عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 10-07-2025, 08:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (16)
سُورَةُ الشورى
من صــ 41 الى صــ 50
الحلقة (633)






وإذا ظلمنا صبرنا وإذا سيء إلينا عفونا ؛ قالوا ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. وذكر الحديث. {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} أي من بدأ بالظلم ؛ قاله سعيد بن جبير. وقيل : لا يحب من يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحد ؛ قاله ابن عيسى.
قوله تعالى : {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ} أي المسلم إذا انتصر من الكافر فلا سبيل إلى لومه ، بل يحمد على ذلك مع الكافر. ولا لوم إن أنتصر الظالم من المسلم ؛ فالانتصار من الكافر حتم ، ومن المسلم مباح ، والعفو مندوب {فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} دليل على أن له أن يستوفي ذلك بنفسه. وهذا ينقسم ثلاثة أقسام : أحدها : أن يكون قصاصا في بدن يستحقه آدمي ، فلا حرج عليه إن استوفاه من غير عدوان وثبت حقه عند الحكام ، لكن يزجره الإمام في تفوته بالقصاص لما فيه من الجرأة على سفك الدم. وإن كان حقه غير ثابت عند الحاكم فليس عليه فيما بينه وبين الله حرج ؛ وهو الظاهر مطالب وبفعله مؤاخذ ومعاقب. القسم الثاني : أن يكون حد الله تعالى لاحق لآدمي فيه كحد الزنى وقطع السرقة ؛ فإن لم يثبت ذلك عند حاكم أخذ به وعوقب عليه ، وإن ثبت عند حاكم نظر ، فإن كان قطعا في سرقة سقط به الحد لزوال العضو المستحق قطعه ، ولم يجب عليه في ذلك حق لأن التعزير أدب ، وإن كان جلدا لم يسقط به الحد لتعديه مع بقاء محله فكان مأخوذا بحكمه. القسم الثالث : أن يكون حقا في مال ؛ فيجوز لصاحبه أن يغالب على حقه حتى يصل إليه إن كان ممن هو عالم به ، لان كان غير عالم نظر ، فإن أمكنه الوصول إليه عند المطالبة لم يكن له الاستسرار بأخذه. لان كان لا يصل إليه بالمطالبة لجحود من هو عليه من عدم بينة تشهد له ففي جواز استسراره بأخذه مذهبان : أحدهما : جوازه ؛ وهو قول مالك والشافعي. الثاني : المنع ؛ وهو قول أبي حنيفة.
قوله تعالى : {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} أي بعدوانهم عليهم ؛ في قول أكثر العلماء. وقال ابن جريج : أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم.
{وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي في النفوس والأموال ؛ في قول الأكثرين. وقال مقاتل : بغيهم عملهم بالمعاصي. وقال أبو مالك : هو ما يرجوه كفار قريش أن يكون بمكة غير الإسلام دينا. وعلى هذا الحد قال ابن زيد : إن هذا كله منسوخ بالجهاد ، لان هذا للمشركين خاصة. وقول قتادة : إنه عام ؛ وكذا يدل ظاهر الكلام. وقد بيناه والحمد لله.
قال ابن العربي : هذه الآية : في مقابلة الآية المتقدمة في {براءة} وهي قوله : {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة : 91] ؛ فكما نفى الله السبيل عمن أحسن فكذلك نفاها على من ظلم ؛ واستوفى ببان القسمين.
واختلف علماؤنا في السلطان يضع على أهل بلد مالا معلوما بأخذهم به ويؤدونه على قدر أموالهم ؛ هل لمن قدر على الخلاص من ذلك أن يفعل ، وهو إذا تخلص أخذ سائر أهل البلد بتمام ما جعل عليهم. فقيل لا ؛ وهو قول سحنون من علمائنا. وقيل : نعم ، له ذلك إن قدر على الخلاص ؛ وإليه ذهب أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي ثم المالكي. قال : ويدل عليه قول مالك في الساعي يأخذ من غنم أحد الخلطاء شاة وليس في جميعها نصاب إنها مظلمة على من أحذت له لا يرجع على أصحابه بشيء. قال : ولست آخذ بما روي عن سحنون ؛ لأن الظلم لا أسوة فيه ، ولا يلزم أحد أن يولج نفسه في ظلم مخافة أن يضاعف الظلم على غيره ، والله سبحانه يقول : {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ}
واختلفت العلماء في التحليل ؛ فكان ابن المسيب لا يحلل أحدا من عرض ولا مال. وكان سليمان بن يسار ومحمد بن سيرين يحللان من العرض والمال. ووأى مالك التحليل من المال دون العرض. روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك وسئل عن قول سعيد بن المسيب "لا أحلل أحدا" فقال : ذلك يختلف ؛ فقلت له يا أبا عبدالله ، الرجل يسلف الرجل فيهلك ولا وفاء له ؟ قال : أرى أن يحلله وهو أفضل عندي ؛ فان الله تعالى : يقول : {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } [الزمر : 18] . فقيل له : الرجل يظلم الرجل ؟
فقال : لا أرى ذلك ، هو عندي مخالف للأول ، يقول الله تعالى : {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} ويقول تعالى : {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} التوبة : 91] فلا أرى أن يجعله من ظلمه في حل. قال ابن العربي : فصار في المسألة ثلاثة أقوال : أحدها : لا يحلله بحال ؛ قال سعيد بن المسيب. الثاني : يحلله ؛ قاله محمد بن سيرين. الثالث : إن كان مالا حلله وإن كان ظلما لم يحلله ؛ وهو قول مالك. وجه الأول ألا يحلل ما حرم الله ؛ فيكون كالتبديل لحكم الله. ووجه الثاني أنه حقه فله أن يسقط كما يسقط دمه وعرضه. ووجه الثالث الذي اختاره مالك هو أن الرجل إذا غلب على أداء حقك فمن الرفق به أن يتحلله ، وإن كان ظالما فمن الحق ألا تتركه لئلا تغتر الظلمة ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة. وفي صحيح مسلم حديث أبي اليسر الطويل وفيه أنه قال لغريمه : اخرج إلي ، فقد علمت أين أنت ؛ فخرج ؛ فقال : ما حملك على أن اختبأت مني ؟ قال : أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك ، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك ، وأن أعدك فأخلفك ، وكنت صاحب رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم ، وكنت والله معسرا. قال قلت : آلله ؟ قال الله ؛ قال : فأتى بصحيفة فمحاها فقال : إن وجدت قضاء فأقض ، وإلا فأنت في حل... وذكر الحديث. قال ابن العربي : وهذا في الحي الذي يرجى له الأداء لسلامة الذمة ورجاء التمحل ، فكيف بالميت الذي لا محاللة له ولا ذمة معه.
العاشرة : قال بعض العلماء : إن من ظلم وأخذ له مال فإنما له ثواب ما أحتبس عنه إلى موته ، ثم يوجع الثواب إلى ورثته ، ثم كذلك إلى آخرهم ؛ لأن المال يصير بعده للوارث. قال أبو جعفر الداودي المالكي : هذا صحيح في النظر ؛ وعلى هذا القول إن مات الظالم قبل من ظلمه ولم يترك شيئا أو ترك ما لم يعلم وارثه فيه بظلم لم تنتقل تباعة المظلوم إلى ورثة الظالم ؛ لأنه لم يبق للظالم ما يستوجبه ورثة المظلوم.
الحادية عشرة- قوله تعالى : {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ} أي صبر على الأذى و {غَفَرَ} أي ترك الانتصار لوجه الله تعالى ؛ وهذا فيمن ظلمه مسلم. ويمكى أن رجلا سب رجلا في مجلس الحسن رحمه الله فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق ، ثم قام فتلا هذه الآية ؛ فقال الحسن : عقلها والله ! وفهمها إذ ضيعها الجاهلون. وبالجملة العفو مندوب إليه ، ثم قد ينعكس الأمر في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو مندوبا إليه كما تقدم ؛ وذلك إذا أحتيج إلى كف زيادة البغي وقطع مادة الأذى ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه ، وهو أن زينب أسمعت عائشة رضي الله عنهما بحضرته فكان ينهاها فلا تنتهي ، فقال لعائشة : "دونك فانتصري" خرجه مسلم في صحيحه بمعناه. وقيل : "صبر" عن المعاصي وستر على المساوئ. {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} أي من عزائم الله التي أمر بها. وقيل : من عزائم الصواب التي وفق لها. وذكر الكلبي والفراء أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع ثلاث آيات قبلها ، وقد شتمه بعض الأنصار فرد عليه ثم أمسك. وهي المدنيات من هذه السورة. وقيل : هذه الآيات في المشركين ، وكان هذا في ابتداء الإسلام قبل الأمر بالقتال ثم نسختها آية القتال ؛ وهو قول ابن زيد ، وقد تقدم. وفي تفسير ابن عباس {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ} يريد حمزة بن عبدالمطلب ، وعبيدة وعليا وجميع المهاجرين رضوان الله عليهم. {فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} يريد حمزة بن عبدالمطلب وعبيدة وعليا رضوان الله عليهم أجمعين. {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} يريد عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأبا جهل والأسود ، وكل من قاتل من المشركين يوم بدر. {وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ} يريد بالظلم والكفر. {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يريد وجيع. {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ} يريد أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح ومصعب بن عمير وجميع أهل بدر رضوان الله عليهم أجمعين. {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} حيث قبلوا الفداء وصبروا على الأذى.
الآية : 44 {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ}
قوله تعالى : {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ} أي يخذله {فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ} هذا فيمن أعرض عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما دعاه إليه من الإيمان بالله والمودة في القربي ، ولم يصدقه في البعث وأن متاع الدنيا قليل. أي من أضله الله عن هذه الأشياء فلا يهديه هاد. {وَتَرَى الظَّالِمِينَ} أي الكافرين. {لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} يعني جهنم. وقيل رأوا العذاب عند الموت. {يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ} يطلبون أن يردوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله فلا يجابون إلى ذلك.
الآية : 45 {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ}
قوله تعالى : {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} أي على النار لأنها عذابهم ؛ فكنى عن العذاب المذكور بحرف التأنيث لأن ذلك العذاب هو النار إن شئت جهنم ، ولو راعى اللفظ لقال عليه. ثم قيل : هم المشركون جميعا يعرضون على جهنم عند انطلاقهم إليها ؛ قال الأكثرون. وقيل : آل فرعون خصوصا ، تحبس أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح ؛ فهو عرضهم عليها ؛ قاله ابن مسعود. وقيل : إنهم عامة المشركين ، تعرض عليهم ذنوبهم في قبورهم ، ويعرضون على العذاب في قبورهم ؛ وهذا معنى قول أبي الحجاج. {خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ} ذهب بعض القراء إلى الوقف على {خَاشِعِينَ} . وقوله : {مِنَ الذُّلِّ} متعلق بـ "ينتظرون" . وقيل : متعلق بـ {خاشعين} . والخشوع الانكسار والتواضع. ومعنى {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} أي لا يرفعون أبصارهم للنظر رفعا تاما ؛ لأنهم ناكسو الرؤوس. والعرب تصف الذليل بغض الطرف ، كما يستعملون في ضده حديد النظر إذا لم يتهم بريبة فيكون عليه منها غضاضة. وقال مجاهد : {مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} أي ذليل ، قال : وإنما ينظرون بقلوبهم لأنهم يحشرون عميا ، وعين القلب طرف خفي. وقال قتادة والسدي والقرظي ومعيد بن جبير : يسارقون النظر من شدة الخوف. وقيل : المعنى ينظرون من
عين ضعيفة النظر. وقال يونس : {من} بمعنى الباء ؛ أي ينظرون بطرف خفي ، أي ضعيف من الذل والخوف ، ونحوه عن الأخفش. وقال ابن عباس : بطرف ذابل ذليل. وقيل : أي يفزعون أن ينظروا إليها بجميع أبصارهم لما يرون من أصناف العذاب.
قوله تعالى : {قَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي يقول المؤمنون في الجنة لما عاينوا ما حل بالكفار إن الخسران في الحقيقة ما صار إليه هؤلاء فإنهم خسروا أنفسهم لأنهم في العذاب المخلد ، وخسروا أهليهم لأن الأهل إن كانوا في النار فلا انتفاع بهم ، وإن كانوا في الجنة فقد حيل بينه وبينهم. وقيل : خسران الأهل أنهم لو آمنوا لكان لهم أهل في الجنة من الحور العين. وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم : "ما منكم من أحد إلا له منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى : {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون : 10] . وقد تقدم. وفي مسند الدارمي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من أحد يدخله الله الجنة إلا زوجه اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار وما منهن واحدة إلا ولها قبل شهي وله ذكر لا ينثني ". قال هشام بن خالد :" من ميراثه من أهل النار "يعني رجالا أدخلوا النار فورث أهل الجنة نساءهم كما ورثت امرأة فرعون. {أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ} أي دائم لا ينقطع. ثم يجوز أن يكون هذا من قول المؤمنين ، ويجوز أن يكون ابتداء من الله تعالى"
الآية : 46 {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ}
قوله تعالى : {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ} أي أعوانا ونصراء {يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي من عذابه {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ} أي طريق يصل به إلى الحق في الدنيا والجنة في الآخرة لأنه قد سدت عليه طريق النجاة.
الآية : 47 {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ}
قوله تعالى : {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ} أي أجيبوه إلى ما دعاكم إليه من الإيمان به والطاعة. استجاب وأجاب بمعنى ؛ وقد تقدم. {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ} يريد يوم القيامة ؛ أي لا يرده أحد بعد ما حكم الله به وجعله أجلا ووقتا. {مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ} أي من ملجأ ينجيكم من العذاب. {وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ} أي من ناصر ينصركم ؛ قال مجاهد. وقيل : النكير بمعنى المنكر ؛ كالأليم بمعنى المؤلم ؛ أي لا تجدون يومئذ منكرا لما ينزل بكم من العذاب ؛ حكاه ابن أبى حاتم ؛ وقال الكلبي. الزجاج : معناه أنهم لا يقدرون أن ينكروا الذنوب التي يوقفون عليها. وقيل : {مِنْ نَكِيرٍ} أي إنكار ما ينزل بكم من العذاب ، والنكير والإنكار تغيير المنكر.
الآية : 48 {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْأِنْسَانَ كَفُورٌ}
قوله تعالى : {فَإِنْ أَعْرَضُوا} أي عن الإيمان {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي حافظا لأعمالهم حتى تحاسبهم عليها. وقيل : موكلا بهم لا تفارقهم دون أن يؤمنوا ؛ أي ليس لك إكراههم على الإيمان. {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ} وقيل : نسخ هذا بآية القتال. {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ} الكافر. {مِنَّا رَحْمَةً} رخاء وصحة. {فَرِحَ بِهَا} بطر بها. {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} بلاء وشدة. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْأِنْسَانَ كَفُورٌ} أي لما تقدم من النعمة فيعدد المصائب وينسى النعم.
الآية : 49 {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}
قوله تعالى : {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ابتداء وخبر. {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} من الخلق. {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} قال أبو عبيدة وأبو مالك ومجاهد والحسن والضحاك : يهب لمن يشاء إناثا لا ذكور معهن ، ويهب لمن يشاء ذكورا لا إناثا معهم ؛ وأدخل الألف واللام على الذكور دون الإناث لأنهم أشرف فميزهم بسمة التعريف. وقال واثلة بن الأسقع : إن من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر ، وذلك أن الله تعالى قال : {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} فبدأ بالإناث. {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً} قال مجاهد : هو أن تلد المرأة غلاما ثم تلد جارية ثم تلد غلاما ثم تلد جارية. وقال محمد ابن الحنفية : هو أن تلد توأما ، غلاما وجارية ، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا. قال القتبي : التزويج ها هنا هو الجمع ببن البنين والبنات ؛ تقول العرب : زوجت إبلي إذا جمعت بين الكبار والصغار. {وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} أي لا يولد له ؛ يقال : رجل عقيم ، وامرأة عقيم. وعقمت المرأة تعقم عقما ؛ مثل حمد يحمد. وعقمت تعقيم ، مثل عظم يعظم. وأصله القطع ، ومنه الملك العقيم ، أي تقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق خوفا على الملك. وريح عقيم ؛ أي لا تلقح سحابا ولا شجرا. ويوم القيامة يوم عقيم ؛ لأنه لا يوم بعده. ويقال : نساء عقم وعقم ؛ قال الشاعر :
عقم النساء فما يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقم
وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في الأنبياء خصوصا وإن عم حكمها. وهب للوط الإناث ليس معهن ذكر ، ووهب لإبراهيم الذكور ليس معهم أنثى ، ووهب لإسماعيل وإسحاق الذكور والإناث ، وجعل عيسى ويحيى عقيمين ؛ ونحوه عن ابن عباس وإسحاق بن بشر. قال إسحاق : نزلت في الأنبياء ، ثم عمت. {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً} يعني لوطا عليه السلام ، لم يولد له ذكر وإنما ولد له ابنتان. {وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} يعني إبراهيم عليه السلام لم يولد له أنثى بل ولد له ثمانية ذكور. {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً} يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولد له أربعة بنين وأربع بنات. {وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً} يعني يحيى بن زكريا عليهما السلام ؛ لم يذكر عيسى. ابن العربي : قال علماؤنا {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً} يعني لوطا كان له بنات ولم يكن له ابن. {وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} يعني إبراهيم ، كان له بنون ولم يكن له بنت. وقول : {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً} يعني آدم ، كانت حواء تلد له في كل بطن توأمين ذكرا وأنثى. ويزوج الذكر من هذا البطن من الأنثى من البطن الآخر ، حتى أحكم الله التحريم في شرع نوح صلى الله عليه وسلم. وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم كان له ذكور وإناث من الأولاد : القاسم والطيب والطاهر وعبدالله وزينب وأم كلثوم ورقية وفاطمة ؛ وكلهم من خديجة رضي الله عنها ، وإبراهيم وهو من مارية القبطية. وكذلك قسم الله الخلق من لدن آدم إلى زماننا هذا ، إلى أن تقوم الساعة ، على هذا التقدير المحدود بحكمته البالغة ومشيئته النافذة ؛ ليبقى النسل ، ويتمادى الخلق ، وينفذ الوعد ، ويحق الأمر ، وتعمر الدنيا ، وتأخذ الجنة وجهنم كل واحدة ما يملؤها ويبقى. ففي الحديث : "إن النار لن تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه ، فتقول قط قط. وأما الجنة فيبقى منها فينشئ الله لها خلقا آخر" .
قال ابن العربي : إن الله تعالى لعموم قدرته وشديد قوته يخلق الخلق ابتداء من غير شيء ، وبعظيم لطفه وبالغ حكمته يخلق شيئا من شيء لا عن حاجة ؛ فإنه قدوس
عن الحاجات سلام عن الآفات ، كما قال القدوس السلام ؛ فخلق آدم من الأرض وخلق حواء من آدم وخلق النشأة من بينهما منهما مرتبا على الوطء كائنا عن الحمل موجودا في الجنين بالوضع ؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا وإذا. سبق ماء المرأة ماء الرجل آنثا" . وكذلك في الصحيح أيضا : "إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه الولد أعمامه وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه الولد أخواله" .
قلت : وهذا معنى حديث عائشة لا لفظه خرجه مسلم من حديث عروة بن الزبير عنها أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تغتسل المرأة إذا احتلمت وأبصرت الماء ؟ فقال : "نعم" فقالت لها عائشة : تربت يداك وألت ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "دعيها وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك. إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه" . قال علماؤنا : فعلى مقتضى هذا الحديث أن العلو يقتضي الشبه ؛ وقد جاء في حديث ثوبان خرجه مسلم أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهودي : "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر ، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله..." الحديث. فجعل في هذا الحديث أيضا العلو يقتضي الذكورة والأنوثة ؛ فعلى مقتضى الحديثين يلزم اقتران الشبه للأعمال والذكورة إن علا مني الرجل ، وكذلك يلزم إن علا مني المرأة اقتران الشبه للأخوال والأنوثة ؛ لأنهما معلولا علة واحدة ، وليس الأمر كذلك بل الوجود بخلاف ذلك ؛ لأنا نجد الشبه للأخوال والذكورة والشبه للأعمام والأنوثة فتعين تأويل أحد الحديثين. والذي يتعين تأويله الذي في حديث ثوبان فيقال : إن ذلك العلو معناه سبق الماء إلى الرحم ، ووجه أن العلو لما كان معناه الغلبة من قولهم سابقني فلان فسبقته أي غلبته ؛ ومنه قوله تعالى :




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.36 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.57%)]