
12-07-2025, 09:03 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,953
الدولة :
|
|
رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى

تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (17)
سُورَةُ الذاريات
من صــ 41 الى صــ 50
الحلقة (668)
قوله تعالى : {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} قال سعيد بن جبير والضحاك : الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج ينبت به الزرع ويحيا به الخلق. قال سعيد بن جبير : كل عين قائمة إنها من الثلج. وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه : فيه والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بخطاياكم. وقال أهل المعاني : {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ} معناه وفي المطر رزقكم ؛ سمي المطر سماء لأنه من السماء ينزل. قال الشاعر :
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
وقال ابن كيسان : يعني وعلى رب السماء رزقكم ؛ نظيره : {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود : 6] . وقال سفيان الثوري : {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ} أي عند الله في السماء رزقكم. وقيل : المعنى وفي السماء تقدير رزقكم ، وما فيه لكم مكتوب في أم الكتاب. وعن سفيان قال : قرأ واصل الأحدب {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ} فقال : ألا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض! فدخل خربة فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا فإذا هو في الثالثة بدوخلة رطب ، وكان له أخ أحسن نية منه فدخل معه فصارتا دوخلتين ، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق الله بالموت بينهما. وقرأ ابن محيصن ومجاهد {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ} بالألف وكذلك في أخرها {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ} {وَمَا تُوعَدُونَ} قال مجاهد : يعني من خير وشر. وقال غيره : من خير خاصة. وقيل : الشر خاصة. وقيل : الجنة ؛ عن سفيان بن عيينة. الضحاك : {وَمَا تُوعَدُونَ} من الجنة والنار. وقال ابن سيرين : {وَمَا تُوعَدُونَ} من أمر الساعة. وقاله الربيع.
قوله تعالى : {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} أكد ما أخبرهم به من البعث وما خلق في السماء من الرزق ، وأقسم عليه بأنه لحق ثم أكده بقوله : {مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} وخص النطق من بين سائر الحواس ؛ لأن ما سواه من الحواس يدخله التشبيه ، كالذي
يرى في المرآة ، واستحالة الذوق عند غلبة الصفراء ونحوها ، والدوى والطنين في الأذن ، والنطق سالم من ذلك ، ولا يعترض بالصدى لأنه لا يكون إلا بعد حصول الكلام من الناطق غير مشوب بما يشكل به. وقال بعض الحكماء : كما أن كل إنسان ينطق بنفسه ولا يمكنه أن ينطق بلسان غيره ، فكذلك كل إنسان يأكل رزقه ولا يمكنه أن يأكل رزق غيره. وقال الحسن : بلغني أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : "قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه ثم لم يصدقوه قال الله تعالى : {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} " . وقال الأصمعي : أقبلت ذات مرة من مسجد البصرة إذ طلع أعرابي جلف جاف على قعود له متقلدا سيفه وبيده قوسه ، فدنا وسلم وقال : ممن الرجل ؟ قلت من بني أصمع ، قال : أنت الأصمعي ؟ قلت : نعم. قال : ومن أين أقبلت ؟ قلت : من موضع يتلى فيه كلام الرحمن ؛ قال : وللرحمن كلام يتلوه الآدميون ؟ قلت : نعم ؛ قال : فاتل علي منه شيئا ؛ فقرأت {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً} إلى قوله : {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ} فقال : يا أصمعي حسبك! ! ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها ، وقال : أعني على توزيعها ؛ ففرقناها على من أقبل وأدبر ، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما ووضعهما تحت الرحل وولى نحو البادية وهو يقول : {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} فمقت نفسي ولمتها ، ثم حججت مع الرشيد ، فبينما أنا أطوف إذا أنا بصوت رقيق ، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي وهو ناحل مصفر ، فسلم علي وأخذ بيدي وقال : اتل علي كلام الرحمن ، وأجلسني من وراء المقام فقرأت {وَالذَّارِيَاتِ} حتى وصلت إلى قوله تعالى : {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} فقال الأعرابي : لقد وجدنا ما وعدنا الرحمن حقا ، وقال : وهل غير هذا ؟ قلت : نعم ؛ يقول الله تبارك وتعالى : {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} قال فصاح الأعرابي وقال : يا سبحان الله! من الذي أغضب الجليل حتى حلف! ألم يصدقوه في قوله حتى ألجأوه إلى اليمين ؟ فقالها ثلاثا وخرجت بها نفسه. وقال يزيد بن مرثد : إن رجلا جاع بمكان ليس فيه شيء فقال : اللهم رزقك الذي وعدتني فأتني به ؛ فشبع وروي من غير طعام ولا شراب. وعن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لو أن أحدكم"
فر من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت "أسنده الثعلبي. وفي سنن ابن ماجة عن حبة وسواء ابني خالد قالا : دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعالج شيئا فأعناه عليه ، فقال :" لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله ". وروي أن قوما من الأعراب زرعوا زرعا فأصابته جائحة فحزنوا لأجله ، فخرجت عليهم أعرابية فقالت : ما لي أراكم قد نكستم رؤوسكم ، وضاقت صدوركم ، هو ربنا والعالم بنا ، رزقنا عليه يأتينا به حيث شاء! ثم أنشأت تقول :"
لو كان في صخرة في البحر راسية ... صما ململمة ملسا نواحيها
رزق لنفس براها الله لانفلقت ... حتى تؤدي إليها كل ما فيها
أو كان بين طباق السبع مسلكها ... لسهل الله في المرقى مراقيها
حتى تنال الذي في اللوح خط لها ... إن لم تنله وإلا سوف يأتيها
قلت : وفي هذا المعنى قصة الأشعريين حين أرسلوا رسولهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمع قوله تعالى : {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود : 6] فرجع ولم يكلم النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ليس الأشعريون بأهون على الله من الدواب ؛ وقد ذكرناه في سورة "هود" . وقال لقمان : {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} [لقمان : 16] الآية. وقد مضى في "لقمان" وقد استوفينا هذا الباب في كتاب "قمع الحرص بالزهد والقناعة" والحمد لله. وهذا هو التوكل الحقيقي الذي لا يشوبه شيء ، وهو فراغ القلب مع الرب ؛ رزقنا الله إياه ولا أحالنا على أحد سواه بمنه وكرمه.
قوله تعالى : {مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} قراءة العامة {مِثْلَ} بالنصب أي كمثل {مَا أَنَّكُمْ} فهو منصوب على تقدير حذف الكاف أي كمثل نطقكم و {مَا} زائدة ؛ قاله بعض الكوفيين. وقال الزجاج والفراء : يجوز أن ينتصب على التوكيد ؛ أي لحق حقا مثل
نطقك ؛ فكأنه نعت لمصدر محذوف وقول سيبوبه : انه مبني بني حين أضيف إلى غير متمكن و {مَا} زائدة للتوكيد. المازني : {مِثْلَ} مع {مَا} بمنزلة شيء واحد فبني على الفتح لذلك. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ؛ قال : ولأن من العرب من يجعل مثلا منصوبا أبدا ؛ فتقول : قال لي رجل مثلك ، ومررت برجل مثلك بنصب مثل على معنى كمثل. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش {مِثْلَ} بالرفع على أنه صفة لحق ؛ لأنه نكرة وإن أضيف إلى معرفة ، إذ لا يختصى بالإضافة لكثرة الأشياء التي يقع بعدها التماثل بين المتماثلين. و {مِثْلَ} مضاف إلى {أَنَّكُمْ} و {مَا} زائدة ولا تكون مع ما بعدها بمنزلة. المصدر إذ لا فعل معه تكون معه مصدرا. ومجوز أن تكون بدلا من {لَحَقٌّ}
الآية : 24 - 28 {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ}
قوله تعالى : {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} ذكر قصة إبراهيم عليه السلام ليبين بها أنه أهلك المكذب بآياته كما فعل بقوم لوط. {هَلْ أَتَاكَ} أي ألم يأتك. وقيل : {هَلْ} بمعنى قد ؛ كقوله تعالى : {هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} [الإنسان : 1] . وقد مضى الكلام في ضيف إبراهيم في "هود" "والحجر" . {الْمُكْرَمِينَ} أي عند الله ؛ دليله قوله تعالى : {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء : 26] قال ابن عباس : يريد جبريل وميكائيل وإسرافيل - زاد عثمان بن حصين - ورفائيل عليهم الصلاة والسلام. وقال محمد بن كعب : كان جبريل ومعه تسعة. وقال عطاء وجماعة : كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر.
قال ابن عباس : سماهم مكرمين لأنهم غير مذعورين. وقال مجاهد : سماهم مكرمين لخدمة إبراهيم إياهم بنفسه. قال عبدالوهاب : قال لي علي بن عياض : عندي هريسة ما رأيك فيها ؟ قلت : ما أحسن رأيي فيها ؛ قال : امض بنا ؛ فدخلت الدار فنادى الغلام فإذا هو غائب ، فما راعني إلا به ومعه القمقمة والطست وعلى عاتقه المنديل ، فقلت : إنا لله وإن إليه راجعون ، لو علمت يا أبا الحسن أن الأمر هكذا ؛ قال : هون عليك فإنك عندنا مكرم ، والمكرم إنما يخدم بالنفس ؛ انظر إلى قوله تعالى : {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} .
قوله تعالى : {إِِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً} تقدم في "الحجر" . {قَالَ سَلامٌ} أي عليكم سلام. ويجوز بمعنى أمري سلام أو ردي لكم سلام. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما {سِلْمٌ} بكسر السين. {قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} . أي أنتم قوم منكرون ؛ أي غرباء لا نعرفكم. وقيل : لأنه رآهم على غير صورة البشر ، وعلى غير صورة الملائكة الذين كان يعرفهم فنكرهم ، فقال : {قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} . وقيل : أنكرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان. وقال أبو العالية : أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض. وقيل : خافهم ؛ يقال أنكرته إذا خفته ، قال الشاعر :
فأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
قوله تعالى : {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ} قال الزجاج : أي عدل إلى أهله. وقد مضى في "والصافات" . ويقال : أراغ وارتاغ بمعنى طلب ، وماذا تريغ أي تريد وتطلب ، وأراغ إلى كذا أي مال إليه سرا وحاد ، فعلى هذا يكون راغ وأراغ لغتين بمعنى. {فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} أي جاء ضيفه بعجل قد شواه لهم كما في "هود" : {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود : 69] . ويقال : إن إبراهيم انطلق إلى منزله كالمستخفي من ضيفه ، لئلا يظهروا على ما يريد أن يتخذ لهم من الطعام.
قوله تعالى : { فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} يعني العجل. {قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ} قال قتادة : كان عامة مال إبراهيم البقر ، واختاره لهم سمينا زيادة في إكرامهم. وقيل : العجل في بعض اللغات الشاة. ذكره القشيري. وفي الصحاح : العجل ولد البقرة والعجول مثله والجمع العجاجيل والأنثى عجلة ، عن أبي الجراح ، وبقرة معجل ذات عجل ، وعجل قبيلة من ربيعة.
قوله تعالى : {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} أي أحس منهم في نفسه خوفا. وقيل : أضمر لما لم يتحرموا بطعامه. ومن أخلاق الناس : أن من تحرم بطعام إنسان أمنه. وقال عمرو بن دينار : قالت الملائكة لا نأكل إلا بالثمن. قال : كلوا وأدوا ثمنه. قالوا : وما ثمنه ؟ قال : تسمون الله إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم. فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : لهذا اتخذك الله خليلا. وقد تقدم هذا في "هود" ولما رأوا ما بإبراهيم من الخوف {قَالُوا لا تَخَفْ} وأعلموه أنهم ملائكة الله ورسله. {وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} أي بولد يولد له من سارة زوجته. وقيل : لما أخبروه أنهم ملائكة لم يصدقهم ، فدعوا الله فأحيا العجل الذي قربه إليهم. وروى عون بن أبي شداد : أن جبريل مسح العجل بجناحه ، فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار. ومعنى {عَلِيمٍ} أي يكون بعد بلوغه من أولي العلم بالله وبدينه. والجمهور على أن المبشر به هو إسحاق. وقال مجاهد وحده : هو إسماعيل وليس بشيء فإن الله تعالى يقول : {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ} [الصافات : 112] . وهذا نص.
الآية : 29 - 30 {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ}
قوله تعالى : {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} أي في صيحة وضجة ؛ عن ابن عباس وغيره. ومنه أخذ صرير الباب وهو صوته. وقال عكرمة وقتادة : إنها الرنة والتأوه ولم يكن هذا الإقبال من مكان إلى مكان. قال الفراء : وإنما هو كقولك أقبل يشتمني أي أخذ في شتمي. وقيل : أقبلت في صرة أي في جماعة من النساء تسمع كلام الملائكة. قال
الجوهري : الصرة الضجة والصيحة ، والصرة الجماعة ، والصرة الشدة من كرب وغيره ، قال امرؤ القيس :
فألحقه بالهاديات ودونه ... جواحرها في صرة لم تزيل
يحتمل هذا البيت الوجوه الثلاثة. وصرة القيظ شدة حره. فلما سمعت سارة البشارة صكت وجهها ؛ أي ضربت يدها على وجهها على عادة النسوان عند التعجب ؛ قاله سفيان الثوري وغيره. وقال ابن عباس : صكت وجهها لطمته. وأصل الصك الضرب ؛ صكه أي ضربه ؛ قال الراجز :
يا كروانا صك فاكبأنَّا
قال الأموي : كَبَن الظبي إذا لطأ بالأرض واكبأن انقبض. {وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} أي أتلد عجوز عقيم. الزجاج : أي قالت أنا عجوز عقيم فكيف ألد كما قالت : {يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ} [هود : 72] {قَالُوا كَذَلِكِ} أي كما قلنا لك وأخبرناك {قَالَ رَبُّكِ} فلا تشكي فيه ، وكان بين البشارة والولادة سنة وقد مضى هذا . {إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} حكيم فيما يفعله عليم بمصالح خلقه.
الآية : 31 - 37 {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ}
قوله تعالى : {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} لما تيقن إبراهيم عليه السلام أنهم ملائكة بإحياء العجل والبشارة قال لهم : {فَمَا خَطْبُكُمْ} أي ما شأنكم وقصتكم {أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ} يريد قوم لوط. {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ} أي لنرجمهم بها . {مُسَوَّمَةً} أي معلمة. قيل : كانت مخططة بسواد وبياض. وقيل : بسواد وحمرة. وقيل : {مُسَوَّمَةً} أي معروفة بأنها حجارة العذاب. وقيل : على كل حجر اسم من يهلك به. وقيل : عليها أمثال الخواتيم. وقد مضى هذا كله في "هود" . فجعلت الحجارة تتبع مسافريهم وشذاذهم فلم يفلت منهم مخبر . {عِنْدَ رَبِّكَ} أي عند الله وقد أعدها لرجم من قضى برجمه. ثم قيل : كانت مطبوخة طبخ الآجر ، قال ابن زيد ؛ وهو معنى قوله تعالى : {حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [الحجر : 74] على ما تقدم بيانه في "هود" . وقيل : هي الحجارة التي نراها وأصلها طين ، وإنما تصير حجارة بإحراق الشمس إياها على مر الدهور. وإنما قال : {مِنْ طِينٍ} ليعلم أنها ليست حجارة الماء التي هي البرد. حكاه القشيري.
قوله تعالى : {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي لما أردنا إهلال قوم لوط أخرجنا من كان في قومه من المؤمنين ؛ لئلا يهلك المومنون ، وذلك قوله تعالى : { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} [هود : 81] . {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} يعني لوطا وبنتيه وفيه إضمار ؛ أي فما وجدنا فيها غير أهل بيت. وقد يقال بيت شريف يراد به الأهل. وقوله : {فِيهَا} كناية عن القرية ولم يتقدم لها ذكر ؛ لأن المعنى مفهوم. وأيضا فقوله تعالى : {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ} يدل على القرية ؛ لأن القوم إنما يسكنون قرية. وقيل : الضمير فيها للجماعة. والمؤمنون والمسلمون ها هنا سواء فجنس اللفظ لئلا يتكرر ، كما قال : {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف : 86] . وقيل : الإيمان تصديق القلب ، والإسلام الانقياد بالظاهر ، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا. فسماهم في الآية الأولى مؤمنين ؛ لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم. وقد مضى الكلام في هذا المعنى في "البقرة" وغيرها. وقوله : قَالَتِ الأَعْرَابُ
آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا [الحجرات : 14] يدل على الفرق بين الإيمان والإسلام وهو مقتضى حديث جبريل عليه السلام في صحيح مسلم وغيره. وقد بيناه في غير موضع. {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً} أي عبرة وعلامة لأهل ذلك الزمان ومن بعدهم ؛ نظيره : {وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [العنكبوت : 35] . ثم قيل : الآية المتروكة نفس القرية الخربة. وقيل : الحجارة المنضودة التي رجموا بها هي الآية. {لِلَّذِينَ يَخَافُونَ} لأنهم المنتفعون.
الآية : 38 - 40 {وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ}
قوله تعالى : {وَفِي مُوسَى} أي وتركنا أيضا في قصة موسى آية. وقال الفراء : هو معطوف على قوله : {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ} {وَفِي مُوسَى} {إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} أي بحجة بينة وهي العصا. وقيل : أي بالمعجزات من العصا وغيرها . {فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ} أي فرعون أعرض عن الإيمان {بِرُكْنِهِ} أي بمجموعة وأجناده ؛ قال ابن زيد. وهو معنى قول مجاهد ، ومنه قوله : {أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود : 80] يعني المنعة والعشيرة. وقال ابن عباس وقتادة : بقوته. ومنه قوله عنترة :
فما أوهى مراس الحرب ركني ... ولكن ما تقادم من زماني
وقيل : بنفسه. وقال الأخفش : بجانبه ؛ كقوله تعالى : {أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [فصلت : 51] وقاله المؤرج. الجوهري : وركن الشيء جانبه الأقوى ، وهو يأوي إلى ركن شديد أي عزة ومنعه. القشيري : والركن جانب البدن. وهذا عبارة عن المبالغة في الإعراض عن الشيء
{وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} {أَوْ} بمعنى الواو ، لأنهم قالوهما جميعا. قاله المؤرج والفراء ، وأنشد بيت جرير :
أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهية والخشابا
وقد توضع {أَوْ} بمعنى الواو ؛ كقوله تعالى : {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} [الإنسان : 24] والواو بمعنى أو ، كقوله تعالى : {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء : 3] وقد تقدم جميع هذا. {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ} لكفرهم وتوليهم عن الإيمان. { "فَنَبَذْنَاهُمْ} أي طرحناهم {فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ} يعني فرعون ، لأنه أتى ما يلام عليه."
الآية : 41 - 42 {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ}
قوله تعالى : {وَفِي عَادٍ} أي وتركنا في عاد آية لمن تأمل. {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} وهي التي لا تلقح سحابا ولا شجرا ، ولا رحمة فيها ولا بركة ولا منفعة ؛ ومنه امرأة عقيم لا تحمل ولا تلد. ثم قيل : هي الجنوب. روى ابن أبي ذئب عن الحرث بن عبدالرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "الريح العقيم الجنوب" وقال مقاتل : هي الدبور كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" . وقال ابن عباس : هي النكباء. وقال عبيد بن عمير : مسكنها الأرض الرابعة وما فتح على عاد منها إلا كقدر منخر الثور. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضا أنها الصبا ؛ فالله أعلم.
قوله تعالى : {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} أي كالشيء الهشيم ؛ يقال للنبت إذا يبس وتفتت : رميم وهشيم. قال ابن عباس : كالشيء الهالك البالي ؛ وقاله مجاهد : ومنه قول الشاعر :
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|