
15-07-2025, 12:48 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,623
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الحادى عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ المائدة
الحلقة (584)
صــ 146 إلى صــ 155
وقال آخرون: معنى ذلك أنّ العبد إذا عمل بطاعة الله لم يضره من ضَلَّ بعده وهلك.
(1) "خويصة" تصغير "خاصة" .
(2) الأثر: 12863 - "عتبة بن أبي حكيم" ، في المخطوطة: "عبدة بن أبي حكيم" ، وهو خطأ ظاهر.
وفي المخطوطة والمطبوعة، أسقط: [عن عمرو بن جارية اللخمي] ، فوضعتها بين قوسين.
وهذا هو نفسه إسناد الترمذي.
وهذا الخبر، رواه الترمذي في كتاب التفسير من طريق سعيد بن يعقوب الطالقاني، عن عبد الله بن المبارك، عن عقبة بن أبي حكيم، بنحو لفظه هنا. ثم قال الترمذي: "قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة = قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: لا، بل أجر خمسين رجلا منكم" . ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب" .
وأخرجه ابن ماجه في سننه رقم: 4014 من طريق هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد، عن عتبة بن أبي حكيم، بنحو لفظه.
ورواه أبو داود في سننه 4: 174، رقم: 4341، من طريق أبي الربيع سليمان بن داود العتكي، عن ابن المبارك، بمثله.
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3: 258، والسيوطي في الدر المنثور 2: 339، وزاد نسبته إلى البغوي في معجمه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، والحاكم في المستدرك وصححه.
* ذكر من قال ذلك:
12864 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلَ" ، يقول: إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته من الحلال والحرام، فلا يضره من ضل بعدُ، إذا عمل بما أمرته به.
12865 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: "عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ، يقول: أطيعوا أمري، واحفظوا وصيَّتي.
12866 - حدثنا هناد قال، حدثنا ليث بن هارون قال، حدثنا إسحاق الرازي، عن أبي جعفر الرازي، عن صفوان بن الجون قال: دخل عليه شابّ من أصحاب الأهواء، فذكر شيئًا من أمره، فقال صفوان: ألا أدلك على خاصة الله التي خصَّ بها أولياءه؟ "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل" ، الآية. (1)
12867 - حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثنا أبو المطرف المخزومي قال، حدثنا جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: "عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ، ما لم يكن سيف أو سوط. (2)
(1) الأثر: 12866 - "ليث بن هرون" ، لم أجده، وانظر الإسناد السالف رقم 12859.
و "إسحق" ، هو: "إسحق بن سليمان الرازي" ، وانظر رقم: 12859.
وأما "صفوان بن الجون" ، فهو هكذا في المخطوطة أيضًا، ولم أجد له ترجمة. وفي الدر المنثور 2: 341، "عن صفوان بن محرز" ، ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم.
و "صفوان بن محرز بن زياد المازني، أو الباهلي" . روى عن ابن عمر، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري. روى عنه جامع بن شداد، وعاصم الأحول، وقتادة. كان من العباد، اتخذ لنفسه سربًا يبكي فيه. مات سنة 74، مترجم في التهذيب. ومضى برقم: 6496.
(2) الأثر: 12867 - "عبد الكريم بن أبي عمير" ، مضى برقم: 7578، 11368 و "أبو المطوف المخزومي" ، لم أجد له ذكرًا.
12868- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال، تلا الحسن هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ، فقال الحسن: الحمد لله بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي، إلا وإلى جانبه منافق يكرَه عمله. (1)
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم" ، فاعملوا بطاعة الله = "لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ، فأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر.
* ذكر من قال ذلك:
12869 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن سعد البقال، عن سعيد بن المسيب: "لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ، قال: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، لا يضرك من ضل إذا اهتديت.
12870 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن أبي العميس، عن أبي البختري، عن حذيفة: "عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" ، قال: إذا أمرتم ونهيتم.
12871- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال، قال أبو بكر: تقرءون هذه الآية: "لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ، وإن الناس إذا رأوا الظالم = قال ابن وكيع = فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمّهم الله بعقابه. (2)
(1) الأثر: 12868- "ضمرة بن ربيعة الفلسطيني الرملي" ، ثقة، مضى برقم: 7134. وكان في المطبوعة: "مرة بن ربيعة" ، لم يحسن قراءة المخطوطة.
وهذه الكلمة التي قالها الحسن، لو خفيت على الناس قديمًا، فإن مصداقها في زماننا هذا يراه المؤمن عيانًا في حيث يغدو ويروح.
(2) الأثر: 12871 - خبر قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر، رواه أبو جعفر بأسانيد، من رقم: 12871 - 12878، موقوفًا على أبي بكر، إلا رقم: 12876، 12878، فرواهما متصلين مرفوعين، وإلا رقم: 12874، فهو مرسل. وأكثر طرق أبي جعفر طرق ضعاف.
ورواه من طريق "إسمعيل بن أبي خالد" ، عن قيس بن أبي حازم برقم: 12871، 12873. فمن هذه الطريق رواه أحمد في مسنده رقم: 1، 16، 29، 30، 53، متصلا مرفوعًا. وقال ابن كثير في تفسيره 3: 258: "وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم، من طرق كثيرة، عن جماعة كثيرة، عن إسمعيل بن أبي خالد، به متصلا مرفوعًا. ومنهم من رواه عنه به موقوفًا على الصديق. وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره" .
و "إسمعيل بن أبي خالد الأحمسي" ، ثقة. مضى برقم: 5694، 5777.
و "قيس بن أبي حازم الأحمسي" ، ثقة، روى له الستة، روى عن جماعة من الصحابة، وهو متقن الرواية. مترجم في التهذيب.
وهذا إسناد صحيح.
12872- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير وابن فضيل، عن بيان، عن قيس قال، قال أبو بكر: إنكم تقرءون هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ، وإن القوم إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، يعمُّهم الله بعقابه. (1)
12873- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي بكر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه.
12874 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ، يقول: مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قال أبو بكر بن أبي قحافة: يا أيها الناس لا تغترُّوا بقول الله: "عليكم أنفسكم" ، فيقول أحدكم: عليَّ نفسي، والله لتأمرن بالمعروف وتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليَستعملن عليكم شراركم، فليسومنّكم سوء العذاب، ثم ليدعون الله خياركم، فلا يستجيب لهم.
(1) الأثر: 12872 - "ابن فضيل" هو: "محمد بن فضيل بن غزوان الضبي" ، مضى مرارًا كثيرة.
و "بيان" هو: "بيان بن بشر الأحمسي" ، ثقة، مضى برقم 6501.
وقد مضى تخريج الخبر في الذي قبله، وسيأتي من هذه الطريق أيضًا برقم: 12875.
وهو إسناد صحيح.
12875- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا ابن فضيل قال، حدثنا بيان، عن قيس بن أبي حازم قال، قال أبو بكر وهو على المنبر: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية على غير موضعها: "لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ، وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، عَمَّهم الله بعقابه.
12876 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثني عيسى بن المسيب البجلي قال، حدثنا قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقرأ هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" ، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأى الناسُ المنكر فلم يغيِّروه، والظالم فلم يأخذوا على يديه، فيوشك أن يعمهم الله منه بعقاب. (1)
12877- حدثنا الربيع قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا سعيد بن سالم قال، حدثنا منصور بن دينار، عن عبد الملك بن ميسرة، عن قيس بن أبي حازم قال: صَعد أبو بكر المنبرَ منبرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس، إنكم لتتلون آية من كتاب الله وتعدُّونها رُخصة، والله ما أنزل الله في كتابه أشدَّ منها: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر،
(1) الأثر: 12876 - "الحارث" هو: "الحارث بن محمد بن أبي أسامة" ، مضى مرارًا، آخرها رقم: 10553، وترجمته في رقم: 10295.
و "عبد العزيز" ، هو: "عبد العزيز بن أبان الأموي" ، مضت ترجمته برقم: 10295، قال ابن معين: "كذاب خبيث، يضع الأحاديث" .
و "عيسى بن المسيب البجلي" ، قاضي الكوفة. وكان شابًا ولاه خالد بن عبد الله القسري. ضعيف متكلم فيه، حتى قال ابن حبان: "كان قاضي خراسان، يقلب الأخبار، ولا يفهم، ويخطئ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به" . مترجم في ابن أبي حاتم 3/1/288، وميزان الاعتدال 2: 317، وتعجيل المنفعة: 328، ولسان الميزان 4: 405.
فهذا إسناد هالك، مع روايته من طرق صحاح عن قيس، عن أبي بكر.
أو ليعمنكم الله منه بعقاب. (1)
12878- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا سعيد بن زيد قال، حدثنا مجالد بن سعيد، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر يقول وهو يخطب الناس: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية ولا تدرون ما هي؟ : "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا منكرًا فلم يغيِّروه، عمّهم الله بعقاب. (2)
* * *
وقال آخرون: بل معنى هذه الآية: لا يضركم من حاد عن قصد السبيل وكفر بالله من أهل الكتاب.
(1) الأثر: 12877 - "أسد بن موسى المرداني" ، "أسد السنة" ، مضى برقم: 23، 2530.
و "سعيد بن سالم القداح" ، متكلم فيه، وثقه ابن معين، غير أن ابن حبان قال: "يهم في الأخبار حتى يجيء بها مقلوبة، حتى خرج عن حد الاحتجاج به" . مترجم في التهذيب.
و "منصور بن دينار التميمي الضبي" ، ضعفوه. مترجم في الكبير 4/ 1/ 347، وابن أبي حاتم 4/1/171، وميزان الاعتدال 3: 201، وتعجيل المنفعة: 412، ولسان الميزان 6: 95.
و "عبد الملك بن ميسرة الهلالي الزراد" ، ثقة، من صغار التابعين مضى برقم: 503، 504
فهذا خبر ضعيف الإسناد، مع روايته من طرق صحاح عن قيس، عن أبي بكر.
(2) الأثر: 12878 - "محمد بن بشار" ، هو "بندار" ، مضى مئات من المرات. وكان في المطبوعة هنا "محمد بن سيار" ، أساء قراءة المخطوطة.
"وإسحق بن إدريس الأسواري البصري" ، منكر الحديث، تركه الناس، قال ابن معين: "كذاب، يضع الحديث" . وقال ابن حبان: "كان يسرق الحديث" . مترجم في الكبير 1/1/382، وابن أبي حاتم 1/1/213، وميزان الاعتدال 1: 86، ولسان الميزان 1: 352.
و "سعيد بن زيد بن درهم الجهضمي" ، ثقة، متكلم فيه، حتى ضعفوا حديثه. مضى برقم: 11801.
و "مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني" ، قال أحمد: "يرفع حديثًا لا يرفعه الناس" ، وهو ثقة، متكلم فيه. ومضى برقم: 1614، 2987، 2988، 11156.
وهذا أيضًا إسناد ضعيف.
* ذكر من قال ذلك:
12879 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: "لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ، قال: يعني من ضلّ من أهل الكتاب.
12880- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: "لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" ، قال: أنزلت في أهل الكتاب.
* * *
وقال آخرون: عنى بذلك كل من ضل عن دين الله الحق.
* ذكر من قال ذلك:
12881 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَل إذا اهتديتم" ، قال: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفَّهت آباءك وضللتهم، وفعلت وفعلت، وجعلت آباءك كذا وكذا! كان ينبغي لك أن تنصرهم، وتفعل!
فقال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" .
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال وأصحّ التأويلات عندنا بتأويل هذه الآية، ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيها، وهو: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم" ، الزموا العملَ بطاعة الله وبما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم الله عنه = "لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" ، يقول: فإنه لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله، (1) وأدَّيتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم
(1) في المطبوعة: "إذا أنتم رمتم العمل بطاعة الله" ، وهو لا معنى له، أساء قراءة ما في المخطوطة، لسوء كتابتها.
الله به فيه، من فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يركبه أو يحاول ركوبه، والأخذ على يديه إذا رام ظلمًا لمسلم أو معاهد ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضير عليكم في تماديه في غيِّه وضلاله، إذا أنتم اهتديتم وأديتم حق الله تعالى ذكره فيه.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات في ذلك بالصواب، لأن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البر والتقوى. ومن القيام بالقسط، الأخذ على يد الظالم. ومن التعاون على البر والتقوى، الأمر بالمعروف. وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولو كان للناس تركُ ذلك، لم يكن للأمر به معنًى، إلا في الحال التي رخَّص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تركَ ذلك، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة، فيكون مرخصًا له تركه، إذا قام حينئذ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه.
وإذا كان ما وصفنا من التأويل بالآية أولى، فبيِّنٌ أنه قد دخل في معنى قوله: "إذا اهتديتم" ، ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيب من أن ذلك: "إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر" ، ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله: {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين من عباده: اعملوا، أيها المؤمنون، بما أمرتكم به، وانتهوا عما نهيتكم عنه، ومروا أهل الزَّيغ والضلال وما حاد عن
سبيلي بالمعروف، وانهوهم عن المنكر. فإن قبلوا، فلهم ولكم، وإن تمادَوْا في غيهم وضلالهم، فإن إليّ مرجع جميعكم ومصيركم في الآخرة ومصيرهم، (1) وأنا العالم بما يعمل جميعكم من خير وشر، فأخبر هناك كلَّ فريق منكم بما كان يعمله في الدنيا، (2) ثم أجازيه على عمله الذي قَدِم به عليّ جزاءه حسب استحقاقه، فإنه لا يخفى عليَّ عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى.
* * *
القول في تأويل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: "يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينكم" ، يقول: ليشهد بينكم = "إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية" ، يقول: وقت الوصية= "اثنان ذوا عدل منكم" ، يقول: ذوا رشد وعقل وحِجًى من المسلمين، (3) كما:-
12882 - حدثنا محمد بن بشار وعبيد الله بن يوسف الجبيري قالا حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب في قوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [سورة الطلاق: 2] ، قال: ذَوَي عقل. (4)
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "ذوا عدل منكم" .
فقال بعضهم: عنى به: من أهل ملتكم.
(1) انظر تفسير "المرجع" فيما سلف 6: 464/10: 391، تعليق: 2.
(2) انظر تفسير "أنبأ" فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ) .
(3) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.
(4) الأثر: 12882 - "عبيد الله بن يوسف الجبيري" ، "أبو حفص البصري" ، شيخ الطبري، ثقة. روي له ابن ماجه. مترجم في التهذيب. وفي المخطوطة: "عبد الله بن يوسف" ، وهو خطأ. ومضى في رقم: 109، ولم يترجم هناك.
وهذا الخبر في تفسير الآية الثانية من "سورة الطلاق" ، ولم يذكره أبو جعفر هناك في تفسير الآية. فهذا من ضروب اختصاره تفسيره.
* ذكر من قال ذلك:
12883 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: شاهدان "ذوا عدل منكم" ، من المسلمين.
12884 - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر في قوله: "اثنان ذوا عدل منكم" ، من المسلمين.
12885- حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب في قوله: "اثنان ذوا عدل منكم" ، قال: اثنان من أهل دينكم.
12886 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن أشعث، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: سألته، عن قول الله تعالى ذكره: "اثنان ذوا عدل منكم" ، قال: من الملة.
12887- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، بمثله = إلا أنه قال فيه: من أهل الملة.
12888- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن هذه الآية: "اثنان ذوا عدل منكم" ، قال: من أهل الملة.
12889- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، مثله.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|