عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 14-07-2025, 09:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,374
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (20)
سُورَةُ العصر

من صــ 171 الى صــ180
الحلقة (773)



فبينا الرجل يخرج ليعتبر ، فيقع بصره على امرأة فيفتتن ، وبالعكس فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا غير مأجور. والله أعلم.
الخامسة- قال العلماء : ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه ، أن يكثر من ذكر هاذم اللذات ، ومفرق الجماعات ، وموتم البنين والبنات ، ويواظب على مشاهدة المحتضرين ، وزيارة قبور أموات المسلمين. فهذه ثلاثة أمور ، ينبغي لمن قسا قلبه ، ولزمه ذنبه ، أن يستعين بها على دواء دائه ، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه ؛ فإن أنتفع بالإكثار من ذكر الموت ، وأنجلت به قساوة قلبه فذاك ، وإن عظم عليه ران قلبه ، واستحكمت فيه دواعي الذنب ؛ فإن مشاهدة المحتضرين ، وزيارة قبور أموات المسلمين ، تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول ؛ لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير ، وقائم له مقام التخويف والتحذير. وفي مشاهدة من أحتضر ، وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة ومشاهدة ؛ فلذلك كان أبل من الأول ؛ قال صلى الله عليه وسلم : "ليس الخبر كالمعاينة" رواه ابن عباس. فأما الاعتبار بحال المحتضرين ، فغير ممكن في كل الأوقات ، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات. وأما زيارة القبور فوجودها أسرع ، والانتفاع بها أليق وأجدر. فينبغي لمن عزم على الزيارة ، أن يتأدب بآدابها ، ويحضر قلبه في إتيانها ، ولا يكون حظه منها التطواف على الأحداث فقط ؛ فإن هذه حاله تشاركه فيها بهيمة. ونعوذ بالله من ذلك. بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى ، وإصلاح فساد قلبه ، أو نفع الميت بما يتلو عنده من القرآن والدعاء ، ويتجنب المشي على المقابر ، والجلوس عليها ويسلم إذا دخل المقابر وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا ، وأتاه من تلقاء وجهه ، لأنه في زيارته كمخاطبته حيا ، ولو خاطبه حيا لكان الأدب استقباله بوجهه ؛ فكذلك ها هنا. ثم يعتبر بمن صار تحت التراب ، وانقطع عن الأهل والأحباب ، بعد أن قاد الجيوش والعساكر ، ونافس الأصحاب والعشائر ، وجمع الأموال والذخائر ؛ فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه ، وهول لم يرتقبه. فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه ، ودرج من
قرانه الذين بلغوا الآمال ، وجمعوا الأموال ؛ كيف انقطعت آمالهم ، ولم تغن عنهم أموالهم ، ومحا التراب محاسن وجوههم ، وافترقت في القبور أجزاؤهم ، وترمل من بعدهم نساؤهم ، وشمل ذل اليتم أولادهم ، واقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم. وليتذكر ترددهم في المآرب ، وحرصهم على نيل المطالب ، وانخداعهم لمواتاة الأسباب ، وركونهم إلى الصحة والشباب. وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم ، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع ، والهلاك السريع ، كغفلتهم ، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم ، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه ، وكيف تهدمت رجلاه. وكان يتلذذ بالنظر إلى ما خوله وقد سالت عيناه ، ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه ، ويضحك لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه ، وليتحقق أن حاله كحاله ، ومآله كمآله. وعند هذا التذكر والاعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية ، ويقبل على الأعمال الأخروية ، فيزهد في دنياه ، ويقبل على طاعة مولاه ، ويلين قلبه ، وتخشع جوارحه.
3-
{كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}

4-
{ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}

قوله تعالى : {كَلَّا} قال الفراء : أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر والتمام على هذا {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي سوف تعلمون عاقبة هذا "ثم كلا سوف تعلمون" : وعيد بعد وعيد ؛ قاله مجاهد. ويحتمل أن يكون تكراره على وجه التأكيد والتغليظ ؛ وهو قول الفراء. وقال ابن عباس : {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} ما ينزل بكم من العذاب في القبر. {ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} : وعيد بعد الآخرة إذا حل بكم العذاب. فالأول في القبر ، والثاني في الآخرة ؛ فالتكرار للحالتين. وقيل {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} عند المعاينة ، أن ما دعوتكم إليه حق. {ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} : عند البعث أن ما وعدتكم به صدق. وروى زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه ، قاله : كنا نشك في عذاب القبر ، حتى نزلت هذه السورة ، فأشار إلى أن قوله : {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} يعني في القبور. وقيل : كَلَّا سَوْفَ
تَعْلَمُونَ ؛ إذا نزل بكم الموت ، وجاءتكم رسل لتنزع أرواحكم. {ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} : إذا دخلتم قبوركم ، وجاءكم منكر ونكير ، وحاط بكم هول السؤال ، وانقطع منكم الجواب.
قلت : فتضمنت السورة القول في عذاب القبر. وقد ذكرنا في كتاب "التذكرة" أن الإيمان به واجب ، والتصديق به لازم ؛ حسبما أخبر به الصادق ، وأن الله تعالى يحيي العبد المكلف في قبره ، برد الحياة إليه ، ويجعل له من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه ؛ ليعقل ما يسأل عنه ، وما يجيب به ، ويفهم ما أتاه من ربه ، وما أعد له في قبره ، من كرامة وهوان. وهذا هو مذهب أهل السنة ، والذي عليه الجماعة من أهل الملة. وقد ذكرناه هناك مستوفى ، والحمد لله ، وقيل : {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} عند النشور أنكم مبعوثون {ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} في القيامة أنكم معذبون. وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث وحشر ، وسؤال وعرض ، إلى غير ذلك من أهوالها وأفزاعها ؛ حسب ما ذكرناه في كتاب "التذكرة ، بأحوال الموتى وأمور الآخرة" . وقال الضحاك : {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} يعني الكفار ، {ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} : قال المؤمنون. وكذلك كان يقرؤها ، الأولى بالتاء والثانية بالياء.
5-
{كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ}

قوله تعالى : {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} أعاد {كَلَّا} وهو زجر وتنبيه ، لأنه عقب كل واحد بشيء آخر ؛ كأنه قال : لا تفعلوا ، فإنكم تندمون ، لا تفعلوا ، فإنكم تستوجبون العقاب. وإضافة العلم إلى اليقين ، كقوله تعالى : {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} . وقيل : اليقين ها هنا : الموت ؛ قاله قتادة. وعنه أيضا : البعث ؛ لأنه إذا جاء زال الشك ، أي لو تعلمون علم البعث وجواب {لو} محذوف ؛ أي لو تعلمون اليوم من البعث ما تعلمونه إذا جاءتكم نفخة الصور ، وأنشقت اللحود عن جثثكم ، كيف يكون حشركم ؟ لشغلكم ذاك عن التكاثر بالدنيا. وقيل : {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} أي لو قد تطايرت الصحف ، فشقي وسعيد.
وقيل : إن {كَلَّا} في هذه المواضع الثلاثة بمعنى "ألا" قاله ابن أبي حاتم ، وقال الفراء : هي بمعنى "حقا" وقد تقدم الكلام فيها مستوفى.
6-
{لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ}

7-
{ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ}

قوله تعالى : {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} هذا وعيد آخر. وهو على إضمار القسم ؛ أي لترون الجحيم في الآخرة. والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. وقيل : هو عام ؛ كما قال : {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} فهيئ للكفار دار ، وللمؤمنين ممر. وفي الصحيح : "فيمر أولهم كالبرق ، ثم كالريح ، ثم كالطير..." الحديث. وقد مضى في سورة "مريم" . وقرأ الكسائي وابن عامر {لترون} بضم التاء ، من رأيته الشيء ؛ أي تحشرون إليها فترونها. وعلى فتح التاء ، هي قراءة الجماعة ؛ أي لترون الجحيم بأبصاركم على البعد. {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} أي مشاهدة. وقيل : هو إخبار عن دوام مقامهم في النار ؛ أي هي رؤية دائمة متصلة. والخطاب على هذا للكفار. وقيل : معنى {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} أي لو تعلمون اليوم في الدنيا ، علم اليقين فيما أمامكم ، مما وصفت : {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} بعيون قلوبكم ؛ فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك ؛ وهو أن تتصور لك تارات القيامة ، وقطع مسافاتها. {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} : أي عند المعاينة بعين الرأس ، فتراها يقينا ، لا تغيب عن عينك. {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} : في موقف السؤال والعرض.
8-
{ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}

قوله تعالى : {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة ، فإذا هو بأبي بكر وعمر ؛ فقال : "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة" ؟ قالا : الجوع يا رسول الله. قال : "وأنا"
والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ؛ قوما "فقاما معه ؛ فأتى رجلا من الأنصار ، فإذا هو ليس في بيته ، فلما رأته المرأة قالت : مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أين فلان "؟ قالت : يستعذب لنا من الماء ؛ إذ جاء الأنصاري ، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبيه ، ثم قال : الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضافيا مني. قال : فانطلق ، فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب ، فقال : كلوا من هذه. وأخذ المدية فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم :" إياك والحلوب "فذبح لهم ، فأكلوا من الشاة ، ومن ذلك العذق ، وشربوا ؛ فلما أن شبعوا ورووا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر :" والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم ، يوم القيامة ، أخرجكم من بيوتكم الجوع ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم ". خرجه الترمذي ، وقال [فيه] :" هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة : ظل بارد ، ورطب طيب ، وماء بارد "وكنى الرجل الذي من الأنصار ، فقال : أبو الهيثم ابن التيهان. وذكر قصته."
قلت : اسم هذا الرجل الأنصاري مالك بن التيهان ، ويكنى أبا الهيثم. وفي هذه القصة يقول عبدالرحمن رواحة ، يمدح بها أبا الهيثم بن التيهان :
فلم أر كالإسلام عزا لأمة ... ولا مثل أضياف الإراشي معشرا
نبي وصديق وفاروق أمة ... وخير بني حواء فرعا وعنصرا
فوافوا لميقات وقدر قضية ... وكان قضاء الله قدرا مقدرا
إلى رجل نجد يباري بجوده ... شموس الضحى جودا ومجدا ومفخرا
وفارس خلق الله في كل غارة ... إذا لبس القوم الحديد المسمرا
ففدى وحيا ثم أدنى قراهم ... فلم يقرهم إلا سمينا متمرا
وقد ذكر أبو نَعَم الحافظ ، عن أبي عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ، فخرجت إليه ، ثم مر بأبي بكر فدعاه ، فخرج إليه ، ثم مر بعمر فدعاه ، فخرج إليه ، فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار ، فقال لصاحب الحائط : "أطعمنا بسرا" فجاء بعذق ، فوضعه فأكلوا ، ثم دعا بماء فشرب ، فقال : "لتسألن عن هذا يوم القيامة" قال : وأخذ عمر العذق ، فضرب به الأرض حتى تناثر البسر نحو وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله ، إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة ؟ قال : "نعم إلا من ثلاث : كسرة يسد بها جوعته ، أو ثوب يستر به عورته ، أو حجر يأوي فيه من الحر والقر" . واختلف أهل التأويل في النعيم المسؤول عنه على عشرة أقوال :
أحدها : الأمن والصحة ؛ قاله ابن مسعود. الثاني : الصحة والفراغ ؛ قاله سعيد بن جبير. وفي البخاري عنه عليه السلام : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ" . الثالث : الإدراك بحواس السمع والبصر ؛ قاله ابن عباس. وفي التنزيل : {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} وفي الصحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يؤتي بالعبد يوم القيامة ، فيقول له : ألم أجعل لك سمعا وبصرا ، ومالا وولدا..." ، الحديث. خرجه الترمذي وقال فيه : حديث حسن صحيح. الرابع : ملاذ المأكول والمشروب قاله جابر بن عبدالله الأنصاري. وحديث أبي هريرة يدل عليه. الخامس : أنه الغداء والعشاء ؛ قال الحسن. السادس : قول مكحول الشامي : أنه شبع البطون وبارد الشراب ، وظلال المساكن ، واعتدال الخلق ؛ ولذة النوم. ورواه زيد بن أسلم عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} يعني عن شبع البطون" . فذكره. ذكره الماوردي ، وقال : وهذا السؤال يعم الكافر والمؤمن ، إلا أن سؤال المؤمن
تبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. وسؤال الكافر تقريع أن قابل نعيم الدنيا بالكفر والمعصية. وقال قوم : هذا السؤال عن كل نعمة ، إنما يكون في حق الكفار ، فقد روي أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال : يا رسول الله ، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان ، من خبز شعير ولحم وبسر قد ذنب ، وماء عذب ، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه ؟ فقال عليه السلام : "ذلك للكفار ؛ ثم قرأ : {وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} " ذكره القشيري أبو نصر. وقال الحسن لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. وقال القشيري : والجمع بين الأخبار : أن الكل يسألون ، ولكن سؤال الكفار توبيخ ، لأنه قد ترك الشكر. وسؤال المؤمن سؤال تشريف ، لأنه شكر. هذا النعيم في كل نعمة.
قلت : هذا القول حسن ، لأن اللفظ يعم. وقد ذكر الفريابي قال : حدثنا ورقاء ابن أبي نجيح عن مجاهد ، في قوله تعالى : {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} قال : كل شيء من لذة الدنيا. وروى أبو الأحوص عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن الله تعالى ليعدد نعمه على العبد يوم القيامة ، حتى يعد عليه : سألتني فلانة أن أزوجكها ، فيسميها باسمها ، فزوجتكها" . وفي الترمذي عن أبي هريرة قال : لما نزلت هذه الآية : {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} قال الناس : يا رسول الله ، عن أي النعيم نسأل ؟ فإنما هما الأسودان والعدو حاضر ، وسيوفنا على عواتقنا. قال : "إن ذلك سيكون" . وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة - يعني العبد - أن يقال له : ألم نصح لك جسمك ، ونرويك من الماء البارد" قال : حديث ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده ، فيوقفه بين يديه ، فيسأله عن جاهه كما يسأل عن ماله" . والجاه من نعيم الدنيا لا محالة. وقال مالك رحمه الله : إنه صحة البدن ، وطيب النفس. وهو القول السابع. وقيل : النوم مع الأمن والعافية. وقال سفيان بن عيينة : إن ما سد الجوع وستر العورة من خشن الطعام واللباس ، لا يسأل عنه المرء يوم القيامة ، وإنما يسأل عن النعيم. قال : والدليل عليه أن الله تعالى أسكن آدم الجنة. فقال له : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى
وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى . فكانت هذه الأشياء الأربعة - ما يسد به الجوع ، وما يدفع به العطش ، وما يستكن فيه من الحر ، ويستر به عورته - لآدم عليه السلام بالإطلاق ، لا حساب عليه فيها ، لأنه لابد له منها.
قلت : ونحو هذا ذكره القشيري أبو نصر ، قال : إن مما لا يسأل عنه العبد لباسا يواري سوأته ، وطعاما يقيم صلبه ، ومكانا يكنه من الحر والبرد.
قلت : وهذا منتزع من قول عليه السلام : "ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال : بيت يسكنه ، وثوب يواري عورته ، وجلف الخبز والماء" خرجه الترمذي. وقال النضر بن شميل : جلف الخبز : ليس معه إدام. وقال محمد بن كعب : النعيم : هو ما أنعم الله علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وفي التنزيل : {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} . وقال الحسن أيضا والمفضل : هو تخفيف الشرائع ، وتيسير القرآن ، قال الله تعالى : {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } ، وقال تعالى : {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} .
قلت : وكل هذه نعم ، فيسأل العبد عنها : هل شكر ذلك أم كفر. والأقوال المتقدمة أظهر. والله أعلم.
سورة العصر
وهي مكية. وقال قتادة مدنية ؛ وروي عن ابن عباس. وهي ثلاث آيات.
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيم
1-
{وَالْعَصْرِ}

فيه مسألتان :
ا لأولى- قوله تعالى : {وَالْعَصْرِ} أي الدهر ؛ قاله ابن عباس وغيره. فالعصر مثل الدهر ؛ ومنه قول الشاعر :
سبيل الهوى وعر وبحر الهوى غمر ... ويوم الهوى شهر وشهر الهوى دهر
أي عصر أقسم الله به عز وجل ؛ لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها ، وما فيها من الدلالة على الصانع. وقيل : العصر : الليل والنهار. قال حميد بن ثور :
ولن يلبث العصران : يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
والعصران أيضا : الغداة والعشي. قال :
وأمطله العصرين حتى يملني ... ويرضى بنصف الدين والأنف راغم
يقول : إذا جاءني أول النهار ووعدته آخره. وقيل : إنه العشي ، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها ؛ قاله الحسن وقتادة. ومنه قول الشاعر :
تروح بنا يا عمر قد قصر العصر ... وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر
وعن قتادة أيضا : هو آخر ساعة من ساعات النهار. وقيل : هو قسم بصلاة العصر ، وهي الوسطى ؛ لأنها أفضل الصلوات ؛ قال مقاتل. يقال : أذن للعصر ، أي لصلاة العصر. وصليت العصر ؛ أي صلاة العصر. وفي الخبر الصحيح "الصلاة الوسطى صلاة العصر" . وقد مضى في سورة "البقرة" بيانه. وقيل : هو قسم بعصر النبي صلى الله عليه وسلم ، لفضله بتجديد النبوة فيه. وقيل : معناه ورب العصر.
الثانية- قال مالك : من حلف ألا يكلم رجلا عصرا : لم يكلمه سنة. قال ابن العربي : إنما حمل مالك يمين الحالف ألا يكلم امرأ عصرا على السنة ؛ لأنه أكثر ما قيل فيه ، وذلك على أصله في تغليظ المعنى في الأيمان. وقال الشافعي : يبر بساعة ؛ إلا أن تكون له نية ، وبه أقول ؛ إلا أن يكون الحالف عربيا ، فيقال له : ما أودت ؟ فإذا فسره بما يحتمله قبل منه ، إلا أن يكون الأقل ، ويجيء على مذهب مالك أن يحمل على ما يفسر. والله أعلم.
2-
{إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}

هذا جواب القسم. والمراد به الكافر ؛ قاله ابن عباس في رواية أبي صالح. وروى الضحاك عنه قال : يريد جماعة من المشركين : الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود
ابن عبدالمطلب بن أسد بن عبد العزى ، والأسود بن عبد يغوث. وقيل : يعني بالإنسان جنس الناس. {لَفِي خُسْرٍ} لفي غبن. وقال الأخفش : هلكة. الفراء : عقوبة ؛ ومنه قوله تعالى : {وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً} . ابن زيد : لفي شر. وقيل : لفي نقص ؛ المعنى متقارب. وروي عن سلام {والعصر} بكسر الصاد. وقرأ الأعرج وطلحة وعيسى الثقفي {خسر} بضم السين. وروى ذلك هارون عن أبي بكر عن عاصم. والوجه فيهما الإتباع. ويقال : خسر وخسر ؛ مثل عسر وعسر. وكان علي يقرؤها {والعصر ونوائب الدهر ، إن الإنسان لفي خسر. وإنه فيه إلى آخر الدهر} . وقال إبراهيم : إن الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم ، لفي نقصى وضعف تراجع ؛ إلا المؤمنين ، فإنهم تكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم ؛ نظيره قوله تعالى : {لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} . قال : وقراءتنا "والعصر إن الإنسان لفي خسر ، وإنه في آخر الدهر" . والصحيح ما عليه الأمة والمصاحف. وقد مضى الرد في مقدمة الكتاب على من خالف مصحف عثمان ، وأن ذلك ليس بقرآن يتلى ؛ فتأمله هناك.
3-
{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}

قوله تعالى : {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} استئناء من الإنسان ؛ إذ هو بمعنى الناس على الصحيح. {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي أدوا الفرائض المفترضة عليهم ؛ وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبي بن كعب : قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَالْعَصْرِ} ما تفسيرها يا نبي الله ؟ قال : " {وَالْعَصْرِ} قسم من الله ، أقسم ربكم بآخر النهار : {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} : أبو جهل {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} : أبو بكر ، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} عمر. {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} عثمان {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} علي" . رضي الله عنهم أجمعين. وهكذا خطب




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.90 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.28 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.50%)]