
12-07-2025, 09:06 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,807
الدولة :
|
|
رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى

تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (17)
سُورَةُ الطور
من صــ 51 الى صــ 60
الحلقة (669)
تركتني حين كف الدهر من بصري ... وإذ بقيت كعظم الرمة البالي
وقال قتادة : إنه الذي ديس من يابس النبات. وقال أبو العالية والسدي : كالتراب المدقوق. قطرب : الرميم الرماد. وقال يمان : ما رمته الماشية من الكلأ بمرمتها. ويقال للشفة المرمة والمقمة بالكسر ، والمرمة بالفتح لغة فيه. وأصل الكلمة من رم العظم إذا بلي ؛ تقول منه : رم العظم يرم بالكسر رمة فهو رميم ، قال الشاعر :
ورأى عواقب خلف ذاك مذمة ... تبقى عليه والعظام رميم
والرمة بالكسر العظام البالية والجمع رمم ورمام. ونظير هذه الآية : {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف : 25] حسب ما تقدم.
الآية : 43 - 45 {وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ}
قوله تعالى : {وَفِي ثَمُودَ} أي وفيهم أيضا عبرة وآية حين قيل لهم عيشوا متمتعين بالدنيا {حَتَّى حِينٍ} أي إلى وقت الهلاك وهو ثلاثة أيام كما في هود : {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ} [هود : 65] . وقيل : معنى {تَمَتَّعُوا} أي أسلموا وتمتعوا إلى وقت فراغ آجالكم. {فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} أي خالفوا أمر الله فعقروا الناقة {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} أي الموت. وقيل : هي كل عذاب مهلك. قال الحسين بن واقد : كل صاعقة في القرآن فهو العذاب. وقرأ عمر بن الخطاب وحميد وابن محيصن ومجاهد والكسائي {الصَّاعِقَةُ} يقال صعق الرجل صعقة وتصعاقا أي غشي عليه. وصعقتهم السماء أي ألقت عليهم الصاعقة. والصاعقة أيضا صيحة العذاب وقد مضى في "البقرة" وغيرها. {وَهُمْ يَنْظُرُونَ} إليها نهارا. {فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ} قيل : معناه
من نهوض. وقيل : ما أطاقوا أن يستقلوا بعذاب الله وأن يتحملوه ويقوموا به ويدفعوه عن أنفسهم ؛ تقول : لا أقوم لهذا الأمر أي لا أطيقه. وقال ابن عباس : أي ذهبت أجسامهم وبقيت أرواحهم في العذاب . {وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ} أي ممتنعين من العذاب حين أهلكوا ، أي ما كان لهم ناصر.
الآية : 46 { وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ}
قوله تعالى : {وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ} قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو {وَقَوْمِ نُوحٍ} بالخفض ؛ أي وفي قوم نوج آية أيضا. الباقون بالنصب على معنى وأهلكنا قوم نوج ، أو يكون معطوفا على الهاء والميم في {أَخَذَتْهُمُ} أو الهاء في {أَخَذْنَاهُمْ} أي فأخذتهم الصاعقة وأخذت قوم نوج ، أو {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} [الذاريات : 40] ونبذنا قوم نوج ، أو يكون بمعنى اذكر.
الآية : 47 - 49 {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}
قوله تعالى : {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} لما بين هذه الآيات قال : وفي السماء آيات وعبر تدل على أن الصانع قادر على الكمال ، فعطف أمر السماء على قصة قوم نوح لأنهما آيتان. ومعنى {بِأَيْدٍ} أي بقوة وقدرة. عن ابن عباس وغيره . {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} قال ابن عباس : لقادرون. وقيل : أي وإنا لذو سعة ، وبخلقها وخلق غيرها لا يضيق علينا شيء نريده. وقيل : أي وإنا لموسعون الرزق على خلقنا. عن ابن عباس أيضا. الحسن : وإنا لمطيقون. وعنه أيضا : وإنا لموسعون الرزق بالمطر. وقال الضحاك : أغنيناكم ؛ دليله : {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ} [البقرة : 236] . وقال القتبي : ذو سعه على خلقنا. والمعنى متقارب. وقيل : جعلنا بينهما وبين الأرض سعة. الجوهري : وأوسع الرجل أي صار ذا سعة وغنى ، ومنه قوله تعالى : {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} أي أغنياء قادرون. فشمل جميع الأقوال. {وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا }
أي بسطناها كالفراش على وجه الماء ومددناها. {فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} أي فنعم الماهدون نحن لهم. والمعنى في الجمع التعظيم ؛ مهدت الفراش مهدا بسطته ووطأته ، وتمهيد الأمور تسويتها وإصلاحها. {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} أي صنفين ونوعين مختلفين. قال ابن زيد : أي ذكرا وأنثى وحلوا وحامضا ونحو ذلك. مجاهد. يعني الذكر والأنثى ، والسماء والأرض ، والشمس والقمر ، والليل والنهار ، والنور والظلام ، والسهل والجبل ، والجن والإنس ، والخير والشر ، والبكرة والعشي ، وكالأشياء المختلفة الألوان من الطعوم والأراييح والأصوات. أي جعلنا هذا كهذا دلالة على قدرتنا ، ومن قدر على هذا فليقدر على الإعادة. وقيل : {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} لتعلموا أن خالق الأزواج فرد ، فلا يقدر في صفته حركة ولا سكون ، ولا ضياء ولا ظلام ، ولا قعود ولا قيام ، ولا ابتداء ولا انتهاء ؛ إذ عز وجل وتر { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى : 11] . {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } .
الآية : 50 - 55 {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}
قوله تعالى : {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} لما تقدم ما جرى من تكذيب أممهم لأنبيائهم وإهلاكهم ؛ لذلك قال الله تعالى : لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهم يا محمد ؛ أي قل لقومك : {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} أي فروا من معاصيه إلى طاعته. وقال ابن عباس : فروا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم. وعنه فروا منه إليه واعملوا بطاعته. وقال محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان : {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} اخرجوا إلى مكة. وقال الحسين
ابن الفضل : احترزوا من كل شيء دون الله فمن فر إلى غيره لم يمتنع منه. وقال أبو بكر الوراق : فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن. وقال الجنيد : الشيطان داع إلى الباطل ففروا إلى الله يمنعكم منه. وقال ذو النون المصري : ففروا من الجهل إلى العلم ، ومن الكفر إلى الشكر. وقال عمرو بن عثمان : فروا من أنفسكم إلى ربكم. وقال أيضا : فروا إلى ما سبق لكم من الله ولا تعتمدوا على حركاتكم. وقال سهل بن عبدالله : فروا مما سوى الله إلى الله . {إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} أي أنذركم عقابه على الكفر والمعصية.
قوله تعالى : {وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا للناس وهو النذير. وقيل : هو خطاب من الله للخلق. {إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ} أي من محمد وسيوفه {نََذِيرٌ مُبِينٌ} أي أنذركم بأسه وسيفه إن أشركتم بي ؛ قاله ابن عباس.
قوله تعالى : {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ أي كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون ، كذب من قبلهم وقالوا مثل قولهم. والكاف من {كَذَلِكَ} يجوز أن تكون نصبا على تقدير أنذركم إنذارا كإنذار من الرسل الذين أنذروا قومهم ، أو رفعا على تقدير الأمر كذلك أي كالأول. والأول تخويف لمن عصاه من الموحدين ، والثاني لمن أشرك به من الملحدين. والتمام على قوله : {كَذَلِكَ} عن يعقوب وغيره. {أَتَوَاصَوْا بِهِ} أي أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب. وتواطؤوا عليه ؛ والألف للتوبيخ والتعجب. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} أي لم يوص بعضهم بعضا بل جمعهم الطغيان ، وهو مجاوزة الحد في الكفر. {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي أعرض عنهم أصفح عنهم {فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ} عند الله لأنك أديت ما عليك من تبليغ الرسالة ، ثم نسخ هذا بقوله تعالى {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} وقيل : نسخ بآية السيف. والأول قول الضحاك ؛ لأنه قد أمر بالإقبال عليهم بالموعظة. وقال مجاهد : {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} فأعرض عنهم {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي ليس يلومك ربك
على تقصير كان منك {وَذَكِّرْ} أي بالعظة فإن العظة {تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} . قتادة : { وَذَكِّرْ} بالقرآن {فَإِنَّ الذِّكْرَى} به {تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} . وقيل : ذكرهم بالعقوبة وأيام الله. وخص المؤمنين ؛ لأنهم المنتفعون بها.
الآية : 56 - 60 {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ}
قوله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} قيل : إن هذا خاص فيمن سبق في علم الله أنه يعبده ، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص. والمعنى : وما خلقت أهل السعادة من الجن والإنس إلا ليوحدون. قال القشيري : والآية دخلها التخصيص على القطع ؛ لأن المجانين والصبيان ما أمروا بالعبادة حتى يقال أراد منهم العبادة ، وقد قال الله تعالى : {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} [الأعراف : 179] ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة ، فالآية محمولة على المؤمنين منهم ؛ وهو كقوله تعالى : {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} [الحجرات : 14] وإنما قال فريق منهم. ذكره الضحاك والكلبي والفراء والقتبي. وفي قراءة عبدالله : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ من المؤمنين إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} وقال علي رضي الله عنه : أي وما خلقت الجن ولإنس إلا لآمرهم بالعبادة. واعتمد الزجاج على هذا القول ، ويدل عليه قوله تعالى : {وََمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً} [التوبة : 31] . فإن قيل : كيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيته والتذلل لأمره ومشيئته ؟ قيل تذللوا لقضائه عليهم ؛ لأن قضاءه جار عليهم لا يقدرون على الامتناع منه ، وإنما خالفهم من كفر في العمل بما أمره به ، فأما التذلل لقضامه فإنه غير ممتنع منه. وقيل : {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أي إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو كرها ؛ رواه علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس. فالكره ما يرى فيهم من أثر الصنعة. مجاهد : إلا ليعرفوني.
الثعلبي : وهذا قول حسن ؛ لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده. ودليل هذا التأويل قوله تعالى : {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف : 87] {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف : 9] وما أشبه هذا من الآيات. وعن مجاهد أيضا : إلا لآمرهم وأنهاهم. زيد بن أسلم : هو ما جبلوا عليه من الشقوة والسعادة ؛ فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة ، وخلق الأشقياء منهم للمعصية. وعن الكلبي أيضا : إلا ليوحدون ، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء ، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء ؛ يدل عليه قوله تعالى : {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [لقمان : 32] الآية. وقال عكرمة : إلا ليعبدون ويطيعون فأثيب العابد وأعاقب الجاحد. وقيل : المعنى إلا لأستعبدهم. والمعنى متقارب ؛ تقول : عبد بين العبودة والعبودية ، وأصل العبودية الخضوع والذل. والتعبيد التذليل ؛ يقال : طريق معبد. قال :
وظيفا وظيفا فوق مور معبد
والتعبيد الاستعباد وهو أن يتخذه عبدا. وكذلك الاعتباد. والعبادة الطاعة ، والتعبد التنسك. فمعنى {لِيَعْبُدُونِ} ليذلوا ويخضعوا ويعبدوا. {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ} {مِنْ} صلة أي رزقا بل أنا الرزاق والمعطي. وقال ابن عباس وأبو الجوزاء : أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا أن يطعموها. وقيل : المعنى ما أريد أن يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ} وقرأ ابن محيصن وغيره {الرَّزَّاقُ} {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} أي الشديد القوي. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب والنخعي {الْمَتِينُ} بالجر على النعت للقوة. الباقون بالرفع على النعت لـ {الرَّزَّاقُ} أو {ذُو} من قوله : {ذُو الْقُوَّةِ} أو يكون خبر ابتداء محذوف ؛ أو يكون نعتا لاسم إن على الموضع ، أو خبرا بعد خبر. قال الفراء : كان
حقه المتينة فذكره لأنه ذهب بها إلى الشيء المبرم المحكم الفتل ؛ يقال : حبل متين. وأنشد الفراء :
لكل دهر قد لبست أثوبا ... حتى اكتسى الرأس قناعا أشيبا
من ريطة واليمنة المعصبا
فذكر المعصب ؛ لأن اليمنة صنف من الثياب ؛ ومن هذا الباب قوله تعالى : {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ} [البقرة : 275] أي وعظ {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود : 67] أي الصياح والصوت.
قوله تعالى : {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} أي كفروا من أهل مكة {ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} أي نصيبا من العذاب مثل نصيب الكفار من الأمم السالفة. وقال ابن الأعرابي : يقال يوم ذنوب أي طويل الشر لا ينقضي. وأصل الذنوب في اللغة الدلو العظيمة ، وكانوا يستقون الماء فيقسمون ذلك على الأنصباء فقيل للذنوب نصيب من هذا ؛ قال الراجز :
لنا ذنوب ولكم ذنوب فإن أبيتم فلنا القليب
وفي كل يوم قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب
وقال علقمة :
وقال آخر :
لعمرك والمنايا طارقات ... لكل بني أب منها ذنوب
الجوهري : والذنوب الفرس الطويل الذنب ، والذنوب النصيب ، والذنوب لحم أسفل المتن ، والذنوب الدلو الملأى ماء. وقال ابن السكيت : فيها ماء قريب من الملء يؤنث ويذكر ، ولا يقال لها وهي فارغة ذنوب ، والجمع في أدنى العدد أذنبة والكثير ذنائب ، مثل قلوص وقلائص . {فَلا يَسْتَعْجِلُونِ} أي فلا يستعجلون نزول العذاب بهم ؛ لأنهم قالوا : يا محمد {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف : 70] فنزل بهم يوم بدر ما حقق به وعده وعجل بهم أنتقامه ، ثم لهم في الآخرة العذاب الدائم ، والخزي القائم ، الذي لا انقطاع له ولا نفاد ، ولا غاية ولا آباد. تم تفسير سورة "الذاريات" والحمد لله
سورة الطور
مقدمة السورة
روى الأئمة عن جبير بن مطعم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بالطور في المغرب. متفق عليه.
الآية : 1- 8 {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ}
قوله تعالى : {وَالطُّورِ} الطور اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى ؛ أقسم الله به تشريفا له وتكريما وتذكيرا لما فيه من الآيات ، وهو أحد جبال الجنة. وروى إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، قال : حدثنا كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أربعة أجبل من جبال الجنة وأربعة أنهار من أنهار الجنة وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة" قيل : فما الأجبل ؟ قال : "جبل أحد يحبنا ونحبه والطور جبل من جبال الجنة ولبنان جبل من جبال الجنة والجودي جبل من جبال الجنة" وذكر الحديث ، وقد استوفيناه في كتاب "التذكرة" قال مجاهد : الطور هو بالسريانية الجبل والمراد به طور سينا. وقاله السدي. وقال مقاتل بن حيان : هما طوران يقال لأحدهما طور سينا والآخر طور زيتا ؛ لأنهما ينبتان التين والزيتون. وقيل : هو جبل بمدين واسمه زبير. قال الجوهري : والزبير الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام.
قلت : ومدين بالأرض المقدسة وهي قرية شعيب عليه السلام. وقيل : إن الطور كل جبل أنبت ، وما لا ينبت فليس بطور ؛ قاله ابن عباس. وقد مضى في "البقرة" مستوفى.
قوله تعالى : {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} أي مكتوب ؛ يعني القرآن يقرؤه المومنون من المصاحف ويقرؤه الملائكة من اللوح المحفوظ ؛ كما قال تعالى : {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [الواقعة : 78] . وقيل : يعني سائر الكتب المنزلة على الأنبياء ، وكان كل كتاب في رق ينشره أهله لقراءته. وقال الكلبي : هو ما كتب الله لموسى بيده من التوراة وموسى يسمع صرير القلم. وقال الفراء : هو صحائف الأعمال ؛ فمن أخذ كتابه بيمينه ، ومن آخذ كتابه بشماله ؛ نظيره : {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} [الإسراء : 13] وقوله : {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} [التكوير : 10] . وقيل : إنه الكتاب الذي كتبه الله تعالى لملائكته في السماء يقرؤون فيه ما كان وما يكون. وقيل : المراد ما كتب الله في قلوب الأولياء من المؤمنين ؛ بيانه : {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ} [المجادلة : 22] .
قلت : وفي هذا القول تجوز ؛ لأنه عبر بالقلوب عن الرق. قال المبرد : الرق ما رقق من الجلد ليكتب فيه ، والمنشور المبسوط. وكذا قال الجوهري في الصحاح ، قال : والرق بالفتح ما يكتب فيه وهو جلد رقيق. ومنه قوله تعالى : {فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} والرق أيضا العظيم من السلاحف. قال أبو عبيدة : وجمعه رقوق. والمعنى المراد ما قاله الفراء ؛ والله أعلم. وكل صحيفة فهي رق لرقة حواشيها ؛ ومنه قول المتلمس :
فكأنما هي من تقادم عهدها ... رق أتيح كتابها مسطور
وأما الرق بالكسر فهو الملك ؛ يقال : عبد مرقوق. وحكى الماوردي عن ابن عباس : أن الرق بالفتح ما بين المشرق والمغرب.
قوله تعالى : {وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ} قال علي وابن عباس وغيرهما : هو بيت في السماء حيال الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، ثم يخرجون منه فلا يعودون إليه. قال
علي رضي الله عنه : هو بيت في السماء السادسة. وقيل : في السماء الرابعة ؛ روى أنس بن مالك ، عن مالك بن صعصعة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أوتي بي إلى السماء الرابعة فرفع لنا البيت المعمور فإذا هو حيال الكعبة لو خر خر عليها يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه" ذكره الماوردي. وحكى القشيري عن ابن عباس أنه في السماء الدنيا. وقال أبو بكر الأنباري : سأل ابن الكواء عليا رضي الله عنه قال : فما البيت المعمور ؟ قال : بيت فوق سبع سموات تحت العرش يقال له الضراح. وكذا في "الصحاح" : والضراح بالضم بيت في السماء وهو البيت المعمور عن ابن عباس. وعمر أنه كثرة غاشيته من الملائكة. وقال المهدوي عنه : حذاء العرش. والذي في صحيح مسلم عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء : "ثم رفع إلي البيت المعمور فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخر ما عليهم" وذكر الحديث. وفي حديث ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أتيت بالبراق" الحديث ؛ وفيه : "ثم عرج بنا إلى السابعة فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد - صلى الله عليه وسلم - قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه" . وعن ابن عباس أيضا قال : لله في السموات والأرضين خمسة عشر بيتا ، سبعة في السموات. وسبعة في الأرضين والكعبة ، وكلها مقابلة للكعبة. وقال الحسن : البيت المعمور هو الكعبة ، البيت الحرام الذي هو معمور من الناس ، يعمره الله كل سنة بستمائة ألف ، فإن عجز الناس عن ذلك أتمه الله بالملائكة ، وهو أول ببت وضعه الله للعبادة في الأرض. وقال الربيع بن أنس : إن البيت المعمور كان
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|