العبارة من الدر المنثور.

(7)
الأثر: 15511 - هذه أخبار باطلة كما أشرنا إليه مرارًا.

ما يدريك ما في بطنك؟ لعله كلب، أو خنزير، أو حمار! وما يدريك من أين يخرج؟ أمن دبرك فيقتلك، أو من قُبُلك، أو ينشق بطنك فيقتلك؟ فذلك حين (دعوا الله ربهما لئن آتينا صالحًا) ، يقول: مثلنا = (لنكونن من الشاكرين) .
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن آدم وحواء أنهما دعَوا الله ربهما بحمل حواء، وأقسما لئن أعطاهما ما في بطن حواء، صالحًا ليكونان لله من الشاكرين.
و "الصلاح" قد يشمل معاني كثيرة: منها "الصلاح" في استواء الخلق، ومنها "الصلاح" في الدين، و "الصلاح" في العقل والتدبير.
وإذ كان ذلك كذلك، ولا خبر عن الرسول يوجب الحجة بأن ذلك على بعض معاني "الصلاح" دون بعض، ولا فيه من العقل دليل، وجب أن يُعَمَّ كما عمَّه الله، فيقال: إنهما قالا (لئن آتيتنا صالحًا) بجميع معاني "الصلاح" . (1)
* * *
وأما معنى قوله: (لنكونن من الشاكرين) ، فإنه: لنكونن ممن يشكرك على ما وهبت له من الولد صالحًا.
* * *
القول في تأويل قوله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما رزقهما الله ولدًا صالحًا كما سألا =جعلا له شركاء فيما آتاهما ورزقهما.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في "الشركاء" التي جعلاها فيما أوتيا من المولود.
فقال بعضهم: جعلا له شركاء في الاسم.
* ذكر من قال ذلك:
(1)
انظر تفسير (( الصلاح )) فيما سلف من فهارس اللغة (صلح) .

15513 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت حوّاء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه "عبد الحارث" ، فعاش لها ولد، فسمته "عبد الحارث" ، (1) وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان. (2)
(1)
في المطبوعة: (( من وحي الشيطان )) ، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الموافق لما في المراجع.

(2)
الأثر: 15513 - (( عبد الصمد )) هو (( عبد الصمد بن عبد الوارث )) . مضى مرارًا.

و (( عمر بن إبراهيم العبدى )) ، وثقه أحمد وغيره، ولكنه قال: (( يروى عن قتادة أحاديث مناكير، يخالف )) . وقال أبو حاتم: (( يكتب حديثه ولا يحتج به )) ، وقال ابن عدى: يروى عن قتادة أشياء لا يوافق عليها، وحديثه خاصة عن قتادة مضطرب )) . وذكره ابن حبان في الثقاب وقال: (( يخطئ، ويخالف )) . ثم ذكره في الضعفاء فقال: (( كان ممن ينفرد عن قتادة بما لا يشبه حديثه. فلا يعجبنى الاحتجاج به إذا انفرد. فأما فيما روى الثقات، فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأساً )) ، وقال الدارقطني: (لين، يترك ) ) . مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 98، وميزان الاعتدال 2: 248.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5: 11، بغير هذا اللفظ، ورواه بهذا اللفظ الحاكم في المستدرك 2: 545، وقال: (( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه )) ، ووافقه الذهبي. وأخرجه الترمذي في تفسير الآية وقال: (( هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، عن قتادة. وقد رواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه )) .
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3: 611، 612، وأعله من ثلاثة وجوه:
الأول: أن عمر بن إبراهيم لا يحتج به =
الثاني: أنه قد روى من قول سمرة نفسه غير مرفوع
= الثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، وذكر بعض أخبار أبي جعفر بأسانيدها رقم 15526 - 15528، ثم قال: (( وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله عنه أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية. ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره، ولاسيما مع تقواه وورعه. فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم، مثل كعب أو وهب بن منيه وغيرهما، كما سيأتي بيانه إن شاء الله، إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم )) .
قلت: وسترى أن أبا جعفر قد رجح أن المعني بذلك آدم وحواء، قال: (( لإجماع الحجة من أهل التأويل علي ذلك )) . وإجماع أهل التأويل في مثل هذا، مما لا يقوم الأول: لأن الآية مشكلة، ففيها نسبة الشرك إلى آدم الذي اصطفاه ربه، بنص كتاب الله، وقد أراد أبو جعفر أن يخرج من ذلك، فزعم (ص: 315) أن القول عن آدم وحواء انقضى عند قوله: (( جعلا له شركاء فيما آتاهما، ثم استأنف قوله: (( فتعالى الله عما يشركون )) ، يعنى عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان.وهذا مخرج ضعيف جداً.
الثاني أن مثل هذا المشكل في أمر آدم وحواء، ونسبة الشرك إليهما، مما لا يقضى به، إلا بحجة يجب التسليم لها من نص كتاب، أو خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا خبر بذلك، إلا هذا الخبر الضعيف الذي بينا ضعفه، وأنه من رواية عمر بن إبراهيم، عن قتادة. وروايته عن قتادة مضطربة، خالف فيها ما روى عن الحسن، أنه عنى بالآية بعض أهل الملل والمشركون.
هذا، وقد رد هذا القول، جماعة من المفسرين، كابن كثير في تفسيره، والفخر الرازي (3: 243 - 345) ، وحاول الزمخشرى في تفسيره أن يرده فلم يحسن، وتعقبه أحمد بن محمد بن المنير في الإنصاف. وغير هؤلاء كثير.
ولكن بعد هذا كله، نجد إن تفسير ألفاظ الآية، ومطابقته للمعنى الصحيح الذي ذهب العلماء إليه في نفي الشرك عن أبينا آدم عليه السلام، وفي أن الآية لا تعنى أبانا آدم وأمنا حواء = بقى مبهماً، لم يتناوله أحد ببيان صحيح. وكنت أحب أن يتيسر لى بيانه في هذا الموضع، ولكنى وجدت الأمر أعسر من أن أتكلم فيه في مثل هذا التعليق.
15514 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا معتمر، عن أبيه قال: حدثنا أبو العلاء، عن سمرة بن جندب: أنه حدث أن آدم عليه السلام سمى ابنه "عبد الحارث" .
15515 -.... قال: حدثنا المعتمر، عن أبيه قال: حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء بن الشخّير، عن سمرة بن جندب قال: سمى آدمُ ابنه: "عبد الحارث" . (1)
15515 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت حوّاء تلد لآدم، فتعبِّدهم لله، وتسميه "عبيد الله" و "عبد الله" ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاها إبليسُ وآدمَ، فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش! فولدت له رجلا فسماه "عبد الحارث" ، ففيه أنزل الله تبارك وتعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) ، إلى قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما) ، إلى آخر الآية.
15517 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي
(1)
الأثر: 15514، 15515 - (( أبو العلاء بن الشخير )) ، منسوب إلى جده، وهو: (( يزيد بن عبد الله بن الشخير العامرى )) ، تابعى عابد ثقة، كان يقرأ في المصحف حتى يغشى عليه، فكان أخوه مطرف يقول له: (( أغن عنا مصحفك سائر اليوم )) . مترجم في التهذيب، وابن سعد 7/1/113، والكبير 4/2/345، وابن أبي حاتم 4/2/274.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.35 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.26%)]