عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 10-07-2025, 05:16 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (15)
سُورَةُ ص
من صــ 187 الى صــ 196
الحلقة (610)






فقال : جئت لأقبض روحك. فقال : دعني حتى أنزل أو أرتقي. فقال : مالي إلى ذلك سبيل ؛ نفدت الأيام والشهور والسنون والآثار والأرزاق ، فما أنت بمؤثر بعدها أثرا. قال : فسجد داود على مرقاة من الدرج فقبض نفسه على تلك الحال. وكان بينه وبين موسى عليهما السلام خمسمائة وتسع وتسعون سنة. وقيل : تسع وسبعون ، وعاش مائة سنة ، وأوصى إلى ابنه سليمان بالخلافة.
الرابعة والعشرون- قوله تعالى : { وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } قال محمد بن كعب ومحمد بن قيس : { وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى } قربة بعد المغفرة. { وَحُسْنَ مَآبٍ } قالا : والله إن أول من يشرب الكأس يوم القيامة داود. وقال مجاهد عن عبدالله بن عمر : الزلفى الدنو من الله عز وجل يوم القيامة. وعن مجاهد : يبعث داود يوم القيامة وخطيئته منقوشة في يده : فإذا رأى أهاويل يوم القيامة لم يجد منها محرزا إلا أن يلجأ إلى رحمة الله تعالى. قال : ثم يرى خطيئته فيقلق فيقال له ها هنا ؛ ثم يرى فيقلق فيقال له هاهنا ، ثم يرى فيقلق فيقال له هاهنا ؛ حتى يقرب فيسكن فذلك قوله عز وجل : { وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } ذكره الترمذي الحكيم. قال : حدثنا الفضل بن محمد ، قال حدثنا عبدالملك بن الأصبغ قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري عن عبدالملك بن أبي سليمان عن مجاهد فذكره. قال الترمذي : ولقد كنت أمر زمانا طويلا بهذه الآيات فلا ينكشف لي المراد والمعنى من قوله : { رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا } والقط الصحيفة في اللغة ؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا عليهم : { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } : وقال لهم : "إنكم ستجدون هذا كله في صحائفكم تعطونها بشمائلكم" قالوا : { رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا } أي صحيفتنا { قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ } قال الله تعالى : { اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ } فقص قصة خطيئته إلى منتهاها ، فكنت أقول : أمره بالصبر على ما قالوا ، وأمره بذكر داود فأي شيء أريد من هذا الذكر ؟ وكيف اتصل هذا بذاك ؟ فلا أقف على شيء يسكن قلبي عليه ، حتى هداني الله له
يوما فألهمته أن هؤلاء أنكروا قول أنهم يعطون كتبهم بشمائلهم ، فيها ذنوبهم وخطاياهم استهزاء بأمر الله ؛ وقالوا : { رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ } فأوجعه ذلك من استهزائهم ، فأمره بالصبر على مقالتهم ، وأن يذكر عبده داود ؛ سأل تعجيل خطيئته أن يراها منقوشة في كفه ، فنزل به ما نزل من أنه كان إذا رآها اضطرب وامتلأ القدح من دموعه ، وكان إذا رآها بكى حتى تنفذ سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد ، فإنما سألها بعد المغفرة وبعد ضمان تبعة الخصم ، وأن الله تبارك وتعالى آسمه يستوهبه منه ، وهو حبيبه ووليه وصفيه ؛ فرؤية نقش الخطيئة بصورتها مع هذه المرتبة صنعت به هكذا ، فكيف كان يحل بأعداء الله وبعصاته من خلقه وأهل خزيه ، لو عجلت لهم صحائفهم فنظروا إلى صورة تلك الخطايا التي عملوها على الكفر والجحود ، وماذا يحل بهم إذا نظروا إليها في تلك الصحائف ، وقد أخبر الله عنهم فقال : { فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } فداود صلوات الله عليه مع المغفرة والبشرى والعطف لم يقم لرؤية صورتها. وقد روينا في الحديث : إذا رآها يوم القيامة منقوشة في كفه قلق حتى يقال له ها هنا ، ثم يرى فيقلق ثم يقال ها هنا ، ثم يرى فيقلق حتى يقرب فيسكن.
الآية : [26] { يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ }
فيه خمس مسائل :
الأولى- قوله تعالى : { إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ } أي ملكناك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين وقد مضى في {البقرة} القول في الخليفة وأحكامه مستوفى والحمد لله.
الثانية- قوله تعالى : { فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ } أي بالعدل وهو أمر على الوجوب وقد ارتبط هذا بما قبله ، وذلك أن الذي عوتب عليه داود طلبه المرأة من زوجها وليس ذلك بعدل. فقيل له بعد هذا ؛ فاحكم بين الناس بالعدل { وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى } أي لا تقتد بهواك المخالف لأمر الله. { فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } أي عن طريق الجنة. { إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } أي يحيدون عنها ويتركونها { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في النار { بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } أي بما تركوا من سلوك طريق الله ؛ فقوله : { نَسُوا } أي تركوا الإيمان به ، أو تركوا العمل به فصاروا كالناسين. ثم قيل : هذا لداود لما أكرمه الله بالنبوة. وقيل : بعد أن تاب عليه وغفر خطيئته.
الثالثة- الأصل في الأقضية قوله تعالى : { يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ } وقوله : { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } وقوله تعالى : { ِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ } وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ } الآية. وقد تقدم الكلام فيه.
الرابعة- قال ابن عباس في قوله تعالى : { يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } قال : إن ارتفع لك الخصمان فكان لك في أحدهما هوى ، فلا تشته في نفسك الحق له ليفلح على صاحبه ، فإن فعلت محوت اسمك من نبوتي ، ثم لا تكون خليفتي ولا أهل كرامتي. فدل هذا على بيان وجوب الحكم بالحق ، وألا يميل إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء نفع ، أو سبب يقتضي الميل من صحبة أوصداقة ، أوغيرهما. وقال ابن عباس : إنما ابتلي سليمان بن داود عليه السلام ، لأنه تقدم إليه خصمان فهوي أن يكون الحق لأحدهما. وقال عبدالعزيز بن أبي رواد : بلغني أن قاضيا كان في زمن بني إسرائيل ، بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه
أن يجعل بينه وبينه علما ، إذا هو قضى بالحق عرف ذلك ؛ وإذا هو قصر عرف ذلك ، فقيل له : ادخل منزلك ، ثم مد يدك في جدارك ، ثم انظر حيث تبلغ أصابعك من الجدار فاخطط عندها خطا ؛ فإذا أنت قمت من مجلس القضاء ، فارجع إلى ذلك الخط فامدد يدك إليه ، فإنك متى ما كنت على الحق فإنك ستبلغه ، وإن قصرت عن الحق قصر بك ، فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد فكان لا يقضي إلا بحق ، وإذا قام من مجلسه وفرغ لم يذق طعاما ولا شرابا ، ولم يفض إلى أهله بشيء من الأمور حتى يأتي ذلك الخط ، فإذا بلغه حمد الله وأفضى إلى كل ما أحل الله له من أهل أو مطعم أو مشرب. فلما كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء ، أقبل إليه رجلان يريدانه : فوقع في نفسه أنهما يريدان أن يختصما إليه ، وكان أحدهما له صديقا وخدنا ، فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون الحق له فيقضي له ، فلما أن تكلما دار الحق على صاحبه فقضى عليه ، فلما قام من مجلسه ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل يوم ، فمد يده إلى الخط فإذا الخط قد ذهب وتشمر إلى السقف ، وإذا هو لا يبلغه فخر ساجدا وهو يقول : يا رب شيئا لم أتعمده ولم أرده فبينه لي. فقيل له : أتحسبن أن الله تعالى لم يطلع على خيانة قلبك ، حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك لتقضي له به ، قد أردته وأحببته ولكن الله قد رد الحق إلى أهله وأنت كاره.وعن ليث قال : تقدم إلى عمر بن الخطاب خصمان فأقامهما ، ثم عادا فأقامهما ، ثم عادا ففصل بينهما ، فقيل له في ذلك ، فقال : تقدما إلي فوجدت لأحدهما ما لم أجد لصاحبه ، فكرهت أن أفصل بينهما على ذلك ، ثم ، عادا فوجدت بعض ذلك له ، ثم عادا وقد ذهب ذلك ففصلت بينهما. وقال الشعبي : كان بين عمر وأُبيّ خصومة ، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت ، فلما دخلا عليه أشار لعمر إلى وسادته ، فقال عمر : هذا أول جورك ؛ أجلسني وإياه مجلسا واحدا ؛ فجلسا بين يديه.
الخامسة- هذه الآية تمنع من حكم الحاكم بعلمه ؛ لأن الحكام لو مكنوا أن يحكموا بعلمهم لم يشأ أحدهم إذا أراد أن يحفظ وليه ويهلك عدوه إلا ادعى علمه فيما حكم به. ونحو ذلك روي عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر ؛ قال : لو رأيت رجلا على حد من حدود
الله ، ما أخذته حتى يشهد على ذلك غيري. وروي أن امرأة جاءت إلى عمر فقالت له : احكم لي على فلان بكذا فإنك تعلم ما لي عنده. فقال لها : إن أردت أن أشهد لك فنعم وأما الحكم فلا. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد ؛ وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترى فرسا فجحده البائع ، فلم يحكم عليه بعلمه وقال : "من يشهد لي" فقام خزيمة فشهد فحكم. خرج الحديث أبو داود وغيره وقد مضى في {البقرة} .
الآية : [27] { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ }
الآية : [28] { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ }
الآية : [29] { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ }
قوله تعالى : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً } أي هزلا ولعبا. أي ما خلقناهما إلا لأمر صحيح وهو الدلالة على قدرتنا. { ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي حسبان الذين كفروا أن الله خلقهما باطلا. { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ } ثم وبخهم فقال : { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } والميم صلة تقديره : أنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات { كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ } فكان في هذا رد على المرجئة ؛ لأنهم يقولون : يجوز أن يكون المفسد كالصالح أو أرفع درجة منه. وبعده أيضا : { أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } أي أنجعل أصحاب محمد عليه السلام كالكفار ؛ قاله ابن عباس. وقيل هو عام في المسلمين المتقين والفجار الكافرين وهو أحسن ، وهو رد على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع والعاصي إلى شيء واحد.
قوله تعالى : { كِتَابٌ } أي هذا كتاب { أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ } أي { أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ } يا محمد { لِيَدَّبَّرُوا } أي ليتدبروا فأدغمت التاء في الدال. وفي هذا دليل على ، وجوب معرفة معاني القرآن ، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهذ ؛ إذ لا يصح التدبر مع الهذ على ما بيناه في كتاب التذكار. وقال الحسن : تدبر آيات الله اتباعها. وقراءة العامة { لِيَدَّبَّرُوا } . وقرأ أبو حنيفة وشيبة : { لِيَدَّبَّرُوا } بتاء وتخفيف الدال ، وهي قراءة علي رضي الله عنه ، والأصل لتتدبروا فحذف إحدى التاءين تخفيفا { وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ } أي أصحاب العقول واحدها لب ، وقد جمع على ألب ، كما جمع بؤس على أبؤس ، ونعم على أنعم ؛ قال أبو طالب :
قلبي إليه مشرف الألب
وربما أظهروا التضعيف في ضرورة الشعر ؛ قال الكميت :
إليكم ذوي آل النبي تطلعت
نوازع من قلبي ظماء وألبب
الآية : [30] { وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ }
الآية : [31] { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ }
الآية : [32] { فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ }
الآية : [33] { رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ }
قوله تعالى : { وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } لما ذكر داود ذكر سليمان و { أَوَّابٌ } معناه مطيع. { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ } يعني الخيل جمع جواد للفرس إذا كان شديد الحضر ؛ كما يقال للإنسان جواد إذا كان كثير العطية غزيرها ؛ يقال : قوم أجواد وخيل جياد ، جاد الرجل بماله يجود جودا فهو جواد ، وقوم جود مثال
قذال وقذل ، وإنما سكنت الواو لأنها حرف علة ، وأجواد وأجاود وجوداء ، وكذك امرأة جواد ونسوة جود مثل نوار ونور ، قال الشاعر :
صناع بإشفاها حصان بشكرها ... جواد بقوت البطن والعرق زاخر
وتقول : سرنا عقبة جوادا ، وعقبتين جوادين ، وعقبا جيادا. وجاد الفرس أي صار رائعا يجود جودة بالضم فهو جواد للذكر والأنثى ، من خيل جياد وأجياد وأجاويد. وقيل : إنها الطوال الأعناق مأخوذ من الجيد وهو العنق ؛ لأن طول الأعناق في الخيل من صفات فراهتها. وفي الصافنات أيضا وجهان : أحدهما : أن صفونها قيامها. قال القتبي والفراء : الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل أوغيرها. ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من سره أن يقوم له الرجال صفونا فليتبوأ مقعده من النار" أي يديمون له القيام ؛ حكاه قطرب أيضا وأنشد قول النابغة :
لنا قبة مضروبة بفنائها ... عتاق المهارى والجياد الصوافن
وهذا قول قتادة. الثاني أن صفونها رفع إحدى اليدين على طرف الحافر حتى يقوم على ثلاث كما قال الشاعر :
ألف الصفون فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا
وقال عمرو بن كلثوم :
تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلدة أعنتها صفونا
وهذا قول مجاهد. قال الكلبي : غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ألف فرس. وقال مقاتل : ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس ، وكان أبوه أصابها من العمالقة. وقال الحسن : بلغني أنها كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة. وقاله الضحاك. وأنها كانت خيلا أخرجت لسليمان من البحر منقوشة ذات أجنحة. ابن زيد : أخرج
الشيطان لسليمان الخيل من البحر من مروج البحر ، وكانت لها أجنحة. وكذلك قال علي رضي الله عنه : كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة. وقيل : كانت مائة فرس. وفي الخبر عن إبراهيم التيمي : أنها كانت عشرين ألفا ، فالله أعلم. فقال : { إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي } يعني بالخير الخيل ، والعرب تسميها كذلك ، وتعاقب بين الراء واللام ؛ فتقول : انهملت العين وانهمرت ، وختلت وخترت إذا خدعت. قال الفراء : الخير في كلام العرب والخيل واحد. النحاس : في الحديث : "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" فكأنها سميت خيرا لهذا. وفي الحديث : لما وفد زيد الخيل على النبي صلى الله عليه وسلم ، قال له : "أنت زيد الخير" وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل : إنما سميت خيرا لما فيها من المنافع. وفي الخبر : إن الله تعالى عرض على آدم جميع الدواب ، وقيل له : اختر منها واحدا فاختار الفرس ؛ فقيل له : اخترت عزك ؛ فصار اسمه الخير من هذا الوجه. وسمي خيلا ؛ لأنها موسومة بالعز. وسمي فرسا لأنه يفترس مسافات الجو افتراس الأسد وثبانا ، ويقطعها كالالتهام بيديه على كل شيء خبطا وتناولا. وسمي عربيا لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت ، وإسماعيل عربي فصارت له نحلة من الله ؛ فسمى عربيا. و { حُبَّ } مفعول في قول الفراء. والمعنى إني آثرت حب الخير. وغيره يقدره مصدرا أضيف إلى المفعول ؛ أي أحببت الخير حبا فألهاني عن ذكر ربي. وقيل : إن معنى { أَحْبَبْتُ } قعدت وتأخرت من قولهم : أحب البعير إذا برك وتأخر. وأحب فلان أي طأطأ رأسه. قال أبو زيد : يقال : بعير محب ، وقد أحب إحبابا وهو أن يصيبه مرض أو كسر فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت. وقال ثعلب : يقال أيضا للبعير الحسير محب ؛ فالمعنى قعدت عن ذكر ربي. و { حُبَّ } على هذا مفعول له. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان : أحببت بمعنى لزمت ؛ من قوله :
مثل بعير السوء إذ أحبا
قوله تعالى : { حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ } يعني الشمس كناية عن غير مذكور ؛ مثل قوله تعالى : { مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ } أي على ظهر الأرض ؛ وتقول العرب : هاجت باردة أي هاجت الريح باردة. وقال الله تعالى : { فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ } أي بلغت النفس الحلقوم. وقال تعالى : { إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ } ولم يتقدم للنار ذكر. وقال الزجاج : إنما يجوز الإضمار إذا جرى ذكر الشيء أو دليل الذكر ، وقد جرى ها هنا الدليل وهو قوله : { بِالْعَشِيِّ } . والعشي ما بعد الزوال ، والتواري الاستتار عن الأبصار ، والحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق ؛ قاله قتادة وكعب. وقيل : هو جبل قاف. وقيل : جبل دون قاف. والحجاب الليل سمي حجابا لأنه يستر ما فيه. وقيل : { حَتَّى تَوَارَتْ } أي الخيل في المسابقة. وذلك أن سليمان كان له ميدان مستدير يسابق فيه بين الخيل ، حتى توارت عنه وتغيب عن عينه في المسابقة ؛ لأن الشمس لم يجر لها ذكر. وذكر النحاس أن سليمان عليه السلام كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غنمت فأشار بيده لأنه كان يصلي حتى توارت الخيل وسترتها جدر الإصطبلات فلما فرغ من صلاته قال : { رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً } أي فأقبل يمسحها مسحا. وفي معناه قولان : أحدهما : أنه أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراما منه لها ، وليرى أن الجليل لا يقبح أن يفعل مثل هذا بخيله. وقال قائل هذا القول : كيف يقتلها ؟ وفي ذلك إفساد المال ومعاقبة من لا ذنب له. وقيل : المسح ها هنا هو القطع أذن له في قتلها. قال الحسن والكلبي ومقاتل : صلى سليمان الصلاة الأولى وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه ، وكانت ألف فرس ؛ فعرض عليه منها تسعمائة فتنبه لصلاة العصر ، فإذا الشمس قد غربت وفاتت الصلاة ، ولم يعلم بذلك هيبة له فاغتم ؛ فقال : { رُدُّوهَا عَلَيَّ } فردت فعقرها بالسيف ؛ قربة لله وبقي منها مائة ، فما في أيدي الناس من الخيل العتاق اليوم فهي من نسل تلك الخيل. قال القشيري : وقيل : ما كان في ذلك الوقت صلاة الظهر ولا صلاة العصر ، بل كانت تلك الصلاة نافلة فشغل عنها. وكان سليمان عليه السلام رجلا مهيبا ، فلم يذكره أحد ما نسي من الفرض أو النفل وظنوا التأخر مباحا ، فتذكر سليمان تلك
الصلاة الفائتة ، وقال على سبيل التلهف : { فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي } أي عن الصلاة ، وأمر برد الأفراس إليه ، وأمر بضرب عراقيبها وأعناقها ، ولم يكن ذلك معاقبة للأفراس ؛ إذ ذبح البهائم جائز إذا كانت مأكولة ، بل عاقب نفسه حتى لا تشغله الخيل بعد ذلك عن الصلاة. ولعله عرقبها ليذبحها فحبسها بالعرقبة عن النفار ، ثم ذبحها في الحال ، ليتصدق بلحمها ؛ أو لأن ذلك كان مباحا في شرعه فأتلفها لما شغلته عن ذكر الله ، حتى يقطع عن نفسه ما يشغله عن الله ، فأثنى الله عليه بهذا ، وبين أنه أثابه بأن سخر له الريح ، فكان يقطع عليها من المسافة في يوم ما يقطع مثله على الخيل في شهرين غدوا ورواحا. وقد قيل : إن الهاء في قوله : { رُدُّوهَا عَلَيَّ } للشمس لا للخيل.
قال ابن عباس : سألت عليا عن هذه الآية فقال : ما بلغك فيها ؟ فقلت سمعت كعبا يقول : إن سليمان لما اشتغل بعرض الأفراس حتى توارت الشمس بالحجاب وفاتته الصلاة ، قال : { فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي } أي آثرت { حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي } الآية { رُدُّوهَا عَلَيَّ } يعني الأفراس وكانت أربع عشرة ؛ فضرب سوقها وأعناقها بالسيف ، وأن الله سلبه ملكه أربعة عشر يوما ؛ لأنه ظلم الخيل. فقال علي بن أبي طالب : كذب كعب لكن سليمان اشتغل بعرض الأفراس للجهاد حتى توارت أي غربت الشمس بالحجاب فقال بأمر الله للملائكة الموكلين بالشمس : { رُدُّوهَا } يعني الشمس فردوها حتى صلى العصر في وقتها ، وأن أنبياء الله لا يظلمون لأنهم معصومون.
قلت : الأكثر في التفسير أن التي توارت بالحجاب هي الشمس ، وتركها لدلالة السامع عليها بما ذكر مما يرتبط بها ومتعلق بذكرها ، حسب ما تقدم بيانه. وكثيرا ما يضمرون الشمس ؛ قال لبيد :
حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها
والهاء في { رُدُّوهَا } للخيل ، ومسحها قال الزهري وابن كيسان : كان يمسح سوقها وأعناقها ، ويكشف الغبار عنها حبا لها. وقال الحسن وقتادة وابن عباس. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رئي وهو يمسح فرسه بردائه. وقال : "إني عوتبت الليلة في الخيل"




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.76 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.13 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.54%)]