عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 16-07-2025, 01:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,412
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد

تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الثانى عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الأنعام
الحلقة (645)
صــ 181 إلى صــ 190







حدثنا أسباط، عن السدي: (ومن الأنعام حمولة وفرشًا) ، أما "الحمولة" ، فالإبل. وأما "الفرش" ، فالفُصْلان والعَجَاجيل والغنم. (1) وما حمل عليه فهو "حمولة" .
14063- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (حمولة وفرشًا) ، "الحمولة" ، الإبل، و "الفرش" ، الغنم.
14064- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن: (وفرشًا) ، قال: "الفرش" ، الغنم.
14065- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (حمولة وفرشًا) قال: "الحمولة" ، ما تركبون، و "الفرش" ، ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل، تأكلون لحمها، وتتخذون من أصوافها لحافًا وفرشًا.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن "الحمولة" ، هي ما حمل من الأنعام، لأن ذلك من صفتها إذا حملت، لا أنه اسم لها، كالإبل والخيل والبغال، فإذا كانت إنما سميت "حمولة" لأنها تحمل، فالواجب أن يكون كل ما حَمَل على ظهره من الأنعام فحمولة. وهي جمع لا واحد لها من لفظها، كالرَّكوبة، و "الجزورة" . وكذلك "الفرش" ، إنما هو صفة لما لطف فقرب من الأرض جسمه، ويقال له: "الفرش" . وأحسبها سميت بذلك تمثيلا لها في استواء أسنانها ولطفها بالفَرْش من الأرض، وهي الأرض المستوية التي يتوطَّؤُها الناس.
فأما "الحمولة" ، بضم "الحاء" ، فإنها الأحمال، وهي "الحمول" أيضًا بضم الحاء.
* * *
(1)
(( العجاجيل )) جمع (( عجول )) (بكسر العين، وتشديد الجيم وفتحها، وسكون الواو) وهو (( العجل )) ولد البقر.

القول في تأويل قوله: {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) }
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: كلوا مما رزقكم الله، أيها المؤمنون، فأحلّ لكم ثمرات حروثكم وغروسكم، ولحوم أنعامكم، إذ حرّم بعض ذلك على أنفسهم المشركون بالله، فجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا وللشيطان مثله، فقالوا: "هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا" = (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) ، كما اتبعها باحرُو البحيرة، ومسيِّبو السوائب، فتحرموا على أنفسكم من طيب رزق الله الذي رزقكم ما حرموه، فتطيعوا بذلك الشيطان، وتعصوا به الرحمن، كما:-
14066- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) ، لا تتبعوا طاعته، هي ذنوب لكم، وهي طاعة للخبيث.
* * *
= إن الشيطان لكم عدو يبغي هلاككم وصدكم عن سبيل ربكم= (مبين) ، قد أبان لكم عدواته، (1) بمناصبته أباكم بالعداوة، حتى أخرجه من الجنة بكيده، وخدَعه حسدًا منه له، (2) وبغيًا عليه. (3)
* * *
(1)
في المطبوعة والمخطوطة: (( أبان لكم عدوانه )) ، وصوابها ما أثبت.

(2)
في المطبوعة: (( وحسدًا منه )) بالواو، والصواب ما في المخطوطة.

(3)
انظر تفسير (( خطوات الشيطان )) فيما سلف 2: 300 - 302 / 4: 258.

القول في تأويل قوله: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) }
قال أبو جعفر: وهذا تقريعٌ من الله جل ثناؤه العادلين به الأوثان من عبدة الأصنام، الذين بحروا البحائر، وسيَّبوا السوائب، ووصلوا الوصائل= وتعليم منه نبيَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، الحجةَ عليهم في تحريمهم ما حرموا من ذلك. فقال للمؤمنين به وبرسوله: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، ومن الأنعام أنشأ حمولة وفرشًا. ثم بين جل ثناؤه "الحمولة" و "الفرش" ، فقال: (ثمانية أزواج) .
* * *
وإنما نصب "الثمانية" ، لأنها ترجمة عن "الحمولة" و "الفرش" ، وبدل منها. كأن معنى الكلام: ومن الأنعام أنشأ ثمانية أزواج= فلما قدّم قبل "الثمانية" "الحمولة" و "الفرش" بيّن ذلك بعد فقال: (ثمانية أزواج) ، على ذلك المعنى.
* * *
(من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) ، فذلك أربعة، لأن كل واحد من الأنثيين من الضأن زوج، فالأنثى منه زوج الذكر، والذكر منه زوج الأنثى، وكذلك ذلك من المعز ومن سائر الحيوان. فلذلك قال جل ثناؤه: (ثمانية أزواج) ، كما قال: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) ، [سورة الذاريات: 49] ، لأن الذَّكر زوج الأنثى، والأنثى زوج الذكر، فهما وإن كانا اثنين فيهما زوجان، كما قال جل ثناؤه: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) ، [سورة الأعراف: 189] ، وكما قال: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) ، [سورة الأحزاب: 37] ، وكما:-
14067- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن
الضحاك: (من الضان اثنين) ، ذكر وأنثى، (ومن البقر اثنين) ، ذكر وأنثى= (ومن الإبل اثنين) ، ذكر وأنثى.
* * *
ويقال للاثنين: "هما زوج" ، (1) كما قال لبيد:
مِنْ كُلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُ ... زَوْجٌ عَلَيْهِ كِلَّةٌ وَقِرَامُهَا (2)
* * *
ثم قال لهم: كلوا مما رزقكم الله من هذه الثمار واللحوم، واركبوا هذه الحمولة، أيها المؤمنون، فلا تتبعوا خطوات الشيطان في تحريم ما حرم هؤلاء الجهلة بغير أمري إياهم بذلك.
= قل، يا محمد، لهؤلاء الذين حرّموا ما حرموا من الحرث والأنعام اتباعًا للشيطان، من عبدة الأوثان والأصنام الذين زعموا أن الله حرم عليهم ما هم محرمون من ذلك=: آلذكرين حرم ربكم، أيها الكذبة على الله، من الضأن والمعز؟ فإنهم إن ادعوا ذلك وأقرّوا به، كذبوا أنفسهم وأبانوا جهلهم. لأنهم إذا قالوا: "يحرم الذكرين من ذلك" ، أوجبوا تحريم كل ذكرين من ولد الضأن والمعز، وهم يستمتعون بلحوم الذكران منها وظهورها. وفي ذلك فساد دعواهم وتكذيب قولهم = (أم الأنثيين) ، فإنهم إن قالوا: "حرم ربنا الأنثيين" ، أوجبوا تحريم لحوم كل أنثى من ولد الضأن والمعز على أنفسهم وظهورها. وفي ذلك أيضًا تكذيب لهم، ودحض دعواهم أنّ ربهم حرم ذلك عليهم، إذ كانوا يستمتعون بلحوم بعض ذلك وظهوره = (أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) ، يقول: أم حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، يعني أرحام أنثى الضأن وأنثى المعز،
(1)
انظر تفسير (( الزوج )) فيما سلف 1: 514 / 2: 446 / 7: 515 / 12: 150.

(2)
من قصيدته العجيبة المعلقة، وهذا البي في أوائل الشعر، يصف هوادج ظعن الحي. و (( المحفوف )) ، يعني الهودج، حف بالثياب والأنماط. و (( العصى )) ، خشب الهودج، تظلله وتستره الثياب والأنماط. و (( الكلة )) الستر الرقيق. و (( الرقام )) ستر فيه رقم ونقوش وتماثيل.

فلذلك قال: "أرحام الأنثيين" ، وفي ذلك أيضًا لو أقرُّوا به فقالوا: "حرم علينا ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين" ، بُطولُ قولهم وبيان كذبهم، لأنهم كانوا يقرّون بإقرارهم بذلك أنّ الله حرّم عليهم ذكور الضأن والمعز وإناثها، أن يأكلوا لحومها أو يركبوا ظهورها، وقد كانوا يستمتعون ببعض ذكورها وإناثها.
* * *
و "ما" التي في قوله: (أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) ، نصب عطفًا بها على "الأنثيين" . (1)
* * *
= (نبئوني بعلم) ، يقول: قل لهم: خبروني بعلم ذلك على صحته: أيَّ ذلك حرم ربكم عليكم، وكيف حرم؟ (2) = (إن كنتم صادقين) ، فيما تنحلونه ربكم من دعواكم، وتضيفونه إليه من تحريمكم.
* * *
وإنما هذا إعلامٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه أنّ كل ما قاله هؤلاء المشركون في ذلك وأضافوه إلى الله، فهو كذب على الله، وأنه لم يحرم شيئًا من ذلك، وأنهم إنما اتّبعوا في ذلك خطوات الشيطان، وخالفوا أمره.
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
14068- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) الآية، إن كل هذا لم أحرم منه قليلا ولا كثيرًا، ذكرًا ولا أنثى.
14069- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) ، قال: سلهم: (آلذكرين
(1)
انظر معاني القرآن للفراء 1: 360.

(2)
انظر تفسير (( النبأ )) ، فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ) .

حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) ، أي: لم أحرم من هذا شيئًا = (بعلم إن كنتم صادقين) ، فذكر من الإبل والبقر نحو ذلك.
14070- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (ثمانية أزواج) ، في شأن ما نهى الله عنه من البحيرة.
14071- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (ثمانية أزواج) ، قال: هذا في شأن ما نهى الله عنه من البحائر والسُّيَّب = قال ابن جريج يقول: من أين حرمت هذا؟ من قبل الذكرين أم من قبل الأنثيين، أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ وإنها لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى، فمن أين جاء التحريم؟ فأجابوا هم: وجدنا آباءنا كذلك يفعلون.
14072- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين، ومن البقر اثنين ومن الإبل اثنين، يقول: أنزلت لكم ثمانية أزواج من هذا الذي عددت، ذكر وأنثى، فالذكرين حرمت عليكم أم الأنثيين، أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ يقول: أي: ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، ما تشتمل إلا على ذكر أو أنثى، فما حرمت عليكم ذكرًا ولا أنثى من الثمانية. إنما ذكر هذا من أجل ما حرَّموا من الأنعام.
14073- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن: (أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) ، قال: ما حملت الرَّحم.
14074- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (قل آلذكرين حرم أم الأنثيين) ، قال: هذا لقولهم: (ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) . قال: وقال ابن زيد في
قوله: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) ، قال: "الأنعام" ، هي الإبل والبقر والضأن والمعز، هذه "الأنعام" التي قال الله: "ثمانية أزواج" . قال: وقال في قوله: (هذه أنعام وحرث حجر) ، نحتجرها على من نريد، وعمن نريد. وقوله: (وأنعام حرمت ظهورها) ، قال: لا يركبها أحد= (وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها) ، فقال: (آلذكرين حرم أم الأنثيين) ، أيّ هذين حرم على هؤلاء؟ أي: أن تكون لهؤلاء حِلا وعلى هؤلاء حرامًا.
14075- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) ، يعني: هل تشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى؟ فهل يحرمون بعضًا ويحلون بعضًا؟ .
14076- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) ، فهذه أربعة أزواج= (ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين) ، يقول: لم أحرم شيئًا من ذلك = (نبئوني بعلم إن كنتم صادقين) ، يقول: كله حلال.
* * *
و "الضأن" جمع لا واحد له من لفظه، وقد يجمع "الضأن" ، "الضَّئين والضِّئين" ، مثل "الشَّعير" و "الشِّعير" ، كما يجمع "العبد" على "عَبيد، وعِبيد" . (1) وأما الواحد من ذكوره فـ "ضائن" ، والأنثى "ضائنة" ، وجمع "الضائنة" "ضوائن" .
(1)
كل ذلك بفتح الضاد، والشين، والعين = ثم بكسر الضاد، والشين، والعين. وقد نصوا على ذلك في (( الضئين )) و (( الشعير )) ، ولم أوفق إلى العثور على ذلك في (( العبيد )) ، وهو موجود إن شاء الله فيما أذكر. وقالوا: إن كسر (( الضاد )) لغة تميمية.

وكذلك "المعز" ، جمع على غير واحد، وكذلك "المعزى" ، وأما "الماعز" ، فجمعه "مواعز" .
* * *
القول في تأويل قوله: {وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) }
قال أبو جعفر: وتأويل قوله: (ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) ، نحو تأويل قوله: (من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) ، وهذه أربعة أزواج، على نحو ما بيّنا من الأزواج الأربعة قبلُ من الضأن والمعز، فذلك ثمانية أزواج، كما وصف جل ثناؤه.
* * *
وأما قوله: (أم كنتم شهداء إذ وصّاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم) ، فإنه أمرٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء الجهلة من المشركين الذين قص قصصهم في هذه الآيات التي مضَت. يقول له عز ذكره: قل لهم، يا محمد، أيَّ هذه سألتكم عن تحريمه حرم ربكم عليكم من هذه الأزواج الثمانية؟ فإن أجابوك عن شيء مما سألتهم عنه من ذلك، فقل لهم: أخبرًا قلتم: "إن الله حرم هذا عليكم" ، أخبركم به رسول عن ربكم، أم شهدتم ربكم فرأيتموه فوصَّاكم بهذا الذي تقولون وتزوّرون على الله؟ (1) فإن هذا الذي تقولون من إخباركم عن الله أنه حرام بما تزعمون على ما تزعمون،
(1)
في المطبوعة: (( وتردون على الله )) ، وفي المخطوطة: (( وتررون )) ، وصواب قراءتها ما أثبت.

لا يعلم إلا بوحي من عنده مع رسول يرسله إلى خلقه، أو بسماع منه، فبأي هذين الوجهين علمتم أنّ الله حرم ذلك كذلك، برسول أرسله إليكم، فأنبئوني بعلم إن كنتم صادقين؟ أم شهدتم ربكم فأوصَاكم بذلك، وقال لكم: "حرمت ذلك عليكم" ، فسمعتم تحريمه منه، وعهدَه إليكم بذلك؟ (1) فإنه لم يكن واحدٌ من هذين الأمرين. يقول جل ثناؤه: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا) ، يقول: فمن أشد ظلمًا لنفسه، وأبعد عن الحق ممن تخرَّص على الله قيلَ الكذب، وأضاف إليه تحريم ما لم يحرّم، وتحليل ما لم يحلل (2) = (ليضل الناس بغير علم) ، يقول: ليصدّهم عن سبيله (3) = (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) ، يقول: لا يوفّق الله للرشد من افترى على الله وقال عليه الزُّور والكذب، وأضاف إليه تحريم ما لم يحرّم، كفرًا بالله، وجحودًا لنبوة نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم، (4) كالذي:-
14077- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا) ، الذي تقولون.
14078- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كانوا يقولون = يعني الذين كانوا يتّخذون البحائر والسوائب =: إن الله أمر بهذا. فقال الله: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم) .
* * *
(1)
انظر تفسير (( شهداء )) فيما سلف من فهارس اللغة (شهد)

= وتفسير (( وصى )) فيما سلف 9: 295، تعليق: 2، والمراجع هناك.
(2)
انظر تفسير (( الافتراء )) فيما سلف ص: 153، تعليق: 5، والمراجع هناك.

(3)
انظر تفسير (( الضلال )) فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) .

(4)
انظر تفسير (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .

= وتفسير (( الظلم )) فيما سلف منها (ظلم) .
القول في تأويل قوله: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء الذين جعلوا لله ممّا ذَرأ من الحرث والأنعام نصيبًا، ولشركائهم من الآلهة والأنداد مثله = والقائلين هذه أنعام وحرث حجرٌ لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم= والمحرّمين من أنعام أُخَر ظهورَها= والتاركين ذكر اسم الله على أُخَر منها= والمحرِّمين بعض ما في بطون بعض أنعامهم على إناثهم وأزواجهم، ومحلِّيه لذكورهم، المحرّمين ما رزقهم الله افتراءً على الله، وإضافةً منهم ما يحرمون من ذلك إلى أنَّ الله هو الذي حرّمه عليهم=: أجاءكم من الله رسولٌ بتحريمه ذلك عليكم، فأنبئونا به، أم وصَّاكم الله بتحريمه مشاهدةً منكم له، فسمعتم منه تحريمه ذلك عليكم فحرمتموه؟ فإنكم كذبة إن ادعيتم ذلك، ولا يمكنكم دعواه، لأنكم إذا ادّعيتموه علم الناس كذبكم= فإني لا أجد فيما أوحي إليّ من كتابه وآي تنزيله، (1) شيئًا محرَّمًا على آكل يأكله مما تذكرون أنه حرمه من هذه الأنعام التي تصفون تحريمَ ما حَرّم عليكم منها بزعمكم (2) = "إلا أن يكون ميتة" ، قد ماتت بغير تذكية = "أو دمًا مسفوحًا" ، وهو المُنْصَبّ = أو إلا أن يكون لحم خنزير = (فإنه رجس أو فسقًا) ، يقول: أو إلا أن يكون فسقًا، يعني بذلك: أو إلا أن يكون مذبوحًا ذبحه ذابحٌ من المشركين من عبدة الأوثان لصنمه وآلهته، فذكر
(1)
انظر تفسير (( الوحي) فيما سلف من فهارس اللغة (وحي) .

(2)
انظر تفسير (( طعم )) فيما سلف 5: 342 / 10: 576.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.31 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.68 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.42%)]