عرض مشاركة واحدة
  #780  
قديم 14-07-2025, 09:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,361
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (20)
سُورَةُ الفلق

من صــ 245 الى صــ254
الحلقة (780)



{اللَّهُ الصَّمَدُ} أي الذي يصمد إليه في الحاجات. كذا روى الضحاك عن ابن عباس ، قال : الذي يصمد إليه في الحاجات ؛ كما قال عز وجل : {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} . قال أهل اللغة : الصمد : السيد الذي يصمد إليه في النوازل والحوائج. قال :
ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
وقال قوم : الصمد : الدائم الباقي ، الذي لم يزل ولا يزال. وقيل : تفسيره ما بعده "لم يلد ولم يولد" . قال أبي بن كعب : الصمد : الذي لا يلد ولا يولد ؛ لأنه ليس شيء إلا سيموت ، وليس شيء يموت إلا يورث. وقال علي وابن عباس أيضا وأبو وائل شقيق بن سلمة وسفيان : الصمد : هو السيد الذي قد أنتهى سؤدده في أنواع الشرف والسؤدد ؛ ومنه قول الشاعر :
علوته بحسام ثم قلت له ... خذها حذيف فأنت السيد الصمد
وقال أبو هريرة : إنه المستغني عن كل أحدا ، والمحتاج إليه كل أحد. وقال السدي : إنه : المقصود في الرغائب ، والمستعان به في المصائب. وقال الحسين بن الفضل : إنه : الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقال مقاتل : إنه : الكامل الذي لا عيب فيه ؛ ومنه قول الزبرقان :
سيروا جميعا بنصف الليل واعتمدوا ... ولا رهينة إلا سيد صمد
وقال الحسن وعكرمة والضحاك وابن جبير : الصمد : المصمت الذي لا جوف له ؛ قال الشاعر :
شهاب حروب لا تزال جياده ... عوابس يعلكن الشكيم المصمدا
قلت : قد أتينا على هذه الأقوال مبينة في الصمد ، في (كتاب الأسنى) وأن الصحيح منها. ما شهد له الاشتقاق ؛ وهو القول الأول ، ذكره الخطابي. وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه ، وجعل النار مقامة ومثواه ، وقرأ {الله الواحد الصمد} في الصلاة ، والناس يستمعون ، فاسقط : {قل هو} ، وزعم أنه ليس من القرآن. وغير لفظ {أحد} ، وأدعى أن هذا
هو الصواب ، والذي عليه الناس هو الباطل والمحال ، فأبطل معنى الآية ؛ لأن أهل التفسير قالوا : نزلت الآية جوابا لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صلى : صف لنا ربك ، أمن ذهب هو أم من نحاس أم من صفر ؟ فقال الله عز وجل ردا عليهم : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} "ففي {هُوَ} دلالة على موضع الرد ، ومكان الجواب ؛ فإذا سقط بطل معنى الآية ، وصح الافتراء على الله عز وجل ، والتكذيب لرسول صلى الله عليه وسلم."
وروى الترمذي عن أبي بن كعب : أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : انسب لنا ربك ؛ فأنزل الله عز وجل : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ} . والصمد : الذي لم يلد ولم يولد ؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت ، وليس شيء يموت إلا سيورث ، وأن الله تعالى لا يموت ولا يورث. {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} قال : لم يكن له شبيه ولا عدل ، وليس كمثله شيء. وروي عن أبي العالية : إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم فقالوا : انسب لنا ربك. قال : فأتاه جبريل بهذه السورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، فذكر نحوه ، ولم يذكر فيه عن أبي بن كعب ، وهذا صحيح ؛ قاله الترمذي.
قلت : ففي هذا الحديث إثبات لفظ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وتفسير الصمد ، وقد تقدم. وعن عكرمة نحوه. وقال ابن عباس : "لم يلد" كما ولدت مريم ، ولم يولد كما ولد عيس وعزير. وهو رد على النصارى ، وعلى من قال : عزير ابن الله.
قوله تعالى : {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} أي لم يكن له مثلا أحد. وفيه تقدم وتأخير ؛ تقديره : ولم يكن له كفوا أحد ؛ فقدم خبر كان على اسمها ، لينساق أو آخر الآي على نظم واحد. وقرئ {كفوا} بضم الفاء وسكونها ، وقد تقدم في "البقرة" أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم ، فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان ؛ إلا قوله تعالى : {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً} لعلة تقدمت. وقرأ حفص {كفوا} مضموم الفاء غير مهموز. وكلها لغات فصيحة.
القول في الأحاديث الواردة في فضل هذه السورة ؛ وفيه ثلاث مسائل :
الأولى : ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري : أن رجلا سمع رجلا يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يرددها ؛ فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له ، وكان الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" . وعنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة" فشق ذلك عليهم ، وقالوا : أينا يطيق ذلك يا رسول الله ؟ فقال : "الله الواحد الصمد ثلث القرآن" خرجه مسلم من حديث أبي الدرداء بمعناه. وخرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن" ، فحشد من حشد ؛ ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثم دخل فقال بعضنا لبعض : إني أرى هذا خبرا جاءه من السماء ، فذاك الذي أدخله. ثم خرج فقال : "إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن ، ألا إنها تعدل ثلث القرآن" قال بعض العلماء : إنها عدلت ثلث القرآن لأجل هذا الاسم ، الذي هو {الصَّمَدُ} ، فإنه لا يوجد في غيرها من السور. وكذلك {أَحَدٌ} . وقيل : إن القرآن أنزل أثلاثا ، ثلثا منه أحكام ، وثلثا منه وعد ووعيد ، وثلثا منه أسماء وصفات ، وقد جمعت {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أحد الأثلاث ، وهو الأسماء والصفات. ودل على هذا التأويل ما في صحيح مسلم ، من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : "إن الله جل وعز جزأ القرآن ثلاثة أجزاء ، فجعل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} جزءا من أجزاء القرآن" . وهذا نص ؛ وبهذا المعنى سميت سورة الإخلاص ، والله أعلم.
الثانية : روى مسلم عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم ، فيختم بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ؛ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي
صلى الله عليه وسلم فقال : "سلوه لأي شيء يصنع ذلك" ؟ فسألوه فقال : لأنها صفة الرحمن ، فأنا أحب أن أقرأ بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أخبروه أن الله عز وجل يحبه" . وروى الترمزي عن أنس بن مالك قال : كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء ، وكان كلما أفتتح سورة يقرؤها لهم في الصلاة فقرأ بها ، أفتتح بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ؛ حتى يفرغ منها ، ثم يقرأ بسورة أخرى معها ، وكان يصنع ذلك في كل ركعة ، فكلمه أصحابه ، فقالوا : إنك تقرأ بهذه السورة ، ثم لا ترى منها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى ، فإما أن تقرأ بها ، وإما أن تدعوا وتقرأ بسورة أخرى ؟ قال : ما أنا بتاركها وإن أحببتم أن أؤمكم بها فعلت ، وإن كرهتم تركتكم ؛ وكانوا يرونه أفضلهم ، وكرهوا أن يؤمهم غيره ، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم اخبروه الخبر ، فقال : "يا فلان ما يمنعك مما يأمر به أصحابك ؟ وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة" ؟ فقال : يا رسول الله ، إني أحبها ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن حبها أدخلك الجنة" . قال : حديث حسن غريب صحيح. قال ابن العربي : فكان هذا دليلا على أنه يجوز تكرار سورة في كل ركعة. وقد رأيت على باب الأسباط فيما يقرب منه ، إماما من جملة الثمانية والعشرين إماما ، كان يصلي فيه التراويح في رمضان بالأتراك ؛ فيقرأ في كل ركعة {الْحَمْدُ لِلَّهِ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى يتم التراويح ؛ تخفيفا عليه ، ورغبة في فضلها وليس من السنة ختم القرآن في رمضان.
قلت : هذا نص قول مالك ، قال مالك : وليس ختم القرآن في المساجد بسنة.
الثالثة : روى الترمذي عن أنس بن مالك قال : أقبلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع رجلا يقرأ "قل هو الله أحد" ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وجبت" . قلت : وما وجبت ؟ قال : "الجنة" . قال : هذا حديث حسن صحيح. قال الترمذي :
حدثنا محمد بن مرزوق البصري قال حدثنا حاتم بن ميمون أبو سهل عن ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ كل يوم مائتي مرة قل هو الله أحد ، محي عنه ذنوب خمسين سنة ، إلا أن يكون عليه دين" . وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من أراد أن ينام على فراشه ، فنام على يمينه ، ثم قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مائة مرة ، فإذا كان يوم القيامة يقول الرب : يا عبدي ، ادخل على يمينك الجنة" . قال : هذا حديث غريب من حديث ، ثابت عن أنس. وفي مسند أبي محمد الدارمي ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} خمسين مرة ، غفرت له ذنوب خمسين سنة" قال : وحدثنا عبدالله بن يزيد قال حدثنا حيوة قال : أخبرني أبو عقيل : أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : "من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} عشرة مرات بني له قصر في الجنة. ومن قرأها عشرين مرة بني له بها قصران في الجنه. ومن قرأها ثلاثين مرة بني له بها ثلاثة قصور في الجنة" . فقال عمر بن الخطاب : والله يا رسول الله إذا لنكثرن قصورنا ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الله أوسع من ذلك" قال أبو محمد : أبو عقيل زهرة بن معبد ، وزعموا أنه كان من الأبدال. وذكر أبو نعيم الحافظ من حديث أبي العلاء يزيد بن عبدالله بن الشخير عن أبيه ، قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في مرضه الذي يموت فيه ، لم يفتن في قبره. وأمن من ضغطة القبر. وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها ، حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة" . قال : هذا حديث غريب من حديث يزيد ، تفرد به نصر بن حماد البجلي.
وذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ عن عيسى بن أبي فاطمة الرازي قال : سمعت مالك بن أنس يقول : إذا نقس بالناقوس اشتد غضب الرحمن ، فتنزل الملائكة ، فيأخذون بأقطار الأرض ، فلا يزالون يقرؤون {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى يسكن غضبه جل وعز. وخرج من حديث محمد بن خالد الجندي عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من دخل يوم الجمعة"
المسجد ، فصلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} خمسين مرة فذلك مائتا مرة في أربع ركعات ، لم يمت حتى يرى منزله في الجنة أو يرى له ". وقال أبو عمر مولى جرير بن عبدالله البجلي ، عن جرير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حين يدخل منزله ، نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل وعن الجيران "وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مرة بورك عليه ، ومن قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهله ، ومن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى جميع جيرانه ، ومن قرأها اثنتي عشرة بني الله له اثني عشر قصرا في الجنة ، وتقول الحفظة انطلقوا بنا ننظر إلى قصر أخينا ، فإن قرأها مائة مرة كفر الله عنه ذنوب خمسين سنة ، ما خلا الدماء والأموال ، فإن قرأها أربعمائة مرة كفر الله عنه ذنوب مائة سنة ، فإن قرأها ألف مرة لم يمت حتى يرى مكانه في الجنة أو يرى له ". وعن سهل بن سعد الساعدي قال : شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر وضيق المعيشة ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا دخلت البيت فسلم إن كان فيه أحد ، وإن لم يكن فيه أحد فسلم علي ، واقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مرة واحدة "ففعل الرجل فأدر الله عليه الرزق ، حتى أفاض عليه جيرانه. وقال أنس : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك ، فطلعت الشمس بيضاء لها شعاع ونور ، لم أرها فيما مضى طلعت قط كذلك ، فأتى جبريل ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا جبريل ، مالي أرى الشمس طلعت بيضاء بشعاع لم أرها طلعت كذلك فيما مضى قط "؟ فقال :" ذلك لأن معاوية الليثي توفي بالمدينة اليوم ، فبعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه ". قال" ومم ذلك "؟ قال :" كان يكثر قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} آناء الليل وآناء النهار ، وفي ممشاه وقيامه وقعوده ، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض. فتصلي عليه "؟ قال" نعم "فصلى عليه ثم رجع. ذكره الثعلبي ، والله أعلم."
سورة الفلق
وهي مكية ؛ في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. ومدنية ؛ في أحد
قولي ابن عباس وقتادة. وهي خمس آيات.
وهذه السورة وسورة "الناس" و "الإخلاص" : تعوذ بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سحرته اليهود ؛ على ما يأتي. وقيل : إن المعوذتين كان يقال لهما المقشقشتان ؛ أي تبرئان من النفاق. وقد تقدم. وزعم ابن مسعود أنهما دعاء تعوذ به ، وليستا من القرآن ؛ خالف به الإجماع من الصحابة وأهل البيت. قال ابن قتيبة : لم يكتب عبدالله بن مسعود في مصحفه المعوذتين ؛ لأنه كان يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين - رضي الله عنهما - بهما ، فقدر أنهما بمنزلة : "أعيذكما بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة" . قال أبو بكر الأنباري : وهذا مردود على ابن قتيبة ؛ لأن المعوذتين من كلام رب العالمين ، المعجز لجميع المخلوقين ؛ و "أعيذكما بكلمات الله التامة" من قول البشر بين. وكلام الخالق الذي هو آية لمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ، وحجة له باقية على جميع الكافرين ، لا يلتبس بكلام الآدميين ، على مثل عبدالله بن مسعود الفصيح اللسان ، العالم باللغة ، العارف بأجناس الكلام ، وأفانين القول. وقال بعض الناس : لم يكتب عبدالله المعوذتين لأنه أمن عليهما من النسيان ، فأسقطهما وهو يحفظهما ؛ كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه ، وما يشك في حفظه وإتقانه لها. فرد هذا القول على قائله ، واحتج عليه بأنه قد كتب : {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ، و {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وهن يحرين مجرى المعوذتين في أنهن غير طوال ، والحفظ إليهن أسرع ، ونسيانهن مأمون ، وكلهن يخالف فاتحة الكتاب ؛ إذ الصلاة لا تتم إلا بقراءتها. وسبيل كل ركعة أن تكون المقدمة فيها قبل ما يقرأ من بعدها ، فاسقاط فاتحة الكتاب من المصحف ، على معنى الثقة ببقاء حفظها ، والأمن نسيانها ، صحيح ، وليس من السور ما يجري في هذا المعنى مجراها ، ولايسلك به طريقها. وقد مضى هذا المعنى في سورة "الفاتحة" . والحمد لله.
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
1-
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}

2-
{مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}

3-
{وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}

4-
{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}

5-
{وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}

فيه تسع مسائل :
الأولى- روى النسائي عن عقبة بن عامر ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكب ، فوضعت يدي على قدمه ، فقلت : أقرئني سورة [هود] أقرئني سورة يوسف. فقال لي : "ولن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} " . وعنه قال : بينا أنا أسير مع النبي صلى الله عليه وسلم بين الجحفة والأبواء ، إذ غشتنا ريح مظلمة شديدة ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ "بأعوذ برب الفلق" ، و "أعوذ برب الناس" ، ويقول : "يا عقبة ، تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما" . قال : وسمعته يقرأ بهما في الصلاة. وروى النسائي عن عبدالله قال : أصابنا طش وظلمة ، فانتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج. ثم ذكر كلاما معناه : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي بنا ، فقال : قل. فقلت : ما أقول ؟ قال : " {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين حين تمسي ، وحين تصبح ثلاثا ، يكفك كل شيء" وعن عقبة بن عامر الجهني قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قل" . قلت : ما أقول ؟ قال قل : " {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} . {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} . {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} - فقرأهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : لم يتعوذ الناس بمثلهن ، أو لا يتعوذ الناس بمثلهن" . وفي حديث ابن عباس "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ"
الْفَلَقِ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ، هاتين السورتين ". وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث ، كلما أشتد وجعه كنت أقرأ عليه ، وأمسح عنه بيده ، رجاء بركتها. النفث : النفخ ليس معه ريق."
الثانية- ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى سحره يهودي من يهود بني زريق ، يقال له لبيد بن الأعصم ، حتى يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء ولا يفعله ، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث - في غير الصحيح : سنة - ثم قال : "يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه. أتاني ملكان ، فجلس أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي ، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي : ما شأن الرجل ؟ قال : مطبوب. قال ومن طبه ؟ قال لبيد بن الأعصم. قال في ماذا ؟ قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر ، تحت راعوفة في بئر ذي أوران" فجاء البئر واستخرجه. انتهى الصحيح. وقال ابن عباس : "أما شعرت يا عائشة أن الله تعالى أخبرني بدائي" . ثم بعث عليا والزبير وعمار بن ياسر ، فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحناء ، ثم رفعوا الصخرة وهي الراعوفة - صخرة تترك أسفل البئر يقوم عليها المائح ، وأخرجوا الجف ، فإذا مشاطة رأس إنسان ، وأسنان من مشط ، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغرزة بالإبر ، فأنزل الله تعالى هاتين السورتين ، وهما إحدى عشرة آية على عدد تلك العقد ، وأمر أن يتعوذ بهما ؛ فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ، ووجد النبي صلى الله عليه وسلم خفة ، حتى انحلت العقدة الأخيرة ، فكأنما أنشط من عقال ، وقال : ليس به بأس. وجعل جبريل يرقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : "باسم الله"
أرقيك ، من كل شيء يؤذيك ، من شر حاسد وعين ، والله يشفيك ". فقالوا : يا رسول الله ، ألا نقتل الخبيث. فقال :" أما أنا فقد شفاني الله ، وأكره أن أثير على الناس شرا ". وذكر القشيري في تفسيره أنه ورد في الصححاح : أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فدست إليه اليهود ، ولم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم. والمشاطة بضم الميم : ما يسقط من الشعر عند المشط. وأخذ عدة من أسنان مشطه ، فأعطاها اليهود ، فسحروه فيها ، وكان الذي تولى ذلك لبيد بن الأعصم اليهودي. وذكر نحو ما تقدم عن ابن عباس."
الثالثة- وقد تقدم في "البقرة" القول في السحر وحقيقته ، وما ينشأ عنه من الآلام والمفاسد ، وحكم الساحر ؛ فلا معنى لإعادته.
الرابعة- قوله تعالى : "الفلق" اختلف فيه ؛ فقيل : سجن في جهنم ؛ قال ابن عباس. وقال أبي بنكعب : بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من حره. وقال الحبلي أبو عبدالرحمن : هو اسم من أسماء جهنم. وقال الكلبي : واد في جهنم. وقال عبدالله بن عمر : شجرة في النار. سعيد بن جبير : جب في النار. النحاس : يقال لما اطمأن من الأرض فلق ؛ فعلى هذا يصح هذا القول. وقال جابر بن عبدالله والحسن وسعيد بن جبيرأيضا ومجاهد وقتادة والقرظبي وابن زيد : الفلق ، الصبح. وقال ابن عباس. تقول العرب : هو أبين من فلق الصبح وفرق الصبح. وقال الشاعر :
يا ليلة لم أنمها بت مرتفقا ... أرعى النجوم إلى أن نور الفلق
وقيل : الفلق : الجبال والصخور تنفرد بالمياه ؛ أي تتشقق. وقيل : هو التفليق بين الجبال والصخور ؛ لأنها تتشقق من خوف الله عز وجل. قال زهير :
ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت ... أيدي الركاب بهم من راكس فلقا




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.33 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.53%)]