عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 14-07-2025, 02:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (19)
سُورَةُ المرسلات

من صــ 161 الى صــ170
الحلقة (742)






فيه مسألتان :
الأولى- قوله تعالى : {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً} أي ضامة تضم الأحياء على ظهورها والأموات في بطنها. وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه ، ودفن شعره وسائر ما يزيله عنه. وقوله عليه السلام : "قصوا أظافركم وادفنوا قلاماتكم" وقد مضى. يقال : كفت الشيء أكفته : إذا جمعته وضممته ، والكفت : الضم والجمع ؛ وأنشد سيبويه :
كرام حين تنكفت الأفاعي ... إلى أجحارهن من الصقيع
وقال أبو عبيد : "كفاتا" أوعية. ويقال للنحي : كفت وكفيت ، لأنه يحوي اللبن ويضمه قال :
فأنت اليوم فوق الأرض حيا ... وأنت غدا تضمك في كفات
وخرج الشعبي في جنازة فنظر إلى الجبان فقال : هذه كفات الأموات ، ثم نظر إلى البيوت فقال : هذه كفات الأحياء.
والثانية- روى عن ربيعة في النباش قال تقطع يده فقيل له : لم قلت ذلك ؟ قال. إن الله عز وجل يقول : {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً } فالأرض حرز. وقد مضى هذا في سورة "المائدة" . وكانوا يسمون بقيع الغرقد كفتة ، لأنه مقبرة تضم الموتى ، فالأرض تضم الأحياء إلى منازلهم والأموات في قبورهم. وأيضا استقرار الناس على وجه الأرض ، ثم اضطجاعهم عليها ، انضمام منهم إليها. وقيل : هي كفات للأحياء يعني دفن ما يخرج من الإنسان من الفضلات في الأرض ؛ إذ لا ضم في كون الناس عليها ، والضم يشير إلى الاحتفاف من جميع الوجوه. وقال الأخفش وأبو عبيدة ومجاهد في أحد قوليه : الأحياء والأموات ترجع إلى الأرض ، أي الأرض منقسمة إلى حي وهو الذي ينبت ، وإلى ميت
وهو الذي لا ينبت. وقال الفراء : انتصب ، {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً} بوقوع الكفات عليه ؛ أي ألم نجعل الأرض كفات أحياء وأموات. فإذا نونت نصبت ؛ كقوله تعالى : {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} . وقيل : نصب على الحال من الأرض ، أي منها كذا ومنها كذا. وقال الأخفش : "كفاتا" جمع كافتة والأرض يراد بها الجمع فنعتت بالجمع. وقال الخليل : التكفيت : تقليب الشيء ظهرا لبطن أو بطنا لظهر. ويقال : انكفت القوم إلى منازلهم أي انقلبوا. فمعنى الكفات أنهم يتصرفون على ظهرها وينقلبون إليها ويدفنون فيها. {وَجَعَلْنَا فِيهَا} أي في الأرض {رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} يعني الجبال ، والرواسي الثوابت ، والشامخات الطوال ؛ ومنه يقال : شمخ بأنفه إذا رفعه كبرا. {وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً} أي وجعلنا لكم سقيا. والفرات : الماء العذب يشرب ويسقى منه الزرع. أي خلقنا الجبال وأنزلنا الماء الفرات. وهذه الأمور أعجب من البعث. وفي بعض الحديث قال أبو هريرة : في الأرض من الجنة الفرات والدجلة ونهر الأردن. وفي صحيح مسلم : سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة.
29-
{انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} .

30-
{انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ} .

31-
{لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} .

32-
{إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} .

33-
{كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} .

34-
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} .

قوله تعالى : {انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي يقال للكفار سيروا {إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} من العذاب يعني النار ، فقد شاهدتموها عيانا. {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ} أي دخان {ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ} يعني الدخان الذي يرتفع ثم يتشعب إلى ثلاث شعب. وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع تشعب. ثم وصف الظل فقال : {لا ظَلِيلٍ} أي ليس كالظل الذي يقي حر الشمس {وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} أي لا يدفع من لهب جهنم شيئا. واللهب
ما يعلو على النار إذ اضطرمت ، من أحمر وأصفر وأخضر. وقيل : إن الشعب الثلاث هي الضريع والزقوم والغسلين ؛ قاله الضحاك. وقيل : اللهب ثم الشرر ثم الدخان ؛ لأنها ثلاثة أحوال ، هي غاية أوصاف النار إذا أضطرمت واشتدت. وقيل : عنق يخرج من النار فيتشعب ثلاث شعب. فأما النور فيقف على رؤوس المؤمنين ، وأما الدخان فيقف على رؤوس المنافقين ، وأما اللهب الصافي فيقف على رؤوس الكافرين. وقيل : هو الرادق ، وهو لسان من نار يحيط بهم ، ثم يتشعب منه ثلاث شعب ، فتظللهم حتى يفرغ من حسابهم إلى النار. وقيل : هو الظل من يحموم ؛ كما قال تعالى : {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ. وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ} على ما تقدم. وفي الحديث : "إن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس ولا لهم أكفان فتلحقهم الشمس وتأخذ بأنفاسهم ومد ذلك اليوم ، ثم ينجي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظله" فهنالك يقولون : {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} ويقال للمكذبين : {انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} من عذاب الله وعقابه {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ} . فيكون أولياء الله جل ثناؤه في ظل عرشه أو حيث شاء من الظل ، إلى أن يفرغ من الحساب ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره من الجنة والنار. ثم وصف النار فقال : {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} الشرر : واحدته شررة. والشرار : واحدته شرارة ، وهو ما تطاير من النار في كل جهة ، وأصله من شررت الثوب إذا بسطته للشمس ليجف. والقصر البناء العالي. وقراءة العامة "كالقصر" بإسكان الصاد : أي الحصون والمدائن في العظم وهو واحد القصور ". قاله ابن عباس وابن مسعود. وهو في معنى الجمع على طريق الجنس. وقيل : القصر جمع قصرة ساكنة الصاد ، مثل جمرة ، وجمر وتمرة وتمر. والقصرة : الواحدة من جزل الحطب الغليظ."
وفي البخاري عن ابن عباس أيضا : {تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} قال كنا نرفع الخشب بقصر ثلاثة أذرع أو أقل ، فترفعه للشتاء ، فنسميه القصر ، وقال سعيد بن جبير والضحاك : هي
أصول الشجر والنخل العظام إذا وقع وقطع. وقيل : أعناقه. وقرأ ابن عباس ومجاهد وحميد والسلمي "كالقصر" بفتح الصاد ، أراد أعناق النخل. والقصرة العنق ، جمعها قصر وقصرات. وقال قتادة : أعناق الإبل. قرأ سعيد بن جبير بكسر القاف وفتح الصاد ، وهي أيضا جمع قصرة مثل بدرة وبدر وقصعة وقصع وحلقة وحلق ، لحلق الحديد. وقال أبو حاتم : ولعله لغة ، كما قالوا حاجة وحوج. وقيل : القصر : الجبل ، فشبه الشرر بالقصر في مقاديره ، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر ، وهي الإبل السود ؛ والعرب تسمي السود من الإبل صفرا ؛ قال الشاعر :
تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب
أي هن سود. وإنما سميت السود من الإبل صفرا لأنه يشوب سوادها شيء من صفرة ؛ كما قيل لبيض الظباء : الأدم ؛ لأن بياضها تعلوه كدرة : والشرر إذا تطاير وسقط وفيه بقية من لون النار أشبه شيء بالإبل السود ، لما ينوبها من صفرة. وفي شعر عمران بن حطان الخارجي :
دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم ... بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوى
وضعف الترمذي هذا القول فقال : وهذا القول محال في اللغة ، أن يكون شيء يشوبه شيء قليل ، فنسب كله إلى ذلك الشائب ، فالعجب لمن قد قال هذا ، وقد قال الله تعالى : {جِمَالَاتٌ صُفْرٌ} فلا نعلم شيئا من هذا في اللغة. ووجهه عندنا أن النار خلقت من النور فهي نار مضيئة ، فلما خلق الله جهنم وهي موضع النار ، حشا ذلك الموضع بتلك النار ، وبعث إليها سلطانه وغضبه ، فاسودت من سلطانه وازدادت حدة ، وصارت أشد سوادا من النار ومن كل شيء سوادا ، فإذا كان يوم القيامة وجيء بجهنم في الموقف رمت بشررها على أهل الموقف ، غضبا لغضب الله ، والشرر هو أسود ، لأنه من نار سوداء ، فإذا رمت النار بشررها فإنها ترمي الأعداء به ، فهن سود من سواد النار ، لا يصل ذلك إلى الموحدين ؛ لأنهم
في سرادق الرحمة قد أحاط بهم في الموقف ، وهو الغمام الذي يأتي فيه الرب تبارك وتعالى ، ولكن يعاينون ذلك الرمي ، فإذا عاينوه نزع الله ذلك السلطان والغضب عنه في رأي العين منهم حتى يروها صفراء ؛ ليعلم الموحدون أنهم في رحمة الله لا في سلطانه وغضبه. وكان ابن عباس يقول : الجمالات الصفر : حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرجال. ذكره البخاري. وكان يقرؤها "جمالات" بضم الجيم ، وكذلك قرأ مجاهد وحميد "جمالات" بضم الجيم ، وهي الحبال الغلاط ، وهي قلوس السفينة أي حبالها. وواحد القلوس : قلس. وعن ابن عباس أيضا على أنها قطع النحاس. والمعروف في الحبل الغليظ جمل بتشديد الميم كما تقدم في "الأعراف" . و "جمالات" بضم الجيم : جمع جمالة بكسر الجيم موحدا ، كأنه جمع جمل ، نحو حجر وحجارة ، وذكر وذكارة ، وقرأ يعقوب وابن أبي إسحاق وعيسى والجحدري "جُمالة" بضم الجيم موحدا وهي الشيء العظيم المجموع بعضه إلى بعض. وقرأ حفص وحمزة والكسائي "جمالة" وبقية السبعة "جمالات" قال الفراء : يجوز أن تكون الجمالات جمع جمال كما يقال : رجل ورجال ورجالات. وقيل : شبهها بالجمالات لسرعة سيرها. وقيل : لمتابعة بعضها بعضا. والقصر : واحد القصور. وقصر الظلام : اختلاطه ويقال : أتيته قصرا أي عشيا ، فهو مشترك ؛ قال :
كأنهم قصرا مصابيح راهب ... بموزن روى بالسليط ذبالها
مسألة : في هذه الآية دليل على جواز ادّخار الحطب والفحم وإن لم يكن من القوت ، فإنه من مصالح المرء ومغاني مفاقره. وذلك مما يقتضي النظر أن يكتسبه في غير وقت حاجته ؛ ليكون أرخص وحالة وجوده أمكن ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخر القوت في وقت عموم وجوده من كسبه ومال ، وكل شيء محمول عليه. وقد بين ابن عباس هذا بقوله : كنا نعمد إلى الخشبة فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه وندخره للشتاء وكنا نسميه القصر. وهذا أصح ما قيل في ذلك والله أعلم.
35-
{هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ} .

36-
{وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} .

37-
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} .

قوله تعالى : {هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ} أي لا يتكلمون {وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} أي إن يوم القيامة له مواطن ومواقيت ، فهذا من المواقيت التي لا يتكلمون فيها ، ولا يؤذن لهم في الاعتذار والتنصل. وعن عكرمة عن ابن عباس قال : سأل ابن الأزرق عن قوله تعالى : {هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ} و {فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً} وقد قال تعالى : {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} فقال له : إن الله عز وجل يقول : {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} فإن لكل مقدار من هذه الأيام لونا من هذه الألوان. وقيل : لا ينطقون بحجة نافعة ، ومن نطق بما لا ينفع ولا يفيد فكأنه ما نطق. قال الحسن : لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون. وقيل : إن هذا وقت جوابهم {اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} وقد تقدم. وقال أبو عثمان : أسكتتهم رؤية الهيبة وحياء الذنوب. وقال الجنيد : أي عذر لمن أعرض عن منعمه وجحده وكفر أياديه ونعمه ؟ و "يوم" بالرفع قراءة العامة على الابتداء والخبر ؛ أي تقول الملائكة : "هذا يوم لا ينطقون" ويجوز أن يكون قوله : "انطلقوا" من قول الملائكة ، ثم يقول الله لأوليائه : هذا يوم لا ينطق الكفار. ومعنى اليوم الساعة والوقت. وروى يحيى بن سلطان. عن أبي بكر عن عاصم "هذا يوم لا ينطقون" بالنصب ، ورويت عن ابن هرمز وغيره ، فجاز أن يكون مبنيا لإضافته إلى الفعل وموضعه رفع. وهذا مذهب الكوفيين. وجاز أن يكون في موضع نصب على أن تكون الإشارة إلى غير اليوم. وهذا مذهب البصريين ؛ لأنه إنما بني عندهم إذا أضيف إلى مبني ، والفعل ها هنا معرب. وقال الفراء في قوله تعالى : {وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} الفاء نسق أي عطف على "يؤذن" وأجيز ذلك ؛ لأن أواخر الكلام بالنون. ولو قال : فيعتذروا لم يوافق الآيات. وقد قال :
{لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} بالنصب وكله صواب ؛ ومثله : {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ} بالنصب والرفع.
38-
{هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ} .

39-
{فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ} .

40-
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} .

قوله تعالى : {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ} أي ويقال لهم هذا اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق ؛ فيتبين المحق من المبطل. {جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ} قال ابن عباس : جمع الذين كذبوا محمدا والذين كذبوا النبيين من قبله. رواه عنه الضحاك. {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ} أي حيلة في الخلاص من الهلاك {فَكِيدُونِ} أي فاحتالوا لأنفسكم وقاووني ولن تجدوا ذلك. وقيل : أي {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ} أي قدرتم على حرب {فَكِيدُونِ} أي حاربوني. كذا روى الضحاك عن ابن عباس. قال : يريد كنتم في الدنيا تحاربون محمدا صلى الله عليه وسلم وتحاربونني فاليوم حاربوني. وقيل : أي إنكم كنتم في الدنيا تعملون بالمعاصي وقد عجزتم الآن عنها وعن الدفع عن أنفسكم. وقيل : إنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون كقول هود : {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ}
41-
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ} .

42-
{وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} .

43-
{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .

44-
{إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} .

45-
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ}

قوله تعالى : {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ} أخبر بما يصير إليه المتقون غدا ، والمراد بالظلال ظلال الأشجار وظلال القصور مكان الظل في الشعب الثلاث. وفي سورة يس {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} {وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} أي يتمنون. وقراءة العامة "ظلال" . وقرأ الأعرج والزهري وطلحة "ظلل" جمع ظلة يعني
في الجنة. {كُلُوا وَاشْرَبُوا} أي يقال لهم غدا هذا بدل ما يقال للمشركين {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ} فـ {كُلُوا وَاشْرَبُوا} في موضع الحال من ضمير {الْمُتَّقِينَ} في الظرف الذي هو {فِي ظِلالٍ} أي هم مستقرون "في ظلال" مقولا لهم ذلك. {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} أي نثيب الذين أحسنوا في تصديقهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وأعمالهم في الدنيا.
46-
{كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ} .

47-
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} .

قوله تعالى : {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً} هذا مردود إلى ما تقدم قبل المتقين ، وهو وعيد وتهديد وهو حال من "المكذبين" أي الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم : {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً} {إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ} أي كافرون. وقيل : مكتسبون فعلا يضركم في الآخرة ، من الشرك والمعاصي.
48-
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} .

49-
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} .

50-
{فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}

قوله تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} أي إذا قيل لهؤلاء المشركين : {ارْكَعُوا} أي صلوا {لا يَرْكَعُونَ} أي لا يصلون ؛ قال مجاهد. وقال مقاتل : نزلت في ثقيف ، امتنعوا من الصلاة فنزل ذلك فيهم. قال مقاتل : قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : "أسلموا" وأمرهم بالصلاة فقالوا : لا ننحني فإنها مسبة علينا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود" . يذكر أن مالكا رحمه الله دخل المسجد بعد صلاة العصر ، وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر ، فجلس ولم يركع ، فقال له صبي : يا شيخ قم فاركع. فقام فركع ولم يحاجه بما يراه مذهبا ، فقيل له في ذلك ، فقال : خشيت أن أكون من الذين {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} . وقال ابن عباس : إنما يقال لهم هذا في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. قتادة : هذا في الدنيا. ابن العربي : هذه الآية
سورة عَمَّ "النبأ"
حجة على وجوب الركوع وإنزاله ركنا في الصلاة وقد أنعقد الإجماع عليه ، وظن قوم أن هذا إنما يكون في القيامة وليست بدار تكليف فيتوجه فيها أمر يكون عليه ويل وعقاب ، وإنما يدعون إلى السجود كشفا لحال الناس في الدنيا ، فمن كان لله يسجد يمكن من السجود ، ومن كان يسجد رثاء لغيره صار ظهره طبقا واحدا. وقيل : أي إذا قيل لهم اخضعوا للحق لا يخضعون ، فهو عام في الصلاة وغيرها وإنما ذكر الصلاة ، لأنها أصل الشرائع بعد التوحيد. وقيل : الأمر بالإيمان لأنها لا تصح من غير إيمان.
قوله تعالى : {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} أي إن لم يصدقوا بالقرآن الذي هو المعجز والدلالة على صدق الرسول عليه السلام ، فبأي شيء يصدقون! وكرر : {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} لمعنى تكرير التخويف والوعيد. وقيل : ليس بتكرار ، لأنه أراد بكل قول منه غير الذي أراد بالآخر ؛ كأنه ذكر شيئا فقال : ويل لمن يكذب بهذا ، ثم ذكر شيئا آخر فقال : ويل لمن يكذب بهذا ، ثم ذكر شيئا آخر فقال : ويل لمن يكذب بهذا. ثم كذلك إلى آخرها. ختمت السورة ولله الحمد.
سورة "عَمَّ"
مكية وتسمى سورة "النبأ" وهي
أربعون أو إحدى وأربعون آية
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
1-
{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} .

2-
{عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ} .

3-
{الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} .

4-
{كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} .

5-
{ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}

قوله تعالى : {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} ؟ {عَمَّ} لفظ استفهام ؛ ولذلك سقطت منها ألف "ما" ، ليتميز الخبر عن الاستفهام. وكذلك (فيم ، ومم) إذا استفهمت. والمعنى عن أي شيء
يسأل بعضهم بعضا. وقال الزجاج : أصل "عم" عن ما فأدغمت النون في الميم ، لأنها تشاركها في الغنة. والضمير في "يتساءلون" لقريش. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : كانت قريش تجلس لما نزل القرآن فتتحدث فيما بينها فمنهم المصدق ومنهم المكذب به فنزلت {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} ؟ وقيل : "عم" بمعنى : فيم يتشدد المشركون ويختصمون.
قوله تعالى : {عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ} أي يتساءلون "عن النبأ العظيم" فعن ليس تتعلق بـ "يتساءلون" الذي في التلاوة ؛ لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام فيكون "عن النبأ العظيم" كقولك : كم مالك أثلاثون أم أربعون ؟ فوجب لما ذكرناه من امتناع تعلقه "بيتساءلون" الذي في التلاوة ، وإنما يتعلق بيتساءلون آخر مضمر. وحسن ذلك لتقدم يتساءلون ؛ قال المهدوي. وذكر بعض أهل العلم أن الاستفهام في قوله : "عن" مكرر إلا أنه مضمر ، كأنه قال عم يتساءلون أعن النبأ العظيم ؟ فعلى هذا يكون متصلا بالآية الأولى. و "النبأ العظيم" أي الخبر الكبير. {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} أي يخالف فيه بعضهم بعضا ، فيصدق واحد ويكذب آخر ؛ فروى أبو صالح عن ابن عباس قال : هو القرآن ؛ دليله قوله : {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} فالقرآن نبأ وخبر وقصص ، وهو نبأ عظيم الشأن.
وروى سعيد عن قتادة قال : هو البعث بعد الموت صار الناس فيه رجلين : مصدق ومكذب. وقيل : أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وروي الضحاك عن ابن عباس قال : وذلك أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كثيرة ، فأخبره الله جل ثناؤه باختلافهم ، ثم هددهم فقال : {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} أي سيعلمون عاقبة القرآن ، أو سيعلمون البعث : أحق هو أم باطل. و "كلا" رد عليهم في إنكارهم البعث أو تكذيبهم القرآن ، فيوقف عليها. ويجوز أن يكون بمعنى حقا أو "ألا" فيبدأ بها. والأظهر أن سؤالهم إنما كان عن البعث ؛ قال بعض علمائنا : والذي يدل عليه قوله عز وجل : {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً} يدل على أنهم كانوا يتساءلون عن البعث. {ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} أي حقا ليعلمن صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ومما ذكره لهم من البعث بعد الموت. وقال الضحاك : "كلا"




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.94 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 44.32 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.40%)]