
14-07-2025, 05:34 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة :
|
|
رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى

تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (19)
سُورَةُ التكوير
من صــ 231 الى صــ240
الحلقة (749)
وقال معاوية بن سعيد : بحر الروم وسط الأرض ، أسفله آبار مطبقة بنحاس يسجر نارا يوم القيامة. وقيل : تكون الشمس في البحر ، فيكون البحر نارا بحر الشمس. ثم جميع ما في هذه الآيات يجوز أن يكون في الدنيا قبل يوم القيامة ويكون من أشراطها ، ويجوز أن يكون يوم القيامة ، وما بعد هذه الآيات فيكون في يوم القيامة. قلت : روي عن عبدالله بن عمرو : لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم. وقال أبي بن كعب : ست آيات من قبل يوم القيامة : بينما الناس في أسواقهم ذهب ضوء الشمس وبدت النجوم فتحيروا ودهشوا ، فبينما هم كذلك ينظرون إذ تناثرت النجوم وتساقطت ، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض ، فتحركت واضطربت واحترقت ، فصارت هباء منثورا ، ففزعت الإنس إلى الجن والجن إلى الإنس ، واختلطت الدواب والوحوش والهوام والطير ، وماج بعضها في بعض ؛ فذلك قوله تعالى : {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} ثم قالت الجن للإنس : نحن نأتيكم بالخبر ، فانطلقوا إلى البحار فإذا هي نار تأجج ، فبينما هم كذلك تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلي ، وإلى السماء السابعة العليا ، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم. وقيل : معنى "سجرت" : هو حمرة مائها ، حتى تصير كالدم ؛ مأخوذ من قولهم : عين سجراء : أي حمراء. وقرأ ابن كثير "سجرت" وأبو عمرو أيضا ، إخبارا عن حالها مرة واحدة. وقرأ الباقون بالتشديد إخبارا عن حالها في تكرير ذلك منها مرة بعد أخرى.
قوله تعالى : {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قال النعمان بن بشير : قال النبي صلى الله عليه وسلم "وإذا النفوس زوجت" قال : "يقرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون كعمله" . وقال عمر بن الخطاب : يقرن الفاجر مع الفاجر ، ويقرن الصالح مع الصالح. وقال ابن عباس : ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة ، السابقون زوج - يعني صنفا - وأصحاب اليمين زوج ، وأصحاب الشمال زوج. وعنه أيضا قال : زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين ، وقرن الكافر
بالشياطين ، وكذلك المنافقون وعنه أيضا : قرن كل شكل بشكله من أهل الجنة وأهل النار ، فيضم المبرز في الطاعة إلى مثله ، والمتوسط إلى مثله ، وأهل المعصية إلى مثله ؛ فالتزويج أن يقرن الشيء بمثله ؛ والمعنى : وإذا النفوس قرنت إلى أشكالها في الجنة والنار. وقيل : يضم كل رجل إلى من كان يلزمه من ملك وسلطان ، كما قال تعالى : {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} . وقال عبدالرحمن بن زيد : جعلوا أزواجا على أشباه أعمالهم ليس بتزويج ، أصحاب اليمين زوج ، وأصحاب الشمال زوج ، والسابقون زوج ؛ وقد قال جل ثناؤه : {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} أي أشكالهم. وقال عكرمة : {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قرنت الأرواح بالأجساد ؛ أي ردت إليها. وقال الحسن : ألحق كل امرئ بشيعته : اليهود باليهود ، والنصارى بالنصارى ، والمجوس بالمجوس ، وكل من كان يعبد شيئا من دون الله يلحق بعضهم ببعض ، والمنافقون بالمنافقين ، والمؤمنون بالمؤمنين. وقيل : يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان ، على جهة البغض والعداوة ، ويقرن المطيع بمن دعاه إلى الطاعة من الأنبياء والمؤمنين. وقيل : قرنت النفوس بأعمالها ، فصارت لاختصاصها به كالتزويج.
قوله تعالى : {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} الموؤودة المقتولة ؛ وهي الجارية تدفن وهي حية ، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب ، فيوءدها أي يثقلها حتى تموت ؛ ومنه قوله تعالى : {وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} أي لا يثقله ؛ وقال متمم بن نويرة :
وموؤودة مقبورة في مفازة ... بآمتها موسودة لم تمهد
وكانوا يدفنون بناتهم أحياء لخصلتين : إحداهما كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله ، فألحقوا البنات به. الثانية إما مخافة الحاجة والإملاق ، وإما خوفا من السبي والاسترقاق. وقد مضى
في سورة "النحل" هذا المعنى ، عند قوله تعالى : {أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} مستوفى. وقد كان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا ، ويمنعون منه ، حتى افتخر به الفرزدق ، فقال :
ومنا الذي منع الوائدات ... فأحيا الوئيد فلم يوأَد
يعني جده صعصعة كان يشتريهن من آبائهن. فجاء الإسلام وقد أحيا سبعين موؤودة. وقال ابن عباس : كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة ، وتمخضت على رأسها ، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة ، وردت التراب عليها ، وإن ولدت غلاما حبسته ، ومنه قول الراجز :
سميتها إذ ولدت تموت ... والقبر صهر ضامن زميت
الزميت الوقور ، والزميت مثال الفسيق أوقر من الزميت ، وفلان أزمت الناس أي أوقرهم ، وما أشد تزمته ؛ عن الفراء. وقال قتادة : كانت الجاهلية يقتل أحدهم ابنته ، ويغذو كلبه ، فعاتبهم الله على ذلك ، وتوعدهم بقوله : {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ} قال عمر في قوله تعالى : {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ} قال : جاء قيس بن عاصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله! إني وأدت ثماني بنات كن لي في الجاهلية ، قال : "فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة" قال : يا رسول الله إني صاحب إبل ، قال : "فأهد عن كل واحدة منهن بدنة إن شئت" .
وقوله تعالى : {سُئِلَتْ} سؤال الموؤودة سؤال توبيخ لقاتلها ، كما يقال للطفل إذا ضرب : لم ضربت ؟ وما ذنبك ؟ قال الحسن : أراد الله أن يوبخ قاتلها ؛ لأنها قتلت بغير ذنب. وقال ابن أسلم : بأي ذنب ضربت ، وكانوا يضربونها. وذكر بعض أهل العلم في قوله تعالى : {سُئِلَتْ} قال : طلبت ؛ كأنه يريد كما يطلب بدم القتيل. قال : وهو كقوله : {وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً} أي مطلوبا. فكأنها طلبت منهم ، فقيل أين أولادكم ؟ وقرأ الضحاك وأبو الضحا عن جابر بن زيد وأبي صالح "وإذا الموؤودة سألت" فتتعلق الجارية بأبيها ، فتقول : بأي ذنب
قتلتني ؟ ! فلا يكون له عذر ؛ قال ابن عباس وكان يقرأ "وإذا الموؤودة سألت" وكذلك هو في مصحف أبي. وروى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة متعلقا ولدها بثدييها ، ملطخا بدمائه ، فيقول يا رب ، هذه أمي ، وهذه قتلتني" . والقول الأول عليه الجمهور ، وهو مثل قوله تعالى لعيسى : {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} على جهة التوبيخ والتبكيت لهم ، فكذلك سؤال الموؤودة توبيخ لوائدها ، وهو أبلغ من سؤالها عن قتلها ؛ لأن هذا مما لا يصح إلا بذنب ، فبأي ذنب كان ذلك ، فإذا ظهر أنه لا ذنب لها ، كان أعظم في البلية وظهور الحجة على قاتلها. والله أعلم. وقرئ "قتلت" بالتشديد ، وفيه دليل بين على أن أطفال المشركين لا يعذبون ، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بذنب.
قوله تعالى : {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} أي فتحت بعد أن كانت مطوية ، والمراد صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشر ، تطوي بالموت ، وتنشر في يوم القيامة ، فيقف كل إنسان على صحيفته ، فيعلم ما فيها ، فيقول : {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} . وروى مرثد بن وداعة قال : إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش ، فتقع صحيفة المؤمن في يده {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} إلى قوله : {الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} وتقع صحيفة الكافر في يده {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} إلى قوله {وَلا كَرِيمٍ} . وروي عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة" فقلت : يا رسول الله فكيف بالنساء ؟ قال : "شغل الناس يا أم سلمة" . قلت : وما شغلهم ؟ قال : "نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل" . وقد مضى في سورة "الإسراء" قول أبي الثوار العدوي : هما نشرتان وطية ، أما ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك المنشورة فأمل فيها ما شئت ، فإذا مت طويت ، حتى إذا بعثت نشرت {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} . وقال مقاتل : إذا مات المرء طويت صحيفة عمله ، فإذا كان يوم القيامة نشرت. وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال : إليك يساق
الأمر يا ابن آدم. وقرأ نافع وابن عام وعاصم وأبو عمرو "نشرت" مخففة ، على نشرت مرة واحدة ، لقيام الحجة. الباقون بالتشديد ، على تكرار النشر ، للمبالغة في تقريع العاصي ، وتبشير المطيع. وقيل : لتكرار ذلك من الإنسان والملائكة الشهداء عليه.
قوله تعالى : {وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ} الكشط : قلع عن شدة التزاق ؛ فالسماء تكشط كما يكشط الجلد عن الكبش وغيره والقشط : لغة فيه. وفي قراءة عبدالله "وإذا السماء قشطت" وكشطت البعير كشطا : نزعت جلده ولا يقال سلخته ؛ لأن العرب لا تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته ، وانكشط : أي ذهب ؛ فالسماء تنزع من مكانها كما ينزع الغطاء عن الشيء. وقيل : تطوى كما قال تعالى : {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِْ} فكأن المعنى : قلعت فطويت. والله أعلم.
قوله تعالى : {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} أي أو قدت فأضرمت للكفار وزيد في إحمائها. يقال : سعرت النار وأسعرتها. وقراءة العامة بالتخفيف من السعير. وقرأ نافع وابن ذكوان ورويس بالتشديد لأنها أوقدت مدة بعد مرة. قال قتادة : سعرها غضب الله وخطايا بني آدم. وفي الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أوقد على النار ألف سنة حتى أحمرت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى أبيضت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى أسودت ، فهي سوداء مظلمة" وروي موقوفا.
قوله تعالى : {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} أي دنت وقربت من المتقين. قال الحسن : إنهم يقربون منها ؛ لا أنها تزول عن موضعها. وكان عبدالرحمن بن زيد يقول : زينت : أزلفت ؟ والزلفى في كلام العرب : القربة قال الله تعالى : {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} ، وتزلف فلان تقرب.
قوله تعالى : {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} يعني ما عملت من خير وشر. وهذا جواب {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} وما بعدها. قال عمر رضي الله عنه لهذا أجري الحديث. وروي
عن ابن عباس وعمر رضي الله عنهما أنهما قرآها ، فلما بلغا {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} قالا لهذا أجريت القصة ؛ فالمعنى على هذا إذا الشمس كورت وكانت هذه الأشياء ، علمت نفس ما أحضرت من عملها. وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله ما بينه وبينه ترجمان ، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدمه" وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم "بين يديه ، فتستقبله النار ، فمن استطاع منكم أن : يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل" وقال الحسن : "إذ الشمس كورت" وقع على قوله : {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} كما يقال : إذا نفر زيد نفر عمرو. والقول الأول أصح. وقال ابن زيد عن ابن عباس في قوله تعالى : {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } إلى قوله : {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} اثنتا عشرة خصلة : ستة في الدنيا ، وستة في الآخرة ؛ وقد بينا الستة الأولى بقول أبي بن كعب.
15- {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} .
16- {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} .
17- {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} .
18- {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} .
19- {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} .
20- {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} .
21- {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} .
22- {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}
قوله تعالى : {فَلا أُقْسِمُ} أي أقسم ، و "لا" زائدة ، كما تقدم. {بِالْخُنَّسِ ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} هي الكواكب الخمسة الدراري : زحل والمشتري وعطارد والمريخ والزهرة ، فيما ذكر أهل التفسير. والله أعلم. وهو مروي عن علي كرم الله وجهه. وفي تخصيصها بالذكر من بين سائر النجوم وجهان : أحدهما : لأنها تستقبل الشمس ؛ قاله بكر بن عبدالله المزني. الثاني : لأنها تقطع المجرة ؛ قال ابن عباس. وقال الحسن وقتادة : هي النجوم التي تخنس بالنهار وإذا غربت ، وقاله علي رضي الله عنه ، قال : هي النجوم تخنس
بالنهار ، وتظهر بالليل ؛ وتكنس في وقت غروبها ؛ أي تتأخر عن البصر لخفائها ، فلا ترى. وفي الصحاح : "الخنس" : الكواكب كلها. لأنها تخنس في آن قيب ، أو لأنها تخنس نهارا. ويقال : هي الكواكب السيارة منها دون الثابتة. وقال الفراء في قوله تعالى : {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ. الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} : إنها النجوم الخمسة ؛ زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد ؛ لأنها تخنس في مجراها ، وتكنس ، أي تستتر كما تكنس الظباء في المغار ، وهو الكناس. ويقال : سميت خنسا لتأخرها ، لأنها الكواكب المتحيرة التي ترجع وتستقيم ، يقال : خنس عنه يحنس بالضم خنوسا : تأخر ، وأخنسه غيره : إذا خلفه ومضى عنه. والخنس تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة ، والرجل أخنس ، والمرأة خنساء ، والبقر كلها خنس. وقد روي عن عبدالله بن مسعود في قوله تعالى : {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} هي بقر الوحش. روى هشيم عن زكريا عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال : قال لي عبدالله بن مسعود : إنكم قوم عرب فما الخنس ؟ قلت : هي بقر الوحش ؛ قال : وأنا أرى ذلك. وقال إبراهيم وجابر بن عبدالله. وروي عن ابن عباس : إنما أقسم الله ببقر الوحش. وروى عنه عكرمة قال : "الخنس" : البقر و "الكنس" : هي الظباء ، فهي خنس إذا رأين الإنسان خنسن وأنقبضن وتأخرن ودخلن كناسهن. القشيري : وقيل على هذا "الخنس" من الخنس في الأنف ، وهو تأخرن الأرنبة وقصر القصبة ، وأنوف البقر والظباء خنس. والأصح الحمل على النجوم ، لذكر الليل والصبح بعد هذا ، فذكر النجوم أليق بذلك.
قلت : لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته من حيوان وجماد ، وإن لم يعلم وجه الحكمة في ذلك. وقد جاء عن ابن مسعود وجابر بن عبدالله وهما صحابيان والنخعي أنها بقر الوحش. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنها الظباء. وعن الحجاج بن منذر قال : سألت جابر بن زيد عن الجواري الكنس ، فقال : الظباء والبقر ، فلا يبعد أن يكون المراد
النجوم. وقد قيل : إنها الملائكة ؛ حكاه الماوردي. والكنس الغيب ؛ مأخوذة من الكناس ، وهو كناس الوحش الذي يختفي فيه. قال أوس بن حجر :
ألم تر أن الله أنزل مزنه ... وغفر الظباء في الكناس تقمع
وقال طرفة :
كأن كناسي ضالة يكنفانها ... وأطرقسي تحت صلب مؤيد
وقيل : الكنوس أن تأوي إلى مكانسها ، وهي المواضع التي تأوي إليها الوحوش والظباء. قال الأعشى في ذلك :
فلما أتينا الحي أتلع أنس ... كما أتلعت تحت المكانس ربرب
يقال : تلع. النهار ارتفع وأتلعت الظبية من كناسها : أي سمت بجيدها. وقال أمرو القيس :
تعشى قليلا ثم أنحى ظلوفه ... يثير التراب عن مبيت ومكنس
والكنس : جمع كانس وكانسة ، وكذا الخنس جمع خانس وخانسة. والجواري : جمع جارية من جرى يجري. "والليل إذا عسعس" قال الفراء : أجمع المفسرون على أن معنى عسعس أدبر ؛ حكاه الجوهري. وقال بعض أصحابنا : إنه دنا من أوله وأظلم وكذلك السحاب إذا دنا من الأرض. المهدوي : "والليل إذا عسعس" أدبر بظلامه ؛ عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وروي عنهما أيضا وعن الحسن وغيره : أقبل بظلامه. زيد بن أسلم : "عسعس" ذهب. الفراء : العرب تقول عسعس وسعسع إذا لم يبق منه إلا اليسير. الخليل وغيره : عسعس الليل إذا أقبل أو أدبر. المبرد : هو من الأضداد ، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد ، وهو ابتداء الظلام في أوله ، وإدباره في آخره ؛ وقال علقمة بن قرط :
حتى إذا الصبح لها تنفسا ... وأنجاب عنها ليلها وعسعسا
وقال رؤبة :
يا هند ما أسرع ما تسعسعا ... من بعد ما كان فتى سرعرعا
وهذه حجة الفراء. وقال امرؤ القيس :
عسعس حتى لو يشاء ادَّنا ... كان لنا من ناره مقبس
فهذا يدل على الدنو. وقال الحسن ومجاهد : عسعس : أظلم ، قال الشاعر :
حتى إذا ما ليلهن عسعسا ... ركبن من حد الظلام حندسا
الماوردي : وأصل العس الامتلاء ؛ ومنه قيل للقدح الكبير عس لامتلائه بما فيه ، فأطلق على إقبال الليل لابتداء امتلائه ؛ وأطلق على إدباره لانتهاء امتلائه على ظلامه ؛ لاستكمال امتلائه به. وأما قول امرئ القيس :
ألما على الربع القديم بعسعسا
فموضع بالبادية. وعسعس أيضا اسم رجل ؛ قال الرجز :
وعسعس نعم الفتى تبياه
أي تعتمده. ويقال للذئب العسعس والعسعاس والعساس ؛ لأنه يعس بالليل ويطلب. ويقال للقنافذ العساعس لكثرة ترددها بالليل. قال أبو عمرو : والتعسعس الشم ، وأنشد :
كمنخر الذنب إذا تعسعسا
والتعسعس أيضا : طلب الصيد [بالليل] .
قوله تعالى : {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} أي امتد حتى يصير نهارا واضحا ؛ يقال للنهار إذا زاد : تنفس. وكذلك الموج إذا نضح الماء. ومعن التنفس : خروج النسيم من الجوف. وقيل : "إذا تنفس" أي انشق وانفلق ؛ ومنه تنفست القوس أي تصدعت. {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} هذا جواب القسم. والرسول الكريم جبريل ؛ قال الحسن وقتادة والضحاك. والمعنى "إنه لقول رسول" عن الله "كريم" على الله. وأضاف الكلام إلى جبريل عليه السلام ، ثم عداه عنه بقول {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ليعلم أهل التحقيق في التصديق ، أن الكلام لله عز وجل. وقيل : هو محمد عليه الصلاة والسلام {ذِي قُوَّةٍ} من جعله جبريل فقوته ظاهرة فروى الضحاك عن ابن عباس قال : من قوته قلعه مدائن قوم لوط بقوادم جناحه. {عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ} أي عند الله جل ثناؤه {مَكِينٍ} أي ذي منزلة ومكانة ؛ فروي عن أبي صالح قال : يدخل سبعين سرادقا بغير إذن. {مُطَاعٍ ثَمَّ} أي في السموات ؛ قال ابن عباس : من طاعة الملائكة جبريل ، أنه لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قال جبريل عليه السلام لرضوان خازن الجنان : افتح له ، ففتح ، فدخل ورأى ما فيها ، وقال لمالك خازن النار : افتح له جهنم حتى ينظر إليها ، فأطاعه وفتح له. {أَمِينٍ} أي مؤتمن على الوحي الذي يجيء به. ومن قال : إن المراد محمد صلى الله عليه وسلم فالمعنى "ذي قوة" على تبليغ الرسالة "مطاع" أي يطيعه من أطاع الله جل وعز. {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بمجنون حتى يتهم في قول. وهو من جواب القسم. وقيل : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرى جبريل في الصورة التي يكون بها عند ربه جل وعز فقال : ما ذاك إلي ؛ فإذن له الرب جل ثناؤه ، فأتاه وقد سد الأفق ، فلما نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه ، فقال المشركون : إنه مجنون ، فنزلت : {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} وإنما رأى جبريل على صورته فهابه ، وورد عليه ما لم تحتمل بنيته ، فخر مغشيا عليه.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|