عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 13-07-2025, 06:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,455
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (19)
سُورَةُ الجن
من صــ 11الى صــ20
الحلقة (727)






برجال من الإنس ، وكان الرجل من الإنس يقول مثلا : أعوذ بحذيفة بن بدر من جن هذا الوادي. قال القشيري : وفي هذا تحكم إذ لا يبعد إطلاق لفظ الرجال على الجن.
قوله تعالى : {وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا} هذا من قول الله تعالى للإنس أي وأن الجن ظنوا أن لن يبعث الله الخلق كما ظننتم. الكلبي : المعنى : ظنت الجن كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولا إلى خلقه يقيم به الحجة عليهم. وكل هذا توكيد للحجة على قريش ؛ أي إذا آمن هؤلاء الجن بمحمد ، فأنتم أحق بذلك.
8-
{وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} .

9-
{وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً} .

10-
{وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً}

قوله تعالى : {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ} هذا من قول الجن ؛ أي طلبنا خبرها كما جرت عادتنا {فَوَجَدْنَاهَا} قد {مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً} أي حفظة ، يعني الملائكة. والحرس : جمع حارس {وَشُهُباً} جمع شهاب ، وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم عن استراق السمع. وقد مضى القول فيه في سورة "الحجر" "والصافات" . و "وجد" يجوز أن يقدر متعديا إلى مفعولين ، فالأول الهاء والألف ، و "ملئت" في موضع المفعول الثاني. ويجوز أن يتعدى إلى مفعول واحد ويكون "ملئت" في موضع الحال على إضمار قد. و "حرسا" نصب على المفعول الثاني "بملئت" . و "شديدا" من نعت الحرس ، أي ملئت ملائكة شدادا.
ووحد الشديد على لفظ الحرس ؛ وهو كما يقال : السلف الصالح بمعنى الصالحين ، وجمع السلف أسلاف وجمع الحرس أحراس ؛ قال :
"تجاوزت أحراسا وأهوال معشر"
ويجوز أن يكون "حرسا" مصدرا على معنى حرست حراسة شديدة.
قوله تعالى : {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً} "منها" أي من السماء ، و "مقاعد" : مواضع يقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء ؛ يعني أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يلقوها إلى الكهنة على ما تقدم بيانه ، فحرسها الله تعالى حين بعث رسوله بالشهب المحرقة ، فقالت الجن حينئذ : {فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً} يعني بالشهاب : الكوكب المحرق ؛ وقد تقدم بيان ذلك. ويقال : لم يكن انقضاض الكواكب إلا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو آية من آياته. واختلف السلف هل كانت الشياطين تقذف قبل المبعث ، أو كان ذلك أمرا حدث لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال الكلبي وقال قوم : لم تكن تحرس السماء في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه : خمسمائة عام ، وإنما كان من أجل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها ، وحرست بالملائكة والشهب.
قلت : ورواه عطية العوفي عن ابن عباس ؛ ذكره البيهقي. وقال عبدالله بن عمر : لما كان اليوم الذي نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشياطين ، ورموا بالشهب ، وقال عبدالملك بن سابور : لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرست السماء ، ورميت الشياطين بالشهب ،
ومنعت عن الدنو من السماء. وقال نافع بن جبير : "كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا ترمى ، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رميت بالشهب" . ونحوه عن أبي بن كعب قال : "لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمي بها" . وقيل : كان ذلك قبل المبعث ، وإنما زادت بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنذارا بحاله ؛ وهو معنى قوله تعالى : "ملئت" أي زيد في حرسها ؛ وقال أوس بن حجر وهو جاهلي :
فانقض كالدري يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا
وهذا قول الأكثرين. وقد أنكر الجاحظ هذا البيت وقال : كل شعر روي فيه فهو مصنوع ، وأن الرمي لم يكن قبل المبعث. والقول بالرمي أصح ؛ لقوله تعالى : {فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} . وهذا إخبار عن الجن ، أنه زيد في حرس السماء حتى امتلأت منها ومنهم ؛ ولما روي عن ابن عباس قال : "بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم ؛ فقال :" ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية "؟ قالوا : كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" إنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته ، ولكن ربنا سبحانه وتعالى إذا قضى أمرا في السماء سبح حملة العرش ثم سبح أهل كل سماء ، حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم ويخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه ، فتتخطف الجن فيرمون فما جاؤوا به فهو حق ولكنهم يزيدون فيه ". وهذا يدل على أن الرجم كان قبل المبعث. وروى الزهري نحوه عن علي بن الحسين عن علي بن أبي طالب عن ابن عباس. وفي آخره قيل للزهري : أكان يرمى في الجاهلية ؟ قال : نعم. قلت : أفرأيت قوله سبحانه : {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً} قال : غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم. ونحوه قال القتبي. قال ابن قتيبة : كان ولكن اشتدت الحراسة بعد المبعث ؛ وكانوا من قبل يسترقون ويرمون في بعض الأحوال ، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعت من ذلك أصلا. وقد تقدم بيان هذا في سورة" الصافات ""
عند قوله : {وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} قال الحافظ : فلو قال قائل : كيف تتعرض الجن لإحراق نفسها بسبب استماع خبر ، بعد أن صار ذلك معلوما لهم ؟ فالجواب : أن الله تعالى ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة ، كما ينسي إبليس في كل وقت أنه لا يسلم ، وأن الله تعالى قال له : {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} ولولا هذا لما تحقق التكليف. والرصد : قيل من الملائكة ؛ أي ورصدا من الملائكة.
والرصد : الحافظ للشيء والجمع أرصاد ، وفي غير هذا الموضع يجوز أن يكون جمعا كالحرس ، والواحد : راصد. وقيل : الرصد هو الشهاب ، أي شهابا قد أرصد له ، ليرجم به ؛ فهو فعل بمعنى مفعول كالخبط والنفض.
قوله تعالى : {وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ} أي هذا الحرس الذي حرست بهم السماء {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} أي خيرا. قال ابن زيد. قال إبليس لا ندري ، هل أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عذابا أو يرسل إليهم رسولا. وقيل : هو من قول الجن فيما بينهم قبل أن يسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم. أي لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بإرسال محمد إليهم ، فإنهم يكذبونه ويهلكون بتكذيبه كما هلك من كذب من الأمم ، أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا ؛ فالشر والرشد على هذا الكفر والإيمان ؛ وعلى هذا كان عندهم علم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما سمعوا قراءته علموا أنهم منعوا من السماء حراسة للوحي. وقيل : لا ؛ بل هذا قول قالوه لقومهم بعد أن انصرفوا إليهم منذرين ؛ أي لما آمنوا أشفقوا ألا يؤمن كثير من أهل الأرض فقالوا : إنا لا ندري أيكفر أهل الأرض بما آمنا به أم يؤمنون ؟
11-
{وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً} .

12-
{وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً} .

قوله تعالى : {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} هذا من قول الجن ، أي قال بعضهم لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وإنا كنا قبل استماع القرآن منا الصالحون ومنا الكافرون. وقيل : "ومنا دون ذلك" أي ومن دون الصالحين في الصلاح ، وهو أشبه من حمله على الإيمان والشرك . {كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً} أي فرقا شتى ؛ قاله السدي. الضحاك : أديانا مختلفة. قتادة : أهواء متباينة ؛ ومنه قول الشاعر :
القابض الباسط الهادي بطاعته ... في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد
والمعنى : أي لم يكن كل الجن كفارا بل كانوا مختلفين : منهم كفار ، ومنهم مؤمنون صلحاء ، ومنهم مؤمنون غير صلحاء. وقال المسيب : كنا مسلمين ويهود ونصارى ومجوس. وقال السدي في قوله تعالى : {طَرَائِقَ قِدَداً} قال : في الجن مثلكم قدرية ، ومرجئة ، وخوارج ، ورافضة ، وشيعة ، وسنية. وقال قوم : أي وإنا بعد استماع القرآن مختلفون : منا المؤمنون ومنا الكافرون. أي ومنا الصالحون ومنا مؤمنون لم يتناهوا في الصلاح. والأول أحسن ؛ لأنه كان في الجن من آمن بموسى وعيسى ، وقد أخبر الله عنهم أنهم قالوا : {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} وهذا يدل على إيمان قوم منهم بالتوراة ، وكان هذا مبالغة منهم في دعاء من دعوهم إلى الإيمان. وأيضا لا فائدة في قولهم : نحن الآن منقسمون إلى مؤمن وإلى كافر. والطرائق : جمع الطريقة وهي مذهب الرجل ، أي كنا فرقا مختلفة. ويقال : القوم طرائق أي على مذاهب شتى. والقدد : نحو من الطرائق وهو توكيد لها ، واحدها : قدة. يقال : لكل طريق قدة ، وأصلها من قد السيور ، وهو قطعها ؛ قال لبيد يرثي أخاه أربد :
لم تبلغ العين كل نهمتها ... ليلة تمسي الجياد كالقدد
وقال آخر :
ولقد قلت وزيد حاسر ... يوم ولت خيل عمرو قددا
والقد بالكسر : سير يقد من جلد غير مدبوغ ؛ ويقال : ماله قد ولا قحف ؛ فالقد : إناء من جلد ، والقحف : من خشب.
قوله تعالى : {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ} الظن هنا بمعنى العلم واليقين ، وهو خلاف الظن في قوله تعالى : {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ} ، {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا } أي علمنا بالاستدلال والتفكر في آيات الله ، أنا في قبضته وسلطانه ، لن نفوته بهرب ولا غيره. و "هربا" مصدر في موضع الحال أي هاربين.
13-
{وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً} .

14-
{وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً} .

15-
{وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً} .

قوله تعالى : {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى} يعني القرآن {آمَنَّا بِهِ} وبالله ، وصدقنا محمدا صلى الله عليه وسلم على رسالته. وكان صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الإنس والجن. قال الحسن : "بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن ، ولم يبعث الله تعالى قط رسولا من الجن ، ولا من أهل البادية ، ولا من النساء ؛ وذلك قوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} وقد تقدم هذا المعنى. وفي الصحيح :" وبعثت إلى الأحمر والأسود "أي الإنس والجن."
قوله تعالى : {فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً} قال ابن عباس : "لا يخاف"
أن ينقص من حسناته ولا أن يزاد في سيئاته ؛ لأن البخس النقصان ""
والرهق : العدوان وغشيان المحارم ؛ قال الأعشى :
لا شيء ينفعني من دون رؤيتها ... هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقا
الوامق : المحب ؛ وقد وَمِقَه يمِقه بالكسر أي أحبه ، فهو وامق. وهذا قول حكاه الله تعالى عن الجن ؛ لقوة إيمانهم وصحة إسلامهم. وقراءة العامة "فلا يخاف" رفعا على تقدير فإنه لا يخاف. وقرأ الأعمش ويحيى وإبراهيم "فلا يخف" جزما على جواب الشرط وإلغاء الفاء.
قوله تعالى : {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} أي وأنا بعد استماع القرآن مختلفون ، فمنا من أسلم ومنا من كفر. والقاسط : الجائر ، لأنه عادل عن الحق ، والمقسط : العادل ؛ لأنه عادل إلى الحق ؛ يقال : قسط : أي جار ، وأقسط : إذا عدل ؛ قال الشاعر :
قوم هم قتلوا ابن هند عنوة ... عمرا وهم قسطوا على النعمان
{فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً} أي قصدوا طريق الحق وتوخوه ومنه تحرى القبلة {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ} أي الجائرون عن طريق الحق والإيمان {فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً} أي وقودا. وقوله : "فكانوا" أي في علم الله تعالى.
16-
{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً} .

17-
{لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً}

قوله تعالى : {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} هذا من قول الله تعالى. أي لو آمن هؤلاء الكفار لوسعنا عليهم في الدنيا وبسطنا لهم في الرزق. وهذا محمول على الوحي ؛ أي أوحى إلي أن لو استقاموا. ذكر ابن بحر : كل ما في هذه السورة من "إن" المكسورة المثقلة فهي حكاية لقول الجن الذين استمعوا القرآن ، فرجعوا إلى قومهم منذرين ، وكل ما فيها من
أن المفتوحة المخففة فهي وحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن الأنباري : ومن كسر الحروف وفتح "وأن لو استقاموا" أضمر يمينا تاما ، تأويلها : والله أن لو استقاموا على الطريقة ؛ كما يقال في الكلام : والله أن قمت لقمت ، ووالله لو قمت قمت ؛ قال الشاعر :
أما والله أن لو كنت حرا ... وما بالحر أنت ولا العتيق
ومن فتح ما قبل المخففة نسقها - أعني الخفيفة - على "أوحي إلي أنه" ، "وأن لو استقاموا" أو على "آمنا به" وبأن لو استقاموا. ويجوز لمن كسر الحروف كلها إلى "أن" المخففة ، أن يعطف المخففة على "أوحي إلي" أو على "آمنا به" ، ويستغني عن إضمار اليمين. وقراءة العامة بكسر الواو من "لو" لالتقاء الساكنين ، وقرأ ابن وثاب والأعمش بضم الواو. و {مَاءً غَدَقاً} أي واسعا كثيرا ، وكانوا قد حبس عنهم المطر سبع سنين ؛ يقال : غدقت العين تغدق ، فهي غدقة ، إذا كثر ماؤها. وقيل : المراد الخلق كلهم أي "لو استقاموا على الطريقة" طريقة الحق والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين "لأسقيناهم ماء غدقا" أي كثيرا {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم. وقال عمر في هذه الآية : "أينما كان الماء كان المال ، وأينما كان المال كانت الفتنة. فمعنى" لأسقيناهم "لوسعنا عليهم في الدنيا" ؛ وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلا ؛ لأن الخير والرزق كله بالمطر يكون ، فأقيم مقامه ؛ كقوله تعالى : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} وقوله تعالى : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} أي بالمطر. والله أعلم. وقال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والضحاك وقتادة ومقاتل وعطية وعبيد بن عمير والحسن : "كان والله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين ، ففتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر والمقوقس والنجاشي ، ففتنوا بها ، فوثبوا على إمامهم فقتلوه" . يعني عثمان بن عفان.
وقال الكلبي وغيره : وَأًنْ
لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ التي هم عليها من الكفر فكانوا كلهم كفارا لوسعنا أرزاقهم مكرا بهم واستدراجا لهم ، حتى يفتتنوا بها ، فنعذبهم بها في الدنيا والآخرة. وهذا قول قال الربيع بن أنس وزيد بن أسلم وابنه والكلبي والثمالي ويمان بن رباب وابن كيسان وأبو مجلز ؛ واستدلوا بقوله تعالى : {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} الآية. وقوله تعالى : {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ} الآية ؛ والأول أشبه ؛ لأن الطريقة معرفة بالألف واللام ، فالأوجب أن تكون طريقته طريقة الهدى ؛ ولأن الاستقامة لا تكون إلا مع الهدى.
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا" قالوا : وما زهرة الدنيا ؟ قال : "بركات الأرض" وذكر الحديث. وقال عليه السلام : "فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، وإنما أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم" .
قوله تعالى : {مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ} يعني القرآن ؛ قال ابن زيد. وفي إعراضه عنه وجهان : أحدهما عن القبول ، إن قيل إنها في أهل الكفر. الثاني عن العمل ، إن قيل إنها في المؤمنين. وقيل : {مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ} أي لم يشكر نعمه "يسلكه عذابا صعدا" قرأ الكوفيون وعياش عن أبي عمرو "يسلكه" بالياء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ؛ لذكر اسم الله أولا فقال : {مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ} . الباقون "نسلكه" بالنون. وروي عن مسلم بن جندب ضم النون وكسر اللام. وكذلك قرأ طلحة والأعرج وهما لغتان ، سلكه وأسلكه بمعنى ؛ أي ندخله. {عَذَاباً صَعَداً} أي شاقا شديدا. قال ابن عباس : هو جبل ، في جهنم. "أبو سعيد الخدري" : كلما جعلوا أيديهم عليه ذابت. وعن ابن عباس : أن المعنى مشقة من العذاب. وذلك معلوم في اللغة أن الصعد : المشقة ، تقول : تصعدني الأمر : إذا شق عليك ؛ ومنه قول عمر : ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح ، أي ما شق علي.
وعذاب صعد أي شديد. والصعد : مصدر صعد ؛ يقال : صعد صعدا وصعودا ، فوصف به العذاب ؛ لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. وقال أبو عبيدة : الصعد مصدر ؛ أي عذابا ذا صعد ، والمشي في الصعود يشق. والصعود : العقبة الكؤود. وقال عكرمة : هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها ؛ فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم. وقال الكلبي : يكلف الوليد بن المغيرة أن يصعد جبلا في النار من صخرة ملساء ، يجذب من أمامه بسلاسل ، ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها ، ولا يبلغ في أربعين سنة. فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها ، ثم يكلف أيضا صعودها ، فذلك دأبه أبدا ، وهو قوله تعالى : {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} .
18-
{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} .

فيه ست مسائل :
الأولى- قوله تعالى : {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} "أن" بالفتح ، قيل : هو مردود إلى قوله تعالى : {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} أي قل أوحي إلي أن المساجد لله. وقال الخليل : أي ولأن المساجد لله. والمراد البيوت التي تبنيها أهل الملل للعبادة. وقال سعيد بن جبير : قالت الجن كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك ؟ فنزلت : {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} أي بنيت لذكر الله وطاعته. وقال الحسن : أراد بها كل البقاع ؛ لأن الأرض كلها مسجد للنبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : "أينما كنتم فصلوا فأينما صليتم فهو مسجد" وفي الصحيح : "وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" .
وقال سعيد بن المسيب وطلق بن حبيب : أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد ، وهي القدمان والركبتان واليدان والوجه ؛ يقول : هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك ، فلا تسجد لغيره بها ، فتجحد نعمة الله. قال عطاء : مساجدك : أعضاؤك التي أمرت أن تسجد عليها لا تذللها لغير خالقها. وفي الصحيح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين والركبتين وأطراف القدمين" . وقال العباس قال النبي صلى الله عليه وسلم :




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.48 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.86 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.48%)]