عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 10-07-2025, 09:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,329
الدولة : Egypt
افتراضي تفسير قوله تعالى: ﴿وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في ...﴾

تفسير قوله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي... ﴾

سعيد مصطفى دياب

قَوله تَعَالَى: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 147، 148].

يَعْنِي: وَمَا كَانَ قَوْلَ الرِّبِّيِّينَ، إِذْ أَصَابَهُمْ القتلُ معَ مَا وَصَفَهُمْ الله تعالى به مِنْ رَبَاطَةِ الْجَأْشِ، وَثَبَاتِ الْقَلْبِ، وتَحَمُّلِ الشَّدَائِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، سِوَى أَنْ قَالُوا: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾.

وقدموا طَلَبَ المغْفِرَةِ عَلَى طَلَبِ النُّصْرَةِ؛ لأن الذُّنُوبَ الْمَعَاصِي سَبَبُ الهزيمة والخِذلان.

والْإِسْرَافُ: مُجَاوَزَةُ الحَدِّ في فعلِ ما يجبُ والْإِفْرَاطُ فِيه، والذنبُ عامٌّ فيه وفي التقصير، فكل ْإِسْرَافٍ ذَنْبٌ، وليسَ كُلُّ ذَنْبٍ إِسْرَافًا.

ثُمَّ سَأَلُوا اللهُ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتْ أَقْدامَهُم فِي لِقَاءِ أَعْدَائِهم، وَأَنْ يُجَنَّبَهُم الْفِرَارَ وَالْعَجْزَ، وَأَنْ يَنْصُرَهُم عَلَى الَّذِينَ جَحَدُوا وَحْدَانِيَّتَهُ وَرِسَالةَ نَبِيِّهِ، فَلَمْ يَصُدَّهُمْ مَا لَحِقَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ وَالَقَتْلِ عَنْ رَجَاءِ النَّصْرِ، وَهَذَا تَأْنِيبٌ وَتَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ للمؤمنين الَّذِينَ تَرَكُوا القِتَالَ وفَرُّوا يَوْمَ أُحُدٍ.

﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ ﴾: لَمَّا صَبَرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ، أَعْطَاهُمْ ﴿ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾، يَعْنِي: النَّصْرَ وَالظَّفَرَ عَلَى عَدُوِّهِمْ، ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ ﴾؛ يَعْنِي: المغْفِرَةَ وَالْأَجْرَ وَالْجَنَّةَ، فجمَع اللهُ لَهُمْ بين النَّصْرِ التمكينِ في الدُّنْيا، والفوزَ بالدرجاتِ العُلَى فِي الْجَنَّةِ.

وخَصَّ ثَوَابَ الآخِرَةِ بالحُسْنِ إِشعارًا بفضْلِهِ، وأنه الذي يجبُ أَنْ يحرصَ عليه المؤمنُ؛ لأنه الذي يبقى، أمَّا ثوابُ الدُّنْيَا فمنقطعٌ، وإنما ذكره الله تعالى لبيانِ أن مَنْ أراد الآخِرَةَ حصَلَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ مَعًا.

وفي الآية دليلٌ على أن المسلم يُعطى ثوابَ عملِهِ في الدُّنْيَا مع ما له عندَ اللهِ في الآخِرَةِ.

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾؛ لأنهم أحسَنوا فيما بينهم وبين ربهم بالثبات على دينه وبحفظه، فأحبَّهم الله؛ قال الفخر الرازي: وَفِيهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنَّ هَؤُلَاءِ اعْتَرَفُوا بِكَوْنِهِمْ مُسِيئِينَ حَيْثُ قَالُوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا، فَلَمَّا اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ مُحْسِنِينَ، كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يقول: إِذَا اعْتَرَفْتَ بِإِسَاءَتِكَ وَعَجْزِكَ فَأَنَا أَصِفُكَ بِالْإِحْسَانِ وَأَجْعَلُكَ حَبِيبًا لِنَفْسِي[1].

الأساليب البلاغية:
من الأساليب البلاغية: تخصيص ثواب الآخرة بالحسن في قوله: ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ ﴾؛ لفضله ودوامه.

والمقابلة في ﴿ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾، و ﴿ حُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ ﴾.

والترقي في قوله: ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾، فإنَّ تثبيت الأقدام كناية عن عدم الانهزام، والنصرُ أعظمُ من مجرد الثبات أمام الأعداء.

والتخصيص في قوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.

[1] تفسير الرازي (9/ 383)






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 17.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 17.04 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.55%)]