
16-07-2025, 05:20 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,533
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الثانى عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الأعراف
الحلقة (665)
صــ 381 إلى صــ 390
وقال آخرون: بل عنى بذلك: واجعلوا سجودكم لله خالصًا، دون ما سواه من الآلهة والأنداد.
* ذكر من قال ذلك.
14476- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) ، قال: في الإخلاص، أن لا تدعوا غيره، وأن تخلصوا له الدين.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية، ما قاله الربيع: وهو أن القوم أُمِروا أن يتوجهوا بصلاتهم إلى ربهم، لا إلى ما سواه من الأوثان والأصنام، وأن يجعلوا دعاءهم لله خالصًا، لا مُكاءً ولا تصدية. (1)
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله إنما خاطب بهذه الآية قومًا من مشركي العرب، لم يكونوا أهل كنائس وبيع، وإنما كانت الكنائس والبِيَع لأهل الكتابين. فغير معقول أن يقال لمن لا يصلي في كنيسة ولا بِيعة: "وجِّه وجهك إلى الكعبة في كنيسة أو بِيعةٍ" .
* * *
وأما قوله: (وادعوه مخلصين له الدين) ، فإنه يقول: واعملوا لربكم مخلصين له الدين والطاعة، لا تخلطوا ذلك بشرك، ولا تجعلوا في شيء مما تعملون له شريكًا، (2) كما:-
14477- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: (وادعوه مخلصين له الدين) ، قال: أن تخلصوا له الدين والدعوة والعمل، ثم توجِّهون إلى البيت الحرام.
* * *
(1) (( المكاء )) : الصفير، و (( التصدية )) : التصفيق. كانوا يطوفون بالبيت عراة يصفرون بأفواههم، ويصفقون بأيديهم.
(2) انظر تفسير (( الدعاء )) ، و (( الإخلاص )) فيما سلف من فهارس اللغة (دعا) و (خلص) .
القول في تأويل قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ}
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (كما بدأكم تعودون) .
فقال بعضهم: تأويله: كما بدأكم أشقياء وسُعَداء، كذلك تبعثون يوم القيامة.
* ذكر من قال ذلك:
14478- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: (كما بدأكم تعودون فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة) ، قال: إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا، كما قال جل ثناؤه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) ، [سورة التغابن: 2] ، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم، مؤمنًا وكافرًا.
14479- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور قال، حدثنا أصحابنا، عن ابن عباس: (كما بدأكم تعودون) ، قال: يبعث المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا.
14480- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يحيى بن الضريس، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن رجل، عن جابر قال: يبعثون على ما كانوا عليه، المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه. (1)
14481- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية قال: عادوا إلى علمه فيهم، ألم تسمع إلى قول الله فيهم: (كما بدأكم تعودون) ؟ ألم تسمع قوله: (فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة) ؟.
(1) الأثر: 14480 - (( يحيى بن الضريس بن يسار البجلي الرازي )) ثقة، كان صحيح الكتب، جيد الأخذ. مترجم في التهذيب، والكبير 4 /2 / 282، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 158.
14482- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: (كما بدأكم تعودون) ، قال: رُدُّوا إلى علمه فيهم.
14483- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو همام الأهوازي قال، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب في قوله: (كما بدأكم تعودون) ، قال: من ابتدأ الله خلقه على الشِّقوة صار إلى ما ابتدأ الله خلقه عليه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة، ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه. ومن ابتدئ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملت بأعمال أهل الشقاء، (1) ثم صاروا إلى ما ابتدئ عليه خلقهم.
14484- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن وِقَاء بن إياس أبي يزيد، عن مجاهد: (كما بدأكم تعودون) ، قال: يبعث المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا. (2)
14485- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو دكين قال، حدثنا سفيان، عن أبي يزيد، عن مجاهد: (كما بدأكم تعودون) ، قال: يبعث المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا. (3)
14486- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا محمد بن أبي الوضاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: (كما بدأكم تعودون) ، قال: كما كتب عليكم تكونون.
(1) يعني سحرة فرعون، الذين آمنوا بموسى عليه وعلى نبينا السلام.
(2) الأثر: 14484 - (( وقاء بن إياس الأسدي الوالبي )) ، أبو يزيد، ثقة، متكلم فيه، قال يحيى بن سعيد: (( ما كان بالذي يعتمد عليه )) . مترجم في التهذيب، والكبير 4 /2 / 188، ولم يذكر فيه جرحًا، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 49. وكان في المخطوطة: (( ورقاء بن إياس )) ، والصواب ما في المطبوعة.
(3) الأثر: 14485 - (( أبو يزيد )) ، هو (( وقاء بن إياس )) ، المترجم في التعليق السالف.
14487- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، مثله.
14488- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (كما بدأكم تعودون فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة) ، يقول: كما بدأكم تعودون، كما خلقناكم، فريق مهتدون، وفريق ضال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم.
14489- حدثنا ابن بشار، قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا أبي سفيان، عن الأعمش، عن سفيان، عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تُبعث كل نفس على ما كانت عليه. (1)
14490- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود الحفري، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير: (كما بدأكم تعودون) ، قال: كما كتب عليكم تكونون.
14491- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا حماد بن زيد، عن ليث، عن مجاهد قال، يبعث المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا.
14492- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (كما بدأكم تعودون) ، شقيًّا وسعيدًا.
14493- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قراءة عن مجاهد، مثله.
* * *
(1) الأثر: 14489 - (( أبو سفيان )) ، هو (( طلحة بن نافع القرشي الواسطي )) ، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: 6654، 11517، 11518. وهو الذي يروي عن جابر، والأعمش روايته. وكان في المطبوعة والمخطوطة: (( عن سفيان، عن جابر )) ، وهو خطأ لا شك فيه، صوابه منقولا عن تفسير الطبري، في تفسير ابن كثير 3: 466.
وهذا خبر صحيح الإسناد. رواه مسلم في صحيحه 17: 210، من طريقين عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، ولفظه: (( يبعث كل عبد على ما مات عليه )) .
رواه ابن ماجه في سننه 1414، رقم: 4230، من طريق شريك، عن الأعمش، ولفظه: (( يحشر الناس على نياتهم )) .
وقال آخرون: معنى ذلك: كما خلقكم ولم تكونوا شيئًا، تعودون بعد الفناء.
* ذكر من قال ذلك:
14494- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا غندر، عن عوف، عن الحسن: (كما بدأكم تعودون) ، قال: كما بدأكم ولم تكونوا شيئًا فأحياكم، كذلك يميتكم، ثم يحييكم يوم القيامة.
14495- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى، عن عوف، عن الحسن: (كما بدأكم تعودون) ، قال: كما بدأكم في الدنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.
14496- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (كما بدأكم تعودون) ، قال: بدأ خلقهم ولم يكونوا شيئًا، ثم ذهبوا، ثم يعيدهم.
14497- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (كما بدأكم تعودون فريقًا هدى) ، يقول: كما خلقناكم أول مرة، كذلك تعودون.
14498- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (كما بدأكم تعودون) ، يحييكم بعد موتكم.
14499- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (كما بدأكم تعودون) ، قال: كما خلقهم أولا كذلك يعيدهم آخرًا.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، القولُ الذي قاله من قال: معناه: كما بدأكم الله خلقًا بعد أن لم تكونوا شيئًا، تعودون بعد فنائكم خلقًا مثله، يحشركم إلى يوم القيامة = لأن الله تعالى ذكره: أمر نبيه صلى الله
عليه وسلم أن يُعْلم بما في هذه الآية قومًا مشركين أهلَ جاهلية، لا يؤمنون بالمعاد، ولا يصدِّقون بالقيامة. فأمره أن يدعوهم إلى الإقرار بأن الله باعثهم يوم القيامة، ومثيبُ مَنْ أطاعه، ومعاقبُ مَنْ عصاه. فقال له: قل لهم: أمرَ ربي بالقسط، وأن أقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وأن ادعوه مخلصين له الدين، وأن أقرُّوا بأنْ كما بدأكم تعودون = فترك ذكر "وأن أقروا بأن" . كما ترك ذكر "أن" مع "أقيموا" ، إذ كان فيما ذكر دلالة على ما حذف منه.
وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لأن يؤمر بدعاء مَنْ كان جاحدًا النشورَ بعد الممات، إلى الإقرار بالصفة التي عليها ينشر مَنْ نُشِر، وإنما يؤمر بالدعاء إلى ذلك مَنْ كان بالبعث مصدّقًا، فأما مَنْ كان له جاحدًا، فإنما يدعى إلى الإقرار به، ثم يعرَّف كيف شرائط البعث. على أن في الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي:-
14500- حدثناه محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثني المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يُحْشر الناس عُراة غُرْلا وأوّل مَنْ يكسى إبراهيم صلى الله عليه وسلم. ثم قرأ: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) ، [سورة الأنبياء: 104]
14501- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا إسحاق بن يوسف قال، حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.
14502- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة، فقال: يا أيها الناس، إنكم تحشرون
إلى الله حُفَاة غُرْلا (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) . (1)
* * *
= (2) ما يبيِّن صحة القول الذي قلنا في ذلك، من أن معناه: أن الخلقَ يعودون إلى الله يوم القيامة خلقًا أحياء، كما بدأهم في الدنيا خلقًا أحياء.
* * *
يقال منه: "بدأ الله الخلق يبدؤهم = وأبدأَهُم يُبْدِئهم إبداءً" ، بمعنى خلقهم، لغتان فصيحتان.
* * *
ثم ابتدأ الخبر جل ثناؤه عما سبق من علمه في خلقه، وجرى به فيهم قضاؤه، فقال: هدى الله منهم فريقًا فوفّقهم لصالح الأعمال فهم مهتدون، وحقَّ على فريق منهم الضلالة عن الهدى والرشاد، باتخاذهم الشيطان من دون الله وليًّا.
* * *
وإذا كان التأويل هذا، كان "الفريق" الأول منصوبًا بإعمال "هدى" فيه، و "الفريق" ، الثاني بوقوع قوله: "حق" على عائد ذكره في "عليهم" ، كما قال جل ثناؤه: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) ، (3) [سورة الإنسان: 31]
* * *
(1) الآثار: 14500 - 14502 - (( المغيرة بن النعمان النخعي )) ، ثقة، مضى برقم: 13622.
وهذا الخبر رواه البخاري من طريق شعبة، عن المغيرة في صحيحه (الفتح 8: 332 / 11: 331) مطولا، ورواه مسلم في صحيحه مطولا: 17: 193، 194 من طريق شعبة أيضًا. ورواه أحمد في المسند مطولا ومختصرًا رقم: 1950، 2027، من طريق سفيان الثوري مختصرًا، كما رواه الطبري. ثم رواه مطولا من طريق شعبة رقم: 2096، 2281، 2282. ورواه النسائي في سننه 4: 117.
وسيرويه أبو جعفر بأسانيده هذه فيما يلي، في تفسير (( سورة الأنبياء )) 17: 80 (بولاق) .
و (( الغرل )) جمع (( أغرل )) ، هو الأقلف الذي لم يختن.
(2) هذا تمام الكلام الأول، والسياق: (( على أن في الخبر الذي روى عن رسول الله ... ما يبيّن صحة القول )) .
(3) انظر معاني القرآن للفراء 1: 376.
ومن وجه تأويل ذلك إلى أنه: كما بدأكم في الدنيا صنفين: كافرًا، ومؤمنًا، كذلك تعودون في الآخرة فريقين: فريقًا هدى، وفريقًا حق عليهم الضلالة = نصب "فريقًا" ، الأول بقوله: "تعودون" ، وجعل الثاني عطفًا عليه. وقد بينا الصواب عندنا من القول فيه. (1)
* * *
القول في تأويل قوله: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الفريق الذي حق عليهم الضلالة، إنما ضلوا عن سبيل الله وجارُوا عن قصد المحجة، باتخاذهم الشياطين نُصراء من دون الله، وظُهراء، (2) جهلا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك، بل فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم على هدى وحق، وأن الصواب ما أتوه وركبوا.
وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعمَ أن الله لا يعذِّب أحدًا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادًا منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلّ وهو يحسَبُ أنه هادٍ. وفريق الهدى، (3) فَرْقٌ. وقد فرَّق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية.
* * *
(1) انظر تفسير (( فريق )) فيما سلف 11: 490، تعليق: 2، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير (( ولي )) فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .
(3) انظر تفسير (( حسب )) فيما سلف 10: 478، تعليق: 1، والمراجع هناك.
القول في تأويل قوله: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يتعرَّون عند طوافهم ببيته الحرام، ويبدون عوراتهم هنالك من مشركي العرب، والمحرِّمين منهم أكل ما لم يحرِّمه الله عليهم من حلال رزقه، تبرُّرًا عند نفسه لربه: (يا بني آدم خذوا زينتكم) ، من الكساء واللباس = (عند كل مسجد وكلوا) ، من طيبات ما رزقتكم، وحللته لكم = (واشربوا) ، من حلال الأشربة، ولا تحرِّموا إلا ما حَرَّمْتُ عليكم في كتابي أو على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
14503- حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا شعبة، عن سلمة، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النساء كنّ يطفن بالبيت عراة = وقال في موضع آخر: بغير ثياب = إلا أن تجعل المرأة على فرجها خِرقة، فيما وُصِف إن شاء الله، وتقول:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ
قال: فنزلت هذه الآية: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) . (1)
(1) الأثر: 14503 - حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، رواه أبو جعفر من ثلاث طرق، سأخرجها في هذا الموضع.
(( يحيى بن حبيب بن عربي الشيباني )) ، أبو زكرياء، ثقة، مضى برقم: 7818، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 137.
(( خالد بن الحارث بن عبيد الهجيمي )) ، ثقة ثبت إمام. مضى برقم: 7507، 7818، 9878.
و (( سلمة )) ، هو (( سلمة بن كهيل )) ، مضى مرارًا.
و (( مسلم البطين )) هو (( مسلم بن عمران )) ، ثقة روى له الجماعة.
وهذا الخبر، رواه مسلم في صحيحه 18: 162، من طريق غندر، عن شعبة (وهو الآتي رقم: 14506) .
ورواه الحاكم في المستدرك 2: 319، 320 من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، بنحوه، ولكن قال: (( نزلت هذه الآية: قل من حرم زينة الله )) ، ثم قال الحاكم: (( حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه )) ، ووافقه الذهبي.
14504- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانوا يطوفون عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول:
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|