عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 13-07-2025, 06:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,398
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (18)
سُورَةُ المعارج
من صــ 283الى صــ294
الحلقة (723)






الفتات القطع. والعهن الصوف الأحمر ؛ واحده عهنة. وقيل : العهن الصوف ذو الألوان ؛ فشبه الجبال به في تلونها ألوانا. والمعنى : أنها تلين بعد الشدة ، وتتفرق بعد الاجتماع. وقيل : أول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا ، ثم عهنا منفوشا ، ثم هباء منبثا. {وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} أي عن شأنه لشغل كل إنسان بنفسه ، قال قتادة. كما قال تعالى : {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} وقيل : لا يسأل حميم عن حميم ، فحذف الجار ووصل الفعل. وقراءة العامة "يسأل" بفتح الياء. وقرأ شيبة والبزي عن عاصم "ولا يسأل بالضم على ما لم يسم فاعله ، أي لا يسأل حميم عن حميمه ولا ذو قرابة عن قرابته ، بل كل إنسان يسأل عن عمله. نظيره : {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} "
الآية : [11] {يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ}
الآية : [12] {وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ}
الآية : [13] {وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ}
الآية : [14] {وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ}
قوله تعالى : {يُبَصَّرُونَهُمْ} أي يرونهم. وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه من الجن والإنس. فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته ولا يسأله ولا يكلمه ؛ لاشتغالهم بأنفسهم. وقال ابن عباس : يتعارفون ساعة ثم لا يتعارفون بعد تلك الساعة. وفي بعض الأخبار : أن أهل القيامة يفرون من المعارف مخافة المظالم. وقال ابن عباس أيضا : {يُبَصَّرُونَهُمْ } يبصر بعضهم بعضا فيتعارفون ثم يفر بعضهم من بعض. فالضمير في "يُبَصَّرُونَهُمْ" على هذا للكفار ، والميم للأقرباء. وقال مجاهد : المعنى يبصر الله المؤمنين الكفار في يوم القيامة ؛ فالضمير في يبصرونهم "للمؤمنين ، والهاء والميم للكفار. ابن زيد : المعنى يبصر الله"
الكفار في النار الذين أضلوهم في الدنيا ؛ فالضمير في { يُبَصَّرُونَهُمْ} للتابعين ، والهاء والميم للمتبوعين. وقيل : إنه يبصر المظلوم ظالمه والمقتول قاتله. وقيل : { يُبَصَّرُونَهُمْ} يرجع إلى الملائكة ؛ أي يعرفون أحوال الناس فيسوقون كل فريق إلى ما يليق بهم. وتم الكلام عند قوله : { يُبَصَّرُونَهُمْ} ثم قال : {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ} أي يتمنى الكافر. {لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ} يعني من عذاب جهنم بأعز من كان عليه في الدنيا من أقاربه فلا يقدر. ثم ذكرهم فقال : {بِبَنِيهِ ، وَصَاحِبَتِهِ} زوجته {وَأَخِيهِ ، وَفَصِيلَتِهِ} أي عشيرته. {الَّتِي تُؤْوِيهِ} تنصره ؛ قاله مجاهد وابن زيد. وقال مالك : أمه التي تربيه. حكاه الماوردي ورواه عنه أشهب. وقال أبو عبيدة : الفصيلة دون القبيلة. وقال ثعلب : هم آباؤه الأدنون. وقال المبرد : الفصيلة القطعة من أعضاء الجسد ، وهي دون القبيلة. وسميت عترة الرجل فصيلته تشبيها بالبعض منه. وقد مضى في سورة "الحجرات" القول في القبيلة وغيرها.وهنا مسألة ، وهي : إذا حبس على فصيلته أو أوصى لها فمن أدعى العموم حمله على العشيرة ، ومن أدعى الخصوص حمله على الآباء ؛ الأدنى فالأدنى. والأول أكثر في النطق. والله أعلم. ومعنى : {تُؤْوِيهِ} تضمه وتؤمنه من خوف إن كان به. {وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً} أي ويود لو فدي بهم لافتدى {ثُمَّ يُنْجِيهِ} أي يخلصه ذلك الفداء. فلا بد من هذا الإضمار ، كقوله : {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي وإن أكله لفسق. وقيل : {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ} يقتضي جوابا بالفاء ؛ كقوله : {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} والجواب في هذه الآية {ثُمَّ يُنْجِيهِ} لأنها من حروف العطف ؛ أي يود المجرم لو يفتدى فينجيه الافتداء.
الآية : [15] {كَلَّا إِنَّهَا لَظَى}
الآية : [16] {نَزَّاعَةً لِلشَّوَى}
الآية : [17] {تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى}
الآية : [18] {وَجَمَعَ فَأَوْعَى}
قوله تعالى : {كَلاَّ} تقدم القول في {كَلاَّ} وأنها تكون بمعنى حقا ، وبمعنى لا. وهي هنا تحتمل الأمرين ؛ فإذا كانت بمعنى حقا كان تمام الكلام {يُنْجِيهِ} وإذا كانت بمعنى لا كان تمام الكلام عليها ؛ أي ليس ينجيه من عذاب الله الافتداء ثم قال : {كَلَّا إِنَّهَا لَظَى} أي هي جهنم ؛ أي تتلظى نيرانها ؛ كقوله تعالى : {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى} واشتقاق لظى من التلظي. والتظاء النار التهابها ، وتلظيها تلهبها. وقيل : كان أصلها "لظظ" أي ما دامت لدوام عذابها ؛ فقلبت إحدى الظاءين ألفا فبقيت لظى. وقيل : هي الدركة الثانية من طبقات جهنم. وهي اسم مؤنث معرفة فلا ينصرف. {نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم في رواية أبي بكر عنه والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي "نزاعة" بالرفع. وروى أبو عمرو عن عاصم {نَزَّاعَةً } بالنصب. فمن رفع فله خمسة أوجه : أحدها أن تجعل "لظى" خبر "إن" وترفع "نَزَّاعَةً" بإضمار هي ؛ فمن هذا الوجه يحسن الوقف على "لظى" . والوجه الثاني أن تكون "لظى" و "نزاعة" خبران لإن. كما تقول إنه خلق مخاصم. والوجه الثالث أن تكون "نزاعة" بدلا من "لظى" و "لظى" خبر "إن" . والوجه الرابع أن يكون "لظى" بدلا من اسم "إن" و "نزاعة" خبر "إن" . والوجه الخامس : أن يكون الضمير في "إنها" للقصة ، و "لظى" مبتدأ ، و "نزاعة" خبر الابتداء والجملة خبر "إن" والمعنى : أن القصة والخبر لظى نزاعة للشوى ومن نصب "نزاعة" حسن له أن يقف على "لظى" وينصب "نزاعة" على القطع من "لظى" إذ كانت نكرة متصلة بمعرفة. ويجوز نصبها على الحال المؤكدة ؛ كما قال : {وهو الحق مصدقا} [البقرة : 91] . ويجوز أن تنصب على معنى أنها تتلظى نزاعة ؛ أي في حال نزعها للشوى. والعامل فيها ما دل عليه الكلام من معنى التلظي. ويجوز أن يكون حالا ؛ على أنه حال للمكذبين بخبرها. ويجوز نصبها
على القطع ؛ كما تقول : مررت بزيد العاقل الفاضل. فهذه خمسة أوجه للنصب أيضا. والشوى. جمع شواة وهي جلدة الرأس. قال الأعشى :
قالت قُتَيلة مالَه ... قد جللت شيبا شواته
وقال آخر :
لأصبحت هدتك الحوادث هدة ... لها فشواة الرأس باد قتيرها
القتير : الشيب. وفي الصحاح : "والشوى : جمع شواة وهي جلدة الرأس" . والشوى : اليدان والرجلان والرأس من الآدميين ، وكل ما ليس مقتلا. يقال : رماه فأشواه إذا لم يصب المقتل. قال الهذلي :
فإن من القول التي لا شوى لها ... إذا زل عن ظهر اللسان انفلاتها
يقول : إن من القول كلمة لا تشوي ولكن تقتل. قال الأعشى :
قالت قتيلة ماله ... قد جللت شيبا شواته
قال أبو عبيد : أنشدها أبو الخطاب الأخفش أبا عمرو بن العلاء فقال له : "صحفت! إنما هو سراته ؛ أي نواحيه فسكت أبو الخطاب ثم قال لنا : بل هو صحف ، إنما هو شواته" . وشوى الفرس : قوائمه ؛ لأنه يقال : عبل الشوى ، ولا يكون هذا للرأس ؛ لأنهم وصفوا الخيل بإسالة الخدين وعتق الوجه وهو رقته. والشوى : رذال المال. والشوى : هو الشيء الهين اليسير. وقال ثابت البناني والحسن : {نزاعة للشوى} أي لمكارم وجهه. أبو العالية : لمحاسن وجهه. قتادة : لمكارم خلقته وأطرافه. وقال الضحاك : تفري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئا. وقال الكسائي : هي المفاصل. وقال بعض الأئمة : هي القوائم والجلود. قال امرؤ القيس :
سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا ... له حجبات مشرفات على الفال
وقال أبو صالح : أطراف اليدين والرجلين. قال الشاعر :
إذا نظرت عرفت الفخر منها ... وعينيها ولم تعرف شواها
يعني أطرافها. وقال الحسن أيضا : الشوى الهام. {تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى} أي تدعو لظى من أدبر في الدنيا عن طاعة الله وتولى عن الإيمان. ودعاؤها أن تقول : إلي يا مشرك ، إلي يا كافر. وقال ابن عباس : تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح : إلي يا كافر ، إلي يا منافق ؛ ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب. وقال ثعلب : {تَدْعُو } أي تهلك. تقول العرب : دعاك الله ؛ أي أهلكك الله. وقال الخليل : إنه ليس كالدعاء "تعالوا" ولكن دعوتها إياهم تمكنها من تعذيبهم. وقيل : الداعي خزنة جهنم ؛ أضيف دعاؤهم إليها. وقيل هو ضرب مثل ؛ أي إن مصير من أدبر وتولى إليها ؛ فكأنها الداعية لهم. ومثله قول الشاعر :
ولقد هبطنا الواديين فواديا ... يدعو الأنيس به العضيض الأبكم
العضيض الأبكم : الذباب. وهو لا يدعو وإنما طنينه نبه عليه فدعا إليه.
قلت : القول الأول هو الحقيقة ؛ حسب ما تقدم بيانه بآي القرآن والأخبار الصحيحة. القشيري : ودعاء لظى بخلق الحياة فيها حين تدعو ، وخوارق العادة غدا كثيرة. {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} أي جمع المال فجعله في وعائه ومنع منه حق الله تعالى ؛ فكان جموعا منوعا. قال الحكم : كان عبدالله بن عكيم لا يربط كيسه ويقول سمعت الله يقول : {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} .
الآية : [19] {إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً}
الآية : [20] {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً}
الآية : [21] {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً}
قوله تعالى : {إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} يعني الكافر ؛ عن الضحاك. والهلع في اللغة : أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه. وكذلك قال قتادة ومجاهد وغيرهما. وقد هلع "بالكسر" يهلع فهو هليع وهلوع ؛ على التكثير. والمعنى أنه لا يصبر على خير ولا شر حتى يفعل فيهما
ما لا ينبغي. عكرمة : هو الضجور. الضحاك : هو الذي لا يشبع. والمنوع : هو الذي إذا أصاب المال منع منه حق الله تعالى. وقال ابن كيسان : خلق الله الإنسان يحب ما يسره ويرضيه ، ويهرب مما يكرهه ويسخطه ، ثم تعبده الله بإنفاق ما يحب والصبر على ما يكره. وقال أبو عبيدة : الهلوع هو الذي إذا مسه الخير لم يشكر ، وإذا مسه الضر لم يصبر ؛ قاله ثعلب. وقال ثعلب أيضا : قد فسر الله الهلوع ، وهو الذي إذا ناله الشر أظهر شدة الجزع ، وإذا ناله الخير بخل به ومنعه الناس. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "شر ما أعطي العبد شح هالع وجبن خالع" . والعرب تقول : ناقة هلواعة وهلواع ؛ إذا كانت سريعة السير خفيفة. قال :
صكّاء ذِعْلِبة إذا استدبرتها ... حرج إذا استقبلتها هِلواع
الذعلب والذعلبة الناقة السريعة. و {جَزُوعاً } و {مَنُوعاً} نعتان لهلوع. على أن ينوي بهما التقديم قبل "إذا" . وقيل : هو خبر كان مضمرة.
الآية : [22] { إِلاَّ الْمُصَلِّينَ}
الآية : [23] {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ}
الآية : [24] {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ}
الآية : [25] {لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}
الآية : [26] {وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ}
الآية : [27] {وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ}
الآية : [28] {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} الآية : [29] {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ}
الآية : [30] {الا على إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}
الآية : [31] {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}
الآية : [32] {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} الآية : [33] {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ}
الآية : [34] {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} الآية : [35] {أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ}
قوله تعالى : {إِلاَّ الْمُصَلِّينَ} دل على أن ما قبله في الكفار ؛ فالإنسان اسم جنس بدليل الاستثناء الذي يعقبه كقوله تعالى : {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} النخعي : المراد بالمصلين الذي يؤدون الصلاة المكتوبة. ابن مسعود : الذين يصلونها لوقتها ، فأما تركها فكفر. وقيل : هم الصحابة. وقيل : هم المؤمنون عامة ، فإنهم يغلبون فرط الجزع بثقتهم بربهم ويقينهم. {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ} أي على مواقيتها. وقال عقبة بن عامر : هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا يمينا ولا شمالا. والدائم الساكن ، ومنه : نهي عن البول في الماء الدائم ، أي الساكن. وقال ابن جريج والحسن : هم الذين يكثرون فعل التطوع منها. {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} يريد الزكاة المفروضة ، قاله قتادة وابن سيرين. وقال مجاهد : سوى الزكاة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : صلة رحم وحمل كل. والأول أصح ؛ لأنه وصف الحق بأنه معلوم ، وسوى الزكاة ليس بمعلوم ، إنما هو على قدر الحاجة ، وذلك يقل ويكثر. {لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} تقدم في "الذاريات" . {وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} أي بيوم الجزاء وهو يوم القيامة. وقد مضى في سورة "الفاتحة" القول فيه. {وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} أي خائفون. {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} قال ابن عباس : لمن أشرك أو كذب أنبياءه. وقيل : لا يأمنه أحد ، بل الواجب على كل أحد أن يخافه ويشفق منه . {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} تقدم القول فيه سورة {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} تقدم أيضاً {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} على من كانت عليه من قريب أو بعيد ، يقومون بها عند
الحاكم ولا يكتمونها ولا يغيرونها. وقد مضى القول في الشهادة وأحكامها في سورة "البقرة" . وقال ابن عباس : {بِشَهَادَاتِهِمْ} أن الله واحد لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. وقرئ {لِأَمَانَاتِهِمْ} على التوحيد. وهي قراءة ابن كثير وابن محيصن. فالأمانة اسم جنس ، فيدخل فيها أمانات الدين ، فإن الشرائع أمانات ائتمن الله عليها عباده. ويدخل فيها أمانات الناس من الودائع ؛ وقد مضى هذا كله مستوفى في سورة "النساء" . وقرأ عباس الدوري عن أبي عمرو ويعقوب { بِشَهَادَاتِهِمْ} جمعا. الباقون {بِشَهَادَاتِهِمْ} على التوحيد ، لأنها تؤدي عن الجمع. والمصدر قد يفرد وإن أضيف إلى جمع ، كقوله تعالى : { إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} . وقال الفراء : ويدل على أنها {بِشَهَادَاتِهِمْ} توحيدا قوله تعالى : {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} قال قتادة : على وضوئها وركوعها وسجودها. وقال ابن جريج : التطوع. وقد مضى في سورة "المؤمنون" . فالدوام خلاف المحافظة. فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها لا يخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل ، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها ، ويقيموا أركانها ، ويكملوها بسننها وآدابها ، ويجفظوها من الإحباط باقتراب المأثم. فالدوام يرجع إلى نفس الصلوات والمحافظة إلى أحوالها. {أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} أي أكرمهم الله فيها بأنواع الكرامات.
الآية : [36] {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ}
الآية : [37] {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ}
الآية : [38] {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ}
الآية : [39] {كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ}
قوله تعالى : {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} قال الأخفش : مسرعين. قال :
بمكة أهلها ولقد أراهم إليه ... مهطعين إلى السماع
والمعنى : ما بالهم يسرعون إليك ويجلسون حواليك ولا يعملون بما تأمرهم. وقيل : أي ما بالهم مسرعين في التكذيب لك. وقيل : أي ما بال الذين كفروا يسرعون إلى السماع منك ليعيبوك ويستهزؤوا بك. وقال عطية : مهطعين : معرضين. الكلبي : ناظرين إليك تعجبا. وقال قتادة : عامدين. والمعنى متقارب ؛ أي ما بالهم مسرعين عليك ، مادين أعناقهم ، مدمني النظر إليك. وذلك من نظر العدو. وهو منصوب على الحال. نزلت في جمع من المنافقين المستهزئين ، كانوا يحضرونه - عليه السلام - ولا يؤمنون به. و {قَبْلِكَ} أي نحوك. {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} أي عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وشماله حلقا حلقا وجماعات. والعزين : جماعات في تفرقة ، قاله أبو عبيدة. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج على أصحابه فرأهم حلقا فقال : "مالي أراكم عزين ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها" - قالوا : وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال : "يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف" خرجه مسلم وغيره. وقال الشاعر :
ترانا عنده والليل داج ... على أبوابه حلقا عزينا
أي متفرقين. وقال الراعي :
أخليفة الرحمن إن عشيرتي ... أمسى سراتهم إليك عزينا
أي متفرقين. وقال آخر :
كأن الجماجم من وقعها ... خناطيل يهوين شتى عزينا
أي متفرقين. وقال آخر :
فلما أن أتين على أُضاخٍ ... ضرحن حصاه أشتاتا عزينا
وقال الكميت :
ونحن وجندل باغ تركنا ... كتائب جندل شتى عزينا




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.00 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.37 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.50%)]