
تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (20)
سُورَةُ الفجر
من صــ 31 الى صــ40
الحلقة (759)
آخر : {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ} . وقال هنا : {إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} وهو غير الغسلين. ووجه الجمع أن النار دركات ؛ فمنهم من طعامه الزقوم ، ومنهم من طعامه الغسلين ، ومنهم من طعامه الضريع ، ومنهم من شرابه الحميم ، ومنهم من شرابه الصديد. قال الكلبي : الضريع في درجة ليس فيها غيره ، والزقوم في درجة أخرى. ويجوز أن تحمل الآيتان على حالتين كما قال : {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} . القتبي : ويجوز أن يكون الضريع وشجرة الزقوم نبتين من النار ، أو من جوهر لا تأكله النار. وكذلك سلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها ، ولو كانت على ما نعلم ما بقيت على النار. قال : وإنما دلنا اللّه على الغائب عنده ، بالحاضر عندنا ؛ فالأسماء متفقة الدلالة ، والمعاني مختلفة. وكذلك ما في الجنة من شجرها وفرشها. القشيري : وأمثل من قول القتبي أن نقول : إن الذي يبقي الكافرين في النار ليدوم عليهم العذاب ، يبقي النبات وشجرة الزقوم في النار ، ليعذب بها الكفار. وزعم بعضهم أن الضريع بعينه لا ينبت في النار ، ولا أنهم يأكلونه. فالضريع من أقوات الأنعام ، لا من أقوات الناس. وإذا وقعت الإبل فيه لم تشبع ، وهلكت هزلا ، فأراد أن هؤلاء يقتاتون بما لا يشبعهم ، وضرب الضريع له مثلا ، أنهم يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع. قال الترمذي الحكيم : وهذا نظر سقيم من أهله وتأويل دنيء ، كأنه يدل على أنهم تحيروا في قدرة اللّه تعالى ، وأن الذي أنبت في هذا التراب هذا الضريع قادر على أن ينبته في حريق النار ، جعل لنا في الدنيا من الشجر الأخضر نارا ، فلا النار تحرق الشجر ، ولا رطوبة الماء في الشجر تطفئ النار ؛ فقال تعالى : {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} . وكما قيل حين نزلت {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} : قالوا يا رسول اللّه ، كيف يمشون على وجوههم ؟ فقال : "الذي"
أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم ". فلا يتحير في مثل هذا إلا ضعيف القلب. أو ليس قد أخبرنا أنه {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} ، وقال : {سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ} ، وقال : {إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً} أي قيودا. {وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ} قيل : ذا شوك. فإنما يتلون عليهم العذاب بهذه الأشياء."
7-
{لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ}
يعني الضريع لا يسمن آكله. وكيف يسمن من يأكل الشوك! قال المفسرون : لما نزلت هذه الآية قال المشركون : إن إبلنا لتسمن بالضريع ، فنزلت : {لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} . وكذبوا ، فإن الإبل إنما ترعاه رطبا ، فإذا يبس لم تأكله. وقيل اشتبه عليهم أمره فظنوه كغيره من النبت النافع ، لأن المضارعة المشابهة. فوجدوه لا يسمن ولا يغني من جوع.
8-
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ}
9-
{لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ}
10-
{فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}
قوله تعالى : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ} أي ذات نعمة. وهي وجوه المؤمنين ؛ نعمت بما عاينت من عاقبة أمرها وعملها الصالح. {لِسَعْيِهَا} أي لعملها الذي عملته في الدنيا. {رَاضِيَةٌ} في الآخرة حين أعطيت الجنة بعملها. ومجازه : لثواب سعيها راضية. وفيها واو مضمرة. المعنى : ووجوه يومئذ ، للفصل بينها وبين الوجوه المتقدمة. والوجوه عبارة عن الأنفس. {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} أي مرتفعة ، لأنها فوق السموات حسب ما تقدم. وقيل : عالية القدر ، لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وهم فيها خالدون.
11-
{لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً}
قوله تعالى : {لاغِيَةً} أي كلاما ساقطا غير مرضي. وقال : {لاغِيَةً} ، واللغو واللغا واللاغية : بمعنى واحد. قال :
عن اللَّغا ورفث التكلم
وقال الفراء والأخفش أي لا تسمع فيها كلمة لغو. وفي المراد بها ستة أوجه : أحدها : يعني كذبا وبهتانا وكفرا باللّه عز وجل ؛ قاله ابن عباس. الثاني : لا باطل ولا إثم ؛ قاله قتادة. الثالث : أنه الشتم ؛ قاله مجاهد. الرابع : المعصية ؛ قاله الحسن. الخامس : لا يسمع فيها حالف يحلف بكذب ؛ قاله الفراء. وقال الكلبي : لا يسمع في الجنة حالف بيمين برة ولا فاجرة. السادس : لا يسمع في كلامهم كلمة بلغو ؛ لأن أهل الجنة لا يتكلمون إلا بالحكمة وحمد اللّه على ما رزقهم من النعيم الدائم ؛ قاله الفراء أيضا. وهو أحسنها لأنه يعم ما ذكر. وقرأ أبو عمرو وابن كثير {لا يسمع} بياء غير مسمى الفاعل. وكذلك نافع ، إلا أنه بالتاء المضمومة ؛ لأن اللاغية اسم مؤنث فأنث الفعل لتأنيثه. ومن قرأ بالياء فلأنه حال بين الاسم والفعل الجار والمجرور. وقرأ الباقون بالتاء مفتوحة "لاغية" نصا على إسناد ذلك للوجوه ، أي لا تسمع الوجوه فيها لاغية.
12-
{فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ}
13-
{فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ}
14-
{وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ}
15-
{وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ}
16-
{وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}
قوله تعالى : {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} أي بماء مندفق ، وأنواع الأشربة اللذيذة على وجه الأرض من غير أخدود. وقد تقدم في سورة "الإنسان" أن فيها عيونا. فـ {عَيْنٌ} : بمعنى عيون. واللّه أعلم. {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ} أي عالية. وروي أنه كان ارتفاعها قدر ما بين
السماء والأرض ، ليرى ولي اللّه ملكه حوله. {وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} أي أباريق وأوان. والإبريق : هو ماله عروة وخرطوم. والكوب : إناء ليس له عروة ولا خرطوم. وقد تقدم هذا في سورة "الزخرف" وغيرها. {وَنَمَارِقُ} أي وسائد ، الواحدة نمرقة. {مَصْفُوفَةٌ} أي واحدة إلى جنب الأخرى. قال الشاعر :
وإنا لنجري الكأس بين شروبنا ... وبين أبي قابوسَ فوق النمارق
وقال آخر :
كهول وشبان حسان وجوهم ... على سرر مصفوفة ونمارق
وفي الصحاح : النُّمرق والنمرقة : وسادة صغيرة. وكذلك النِّمرِقة (بالكسر) لغة حكاها يعقوب. وربما سموا الطنفسة التي فوق الرحل نمرقة ؛ عن أبي عبيد. {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} قال أبو عبيدة : الزرابي : البسط. وقال ابن عباس : الزرابي : الطنافس التي لها حمل رقيق ، واحدتها : زربية ؛ وقال الكلبي والفراء. والمبثوثة : المبسوطة ؛ قال قتادة. وقيل : بعضها فوق بعض ؛ قال عكرمة. وقيل كثيرة ؛ قاله الفراء. وقيل : متفرقة في المجالس ؛ قاله القتبي.
قلت : هذا أصوب ، فهي كثيرة متفرقة. ومنه {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} . وقال أبو بكر الأنباري : وحدثنا أحمد بن الحسين ، قال حدثنا حسين بن عرفة ، قال حدثنا عمار بن محمد ، قال : صليت خلف منصور بن المعتمر ، فقرأ : "هل أتاك حديث الغاشية" ، وقرأ فيها : {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ } : متكئين فيها ناعمين.
17-
{أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}
قال المفسرون : لما ذكر اللّه عز وجل أمر أهل الدارين ، تعجب الكفار من ذلك ، فكذبوا وأنكروا ؛ فذكرهم اللّه صنعته وقدرته ؛ وأنه قادر على كل شيء ، كما خلق الحيوانات والسماء والأرض. ثم ذكر الإبل أولا ، لأنها كثيرة في العرب ، ولم يروا الفيلة ، فنبههم جل
ثناؤه على عظيم من خلقه ؛ قد ذلله للصغير ، يقوده وينيخه وينهضه ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك ، فينهض بثقيل حمله ، وليس ذلك في شيء من الحيوان غيره. فأراهم عظيما من خلقه ، مسخرا لصغير من خلقه ؛ يدلهم بذلك على توحيده وعظيم قدرته. وعن بعض الحكماء : أنه حدث عن البعير وبديع خلقه ، وقد نشأ في بلاد لا إبل فيها ؛ ففكر ثم قال : يوشك أن تكون طوال الأعناق. وحين أراد بها أن تكون سفائن البر ، صبرها على احتمال العطش ؛ حتى إن إظماءها ليرتفع إلى العشر فصاعدا ، وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز ، مما لا يرعاه سائر البهائم. وقيل : لما ذكر السرر المرفوعة قالوا : كيف نصعدها ؟ فأنزل اللّه هذه الآية ، وبين أن الإبل تبرك حتى يحمل عليها ثم تقوم ؛ فكذلك تلك السرر تتطامن ثم ترتفع. قال معناه قتادة ومقاتل وغيرهما. وقيل : الإبل هنا القطع العظيمة من السحاب ؛ قاله المبرد. قال الثعلبي : وقيل في الإبل هنا : السحاب ، ولم أجد لذلك أصلا في كتب الأئمة.
قلت : قد ذكر الأصمعي أبو سعيد عبدالملك بن قريب ، قال أبو عمرو : من قرأها {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} بالتخفيف : عنى به البعير ، لأنه من ذوات الأربع ، يبرك فتحمل عليه الحمولة ، وغيره من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلا وهو قائم. ومن قرأها بالتثقيل فقال : {الإبل} ، عني بها السحاب التي تحمل الماء والمطر. وقال الماوردي : وفي الإبل وجهان : أحدهما : وهو أظهرهما وأشهرهما : أنها الإبل من النعم. الثاني : أنها السحاب. فإن كان المراد بها السحاب ، فلما فيها من الآيات الدالة على قدرته ، والمنافع العامة لجميع خلقه. وإن كان المراد بها الإبل من النعم ، فلأن الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوان ؛ لأن ضروبه أربعة : حلوبة ، وركوبة ، وأكولة ، وحمولة. والإبل تجمع هذه الخلال الأربع ؛ فكانت النعمة بها أعم ، وظهور القدرة فيها أتم. وقال الحسن : إنما خصها اللّه بالذكر لأنها تأكل النوى والقَتّ ، وتخرج اللبن. وسئل الحسن أيضا عنها وقالوا : الفيل أعظم في الأعجوبة : فقال : العرب بعيدة العهد بالفيل ، ثم هو خنزير لا يؤكل لحمه ، ولا يركب ظهره ، ولا يحلب
دره. وكان شريح يقول : اخرجوا بنا إلى الكناسة حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت. والإبل : لا واحد لها من لفظها ، وهي مؤنثة ؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها ، إذا كانت لغير الآدميين ، فالتأنيث لها لازم ، وإذا صغرتها دخلتها الهاء ، فقلت : أبيلة وغنيمه ، ونحو ذلك. وربما قالوا للإبل : إبل ، بسكون الباء للتخفيف ، والجمع : آبال.
18-
{وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ}
19-
{وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ}
20-
{وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}
قوله تعالى : {وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ} أي رفعت عن الأرض بلا عمد. وقيل : رفعت ، فلا ينالها شيء. {وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ} أي كيف نصبت على الأرض ، بحيث لا تزول ؛ وذلك أن الأرض لما دحيت مادت ، فأرساها بالجبال. كما قال : {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} . {وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} أي بسطت ومدت. وقال أنس : صليت خلف علي رضي اللّه عنه ، فقرأ {كَيْفَ خُلِقَتُ} و {رفعتُ} و {نصبتُ} و {سطحتُ} ، بضم التاءات ؛ أضاف الضمير إلى اللّه تعالى. وبه كان يقرأ محمد بن السميقع وأبو العالية ؛ والمفعول محذوف ، والمعنى خلقتها. وكذلك سائرها. وقرأ الحسن وأبو حيوة وأبو رجاء : {سطّحت} بتشديد الطاء وإسكان التاء. وكذلك قرأ الجماعة ، إلا أنهم خففوا الطاء. وقدم الإبل في الذكر ، ولو قدم غيرها لجاز. قال القشيري : وليس هذا مما يطلب فيه نوع حكمة. وقد قيل : هو أقرب إلى الناس في حق العرب ، لكثرتها عندهم ، وهم من أعرف الناس بها. وأيضا : مرافق الإبل أكثر من مرافق الحيوانات الأخر ؛ فهي مأكولة ، ولبنها مشروب ، وتصلح للحمل والركوب ، وقطع المسافات البعيدة عليها ، والصبر على العطش ، وقلة العلف ، وكثرة الحمل ، وهي معظم أموال العرب. وكانوا يسيرون على الإبل منفردين مستوحشين عن الناس ، ومن هذا حاله تفكر فيما يحضره ، فقد ينظر
في مركوبه ، ثم يمد بصره إلى السماء ثم إلى الأرض. فأمروا بالنظر في هذه الأشياء ، فإنها أدل دليل على الصانع المختار القادر.
21-
{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} 22- {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ}
23-
{إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ} 24- {فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ}
25-
{إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} 26- { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}
قوله تعالى : {فَذَكِّرْ} أي فعظهم يا محمد وخوفهم. {إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} ، أي واعظ. {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} أي بمسلط عليهم فتقتلهم. ثم نسختها آية السيف. وقرأ هارون الأعور {بمسيطَر} (بفتح الطاء) ، و {المسيطَرون} . وهي لغة تميم. وفي الصحاح : "المسيطر والمصيطر : المسلِّط على الشيء ، ليشرف عليه ، ويتعهد أحواله ، ويكتب عمله ، وأصله من السطر ، لأن من معنى السطر ألا يتجاوز ، فالكتاب مسطر ، والذي يفعله مسطر ومسيطر ؛ يقال : سيطرت علينا ، وقال تعالى : {لست عليهم بمسيطر} . وسطره أي صرعه. {إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ} استثناء منقطع ، أي لكن من تولى عن الوعظ والتذكير. {فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ} وهي جهنم الدائم عذابها. وإنما قال : {الْأَكْبَرَ} لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والأسر والقتل. ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود : {إلا من تولى وكفر فإنه يعذبه اللّه} . وقيل : هو استثناء متصل. والمعنى : لست بمسلط إلا على من تولى وكفر ، فأنت مسلط عليه بالجهاد ، واللّه يعذبه بعد ذلك العذاب الأكبر ، فلا نسخ في الآية على هذا التقدير. وروي أن عليا أتى برجل ارتد ، فاستتابه ثلاثة أيام ، فلم يعاود الإسلام ، فضرب عنقه ، وقرأ {إلا من تولى وكفر} . وقرأ ابن عباس وقتادة {ألا} على الاستفتاح والتنبيه ، كقول امرئ القيس :"
ألا رب يوم لك منهن صالح
و {مَنْ} على هذا : للشرط. والجواب {فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ} والمبتدأ بعد الفاء مضمر ، والتقدير : فهو يعذبه اللّه ، لأنه لو أرتد الجواب بالفعل الذي بعد الفاء لكان : إلا من تولى وكفر يعذبه اللّه. {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} أي رجوعهم بعد الموت. يقال : آب يؤوب ؛ أي رجع. قال عبيد :
وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب
وقرأ أبو جعفر {إيابهم} بالتشديد. قال أبو حاتم : لا يجوز التشديد ، ولو جاز لجاز مثله في الصيام والقيام. وقيل : هما لغتان بمعنى. الزمخشري : وقرأ أبو جعفر المدني {إيابهم} بالتشديد ؛ ووجهه أن يكون فيعالا : مصدر أيب ، قيل من الإياب. أو أن يكون أصله إوابا فعالا من أوب ، ثم قيل : إيوابا كديوان في دوان. ثم فعل ما فعل بأصل سيد ونحوه.
سورة الفجر
مكية ، وهي ثلاثون آية
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
1-
{وَالْفَجْرِ}
2-
{وَلَيَالٍ عَشْرٍ}
قوله تعالى : {وَالْفَجْر} أقسم بالفجر. {وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} أقسام خمسة. واختلف في {وَالْفَجْرِ} ، فقال قوم : الفجر هنا : انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم ؛ قاله علي وابن الزبير وابن عباس رضي اللّه عنهم. وعن ابن عباس أيضا أنه النهار كله ، وعبر عنه بالفجر لأنه أوله. وقال ابن محيصن عن عطية عن ابن عباس : يعني الفجر يوم المحرم. ومثله قال قتادة. قال : هو فجر أول يوم من المحرم ، منه تنفجر السنة.
وعنه أيضا : صلاة الصبح. وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال : {وَالْفَجْرِ} : يريد صبيحة يوم النحر ؛ لأن اللّه تعالى جل ثناؤه جعل لكل يوم ليلة قبله ؛ إلا يوم النحر لم يجعل له ليلة قبله ولا ليلة بعده ؛ لأن يوم عرفة له ليلتان : ليلة قبله وليلة بعده ، فمن أدرك الموقف ليلة بعد عرفة ، فقد أدرك الحج إلى طلوع الفجر ، فجر يوم النحر. وهذا قول مجاهد. وقال عكرمة : {وَالْفَجْرِ} قال : انشقاق الفجر من يوم جمع. وعن محمد بن كعب القرظي : {وَالْفَجْرِ} آخر أيام العشر ، إذا دفعت من جمع. وقال الضحاك : فجر ذي الحجة ، لأن اللّه تعالى قرن الأيام به فقال : {وَلَيَالٍ عَشْر} أي ليال عشر من ذي الحجة. وكذا قال مجاهد والسدي والكلبي في قوله : {وَلَيَالٍ عَشْر} هو عشر ذي الحجة ، وقال ابن عباس. وقال مسروق هي العشر التي ذكرها اللّه في قصة موسى عليه السلام {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} ، وهي أفضل أيام السنة. وروى أبو الزبير عن جابر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : " {وَالْفَجْر وَلَيَالٍ عَشْرٍ} - قال : عشر الأضحى" فهي ليال عشر على هذا القول ؛ لأن ليلة يوم النحر داخلة فيه ، إذ قد خصها اللّه بأن جعلها موقفا لمن لم يدرك الوقوف يوم عرفة. وإنما نكرت ولم تعرف لفضيلتها على غيرها ، فلو عرفت لم تستقبل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير ، فنكرت من بين ما أقسم به ، للفضيلة التي ليست لغيرها. واللّه اعلم. وعن ابن عباس أيضا : هي العشر الأواخر من رمضان ؛ وقاله الضحاك. وقال ابن عباس أيضا ويمان والطبري : هي العشر الأول من المحرم ، التي عاشرها يوم عاشوراء. وعن ابن عباس {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} بالإضافة يريد : وليالي أيام عشر.
3-
{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}
الشفع : الاثنان ، والوتر : الفرد. واختلف في ذلك ؛ فروي مرفوعا عن عمران بن الحصين عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال "الشفع والوتر : الصلاة ، منها شفع ، ومنها وتر" .
وقال جابر بن عبداللّه : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : " {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ} - قال : هو الصبح ، وعشر النحر ، والوتر يوم عرفة ، والشفع يوم النحر" . وهو قول ابن عباس وعكرمة. واختاره النحاس ، وقال : حديث أبي الزبير عن جابر هو الذي صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو أصح إسنادا من حديث عمران بن حصين. فيوم عرفة وتر ، لأنه تاسعها ، ويوم النحر شفع لأنه عاشرها. وعن أبي أيوب قال : سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن قوله تعالى : "والشفع والوتر" فقال : "الشفع : يوم عرفة ويوم النحر ، والوتر ليلة يوم النحر" . وقال مجاهد وابن عباس أيضا : الشفع خَلْقُهُ ، قال اللّه تعالى : {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً} والوتر هو اللّه عز وجل. فقيل لمجاهد : أترويه عن أحد ؟ قال : نعم ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم. ونحوه قال محمد بن سيرين ومسروق وأبو صالح وقتادة ، قالوا : الشفع : الخلق ، قال اللّه تعالى : {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} : الكفر والإيمان. ، والشقاوة والسعادة ، والهدى والضلال ، والنور والظلمة ، والليل والنهار ، والحر والبرد ، والشمس والقمر ، والصيف والشتاء ، والسماء والأرض ، والجن والإنس. والوتر : هو اللّه عز وجل ، قال جل ثناؤه : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ} . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : "إن لله تسعة وتسعين اسما ، واللّه وتر يحب الوتر" . وعن ابن عباس أيضا : الشفع : صلاة الصبح "والوتر : صلاة المغرب. وقال الربيع بن أنس وأبو العالية : هي صلاة المغرب ، الشفع فيها ركعتان ، والوتر الثالثة. وقال ابن الزبير : الشفع : يوما منى : الحادي عشر ، والثاني عشر. والثالث عشر الوتر ؛ قال اللّه تعالى : {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} . وقال الضحاك : الشفع : عشر ذي الحجة ، والوتر : أيام منى الثلاثة. وهو قول عطاء. وقيل : إن الشفع والوتر : آدم وحواء ؛ لأن آدم كان فردا فشفع بزوجته حواء ، فصار شفعا بعد وتر. رواه ابن أبي نجيح ، وحكاه القشيري عن ابن عباس. وفي رواية : الشفع : آدم وحواء ، والوتر هو اللّه تعالى. وقيل : الشفع والوتر : الخلق ؛ لأنهم شفع ووتر ،"