عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 14-07-2025, 02:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,414
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (19)
سُورَةُ النبأ

من صــ 181 الى صــ190
الحلقة (744)






يَحْمُومٍ : إنما يراد به النهاية في الحر. والغساق : صديد أهل النار وقيحهم. وقيل الزمهرير. وقرأ حمزة والكسائي بتشديد السين ، وقد مضى في "ص" القول فيه. {جَزَاءً وِفَاقاً} أي موافقا لأعمالهم. عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما ؛ فالوفاق بمعنى الموافقة كالقتال بمعنى المقاتلة. و "جزاء" نصب على المصدر ، أي جازيناهم جزاء وافق أعمالهم ؛ قال الفراء والأخفش. وقال الفراء أيضا : هو جمع الوفق ، والوفق واللفق واحد. وقال مقاتل. وافق العذاب الذنب ، فلا ذنب أعظم من الشرك ، ولا عذاب أعظم من النار. وقال الحسن وعكرمة : كانت أعمالهم سيئة ، فأتاهم الله بما يسوءهم. {إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ} أي لا يخافون {حِسَاباً} أي محاسبة على أعمالهم. وقيل : معناه لا يرجون ثواب حساب. الزجاج : أي إنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث فيرجون حسابهم. {وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّاباً} أي بما جاءت به الأنبياء. وقيل : بما أنزلنا من الكتب. وقراءة العامة "كذابا" بتشديد الذال ، وكسر الكاف ، على كذب ، أي كذبوا تكذيبا كبيرا. قال الفراء : هي لغة يمانية فسيحة ؛ يقولون : كذبت [به] كذابا ، وخرقت القميص خراقا ؛ وكل فعل في وزن (فعل) فمصدره فعال مشدد في لغتهم ؛ وأنشد بعض الكلابيين :
لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي ... وعن حوج قضاؤها من شفائنا
وقرأ علي رضي الله عنه "كذابا" بالتخفيف وهو مصدر أيضا. وقال أبو علي : التخفيف والتشديد جميعا : مصدر المكاذبة ، كقول الأعشى :
فصدقتها وكذبتها ... والمرء ينفعه كذابه
أبو الفتح : جاءا جميعا مصدر كذب وكذب جميعا. الزمخشري : "كذابا" بالتخفيف مصدر كذب ؛ بدليل قوله :
فصدقتها وكذبتها ... والمرء ينفعه كذابه
وهو مثل قوله : {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً} يعني وكذبوا بآياتنا أفكذبوا كذابا. أو تنصبه بـ "كذبوا" . لأنه يتضمن معنى كذبوا ؛ لأن كل مكذب بالحق كاذب ؛ لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين ، وكان المسلمون عندهم كاذبين ، فبينهم مكاذبة. وقرأ ابن عمر "كذابا" بضم الكاف والتشديد ، جمع كاذب ؛ قاله أبو حاتم. ونصبه على الحال الزمخشري. وقد يكون الكذاب : بمعنى الواحد البليغ في الكذب ، يقال : رجل كذاب ، كقولك حسان وبخال ، فيجعله صفة لمصدر "كذبوا" أي تكذيبا كذابا مفرطا كذبه. وفي الصحاح : وقوله تعالى : {وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّاباً} وهو أحد مصادر المشدد ؛ لأن مصدره قد يجيء على (تفعيل) مثل التكليم وعلى (فعال) كذاب وعلى (تفعلة) مثل توصية ، وعلى (مفعل) ؛ {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} . {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً} "كل" نصب بإضمار فعل يدل عليه "أحصيناه" أي وأحصينا كل شيء أحصيناه. وقرأ أبو السمال "وكل شيء" بالرفع على الابتداء. "كتابا" نصب على المصدر ؛ لأن معنى أحصينا : كتبنا ، أي كتبناه كتابا. ثم قيل : أراد به العلم ، فإن ما كتب كان أبعد من النسيان. وقيل : أي كتبناه في اللوح المحفوظ لتعرفه الملائكة. وقيل : أراد ما كتب على العباد من أعمالهم. فهذه كتابة صدرت عن الملائكة الموكلين بالعباد بأمر الله تعالى إياهم بالكتابة ؛ دليله قوله تعالى : {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَاماً كَاتِبِينَ} . "فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا" قال أبو برزة : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد آية في القرآن ؟ فقال : قوله تعالى : {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً} أي {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} و {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً}
31-
{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} .

32-
{حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً} .

33-
{وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً} .

34-
{وَكَأْساً دِهَاقاً} .

35-
{لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا كِذَّاباً} .

36-
{جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً}

قوله تعالى : {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} ذكر جزاء من اتقى مخالفة أمر الله "مفازا" موضع فوز ونجاة وخلاص مما فيه أهل النار. ولذلك قيل للفلاة إذا قل ماؤها : مفازة ، تفاؤلا بالخلاص منها. {حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً} هذا تفسير الفوز. وقيل : {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} إن للمتقين حدائق ؛ جمع حديقة ، وهي البستان المحوط عليه ؛ يقال أحدق به : أي أحاط. والأعناب : جمع عنب ، أي كروم أعناب ، فحذف. {وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً} كواعب : جمع كاعب وهي الناهد ؛ يقال : كَعَبت الجارية تكعَب كُعوبا ، وكعَّبت تُكَعِّب تكعيبا ، ونهدت تنهد نهودا. وقال الضحاك : ككواعب العذارى ؛ ومنه قول قيس بن عاصم :
وكم من حصان قد حوينا كريمة ... ومن كاعب لم تدر ما البؤس معصر
والأتراب : الأقران في السن. وقد مضى في سورة "الواقعة" الواحد : ترب. {وَكَأْساً دِهَاقاً} قال الحسن وقتادة وابن زيد وابن عباس : مترعة مملوءة ؛ يقال : أدهقت الكأس : أي ملأتها ، وكأس دهاق أي ممتلئة ؛ قال :
ألا فاسقني صِرفا سقاني الساقي ... من مائها بكأسك الدهاق
وقال خداش بن زهير :
أتانا عامر يبغي قِرانا ... فأترعنا له كأسا دهاقا
وقال سعد بن جبير وعكرمة ومجاهد وابن عباس أيضا : متتابعة ، يتبع بعضها بعضا ؛ ومنه ادهقت الحجارة أدهاقا ، وهو شدة تلازمها ودخول بعضها في بعض ؛ فالمتتابع كالمتداخل. وعن عكرمة أيضا وزيد بن أسلم : صافية ؛ قال الشاعر :
لأنت إلى الفؤاد أحب قربا ... من الصادي إلى كأس دهاق
وهو جمع دهق ، وهو خشبتان [يغمز] بهما [الساق] . والمراد بالكأس الخمر ، فالتقدير : خمرا ذات دهاق ، أي عصرت وصفيت ؛ قاله القشيري. وفي الصحاح : وأدهقت الماء : أي أفرغته
إفراغا شديدا : قال أبو عمرو : والدهق - بالتحريك : ضرب من العذاب. وهو بالفارسية دأشكنجه. المبرد : والمدهوق : المعذب بجميع العذاب الذي لا فرجة فيه. ابن الأعرابي : دهقت الشيء كسرته وقطعته ، وكذلك دهدقته : وأنشد لحجر بن خالد :
ندهدق بضع اللحم للباع والندى ... وبعضهم تغلي بذم مناقعه
ودهمقته بزيادة الميم : مثله. وقال الأصمعي : الدهمقة : لين الطعام وطيبه ورقته ، وكذلك كل شيء لين ؛ ومنه حديث عمر : لو شئت أن يدهمق لي لفعلت ، ولكن الله عاب قوما فقال : {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا }
قوله تعالى : {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا} أي في الجنة {لَغْواً وَلا كِذَّاباً} اللغو : الباطل ، وهو ما يلغى من الكلام ويطرح ؛ ومنه الحديث : "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت" وذلك أن أهل الجنة إذا شربوا لم تتغير عقولهم ، ولم يتكلموا بلغو ؛ بخلاف أهل الدنيا. "ولا كذابا" تقدم ، أي لا يكذب بعضهم بعضا ، ولا يسمعون كذبا. وقرأ الكسائي "كذابا" بالتخفيف من كذبت كذابا أي لا يتكاذبون في الجنة. وقيل : هما مصدران للتكذيب ، وإنما خففها ها هنا لأنها ليست مقيدة بفعل يصير مصدرا له ، وشدد قوله : {وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّاباً} لأن كذبوا يقيد المصدر بالكذاب. {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ} نصب على المصدر. لأن المعنى جزاهم بما تقدم ذكره ، جزاءه وكذلك {عَطَاءً} لأن معنى أعطاهم وجزاهم واحد. أي أعطاهم عطاء. {حِسَاباً} أي كثيرا ، قاله قتادة ؛ يقال : أحسبت فلانا : أي كثرت له العطاء حتى قاله حسبي. قال :
ونقفي وليد الحي إن كان جائعا ... ونحسبه إن كان ليس بجائع
وقال القتبي : ونرى أصل هذا أن يعطيه حتى يقول حسبي. وقال الزجاج : "حسابا" أي ما يكفيهم. وقاله الأخفش. يقال : أحسبني كذا : أي كفاني. وقال الكلبي : حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشرا. مجاهد : حسابا لما عملوا ، فالحساب بمعنى العد. أي بقدر ما وجب له في وعد الرب ، فإنه وعد للحسنة عشرا ، ووعد لقوم بسبعمائة ضعف ، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدارا ؛ كما قال تعالى : {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} . وقرأ أبو هاشم "عطاء حسابا" بفتح الحاء ، وتشديد السين ، على وزن فعال أي كفافا ؛ قال الأصمعي : تقول العرب : حسبت الرجل بالتشديد : إذا أكرمته ؛ وأنشد قول الشاعر :
إذا أتاه ضيفه يحسِّبه
وقرأ ابن عباس. "حسانا" بالنون.
37-
{رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} .

38-
{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً} .

39-
{ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً} .

40-
{إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً}

قوله تعالى : {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ} قرأ ابن مسعود ونافع وأبو عمرو وابن كثير وزيد عن يعقوب ، والمفضل عن عاصم : "رب" بالرفع على الاستئناف ، "الرحمن" خبره. أو بمعنى : هو رب السموات ، ويكون "الرحمن" مبتدأ ثانيا. وقرأ ابن عامر ويعقوب وابن محيصن كلاهما بالخفض ، نعتا لقوله : {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ} أي جزاء من ربك رب السموات الرحمن. وقرأ ابن عباس وعاصم وحمزة والكسائي : "رب السموات"
خفضا على النعت ، "الرحمن" رفعا على الابتداء ، أي هو الرحمن. واختاره أبو عبيد وقال : هذا أعدلها ؛ خفض "رب" لقربه من قوله : "من ربك" فيكون نعتا له ، ورفع "الرحمن" لبعده منه ، على الاستئناف ، وخبره {لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} أي لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه. وقال الكسائي : "لا يملكون منه خطابا" بالشفاعة إلا بإذنه. وقيل : الخطاب : الكلام ؛ أي لا يملكون أن يخاطبوا الرب سبحانه إلا بإذنه ؛ دليله : {لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ} . وقيل : أراد الكفار {لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} ، فأما المؤمنون فيشفعون. قلت : بعد أن يؤذن لهم ؛ لقوله تعالى : {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقوله تعالى : {يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} .
قوله تعالى : {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً} "يوم" نصب على الظرف ؛ أي يوم لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح. واختلف في الروح على أقوال ثمانية : الأول : أنه ملك من الملائكة. قال ابن عباس : ما خلق الله مخلوقا بعد العرش أعظم منه ، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفا ، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم. ونحو منه عن ابن مسعود ؛ قال : الروح ملك أعظم من السموات السبع ، ومن الأرضين السبع ، ومن الجبال. وهو حيال السماء الرابعة ، يسبح الله كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة ؛ يخلق الله من كل تسبيحة ملكا ، فيجيء يوم القيامة وحده صفا ، وسائر الملائكة صفا.
الثاني : أنه جبريل عليه السلام. قاله الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير. وعن ابن عباس : إن عن يمين العرش نهرا من نور ، مثل السموات السبع ، والأرضين السبع ، والبحار السبع ، يدخل جبريل كل يوم فيه سحرا فيغتسل ، فيزداد نورا على نوره ، وجمالا على جماله ، وعظما على عظمه ، ثم ينتفض فيخلق الله من كل قطرة
تقع من ريشه سبعين ألف ملك ، يدخل منهم كل يوم سبعون ألفا البيت المعمور ، والكعبة سبعون ألفا لا يعودون إليهما إلى يوم القيامة. وقال وهب : إن جبريل عليه السلام واقف بين يدي الله تعالى ترعد فرائصه ؛ يخلق الله تعالى من كل رعدة مائة ألف ملك ، فالملائكة صفوف بين يدي الله تعالى منكسة رؤوسهم ، فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا : لا إله إلا أنت ؛ وهو قوله تعالى : {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} في الكلام {وَقَالَ صَوَاباً} يعني قوله : "لا إله إلا أنت" . الثالث : روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "الروح في هذه الآية جند من جنود الله تعالى ، ليسوا ملائكة ، لهم رؤوس وأيد وأرجل ، يأكلون الطعام" . ثم قرأ {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً} فإن هؤلاء جند ، وهؤلاء جند. وهذا قول أبي صالح ومجاهد. وعلى هذا هم خلق على صورة بني آدم ، كالناس وليسوا بناس. الرابع : أنهم أشراف الملائكة ؛ قاله مقاتل بن حيان. الخامس : أنهم حفظة على الملائكة ؛ قال ابن أبي نجيح. السادس : أنهم بنو آدم ، قاله الحسن وقتادة. فالمعنى ذوو الروح. وقال العوفي والقرظي : هذا مما كان يكتمه ابن عباس ؛ قال : الروح : خلق من خلق الله على صور بني آدم ، وما نزل ملك من السماء إلا ومعه واحد من الروح. السابع : أرواح بني آدم تقوم صفا ، فتقوم الملائكة صفا ، وذلك بين النفختين ، قبل أن ترد إلى الأجساد ؛ قال عطية. الثامن : أنه القرآن ؛ قاله زيد بن أسلم.
وقرأ {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا} و "صفا" : مصدر أي يقومون صفوفا. والمصدر ينبئ عن الواحد والجمع ، كالعدل ، والصوم. ويقال ليوم العيد : يوم الصف. وقال في موضع آخر : { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} هذا يدل على الصفوف ، وهذا حين العرض والحساب. قال معناه القتبي وغيره. وقيل : يقوم الروح صفا ، والملائكة صفا ، فهم صفان. وقيل : يقوم الكل صفا واحدا. {لا يَتَكَلَّمُونَ} أي لا يشفعون {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} في الشفاعة {وَقَالَ صَوَاباً} يعني حقا ؛ قاله الضحاك ومجاهد. وقال أبو صالح : لا إله إلا الله. وروى الضحاك عن ابن عباس قال : يشفعون لمن قال لا إله إلا الله.
وأصل الصواب. السداد من القول والفعل ، وهو من أصاب يصيب إصابة ؛ كالجواب من أجاب يجيب إجابة. وقيل : "لا يتكلمون" يعني الملائكة والروح الذين قاموا صفا ، لا يتكلمون هيبة وإجلالا "إلا من أذن له الرحمن" في الشفاعة وهم قد قالوا صوابا ، وأنهم يوحدون الله تعالى ويسبحونه. وقال الحسن : إن الروح يقول يوم القيامة : لا يدخل أحد الجنة إلا بالرحمة ، ولا النار إلا بالعمل. وهو معنى قوله تعالى : {وَقَالَ صَوَاباً} .
قوله تعالى : {ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ} أي الكائن الواقع {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً} أي مرجعا بالعمل الصالح ؛ كأنه إذا عمل خيرا رده إلى الله عز وجل ، وإذا عمل شرا عده منه. وينظر إلى هذا المعنى قوله عليه السلام : "والخير كله بيديك ، والشر ليس إليك" . وقال قتادة : "مآبا" : سبيلا.
قوله تعالى : {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} يخاطب كفار قريش ومشركي العرب ؛ لأنهم قالوا : لا نبعث. والعذاب عذاب الآخرة ، وكل ما هو آت فهو قريب ، وقد قال تعالى : {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} قال معناه الكلبي وغيره. وقال قتادة : عقوبة الدنيا ؛ لأنها أقرب العذابين. قال مقاتل : هي قتل قريش ببدر. والأظهر أنه عذاب الآخرة ، وهو الموت والقيامة ؛ لأن من مات فقد قامت قيامته ، فإن كان من أهل الجنة رأى مقعده من الجنة ، وإن كان من أهل النار رأى الخزي والهوان ؛ ولهذا قال تعالى : {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} بين وقت ذلك العذاب ؛ أي أنذرناكم عذابا قريبا في ذلك اليوم ، وهو يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ، أي يراه ، وقيل : ينظر إلى ما قدمت فحذف إلى. والمرء ها هنا المؤمن في قول الحسن ؛ أي يجد لنفسه عملا ، فأما الكافر فلا يجد لنفسه عملا ، فيتمنى أن يكون ترابا. ولما قال : {وَيَقُولُ الْكَافِرُ} علم أنه أراد بالمرء المؤمن. وقيل : المرء ها هنا : أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط. "ويقول الكافر" أبو جهل. وقيل : هو عام في كل أحد وإنسان يرى في ذلك اليوم جزاء ما كسب. وقال مقاتل : نزلت قوله : {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي : وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ
تُرَاباً : في أخيه الأسود بن عبد الأسد. وقال الثعلبي : سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول : الكافر : ها هنا إبليس وذلك أنه عاب آدم بأنه خلق من تراب ، وافتخر بأنه خلق من نار ، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه من الثواب والراحة ، والرحمة ، ورأى ما هو فيه من الشدة والعذاب ، تمنى أنه يكون بمكان آدم ، فيقول : {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً} قال : ورأيته في بعض التفاسير للقشيري أبي نصر. وقيل : أي يقول إبليس يا ليتني خلقت من التراب ولم أقل أنا خير من آدم. وعن ابن عمر : إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم ، وحشر الدواب والبهائم والوحوش ، ثم يوضع القصاص بين البهائم ، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء بنطحتها ، فإذا فرغ من القصاص بينها قيل لها : كوني ترابا ، فعند ذلك يقول الكافر : "يا ليتني كنت ترابا" . ونحوه عن أبي هريرة وعبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم. وقد ذكرناه في كتاب "التذكرة ، بأحوال الموتى وأمور الآخرة" ، مجودا والحمد لله. ذكر أبو جعفر النحاس : حدثنا أحمد بن محمد بن نافع ، قال حدثنا سلمة بن شبيب ، قال حدثنا عبدالرازق ، قال حدثنا معمر ، قال أخبرني جعفر بن برقان الجزري ، عن يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة ، قال : إن الله تعالى يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان ، ثم يقال للبهائم والطير كوني ترابا ، فعند ذلك يقول الكافر : {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً} . وقال قوم : {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً} : أي لم أبعث ، كما قال : {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} . وقال أبو الزناد : إذا قضي بين الناس ، وأمر بأهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار ، قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجن : عودوا ترابا ، فيعودون ترابا ، فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً} . وقال ليث بن أبي سليم : مؤمنوا الجن يعودون ترابا. وقال عمر بن عبدالعزيز والزهري والكلبي ومجاهد : مؤمنوا الجنة حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها. وهذا أصح ، وقد مضى في سورة "الرحمن" بيان هذا ، وأنهم مكلفون : يثابون ويعاقبون ، فهم كبني آدم ، والله أعلم بالصواب.
سورة النازعات
مكية بإجماع. وهي خمس أو ست وأربعون آية
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
1-
{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً} . 2- {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} .

3-
{وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً} . 4- {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً} .

5-
{فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} . 6- {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} .

7-
{تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} . 8- {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} .

9-
{أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} . 10- {يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} .

11-
{أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً} . 12- {قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} .

13-
{فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} . 14- {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ}

قوله تعالى : {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً} أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها ، على أن القيامة حق. و "النازعات" : الملائكة التي تنزع أرواح الكفار ؛ قاله علي رضي الله عنه ، وكذا قال ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد : هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم. قال ابن مسعود : يريد أنفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم ، من تحت كل شعرة ، ومن تحت الأظافير وأصول القدمين نزعا كالسفود ينزع من الصوف الرطب ، يغرقها ، أي يرجعها في أجسادهم ، ثم ينزعها فهذا عمله بالكفار. وقاله ابن عباس. وقال سعيد بن جبير : نزعت أرواحهم ، ثم غرقت ، ثم حرقت ؛ ثم قذف بها في النار. وقيل : يرى الكافر نفسه في وقت النزع كأنها تغرق. وقال السدي : و "النازعات" هي النفوس حين تغرق في الصدور. مجاهد : هي الموت ينزع النفوس. الحسن وقتادة : هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق ؛ أي تذهب ، من قولهم : نزع إليه أي ذهب ، أو من قولهم : نزعت الخيل أي جرت. {غَرْقاً}




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.72 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.09 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.44%)]