عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 12-07-2025, 09:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,502
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (17)
سُورَةُ الذاريات
من صــ 31 الى صــ 40
الحلقة (667)



والجمع مواقر. فأما الوقر بالفتح فهو ثقل الأذن ، وقد وقررت أذنه توقر وقرا أي صمت ، وقياس مصدره التحريك إلا أنه جاء بالتسكين وقد تقدم في "الأنعام" القول فيه. {فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً} السفن تجري بالرياح يسرا إلى حيث سيرت. وقيل : السحاب ؛ وفي جريها يسرا على هذا القول وجهان : أحدهما : إلى حيث يسيرها الله تعالى من البلاد والبقاع. الثاني : هو سهولة تسييرها ؛ وذلك معروف عند العرب ، كما قال الأعشى :
كأن مشيتها من بيت جارتها ... مشي السحابة لا ريث ولا عجل
*3*الآية : 7 {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}
قوله تعالى : {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} قيل : المراد بالسماء ها هنا السحب التي تظل الأرض. وقيل : السماء المرفوعة. ابن عمر : هي السماء السابعة ؛ ذكره المهدوي والثعلبي والماوردي وغيرهم. وفي {الْحُبُكِ} أقوال سبعة :
الأول : قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع : ذات الخلق الحسن المستوي. وقال عكرمة ؛ قال : ألم تر إلى النساج إذا نسج الثوب فأجاد نسجه ؛ يقال منه حبك الثوب يحبكه بالكسر حبكا أي أجاد نسجه. قال ابن الأعرابي : كل شيء أحكمته وأحسنت عمله فقد أحتبكته.
والثاني : ذات الزينة ؛ قال الحسن وسعيد بن جبير ، وعن ، الحسن أيضا : ذات النجوم وهو الثالث.
الرابع : قال الضحاك : ذات الطرائق ؛ يقال لما تراه في الماء والرمل إذا أصابته الريح حبك. ونحوه قول الفراء ؛ قال : الحبك تكسر كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة ، والماء القائم
إذا مرت به الريح ، ودرع الحديد لها حبك ، والشعرة الجعدة تكسرها حبك. وفي حديث الدجال : أن شعره حبك. قال زهير :
مكلل بأصول النجم تنسِجه ... ريح خريق لضاحي مائه حبك
ولكنها تبعد من العباد فلا يرونها.
الخامس - ذات الشدة ، قال ابن زيد ، وقرأ {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً} [النبأ : 12] . والمحبوك الشديد الخلق من الفرس وغيره ، قال امرؤ القيس :
قد غدا يحملني في أنفه ... لا حق الإطلين محبوك ممر
وقال آخر :
مرج الدين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكَتَد
وفي الحديث : أن عائشة رضي الله عنها كانت تحتبك تحت الدرع في الصلاة ؛ أي تشد الإزار وتحكمه. السادس : ذات الصفاقة ؛ قاله خصيف ، ومنه ثوب صفيق ووجه صفيق بين الصفاقة.
السابع : أن المراد بالطرق المجرة التي في السماء ؛ سميت بذلك لأنها كأثر المجر. و {الْحُبُكِ} جمع حباك ، قال الراجز :
كأنما جللها الحُوَّاك ... طنفسة في وشيها حِباك
والحباك والحبيكة الطريقة في الرمل ونحوه. وجمع الحباك حبك وجمع الحبيكة حبائك ، والحبكة مثل العبكة وهي الحبة من السويق ، عن الجوهري. وروي عن الحسن في قوله : {ذَاتِ الْحُبُكِ} {الْحُبْكِ} و {الْحِبِكِ} و {الْحِبْكِ} والحبَك والحِبُك وقرأ أيضا {الْحُبُكِ} كالجماعة. وروي عن عكرمة وأبي مجلز {الْحُبُكِ} و {الْحُبُكِ} واحدتها حبيكة ؛ {الْحُبْكِ} مخفف منه. و {الْحُبَكِ} واحدتها حبكة. ومن قرأ {الْحُبَكِ} فالواحدة حبكة كبرقة وبرق أوحبكة كظلمة وظلم. ومن قرأ {الْحِبِكِ} فهو كإبل وإطل و {الْحِبْكِ} مخففة منه.
ومن قرأ {الْحِبُكِ} فهو شاذ إذ ليس في كلام العرب فعل ، وهو محمول على تداخل اللغات ، كأنه كسر الحاء ليكسر الباء ثم تصور {الْحُبُكِ} فضم الباء. وقال جميعه المهدوي.
قوله تعالى : {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ} هذا جواب القسم الذي هو {وَالسَّمَاءَ} أي إنكم يا أهل مكة {لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ} في محمد والقرآن فمن مصدق ومكذب. وقيل : نزلت في المقتسمين. وقيل : أختلافهم قولهم ساحر بل شاعر بل أفتراه بل هو مجنون بل هو كاهن بل هو أساطير الأولين. وقيل : أختلافهم أن منهم من نفى الحشر ومنهم من شك فيه. وقيل : المراد عبدة الأوثان والأصنام يقرون بأن الله خالقهم ويعبدون غيره. {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} أي يصرف عن الإيمان بمحمد والقرآن من صرف ؛ عن الحسن وغيره. وقيل : المعنى يصرف عن الإيمان من أراده بقولهم هو سحر وكهانة وأساطير الأولين. وقيل : المعنى يصرف عن ذلك الاختلاف من عصمه الله. أفكه يأفكه أفكا أي قلبه وصرفه عن الشيء ؛ ومنه قوله تعالى : {أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا} [الأحقاف : 22] . وقال مجاهد : معنى { يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} يؤفك عنه من أفك ، والأفك فساد العقل. الزمخشري : وقرئ {يُؤْفَنُ عَنْهُ مَنْ أُفِنََ} أي يحرمه من حرم ؛ من أفك الضرع إذا أنهكه حلبا. وقال قطرب : يخدع عنه من خدع. وقال اليزيدي : يدفع عنه من دفع. والمعنى واحد وكله راجع إلى معنى الصرف.
قوله تعالى : {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} في التفسير : لعن الكذابون. وقال ابن عباس : أي قتل المرتابون ؛ يعني الكهنة. وقال الحسن : هم الذين يقولون لسنا نبعث. ومعنى {قُتِلَ} أي هؤلاء ممن يجب أن يدعى عليهم بالقتل على أيدي المؤمنين. وقال الفراء : معنى {قُتِلَ} لعن ؛ قال : و {الْخَرَّاصُونَ} الكذابون الذين يتخرصون بما لا يعلمون ؛ فيقولون : إن محمدا مجنون كذاب. ساحر شاعر ؛ وهذا دعاء عليهم ؛ لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك. قال ابن الأنباري : علمنا الدعاء عليهم ؛ أي قولوا : {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} وهو جمع خارص والخرص الكذب والخراص الكذاب ، وقد خرص يخرص بالضم خرصا أي كذب ؛
يقال : خرص واخترص ، وخلق واختلق ، وبشك وابتشك ، وسرج واسترج ، ومان ، بمعنى كذب ؛ حكاه النحاس. والخرص أيضا حزر ما على النخل من الرطب تمرا. وقد خرصت النخل والاسم الخرص بالكسر ؛ يقال : كم خرص نخلك والخراص الذي يخرصها فهو مشترك. وأصل الخرص القطع على ما تقدم بيانه في "الأنعام" ومنه الخريص للخليج ؛ لأنه ينقطع إليه الماء ، والخرص حبة القرط إذا كانت منفردة ؛ لانقطاعها عن أخواتها ، والخرص العود ؛ لانقطاعه عن نظائره بطيب رائحته. والخرص الذي به جوع وبرد لأنه ينقطع به ، يقال : خرص الرجل بالكسر فهو خرص ، أي جائع مقرور ، ولا يقال للجوع بلا برد خرص. ويقال للبرد بلا جوع خرص. والخرص بالضم والكسر الحلقة من الذهب أو الفضة والجمع الخرصان. ويدخل في الخرص قول المنجمين وكل من يدعي الحدس والتخمين. وقال ابن عباس : هم المقتسمون الذين اقتسموا أعقاب مكة ، واقتسموا القول في نبي الله صلى الله عليه وسلم ؛ ليصرفوا الناس عن الإيمان به. {الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} الغمرة ما ستر الشيء وغطاه. ومنه نهر غمر أي يغمر من دخله ، ومنه غمرات الموت. {سَاهُونَ} أي لاهون غافلون عن أمر الآخرة. {يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ} أي متى يوم الحساب ؛ يقولون ذلك استهزاء وشكا في القيامة.
قوله تعالى : {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} نصب {يَوْمَ} على تقدير الجزاء أي هذا الجزاء {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} أي يحرقون ، وهو من قولهم : فتنت الذهب أي أحرقته لتختبره ؛ وأصل الفتنة الاختبار. وقيل : إنه مبني بني لإضافته إلى غير متمكن ، وموضعه نصب على التقدير المتقدم ، أو رفع على البدل من {يَوْمُ الدِّينِ} . وقال الزجاج : يقول يعجبني يوم أنت قائم ويوم أنت تقوم ، وإن شئت فتحت وهو في موضع رفع ، فإنما أنتصب هذا وهو في المعنى رفع. وقال ابن عباس : {يُفْتَنُونَ} يعذبون. ومنه قول الشاعر :
كل امرئ من عباد الله مضطهد ... ببطن مكة مقهور ومفتون
قوله تعالى : {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} أي يقال لهم ذوقوا عذابكم ؛ قاله ابن زيد. مجاهد : حريقكم. ابن عباس : أي تكذيبكم يعني جزاءكم. الفراء : أي عذابكم {هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} في الدنيا. وقال : {هَذَا} ولم يقل هذه ؛ لأن الفتنة هنا بمعنى العذاب.
الآية : 15 - 19 {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ}
قوله تعالى : {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} لما ذكر مآل الكفار ذكر مآل المؤمنين أي هم في بساتين فيها عيون جارية على نهاية ما يتنزه به. {آخِذِينَ} نصب على الحال. {مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} أي ما أعطاهم من الثواب وأنواع الكرامات ؛ قاله الضحاك. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : {آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} أي عاملين بالفرائض. {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ} أي قبل دخولهم الجنة في الدنيا ِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ {مُحْسِنِينَ} بالفرائض. وقال ابن عباس : المعنى كانوا قبل أن يفرض عليهم الفرائض محسنين في أعمالهم.
الآية : 17 {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}
فيه خمس مسائل :
الأولى : قوله تعالى : {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} معنى {يَهْجَعُونَ} ينامون ؛ والهجوع النوم ليلا ، والتهجاع النومة الخفيفة ؛ قال أبو قيس بن الأسلت :
قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع
وقال عمرو بن معد يكرب يتشوق أخته وكان أسرها الصمة أبو دريد بن الصمة :
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع
يقال : هجع يهجع هجوعا ، وهبغ يهبغ هبوغا بالغين المعجمة إذا نام ؛ قاله الجوهري. واختلف في "ما" فقيل : صلة زائدة - قاله إبراهيم النخعي - والتقدير كانوا قليلا من الليل
يهجعون ؛ أي ينامون قليلا من الليل ويصلون أكثره. قال عطاء : وهذا لما أمروا بقيام الليل. وكان أبو ذر يحتجز ويأخذ العصا فيعتمد عليها حتى نزلت الرخصة {قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً} [المزمل : 2] الآية. وقيل : ليس {مَا} صلة بل الوقف عند قوله : {قَلِيلاً} ثم يبتدئ {مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} فـ {مَا} للنفي وهو نفى النوم عنهم البتة. قال الحسن : كانوا لا ينامون من الليل إلا أقله وربما نشطوا فجدوا إلى السحر. روي عن يعقوب الحضرمي أنه قال : اختلفوا في تفسير هذه الآية فقال بعضهم : {كَانُوا قَلِيلاً} معناه كان عددهم يسيرا ثم ابتدأ فقال : {مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} على معنى من الليل يهجعون ؛ قال ابن الأنباري : وهذا فاسد ؛ لأن الآية إنما تدل على قلة نومهم لا على قلة عددهم ، وبعد فلو ابتدأنا {مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} على معنى من الليل يهجعون لم يكن في هذا مدح لهم ؛ لأن الناس كلهم يهجعون من الليل إلا أن تكون {مَا} جحدا.
قلت : وعلى ما تأوله بعض الناس - وهو قول الضحاك - من أن عددهم كان يسيرا يكون الكلام متصلا بما قبل من قوله : {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} أي كان المحسنون قليلا ، ثم استأنف فقال : {مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} وعلى التأويل الأول والثاني يكون {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ} خطابا مستأنفا بعد تمام ما تقدمه ويكون الوقف على {مَا يَهْجَعُونَ} ، وكذلك إن جعلت {قَلِيلاً} خبر كان وترفع {مَا} بقليل ؛ كأنه قال : كانوا قليلا من الليل هجوعهم. فـ {مَا} يجوز أن تكون نافية ، ويجوز أن تكون مع الفعل مصدرا ، ويجوز أن تكون رفعا على البدل من اسم كان ، التقدير كان هجوعهم قليلا من الليل ، وانتصاب قوله : {قَلِيلاً} إن قدرت {مَا} زائدة مؤكدة بـ {يَهْجَعُونَ} على تقدير كانوا وقتا قليلا أو هجوعا قليلا يهجعون ، وإن لم تقدر {مَا} زائدة كان قوله : {قليلا} خبر كان ولم يجز نصبه بـ {يَهْجَعُونَ} لأنه إذا قدر نصبه بـ {يَهْجَعُونَ} مع تقدير {مَا} مصدرا قدمت الصلة على الموصول. وقال أنس وقتادة في تأويل الآية : أي كانوا يصلون بين العشاءين : المغرب والعشاء. أبو العالية : كانوا لا ينامون بين العشاءين. وقاله ابن وهب. وقال مجاهد :
نزلت في الأنصار كانوا يصلون العشاءين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ثم يمضون إلى قباء. وقال محمد بن علي بن الحسين : كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة. قال الحسن : كأنه عد هجوعهم قليلا في جنب يقظتهم للصلاة. وقال ابن عباس ومطرف : قل ليلة لا تأتي عليهم إلا يصلون لله فيها إما من أولها وإما من وسطها.
الثانية : روي عن بعض المتهجدين أنه أتاه أت في منامه فأنشده :
وكيف تنام الليل عين قريرة ... ولم تدر في أي المجالس تنزل
وروي عن رجل من الأزد أنه قال : كنت لا أنام الليل فنمت في آخر الليل ، فإذا أنا بشابين أحسن ما رأيت ومعهما حلل ، فوقفا على كل مصل وكسواه حلة ، ثم انتهيا إلى النيام فلم يكسواهم ، فقلت لهما : أكسواني من حللكما هذا ؛ فقالا لي : إنها ليست حلة لباس إنما هي رضوان الله يحل على كل مصل. ويروى عن أبي خلاد أنه قال : حدثني صاحب لي قال : فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ مثلت لي القيامة ، فنظرت إلى أقوام من إخواني قد أضاءت وجوههم ، وأشرقت ألوانهم ، وعليهم الحلل من دون الخلائق ، فقلت : ما بال هؤلاء مكتسون والناس عراة ، ووجوههم مشرقة ووجوه الناس مغبرة ! فقال لي قائل : الذين رأيتهم مكتسون فهم المصلون بين الأذان والإقامة ، والذين وجوههم مشرقة فأصحاب السهر والتهجد ، قال : ورأيت أقواما على نجائب ، فقلت : ما بال هؤلاء ركبانا والناس مشاة حفاة ؟ فقال لي : هؤلاء الذين قاموا على أقدامهم تقربا بالله تعالى فأعطاهم الله بذلك خير الثواب ؛ قال : فصحت في منامي : واها للعابدين ، ما أشرف مقامهم! ثم استيقظت من منامي وأنا خائف.
الثالثة : قوله تعالى : {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} مدح ثان ؛ أي يستغفرون من ، ذنوبهم ، قاله الحسن. والسحر وقت يرجى فيه إجابة الدعاء. وقد مضى في "آل عمران" القول فيه. وقال ابن عمر ومجاهد : أي يصلون وقت السحر فسموا الصلاة استغفارا. وقال الحسن في قوله تعالى : {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} مدوا الصلاة من أول الليل
إلى السحر ثم استغفروا في السحر. ابن وهب : هي في الأنصار ؛ يعني أنهم كانوا يغدون من قباء فيصلون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قالوا : كانوا ينضحون لناس من الأنصار بالدلاء على الثمار ثم يهجعون قليلا ، ثم يصلون آخر الليل. الضحاك : صلاة الفجر. قال الأحنف بن قيس : عرضت عملي على أعمال أهل الجنة فإذا قوم قد باينونا بونا بعيدا لا نبلغ أعمالهم {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} وعرضت عملي على أعمال أهل النار فإذا قوم لا خير فيهم ، يكذبون بكتاب الله وبرسوله وبالبعث بعد الموت ، فوجدنا خيرنا منزلة قوما خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.
الرابعة - قوله تعالى : {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} مدح ثالث. قال محمد بن سيربن وقتادة : الحق هنا الزكاة المفروضة. وقيل : إنه حق سوى الزكاة يصل به رحما ، أو يقري به ضيفا ، أو يحمل به كلا ، أو يغني محروما. وقاله ابن عباس ؛ لأن السورة مكية وفرضت الزكاة بالمدينة. ابن العربي : والأقوى في هذه الآية أنها الزكاة ؛ لقوله تعالى في سورة "المعارج" : {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج : 25] والحق المعلوم هو الزكاة التي بين الشرع قدرها وجنسها ووقتها ، فأما غيرها لمن يقول به فليس بمعلوم ؛ لأنه غير مقدر ولا مجنس ولا موقت.
الخامسة - {لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} السائل الذي يسأل الناس لفاقته ؛ قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب وغيرهما . {وَالْمَحْرُومِ} الذي حرم المال. واختلف في تعيينه ؛ فقال ابن عباس وسعيد بن المسيب وغيرهما : المحروم المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم. وقالت عائشة رضي الله عنها : المحروم المحارف الذي لا يتيسر له مكسبه ؛ يقال : رجل محارف بفتح الراء أي محدود محروم ، وهو خلاف قولك مبارك. وقد حورف كسب فلان إذا شدد عليه في معاشه كأنه ميل برزقه عنه. وقال قتادة والزهري : المحروم المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئا ولا يعلم بحاجته. وقال الحسن ومحمد ابن الحنفية : المحروم الذي يجيء بعد الغنيمة وليس له فيها سهم. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فأصابوا وغنموا فجاء قوم بعد ما فرغوا فنزلت هذه الآية {وَفِي أَمْوَالِهِمْ} . وقال
عكرمة : المحروم الذي لا يبقى له مال. وقال زيد بن أسلم : هو الذي أصيب ثمره أو زرعه أونسل ماشيته. وقال القرظي : المحروم الذي أصابته الجائحة ثم قرأ {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بََلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} . نظيره في قصة أصحاب الجنة حيث قالوا : {بََلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} . [الواقعة : 66] وقال أبو قلابة : كان رجل من أهل اليمامة له مال فجاء سيل فذهب بماله ، فقال رجل من أصحابه : هذا المحروم فاقسموا له. وقيل : إنه الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه. وهو يروى عن ابن عباس أيضا. وقال عبدالرحمن بن حميد : المحروم المملوك. وقيل : إنه الكلب ؛ روي أن عمر بن عبدالعزيز كان في طريق مكة ، فجاء كلب فانتزع عمر رحمه الله كتف شاة فرمى بها إليه وقال : يقولون إنه المحروم. وقيل : إنه من وجبت نفقته بالفقر من ذوي الأنساب ؛ لأنه قد حرم كسب نفسه حتى وجبت نفقته في مال غيره. وروى ابن وهب عن مالك : أنه الذي يحرم الرزق ، وهذا قول حسن ؛ لأنه يعم جميع الأقوال. وقال الشعبي : لي اليوم سبعون سنة منذ احتلمت أسأل عن المحروم فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذ. رواه شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي. وأصله في اللغة الممنوع ؛ من الحرمان وهو المنع. علقمة :
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنى توجه والمحروم محروم
وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة يقولون ربنا ظلمونا حقوقنا التي فرضت لنا عليهم فيقول الله تعالى وعزتي وجلالي لأقربنكم ولأبعدنهم" ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} ذكره الثعلبي.
الآية : 20 - 23 {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ}
قوله تعالى : {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} لما ذكر أمر الفريقين بين أن في الأرض علامات تدل على قدرته على البعث والنشور ؛ فمنها عود النبات بعد أن صار هشيما ، ومنها أنه
قدر الأقوات فيها قواما للحيوانات ، ومنها سيرهم في البلدان التي يشاهدون فيها أثار الهلاك النازل بالأمم المكذبة. والموقنون هم العارفون المحققون وحدانية ربهم ، وصدق نبوة نبيهم ؛ خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بتلك الآيات وتدبرها. {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} قيل : التقدير وفي الأرض وفي أنفسكم آيات للموقنين. وقال قتادة : المعنى من سار في الأرض رأى آيات وعبرا ، ومن تفكر في نفسه علم أنه خلق ليعبد الله. ابن الزبير ومجاهد : المراد سبيل الخلاء والبول. وقال السائب بن شريك : يأكل ويشرب من مكان واحد ويخرج من مكانين ؛ ولو شرب لبنا محضا لخرج منه الماء ومنه الغائط ؛ فتلك الآية في النفس. وقال ابن زيد : المعنى أنه خلقكم من تراب ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة {ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} [الروم : 20] . السدي : {وَفِي أَنْفُسِكُمْ} أي في حياتكم وموتكم ، وفيما يدخل ويخرج من طعامكم. الحسن : وفي الهرم بعد الشباب ، والضعف بعد القوة ، والشيب بعد السواد. وقيل : المعنى وفي خلق أنفسكم من نطفة وعلقة ومضغة ولحم وعظم إلى نفخ الروح ، وفي اختلاف الألسنة والألوان والصور ، إلى غير ذلك من الآيات الباطنة والظاهرة ، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول ، وما خصت به من أنواع المعاني والفنون ، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف والأبصار والأطراف وسائر الجوارح ، وتأتيها لما خلقت له ، وما سوى في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني ، وأنه إذا جسا شيء منها جاء العجز ، وإذا استرخى أناخ الذل {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون : 14] . {أَفَلا تُبْصِرُونَ} يعني بصر القلب ليعرفوا كمال قدرته. وقيل : إنه نجح العاجز ، وحرمان الحازم.
قلت : كل ما ذكر مراد في الاعتبار. وقد قدمنا في آية التوحيد من سورة "البقرة" أن ما في بدن الإنسان الذي هو العالم الصغير شيء إلا وله نظير في العالم الكبير ، وذكرنا هناك من الاعتبار ما يكفي ويغني لمن تدبر.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.36 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.50%)]