
15-07-2025, 12:45 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,623
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
 تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الحادى عشر
تَفْسِيرِ سُّورَةِ المائدة
الحلقة (583)
صــ 136 إلى صــ 145
= (1) وأن يقال، إن المعنيين بقوله: "وأكثرهم لا يعقلون" ، هم أتباع من سنّ لهم هذه السنن من جهلة المشركين، فهم لا شك أنهم أكثر من الذين لهم سنوا ذلك لهم، فوصفهم الله تعالى بأنهم لا يعقلون، لأنهم لم يكونوا يعقلون أن الذين سنوا لهم تلك السنن وأخبروهم أنها من عند الله، كذبةٌ في إخبارهم، أفَكَةٌ، بل ظنوا أنهم فيما يقولون محقُّون، وفي إخبارهم صادقون. وإنما معنى الكلام: وأكثرهم لا يعقلون أن ذلك التحريم الذي حرَّمه هؤلاء المشركون وأضافوه إلى الله تعالى ذكره كذب وباطل. (2) وهذا القول الذي قلنا في ذلك، نظير قول الشعبي الذي ذكرنا قبلُ. (3) ولا معنى لقول من قال: "عني بالذي كفروا أهل الكتاب" ، وذلك أن النكير في ابتداء الآية من الله تعالى ذكره على مشركي العرب، فالختم بهم أولى من غيرهم، إذ لم يكن عرض في الكلام ما يُصرف من أجله عنهم إلى غيرهم.
* * *
وبنحو ذلك كان يقول قتادة:
12847 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "وأكثرهم لا يعقلون" ، يقول: تحريمُ الشيطان الذي حرّم عليهم، (4) إنما كان من الشيطان، ولا يعقلون.
* * *
(1) قوله: "وأن يقال" ، معطوف على قوله في أول الفقرة: "وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال. . ." .
(2) انظر تفسير "افترى" فيما سلف 6: 292/8: 451.
(3) في المطبوعة، أسقط "قبل" ، لسوء كتابتهافي المخطوطة.
(4) في المطبوعة: "يقول: لا يعقلون تحريم الشيطان الذي يحرم عليهم" ، زاد وغير، فأفسد الجملة إفسادًا، وهو يظن أنه يصلحها.
القول في تأويل قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (104) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين يبحرون البحائر ويسيِّبون السوائب؟ الذين لا يعقلون أنهم بإضافتهم تحريم ذلك إلى الله تعالى ذكره يفترون على الله الكذب: تعالوا إلى تنزيل الله وآي كتابه وإلى رسوله، ليتبين لكم كذبُ قيلكم فيم تضيفونه إلى الله تعالى ذكره من تحريمكم ما تحرِّمون من هذه الأشياء (1) = أجابوا من دعاهم إلى ذلك بأن يقولوا: حسبنا ما وجدنا عليه من قبلنا آباءَنا يعملون به، ويقولون: "نحن لهم تبع وهم لنا أئمة وقادة، وقد اكتفينا بما أخذنا عنهم، ورضينا بما كانوا عليه من تحريم وتحليل" . (2) قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أوَ لو كان آباء هؤلاء القائلين هذه المقالة لا يعلمون شيئًا؟ يقول: لم يكونوا يعلمون أنّ ما يضيفونه إلى الله تعالى ذكره من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كذبٌ وفريةٌ على الله، لا حقيقة لذلك ولا صحة، لأنهم كانوا أتباع المفترين الذين ابتدءوا تحريم ذلك، افتراءً على الله بقيلهم ما كانوا يقولون من إضافتهم إلى الله تعالى ذكره ما يضيفون = ولا كانوا فيما هم به عاملون من ذلك على استقامة وصواب، (3) بل كانوا على ضلالة وخطأ.
* * *
(1) انظر تفسير "تعالوا" فيما سلف 6: 474، 483، 485/8: 513.
(2) انظر تفسير "حسب" فيما سلف 4: 244/7: 405.
(3) في المطبوعة: "ما كانوا فيما هم به عاملون" ، وفي المخطوطة: "كانوا" بغير "ما" ، والسياق يقتضي ما أثبت، لأنه معطوف على قوله آنفاً: "يقول: لم يكونوا يعلمون. . ."
القول في تأويل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم فأصلحوها، واعملوا في خلاصها من عقاب الله تعالى ذكره، وانظروا لها فيما يقرِّبها من ربها، فإنه "لا يضركم من ضَلّ" ، يقول: لا يضركم من كفر وسلك غير سبيل الحق، إذا أنتم اهتديتم وآمنتم بربكم، وأطعتموه فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، فحرمتم حرامه وحللتم حلاله.
* * *
ونصب قوله: "أنفسكم" بالإغراء، والعرب تغري من الصفات ب "عليك" و "عندك" ، و "دونك" ، و "إليك" . (1)
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم معناه: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم" ، إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يُقبل منكم.
* ذكر من قال ذلك:
12848 - حدثنا سوار بن عبد الله قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن: أن هذه الآية قرئت على ابن مسعود: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَلّ إذا اهتديتم" ، فقال ابن مسعود: "ليس هذا بزمانها، قولوها ما قُبلت منكم، فإذا رُدّت عليكم فعليكم أنفسكم" . (2)
(1) "الصفات" حروف الجر، والظروف، كما هو بين من سياقها. وانظر معاني القرآن للفراء 1: 322، 323.
(2) الأثر: 12848 - "سوار بن عبد الله بن سوار العنبري" ، القاضي، شيخ الطبري. ثقة، مترجم في التهذيب. وأبوه: "عبد الله بن سوار العنبري" القاضي، ثقة. مترجم في التهذيب.
و "أبو الأشهب" هو: "جعفر بن حيان السعدي العطاردي" ، ثقة، روي له الستة، مضى برقم: 11408.
وسيأتي تخريج الأثر في التعليق على رقم: 12850.
12849 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي الأشهب، عن الحسن قال: ذكر عند ابن مسعود (1) "يا أيها الذين آمنوا" ، ثم ذكر نحوه.
12850- حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن قال: قال رجل لابن مسعود: ألم يقل الله: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَلّ إذا اهتديتم" ؟ قال: ليس هذا بزمانها، قولوها ما قُبلت منكم، فإذا رُدَّت عليكم فعليكم أنفسكم. (2)
12851 - حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا شبابة بن سوار قال، حدثنا الربيع بن صبيح، عن سفيان بن عقال قال: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فإن الله تعالى ذكره يقول: "عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" ؟ فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا فليبلِّغ الشاهد الغائبَ" ، فكنَّا نحن الشهودَ وأنتم الغَيَب، (3) ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم. (4)
(1) في المطبوعة: "ذكر ابن مسعود" ، بإسقاط "عند" ، والصواب من المخطوطة.
(2) في الأثر: 12848 - 12850 - خبر الحسن، عن ابن مسعود، خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 19، وقال: "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن الحسن البصري لم يسمع من ابن مسعود" .
(3) "الغيب" (بفتح الغين والياء) جمع "غائب" ، مثل "خادم" و "خدم" .
(4) الأثر: 12851 - "الحسن بن عرفة العبدي البغدادي" ، شيخ الطبري، مضى برقم: 9373.
و "شبابة بن سوار الفزازي" ، مضى برقم: 37، 6701، 10051.
و "الربيع بن صبيح السعدي" ، مضى برقم: 6403، 6404، 10533.
و "سفيان بن عقال" ، مترجم في الكبير2/2/94، وابن أبي حاتم 2/1/219، وكلاهما قال: "روي عن ابن عمر، روى عنه الربيع" ، ولم يزيدا.
وخرجه في الدر المنثور 2: 340، وزاد نسبته لابن مردويه.
12852 - حدثنا أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أبي قال، حدثنا قتادة، عن أبي مازن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قومٌ من المسلمين جلوس، فقرأ أحدهم هذه الآية: "عليكم أنفسكم" ، فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم. (1)
12853- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن أبي مازن، بنحوه. (2)
12854 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم قالا حدثنا عوف، عن سوّار بن شبيب قال، كنت عند ابن عمر، إذ أتاه رجل جليدٌ في العين، شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، نحن ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، (3) وكلهم مجتهد لا يألو، وكلهم بغيضٌ إليه أن يأتي دناءةً، (4) وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك! فقال رجل من القوم: وأيَّ دناءة تريد، أكثرَ من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك! (5) قال: فقال الرجل: إني لستُ إيّاك أسأل، أنا أسأل الشيخ! فأعاد على عبد الله
(1) الأثر: 12852، 12853 - "أبو مازن الأزدي الحداني" ، كان من صلحاء الأزد، قدم المدينة في زمن عثمان رضي الله عنه. روى قتادة، عن صاحب له، عنه. هكذا قال ابن أبي حاتم 4/2/44. ولم يرد في هذين الإسنادين ذكر "الرجل" الذي روى عنه قتادة، كما قال أبو حاتم. وسيأتي في الإسناد رقم: 12856 "عن قتادة، عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة" ، فهذا "الرجل" هو "أبو مازن" ، ولا شك. ثم يأتي في رقم: 12857 "عن قتادة، حدثنا أبو مازن، رجل من صالحي الأزد، من بني الحدان" ، فصرح قتادة في هذا الخبر بالتحديث عنه، ليس بينهما "رجل" كما قال أبو حاتم. فأخشى أن يكون في كلام أبي حاتم خطأ.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 340، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
(2) الأثر: 12852، 12853 - "أبو مازن الأزدي الحداني" ، كان من صلحاء الأزد، قدم المدينة في زمن عثمان رضي الله عنه. روى قتادة، عن صاحب له، عنه. هكذا قال ابن أبي حاتم 4/2/44. ولم يرد في هذين الإسنادين ذكر "الرجل" الذي روى عنه قتادة، كما قال أبو حاتم. وسيأتي في الإسناد رقم: 12856 "عن قتادة، عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة" ، فهذا "الرجل" هو "أبو مازن" ، ولا شك. ثم يأتي في رقم: 12857 "عن قتادة، حدثنا أبو مازن، رجل من صالحي الأزد، من بني الحدان" ، فصرح قتادة في هذا الخبر بالتحديث عنه، ليس بينهما "رجل" كما قال أبو حاتم. فأخشى أن يكون في كلام أبي حاتم خطأ.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 340، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
(3) في المطبوعة: "قد قرأوا" بالجمع، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب.
(4) في ابن كثير 3: 259، رواه عن هذا الموضع من التفسير، وزاد فيه هنا: ". . . أن يأتي دناءة، إلا الخير" ، وليست في مخطوطتنا.
(5) في المطبوعة: "وأي دناءة تزيد" ، وصواب قراءتها ما أثبت.
الحديث، فقال عبد الله بن عمر: لعلك ترى لا أبا لك، إني سآمرك أن تذهب أن تقتلهم! (1) عظهم وانههم، فإن عصوك فعليك بنفسك، فإن الله تعالى يقول: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون" . (2)
12855- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن: أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله: "عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ، قال: إن هذا ليس بزمانها، إنها اليوم مقبولة، (3) ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانٌ تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا = أو قال: فلا يقبل منكم = فحينئذ: عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضلّ ". (4) "
12856- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة، في حلقة فيهم أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيهم شيخ يُسْنِدون إليه، (5) فقرأ رجل: "عليكم"
(1) في المطبوعة، وابن كثير: "فتقتلهم" ، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب قديم.
(2) الأثر: 12854 - "سوار بن شبيب السعدي الأعرجي" ، و "بنو الأعرج" ، حي من بني سعد. و "الأعرج" هو "الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم" ، قطعت رجله يوم "تياس" ، فسمي "الأعرج" . وهو ثقة، كوفي، روى عن ابن عمر، روى عنه عوف، وعكرمة بن عمار. مترجم في الكبير 2/2/168، وابن أبي حاتم 2/1/270.
وهذا الخبر نقله ابن كثير في تفسيره 3: 259، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 341، واقتصر على نسبته إلى ابن مردويه.
(3) قوله: "إنها اليوم مقبولة" ، يعني: كلمة الحق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(4) الأثر: 12855 - انظر التعليق على الآثار: 12848 - 12850.
وكان في المطبوعة هنا: ". . . من ضل إذا اهتديتم" ، بالزيادة، وأثبت ما في المخطوطة.
(5) قوله: "يسندون إليه" أي: ينتهون إلى عمله ومعرفته وفقهه، ويلجئون إليه في فهم ما يشكل عليهم. ويقال: "أسندت إليه أمري" ، أي: وكلته إليه، واعتمدت عليه. وقال الفرزدق: إلَى الأَبْرَشِ الكَلْبِيّ أَسْنَدْتُ حَاجَةً ... تَوَاكَلَها حَيًّا تَمِيمٍ ووَائِلِ
وهذا كله مما ينبغي تقييده في كتب اللغة، فهو فيها غير بين.
أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم "، فقال الشيخ: إنما تأويلها آخرَ الزمان."
12857- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، حدثنا أبو مازن، رجل من صالحي الأزد من بني الحُدَّان، (1) قال: انطلقت في حياة عثمان إلى المدينة، فقعدت إلى حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، (2) فقرأ رجل من القوم هذه الآية "لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" ، قال فقالَ رجلٌ من أسنِّ القوم: دَعْ هذه الآية، فإنما تأويلها في آخر الزمان. (3)
12858 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا ابن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقة فيها أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنّي لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ؟ فأقبلوا عليَّ بلسان واحد وقالوا: أتنتزِع بآية من القرآن لا تعرفها، (4) ولا تدري ما تأويلها!! حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت. ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: "إنك غلام"
(1) في المطبوعة: "بني الجدان" بالجيم، وهو خطأ.
(2) في المطبوعة: "فيها أصحاب رسول الله:، وفي المخطوطة:" فيها من أصحاب رسول الله "، فضرب بالقلم على" فيها "فأثبتها على الصواب."
(3) الأثران: 12856، 12857 - انظر التعليق على الأثرين السالفين رقم: 12852، 12853.
(4) في المطبوعة: "تنزع بآية من القرآن" ، غير ما في المخطوطة، وما غيره صواب.
ولكن يقال: "انتزع معنى جيدًا، ونزعه" ، أي: استخرجه واستنبطه ويقال: "انتزع بالآية والشعر" ، أي: تمثل به.
حدَثُ السن، وإنك نزعت بآية لا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا وإعجابَ كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت. (1)
12859 - حدثنا هناد قال، حدثنا ليث بن هارون قال، حدثنا إسحاق الرازي، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن عبد الله بن مسعود في قوله: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم تعملون" ، قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فكان بين رجلين ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرُهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإن الله تعالى يقول: "عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ! قال: فسمعها ابن مسعود فقال: مَهْ، (2) لَمَّا يجئ تأويل هذه بعد! (3) إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آيٌ قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه ما وقع تأويلهن
(1) الأثر: 12858 - "ابن فضالة" هو: "مبارك بن فضالة بن أبي أمية" ، أبو فضالة البصري. وفي تفسير ابن كثير: "حدثنا أبو فضالة" ، ومضى برقم: 154، 597، 611، 1901.
و "معاوية بن صالح بن حدير الحضرمي" ، أحد الأعلام، مضى مرارًا منها: 186، 187، 2072، 8472، 11255، ولم تذكر لمعاوية بن صالح، رواية عن جبير بن نفير، بل روى عنه ابنه عبد الرحمن بن جبير.
و "جبير بن نفير" إسلامي جاهلي، مضى برقم: 6656، 7009.
وهذا الخبر منقطع الإسناد، ونقله ابن كثير في تفسيره 3: 260، والسيوطي في الدر المنثور 2: 340، ولم ينسبه لغير ابن جرير.
(2) "مه" ، هكذا في المطبوعة، وابن كثير، والدر المنثور و "مه" كلمة زجر بمعنى: كف عن هذا. وفي المخطوطة مكانها: "مهل" ، وأخشى أن تكون خطأ من الناسخ، ولو كتب "مهلا" ، لكان صوابًا، يقال: "مهلا يا فلان" أي: رفقًا وسكونًا، لا تعجل.
(3) في المطبوعة: "لم يجئ" ، ومثلها في ابن كثير والدر المنثور، وأثبت ما في المخطوطة.
على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومنه آيٌ وَقع تأويلهن بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم بيسير، (1) ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهنّ عند الساعة على ما ذكر من الساعة، (2) ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار، (3) فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تُلبَسوا شيعًا، ولم يَذُق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا. فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وأُلبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. (4)
12860- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن ابن مسعود: أنه كان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، ثم ذكر نحوه. (5)
12861- حدثني أحمد بن المقدام قال، حدثنا حرمي قال: سمعت الحسن يقول: تأوّل بعضُ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ، فقال بعض
(1) في المطبوعة: "آي قد وقع" بالزيادة، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) في المطبوعة: "على ما ذكر من أمر الساعة" ، بزيادة "أمر" ، وفي المخطوطة أسقط الناسخ "على" ، وإثباتها هو الصواب.
(3) في المطبوعة: "من أمر الحساب" بالزيادة، وأثبت ما في المخطوطة.
(4) الأثر: 12859 - "ليث بن هرون" ، لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا.
و "إسحق الرازي" ، هو: "إسحق بن سليمان الرازي" ، مضى برقم: 6456، 102338، 11240. وانظر الإسناد الآتي رقم: 12866.
وهذا الخبر نقله ابن كثير في تفسيره 3: 258، 259، والسيوطي في الدر المنثور 2: 339، 340، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، ونعيم بن حماد في الفتن، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب.
وسيأتي بإسناد آخر في الذي يليه.
(5) الأثر: 12860 - انظر الأثر السالف.
أصحابه: دعوا هذه الآية، فليست لكم. (1)
12862 - حدثني إسماعيل بن إسرائيل اللآل الرّملي قال، حدثنا أيوب بن سويد قال، حدثنا عتبة بن أبي حكيم، عن عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم" ، فقال: لقد سألت عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبا ثعلبة، ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثَرة، وشحًّا مطاعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك! إنّ من بعدكم أيام الصبر، (2) للمتمسك يومئذ بمثل الذي أنتم عليه كأجر خمسين عاملا! قالوا: يا رسول الله، كأجر خمسين عاملا منهم؟ قال: لا كأجر خمسين عاملا منكم. (3)
(1) الأثر: 12861 - هذا إسناد ناقص لا شك في ذلك.
"أحمد بن المقدام بن سليمان العجلي" ، أبو الأشعث. روى عنه البخاري والترمذي والنسائي، وغيرهم. صالح الحديث. ولد في نحو سنة 156، وتوفي سنة 253.
و "حرمي بن عمارة بن أبي حفصة العتكي" ، مضى برقم: 8513. ومات سنة 201، ومحال أن يكون أدرك الحسن وسمع منه. فإن "الحسن البصري" مات في نحو سنة 110 فالإسناد مختل، ولذلك وضعت بينه وبين الحسن نقطًا، دلالة على نقص الإسناد.
(2) في المطبوعة: "أرى من بعدكم" ، والصواب من المخطوطة. وفي المخطوطة: "المتمسك" بغير لام الجر، وكأن الصواب ما في المطبوعة.
(3) الأثر: 12862 - سيأتي بإسناد آخر في الذي يليه.
"إسمعيل بن إسرائيل اللآل الرملي" ، مضى برقم: 10236، 12213، وذكرنا هناك أنه في ابن أبي حاتم "السلال" ، ومضى هناك "10236" الدلال "، وجاء هنا" اللآل "، صانع اللؤلؤ وبائعه، ولا نجد ما يرجح واحدة من الثلاث."
و "أيوب بن سويد الرملي" ، ثقة متكلم فيه. مضى برقم: 12213.
و "عتبة بن أبي حكيم الشعباني الهمداني، ثم الأردني" ، ثقة، ضعفه ابن معين. مضى برقم: 12213.
و "عمرو بن جارية اللخمي" ، ثقة، مترجم في التهذيب. وكان في المطبوعة "عمرو بن خالد" وهو خطأ محض. وفي المخطوطة كتب "خالد" ثم جعلها "جارية" ، وهو الصواب.
و "أبو أمية الثعباني" اسمه "يحمد" (بضم الياء وكسر الميم) وقيل: اسمه "عبد الله بن أخامر" . ثقة. مترجم في التهذيب.
و "أبو ثعلبة الخشني" اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا. صحابي.
وسيأتي تخريجه في الذي يليه.
12863- حدثنا علي بن سهل قال، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن ابن المبارك وغيره، عن عتبة بن أبي حكيم، [عن عمرو بن جارية اللخمي] ، عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني: كيف نَصنع بهذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم" ؟ فقال أبو ثعلبة: سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بِخُوَيصة نفسك، (1) وذَرْ عوامَّهم، فإن وراءكم أيامًا أجر العامل فيها كأجر خمسين منكم. (2)
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|