عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 10-07-2025, 05:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,533
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (15)
سُورَةُ ص
من صــ 147 الى صــ 156
الحلقة (606)



كلمة واحدة ، وإنما هي {لا} زيدت فيها التاء نحو رب وربت ، وثم وثمت. قال أبو زبيد الطائي :
طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
وقال آخر :
تذكر حب ليلى لات حينا ... وأمسى الشيب قد قطع القرينا
ومن العرب من يخفض بها ؛ وأنشد الفراء :
فلتعرفن خلائقا مشمولة ... ولتندمن ولات ساعة مندم
وكان الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش يذهبون إلى أن {ولات حين} التاء منقطعة من حين ، ويقولون معناها وليست. وكذلك هو في المصاحف الجدد والعتق بقطع التاء من حين. وإلى هذا كان يذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : الوقف عندي على هذا الحرف {ولا} والابتداء { تَحِينَ مَنَاصٍ } فتكون التاء مع حين. وقال بعضهم : {لات} ثم يبتدئ فيقول : { حِينَ مَنَاصٍ } . قال المهدوي : وذكر أبو عبيد أن التاء في المصحف متصلة بحين وهو غلط عند النحويين ، وهو خلاف قول المفسرين. ومن حجة أبي عبيد أن قال : إنا لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن ؛ وأنشد لأبي وجزة السعدي :
العاطفون تحين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ابن المطعم
وأنشد لأبي زبيد الطائي :
طلبوا صلحنا ولا تأوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
فأدخل التاء في أوان. قال أبو عبيد : ومن إدخالهم التاء في الآن ، حديث ابن عمر وسأله رجل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فذكر مناقبه ثم قال : اذهب بها تلان معك. وكذلك قول الشاعر :
نولي قبل نأي داري جمانا ... وصلينا كما زعمت تلانا
فال أبو عبيد : ثم مع هذا كله إني تعمدت النظر في الذي يقال له الإمام - مصحف عثمان - فوجدت التاء متصلة مع حين قد كتبت تحين. قال أبو جعفر النحاس : أما البيت الأول الذي أنشده لأبي وجزة فرواه العلماء باللغة على أربعة أوجه ، كلها على خلاف ما أنشده ؛ وفي أحدها تقديران ؛ رواه أبو العباس محمد بن يزيد :
العاطفون ولات ما من عاطف
والرواية الثانية :
العاطفون ولات حين تعاطف
والرواية الثالثة رواها ابن كيسان :
العاطفونةَ حين ما من عاطف
جعلها هاء في الوقف وتاء في الإدراج ، وزعم أنها لبيان الحركة شبهت بهاء التأنيث. الرواية الرابعة :
العاطفونهُ حين ما من عاطف
وفي هذه الرواية تقديران ؛ أحدهما وهو مذهب إسماعيل بن إسحاق أن الهاء في موضع نصب ؛ كما تقول : الضاربون زيدا فإذا كنيت قلت الضاربوه. وأجاز سيبويه في الشعر الضاربونه ، فجاء إسماعيل بالتأنيث على مذهب سيبويه في إجازته مثله. والتقدير الآخر العاطفون على أن الهاء لبيان الحركة ، كما تقول : مر بنا المسلمونه في الوقف ، ثم أجريت في الوصل مجراها في الوقف ؛ كما قرأ أهل المدينة : { مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ } وأما البيت الثاني فلا حجة له فيه ؛ لأنه يوقف عليه : ولات أوان ، غير أن فيه شيئا مشكلا ؛ لأنه يروى : ولات أوان بالخفض ، وإنما يقع ما بعد لات مرفوعا أو منصوبا. وإن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ { وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ } بكسر التاء من لات والنون من حين فإن الثبت عنه أنه قرأ { وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ } فبنى { وَلاتَ } على الكسر ونصب { حِينَ } . فأما : ولات أوان ففيه تقديران ؛ قال الأخفش : فيه مضمر أي ولات حين أوان.
قال النحاس : وهذا القول بين الخطأ. والتقدير الآخر عن أبي إسحاق قال : تقديره ولات أواننا فحذف ، المضاف إليه فوجب ألا يعرب ، وكسره لالتقاء الساكنين. وأنشده محمد بن يزيد ولات أوان بالرفع. وأما البيت الثالث فبيت مولد لا يعرف قائله ولا تصح به حجة. على أن محمد بن يزيد رواه : كما زعمت الآن. وقال غيره : المعنى كما زعمت أنت الآن. فأسقط الهمزة من أنت والنون. وأما احتجاجه بحديث ابن عمر ، لما ذكر للرجل مناقب عثمان فقال له : اذهب بها تلان إلى أصحابك فلا حجة ، فيه ؛ لأن المحدث إنما يروي هذا على المعنى. والدليل على هذا أن مجاهدا يروي عن ابن عمر هذا الحديث وقال فيه : اذهب فاجهد جهدك. ورواه آخر : اذهب بها الآن معك. وأما احتجاجه بأنه وجدها في الإمام { تَحِينَ } . فلا حجة فيه ؛ لأن معنى الإمام أنه إمام المصاحف فإن كان مخالفا لها فليس بإمام لها ، وفي المصاحف كلها { وَلاتَ } فلو لم يكن في هذا إلا هذا الاحتجاج لكان مقنعا. وجمع مناص مناوص.
الآية : [4] { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ }
الآية : [5] { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ }
قوله تعالى : { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ } {أن} في موضع نصب والمعنى من أن جاءهم. قيل : هو متصل بقوله : { فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } أي في عزة وشقاق وعجبوا ، وقوله : { كَمْ أَهْلَكْنَا } معترض. وقيل : لا بل هذا ابتداء كلام ؛ أي ومن جهلهم أنهم أظهروا التعجب من أن جاءهم منذر منهم. { وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ } أي يجيء بالكلام المموه الذي يخدع به الناس ؛ وقيل : يفرق بسحره بين الوالد وولده والرجل وزوجته { كَذَّابٌ } أي في دعوى النبوة.
قوله تعالى : { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً } مفعولان أي صير الآلهة إلها واحدا. { إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } أي عجيب. وقرأ السلمي : { عُجَابٌ } بالتشديد. والعجاب والعجّاب
والعجب سواء. وقد فرق الخليل بين عجيب وعجاب فقال : العجيب العجب ، والعجاب الذي قد تجاوز حد العجب ، والطويل الذي فيه طول ، والطوال ، الذي قد تجاوز حد الطول. وقال الجوهري : العجيب الأمر الذي يتعجب منه ، وكذلك العجاب بالضم ، والعجاب بالتشديد أكثر منه ، وكذلك الأعجوبة. وقال مقاتل : { عُجَابٌ } لغة أزد شنوءة. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : مرض أبو طالب فجاءت قريش إليه ، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل ، فقام أبو جهل كي يمنعه ، قال : وشكوه إلى أبي طالب ، فقال : يا ابن أخي ما تريد من قومك ؟ فقال : "يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها الجزية العجم" فقال : وما هي ؟ قال : "لا إله إلا الله" قال : فقالوا { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً } قال : فنزل فيهم القرآن : { ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } حتى بلغ { إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ } خرجه الترمذي أيضا بمعناه. وقال : هذا حديث حسن صحيح. وقيل : لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شق على قريش إسلامه فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا : اقض بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : بابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء ، فلا تمل كل الميل على قومك. قال : "وماذا يسألونني" قالوا : ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم" فقال أبو جهل : لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "قولوا لا إله إلا الله" فنفروا من ذلك وقاموا ؛ فقالوا : { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً } فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد. فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلى قوله : { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ}
الآية : [6] { وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ }
الآية : [7] { مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ }
الآية : [8] { أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ }
الآية : [9] { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب }
الآية : [10] { أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ }
الآية : [11] { جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ }
قوله تعالى : { وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا } {الملأ} الأشراف ، والانطلاق الذهاب بسرعة ؛ أي انطلق هؤلاء الكافرون من عند الرسول عليه السلام يقول بعضهم لبعض : { أَنِ امْشُوا } أي امضوا على ما كنتم عليه ولا تدخلوا في دينه. { وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ } وقيل : هو إشارة إلى مشيهم إلى أبي طالب في مرضه كما سبق. وفي رواية محمد بن إسحاق أنهم أبو جهل بن هشام ، وشيبة وعتبة أبناء ربيعة بن عبد شمس ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل ، وأبو معيط ؛ وجاؤوا إلى أبي طالب فقالوا : أنت سيدنا وأنصفنا في أنفسنا ، فاكفنا أمر ابن أخيك وسفهاء معه ، فقد تركوا ألهتنا وطعنوا في ديننا ؛ فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : إن قومك يدعونك إلى السواء والنصفة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنما أدعوهم إلى كلمة واحدة" فقال أبو جهل وعشرا. قال : "تقولون لا إله إلا الله" فقاموا وقالوا : { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً } الآيات. { أَنِ امْشُوا } {أن} في موضع نصب والمعنى بأن امشوا. وقيل : {أن} بمعنى أي ؛ أي { وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ } أي أمشوا ؛ وهذا تفسير انطلاقهم لا أنهم تكلموا بهذا اللفظ. وقيل : المعنى انطلق الأشراف منهم فقالوا للعوام : { امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ } أي على عبادة آلهتكم. {إنَّ هَذاَ} أي هذا الذي جاء به محمد عليه السلام { لَشَيْءٌ يُرَادُ } أي يراد بأهل الأرض من زوال نعم قوم
وغِيَر تنزل بهم. وقيل : { إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ } كلمة تحذير ؛ أي إنما يريد محمد بما يقول الانقياد له ليعلو علينا ، ونكون له أتباعا فيتحكم فينا بما يريد ، فاحذروا أن تطيعوه. وقال مقاتل : إن عمر لما أسلم وقوي به الإسلام شق ذلك على قريش فقالوا : إن إسلام عمر في قوة الإسلام لشيء يراد.
قوله تعالى : { مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ } قال ابن عباس والقرظي وقتادة ومقاتل والكلبي والسدي : يعنون ملة عيسى النصرانية وهي آخر الملل. والنصارى يجعلون مع الله إلها. وقال مجاهد وقتادة أيضا : يعنون ملة قريش. وقال الحسن : ما سمعنا أن هذا يكون في آخر الزمان. وقيل : أي ما سمعنا من أهل الكتاب أن محمدا رسول حق. { إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ} ْ أي كذب وتخرص ؛ عن ابن عباس وغيره. يقال : خلق واختلق أي ابتدع. وخلق الله عز وجل الخلق من هذا ؛ أي ابتدعهم على غير مثال.
قوله تعالى : { أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا } هو استفهام إنكار ، والذكر ها هنا القرآن. أنكروا اختصاصه بالوحي من بينهم. { بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي } أي من وحيي وهو القرآن. أي قد علموا أنك لم تزل صدوقا فيما بينهم ، وإنما شكوا فيما أنزلته عليك هل هو من عندي أم لا. { بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } أي إنما اغتروا بطول الإمهال ، ولو ذاقوا عذابي على الشرك لزال عنهم الشك ، ولما قالوا ذلك ؛ ولكن لا ينفع الإيمان حينئذ. و { لَمَّا } بمعنى لم وما زائدة كقوله : { عَمَّا قَلِيلٍ } { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ } .
قوله تعالى : { أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ } قيل : أم لهم هذا فيمنعوا محمدا عليه السلام مما أنعم الله عز وجل به عليه من النبوة. و { أَمْ } قد ترد بمعنى التقريع إذا كان الكلام متصلا بكلام قبله ؛ كقوله تعالى : {الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } وقد قيل إن قوله : { أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ } متصل بقول : { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ } فالمعنى أن الله عز وجل يرسل من يشاء ؛ لأن خزائن السموات والأرض له : { أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا }
أي فإن ادعوا ذلك : { فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ } أي فليصعدوا إلى السموات ، وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد. يقال : رقي يرقى وارتقى إذا صعد. ورقى يرقي رقيا مثل رمى يرمي رميا من الرقية. قال الربيع بن أنس : الأسباب أرق من الشعر وأشد من الحديد ولكن لا ترى. والسبب في اللغة كل ما يوصل به إلى المطلوب من حبل أو غيره. وقيل : الأسباب أبواب السموات التي تنزل الملائكة منها ؛ قاله مجاهد وقتادة. قال زهير :
ولو رام أسباب السماء بسلم
وقيل : الأسباب السموات نفسها ؛ أي فليصعدوا سماء سماء. وقال السدي : { فِي الأَسْبَابِ } في الفضل والدين. وقيل : أي فليعلوا في أسباب القوة إن ظنوا أنها مانعة. وهو معنى قول أبي عبيدة. وقيل : الأسباب الحبال ؛ يعني إن وجدوا حبلا أو سببا يصعدون فيه إلى السماء فليرتقوا ؛ وهذا أمر توبيخ وتعجيز. ثم وعد نبيه صلى النصر عليهم فقال : { جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ } { مَا } صلة وتقديره هم جند ، فـ {ـجُنْدٌ } خبر ابتداء محذوف. { مَهْزُومٌ } أي مقموع ذليل قد انقطعت حجتهم ؛ لأنهم لا يصلون إلى أن يقولوا هذا لنا. ويقال : تهزمت القربة إذا انكسرت ، وهزمت الجيش كسرته. والكلام مرتبط بما قبل ؛ أي : { بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } وهم جند من الأحزاب مهزومون ، فلا تغمك عزتهم وشقاقهم ، فإني أهزم جمعهم وأسلب عزهم. وهذا تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ وقد فعل بهم هذا في يوم بدر. قال قتادة : وعد الله أنه سيهزمهم وهم بمكة فجاء تأويلها يوم بدر. و { هُنَالِكَ } إشارة لبدر وهو موضع تحزبهم لقتال محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل : المراد بالأحزاب الذين أتوا المدينة وتحزبوا على النبي صلى الله عليه وسلم. وقد مضى ذلك في {الأحزاب} . والأحزاب الجند ، كما يقال : جند من قبائل شتى. وقيل : أراد بالأحزاب القرون الماضية من الكفار. أي هؤلاء جند على طريقة أولئك كقوله
تعالى : { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي } أي على ديني ومذهبي. وقال الفراء : المعنى هم جند مغلوب ؛ أي ممنوع عن أن يصعد إلى السماء. وقال القتبي : يعني أنهم جند لهذه الآلهة مهزوم ، فهم لا يقدرون على أن يدعوا لشيء من آلهتهم ، ولا لأنفسهم شيئا من خزائن رحمة الله ، ولا من ملك السموات والأرض.
الآية : [12] { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ }
الآية : [13] { وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ }
الآية : [14] { إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ }
قوله تعالى : { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } ذكرها تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له ؛ أي هؤلاء من قومك يا محمد جند من الأحزاب المتقدمين الذين تحزبوا على أنبيائهم ، وقد كانوا أقوى من هؤلاء فأهلكوا. وذكر الله تعالى القوم بلفظ التأنيث ، واختلف أهل العربية في ذلك على قولين : أحدهما : أنه قد يجوز فيه التذكير والتأنيث. الثاني : أنه مذكر اللفظ لا يجوز تأنيثه ، إلا أن يقع المعنى على العشيرة والقبيلة ، فيغلب في اللفظ حكم المعنى المضمر تنبيها عليه ؛ كقوله تعالى : { كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ } ولم يقل ذكرها ؛ لأنه لما كان المضمر فيه مذكرا ذكره ؛ وإن كان اللفظ مقتضيا للتأنيث. ووصف فرعون بأنه ذو الأوتاد. وقد اختلف في تأويل ذلك ؛ فقال ابن عباس : المعنى ذو البناء المحكم. وقال الضحاك : كان كثير البنيان ، والبنيان يسمى أوتادا. وعن ابن عباس أيضا وقتادة وعطاء : أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها. وعن الضحاك أيضا : ذو القوة والبطش. وقال الكلبي ومقاتل : كان يعذب الناس بالأوتاد ، وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد في الأرض ، ويرسل عليه العقارب والحيات حتى يموت. وقيل : كان يشبح المعذب بين أربع سوار ؛ كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وتد من حديد ويتركه حتى يموت. وقيل : ذو الأوتاد أي ذو الجنود الكثيرة فسميت
الجنود أوتادا ؛ لأنهم يقوون أمره كما يقوي الوتد البيت. وقال ابن قتيبة : العرب تقول هم في عز ثابت الأوتاد ، يريدون دائما شديدا. وأصل هذا أن البيت من بيوت الشعر إنما يثبت ويقوم بالأوتاد. وقال الأسود بن يعفر :
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد
وواحد الأوتاد وتد بالكسر ، وبالفتح لغة. وقال الأصمعي : يقال وتد واتد كما يقال : شغل شاغل. وأنشد :
لاقت على الماء جذيلا واتدا ... ولم يكن يخلفها المواعدا
قال : شبه الرجل بالجذل. { وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لْأَيْكَةِ } أي الغيضة. وقد مضى ذكرها في {الشعراء} . وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر : { لْيكَةِ } بفتح اللام والتاء من غير همز. وهمز الباقون وكسروا التاء. وقد تقدم هذا. { أُولَئِكَ الأَحْزَابُ } أي هم الموصوفون بالقوة والكسرة ؛ كقولك فلان هو الرجل. { إِنْ كُلٌّ } بمعنى ما كل. { إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ } أي فنزل بهم العذاب لذلك التكذيب. وأثبت يعقوب الياء في {عذابي} و {عقابي} في الحالين وحذفها الباقون في الحالين. ونظير هذه الآية قوله عز وجل : { وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } فسمى هذه الأمم أحزابا.
الآية : [15] { وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ }
الآية : [16] { وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ }
قوله تعالى : { وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً } { يَنْظُرُ } بمعنى ينتظر ؛ ومنه قوله تعالى : { انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ } . { هَؤُلاءِ } يعني كفار مكة. إِلاَّ صَيْحَةً
وَاحِدَةً أي نفخة القيامة. أي ما ينتظرون بعد ما أصيبوا ببدر إلا صيحة القيامة. وقيل : ما ينتظر أحياؤهم الآن إلا الصيحة التي هي النفخة في الصور ، كما قال تعالى : { مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فلا فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً } وهذا إخبار عن قرب القيامة والموت. وقيل : أي ما ينتظر كفار آخر هذه الأمة المتدينين بدين أولئك إلا صيحة واحدة وهي النفخة. وقال عبدالله بن عمرو : لم تكن صيحة في السماء إلا بغضب من الله عز وجل على أهل الأرض. { مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ } أي من ترداد ؛ عن ابن عباس. مجاهد : ما لها رجوع. قتادة : ما لها من مثنوية. السدي : مالها من إفاقة. وقرأ حمزة والكسائي : { مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ } بضم الفاء. الباقون بالفتح. الجوهري : والفَواق والفُواق ما بين الحلبتين من الوقت ؛ لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب. يقال : ما أقام عنده إلا فواقا ؛ وفي الحديث : "العيادة قدر فواق الناقة" . وقوله تعالى : { مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ } يقرأ بالفتح والضم أي ما لها من نظرة وراحة وإفاقة. والفيقة بالكسر اسم اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين : صارت الواو ياء لكسر ما قبلها ؛ قال الأعشى يصف بقرة :
حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت ... جاءت لترضع شق النفس لو رضعا
والجمع فيق ثم أفواق مثل شبر وأشبار ثم أفاويق. قال ابن همام السلولي :
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها ... أفاويق حتى ما يدر لها ثعل
والأفاويق أيضا ما اجتمع في السحاب من ماء ، فهو يمطر ساعة بعد ساعة. وأفاقت الناقة إفاقة أي اجتمعت الفيقة في ضرعها ؛ فهي مفيق ومفيقة - عن أبي عمرو - والجمع مفاويق. وقال الفراء وأبو عبيدة وغيرهما : { مِنْ فَوَاقٍ } بفتح الفاء أي راحة لا يفيقون فيها ، كما يفيق المريض والمغشي عليه. و { مِنْ فَوَاقٍ } بضم الفاء من انتظار. وقد تقدم أنهما بمعنى وهو ما بين الحلبتين




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.28 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.65 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.49%)]