عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 12-07-2025, 12:23 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,597
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (16)
سُورَةُ الحجرات
من صــ 341 الى صــ 350
الحلقة (663)



بناتنا موالينا ؟ فأنزل الله عز وجل : {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً} الآية. قال الزهري : نزلت في أبي هند خاصة. وقيل : إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. وقوله في الرجل الذي لم يتفسح له : ابن فلانة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "من الذاكر فلانة" ؟ قال ثابت : أنا يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "انظر في وجوه القوم" فنظر ، فقال : "ما رأيت" ؟ قال رأيت أبيض وأسود وأحمر ، فقال : "فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى" فنزلت في ثابت هذه الآية. ونزلت في الرجل الذي لم يتفسح له : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ} [المجادلة : 11] الآية. قال ابن عباس : لما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا حتى علا على ظهر الكعبة فأذن ، فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص : الحمد لله الذي قبض أبي حتى لا يرى هذا اليوم. قال الحارث بن هشام : ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا. وقال سهيل بن عمرو : إن يرد الله شيئا يغيره. وقال أبو سفيان : إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السماء ، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قالوا ، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. زجرهم عن التفاخر بالأنساب ، والتكاثر بالأموال ، والازدراء بالفقراء ، فإن المدار على التقوى. أي الجميع من آدم وحواء ، إنما الفضل بالتقوى. وفي الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بمكة فقال : "يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها. فالناس رجلان : رجل بر تقي كريم على الله ، وفاجر شقي هين على الله. والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} خرجه من حديث عبدالله بن جعفر والد علي بن المديني وهو ضعيف ، ضعفه يحيى بن معين وغيره. وقد خرج الطبري في كتاب (آداب النفوس) وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة قال : حدثني أو حدثنا من"
شهد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى في وسط أيام التشريق وهو على بعير فقال : "أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ألا هل بلغت ؟ - قالوا نعم قال - ليبلغ الشاهد الغائب" . وفيه عن أبو مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه وإنما أنتم بنو آدم وأحبكم إليه أتقاكم" . ولعلي رضي الله عنه في هذا المعنى وهو مشهور من شعره :
الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء
نفس كنفس وأرواح مشاكلة ... وأعظم خلقت فيهم وأعضاء
فإن يكن لهم من أصلهم حسب ... يفاخرون به فالطين والماء
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدىأدلاء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ... وللرجال على الأفعال سيماء
وضد كل امرئ ما كان يجهله ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
الثانية : بين الله تعالى في هذه الآية أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى ، وكذلك في أول سورة "النساء" . ولو شاء لخلقه دونهما كخلقه لآدم ، أو دون ذكر كخلقه لعيسى عليه السلام ، أو دون أنثى كخلقه حواء من إحدى الجهتين. وهذا الجائز في القدرة لم يرد به الوجود. وقد جاء أن آدم خلق الله منه حواء من ضلع انتزعها من أضلاعه ، فلعله هذا القسم ، قاله ابن العربي.
الثالثة : خلق الله الخلق بين الذكر والأنثى أنسابا وأصهارا وقبائل وشعوبا ، وخلق لهم منها التعارف ، وجعل لهم بها التواصل للحكمة التي قدرها وهو أعلم بها ، فصار كل أحد يحوز نسبه ، فإذا نفاه رجل عنه استوجب الحد بقذفه ، مثل أن ينفيه عن رهطه وحسبه ،
بقول للعربي : يا عجمي ، وللعجمي : يا عربي ، ونحو ذلك مما يقع به النفي حقيقة. انتهى.
الرابعة : ذهب قوم من الأوائل إلى أن الجنين إنما يكون من ماء الرجل وحده ، ويتربى في رحم الأم ، ويستمد من الدم الذي يكون فيه. واحتجوا بقوله تعالى : {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المرسلات : 21] . وقوله تعالى : {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [السجدة : 8] . وقوله : {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} [القيامة : 37] . فدل على أن الخلق من ماء واحد. والصحيح أن الخلق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه الآية ، فإنها نص لا يحتمل التأويل. وقوله تعال : {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق : 6] والمراد منه أصلاب الرجال وترائب النساء ، على ما يأتي بيانه. وأما ما احتجوا به فليس فيه أكثر من أن الله تعالى ذكر خلق الإنسان من الماء والسلالة والنطفة ولم يضفها إلى أحد الأبوين دون الآخر. فدل على أن الماء والسلالة لهما والنطفة منهما بدلالة ما ذكرنا. وبأن المرأة تمني كما يمني الرجل ، وعن ذلك يكون الشبه ، حسب ما تقدم بيانه في آخر "الشورى" . وقد قال في قصة نوج : {فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر : 12] وإنما أراد ماء السماء وماء الأرض ، لأن الالتقاء لا يكون إلا من أثنين ، فلا ينكر أن يكون {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [السجدة : 8] . وقوله تعالى : {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [المرسلات : 21] ويريد ماءين. والله أعلم.
الخامسة : قوله تعالى : {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} الشعوب رؤوس القبائل ، مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج ، وأحدها شَعْب بفتح الشين ، سموا به
لتشعبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجرة. والشعب من الأضداد ، يقال شعبته إذا جمعته ، ومنه المشعب (بكسر الميم) وهو الإشفي ، لأنه يجمع به ويشعب. قال :
فكاب على حر الجبين ومتق ... بمدرية كأنه ذلق مشعب
وشعبته إذا فرقته ، ومنه سميت المنية شعوبا لأنها مفرقة. فأما الشعب (بالكسر) فهو الطريق في الجبل ، والجمع الشعاب. قال الجوهري : الشعب : ما تشعب من قبائل العرب والعجم ، والجمع الشعوب. والشعوبية : فرقة لا تفضل العرب على العجم. وأما الذي في الحديث : أن رجلا من الشعوب أسلم ، فإنه يعني من العجم. والشعب : القبيلة العظيمة ، وهو أبو القبائل الذي ينسبون إليه ، أي يجمعهم ويضمهم. قال ابن عباس : الشعوب الجمهور ، مثل مضر. والقبائل الأفخاذ. وقال مجاهد : الشعوب البعيد من النسب ، والقبائل دون ذلك. وعنه أيضا أن الشعوب النسب الأقرب. وقال قتادة. ذكر الأول عنه المهدوي ، والثاني الماوردي. قال الشاعر :
رأيت سعودا من شعوب كثيرة ... فلم أر سعدا مثل سعد بن مالك
وقال آخر :
قبائل من شعوب ليس فيهم ... كريم قد يعد ولا نجيب
وقيل : إن الشعوب عرب اليمن من قحطان ، والقبائل من ربيعة ومضر وسائر عدنان. وقيل : إن الشعوب بطون العجم ، والقبائل بطون العرب. وقال ابن عباس في رواية : إن الشعوب الموالي ، والقبائل العرب. قال القشيري : وعلى هذا فالشعوب من لا يعرف لهم أصل نسب كالهند والجبل والترك ، والقبائل من العرب. الماوردي : ويحتمل أن
الشعوب هم المضافون إلى النواحي والشعاب ، والقبائل هم المشركون في الأنساب. قال الشاعر :
وتفرقوا شعبا فكل جزيرة ... فيها أمير المؤمنين ومنبر
وحكى أبو عبيد عن ابن الكلبي عن أبيه : الشعب أكبر من القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ. وقيل : الشعب ثم القبيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة ثم العشيرة ، وقد نظمها بعض الأدباء فقال :
اقصد الشعب فهو أكثر حي ... عددا في الحواء ثم القبيله
ثم تتلوها العمارة ثم الـ ... ـبطن والفخذ بعدها والفصيله
ثم من بعدها العشيرة لكن ... هي في جنب ما ذكرناه قليله
وقال آخر :
قبيلة قبلها شعب وبعدهما ... عمارة ثم بطن تلوه فجذ
وليس يؤوي الفتى إلا فصيلته ... ولا سداد لسهم ماله قذذ
السادسة : قوله تعالى : {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وقد تقدم في سورة "الزخرف" عند قوله تعالى : {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف : 44] . وفي هذه الآية ما يدلك على أن التقوى هي المراعى عند الله تعالى وعند رسوله دون الحسب والنسب. وقريء {أن} بالفتح. كأنه قيل : لم يتفاخر بالأنساب ؟ قيل : لأن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم. وفي الترمذي عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "الحسب المال والكرم التقوى" . قال : هذا حديث حسن غريب صحيح. وذلك يرجع إلى قوله تعالى : {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، وقد جاء منصوصا عنه عليه السلام : "من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله" . والتقوى معناه مراعاة حدود الله تعالى أمرا ونهيا ، والاتصاف بما أمرك أن تتصف به ، والتنزه عما نهاك عنه. وقد مضى هذا في غير موضع. وفي الخبر من رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : "إن الله تعالى يقول يوم القيامة إني جعلت نسبا وجعلتم"
نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم وأبيتم إلا أن تقولوا فلان ابن فلان وأنا اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم أين المتقون أين المتقون ". وروى الطبري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن أوليائي المتقون يوم القيامة وإن كان نسب أقرب من نسب. يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون يا محمد فأقول هكذا وهكذا ". وأعرض في كل عطفيه. وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول :" إن آل أبي ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين ". وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : من أكرم الناس ؟ فقال :" يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم "قالوا : ليس عن هذا نسألك ، قال :" فأكرمهم عند الله أتقاهم "فقالوا : ليس عن هذا نسألك ، فقال :" عن معادن العرب ؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا "وأنشدوا في ذلك :"
ما يصنع العبد بعز الغني ... والعز كل العز للمتقي
من عرف الله فلم تغنه ... معرفة الله فذاك الشقي
السابعة : ذكر الطبري حدثني عمر بن محمد قال حدثنا عبيد بن إسحاق العطار قال حدثنا مندل بن علي عن ثور بن يزيد عن سالم بن أبي الجعد قال : تزوج رجل من الأنصار امرأة فطُعِن عليها في حسبها ، فقال الرجل : إني لم أتزوجها لحسبها إنما تزوجتها لدينها وخلقها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "ما يضرك ألا تكون من آل حاجب بن زرارة" . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن الله تبارك وتعالى جاء بالإسلام فرفع به الخسيسة وأتم به الناقصة وأذهب به اللوم فلا لوم على مسلم إنما اللوم لوم الجاهلية" . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" ولذلك كان أكرم البشر على الله تعالى. قال ابن العربي : وهذا الذي لحظ مالك في الكفاءة في النكاح. روى عبدالله عن مالك : يتزوج المولى العربية ، واحتج بهذه الآية. وقال أبو حنيفة والشافعي :
يراعى الحسب والمال. وفي الصحيح عن عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة - وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم - تبني سالما وأنكحه هندا بنت أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وهو مولى لامرأة من الأنصار. وضباعة بنت الزبير كانت تحت المقداد بن الأسود.
قلت : وأخت عبدالرحمن بن عوف كانت تحت بلال. وزينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة. فدل على جواز نكاح الموالي العربية ، وإنما تراعى الكفاءة في الدين. والدليل عليه أيضا ما روى سهل بن سعد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه رجل فقال : "ما تقولون في هذا" ؟ فقالوا : حَري إن خطب أن يُنكَح ، وإن شفع أن يُشْفَّع وإن قال أن يُسْمَع. قال : ثم سكت ، فمر رجل من فقراء المسلمين فقال : "ما تقولون في هذا" قالوا : حري إن خطب ألا يُنْكَح ، وإن شفع ألا يُشَفّع ، وإن قال ألا يُسمَع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا" . وقال صلى الله عليه وسلم : "تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها - وفي رواية - ولحسبها فعليك بذات الدين تربت يداك" . وقد خطب سلمان إلى أبي بكر ابنته فأجابه ، وخطب إلى عمر ابنته فالتوى عليه ، ثم سأله أن ينكحها فلم يفعل سلمان. وخطب بلال بنت البكير فأبى إخوتها ، قال بلال : يا رسول الله ، ماذا لقيت من بني البكير خطبت إليهم أختهم فمنعوني وآذوني ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل بلال ، فبلغهم الخبر فأتوا أختهم فقالوا : ماذا لقينا من سببك ؟ فقالت أختهم : أمري بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزوجوها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في أبي هند حين حجمه : "أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه" . وهو مولى بني بياضة. وروى الدارقطني من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن أبا هند مولى بني بياضة كان حجاما فحجم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "من سره أن ينظر إلى من صور الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى أبي هند" . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أنكحوه وأنكحوا إليه" . قال القشيري أبو نصر :
وقد يعتبر النسب في الكفاءة في النكاح وهو الاتصال بشجرة النبوة أو بالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، أو بالمرموقين في الزهد والصلاح. والتقي المؤمن أفضل من الفاجر النسيب ، فإن كانا تقيين فحينئذ يقدم النسيب منهما ، كما تقدم الشاب على الشيخ في الصلاة إذا استويا في التقوى.
الآية : 14 {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
نزلت في أعرب من بني أسد بن خزيمة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر. وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعاوها ، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتينال بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة ، وجعلوا يمنون عليه فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وقال ابن عباس : نزلت في أعراب أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا ، فأعلم الله أن لهم أسماء الأعراب لا أسماء المهاجرين. وقال السدي : نزلت في الأعراب المذكورين في سورة الفتح : أعراب مزينة وجهينة وأسلم وغفار والديل وأشجع ، قالوا آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم ، فلما استنفروا إلى المدينة تخلفوا ، فنزلت. وبالجملة فالآية خاصة لبعض الأعراب ، لأن منهم من يؤمن بالله واليوم الآخر كما وصف الله تعالى. ومعنى {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} أي استسلمنا خوف القتل والسبي ، وهذه صفة المنافقين ، لأنهم أسلموا في ظاهر إيمانهم ولم تؤمن قلوبهم ، وحقيقة الإيمان التصديق بالقلب. وأما الإسلام فقبول ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر ، وذلك يحقن الدم. {وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} يعني إن تخلصوا الإيمان {لا يَلِتْكُمْ} أي لا ينقصكم. {مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً } لاته يليته ويلوته : نقصه. وقرأ أبو عمرو {لا يألتكم} بالهمزة ، من ألت يألت
ألتا ، وهو اختيار أبي حاتم ، اعتبارا بقوله تعالى : {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور : 21] قال الشاعر :
أبلغ بني ثعل عني مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا
واختاو الأولى أبو عبيد. قال رؤبة :
وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت
أي لم يمنعني عن سراها مانع ، وكذلك ألته عن وجهه ، فعل وأفعل بمعنى. ويقال أيضا : ما ألاته من عمله شيئا ، أي ما نقصه ، مثل ألته ، قال الفراء. وأنشد :
ويأكلن ما أعني الولي فلم يلت ... كأن بحافات النهاء المزارعا
قوله : فلم {يَلِتْ} أي لم ينقص منه شيئا. و {أَعْنَي} بمعنى أنبت ، يقال : ما أعنت الأرض شيئا ، أي ما أنبتت. و {الوَلِيّ} المطر بعد الوسمي ، سمي وليا لأنه يلي الوسمي. ولم يقل : لا يألتاكم ، لأن طاعة الله تعالى طاعة الرسول.
الآية : 15 - 16 {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ، قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
قوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} أي صدقوا ولم يشكوا وحققوا ذلك بالجهاد والأعمال الصالحة. {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} في إيمانهم ، لا من أسلم خوف القتل ورجاء الكسب. فلما نزلت حلف الأعراب أنهم مؤمنون في السر
والعلانية وكذبوا ، فنزلت. {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ} الذي أنتم عليه. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .
الآية : 17 - 18 {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
قوله تعالى : {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} إشارة إلى قولهم : جئناك بالأثقال والعيال. و "أن" في موضع نصب على تقدير لأن أسلموا. {قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ} أي بإسلامكم. {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} {أن} موضع نصب ، تقديره بأن. وقيل : لأن. وفي مصحف عبدالله {إذ هداكم} . {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} صادقين أنكم مؤمنون. وقرأ عاصم {إن هداكم} بالكسر ؛ وفيه بعد ؛ لقوله : {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . ولا يقال يمن عليكم أن يهديكم إن صدقتم. والقراءة الظاهرة {أَنْ هَدَاكُمْ} . وهذا لا يدل على أنهم كانوا مؤمنين ، لأن تقدير الكلام : إن آمنتم فذلك منة الله عليكم. {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} . قرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو بالياء على الخبر ، ردا على قوله : {قَالَتِ الْأَعْرَابُ} . الباقون بالتاء على الخطاب.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.61 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.56%)]