
10-07-2025, 02:00 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,408
الدولة :
|
|
رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى

تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (15)
سُورَةُ الصافات
من صــ 67 الى صــ 76
الحلقة (598)
الوحي ؛ لقوله تعالى : {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } [الشعراء : 212] فيسترق الواحد منهم شيئا مما يتفاوض فيه الملائكة ، مما سيكون في العالم قبل أن يعلمه أهل الأرض ؛ وهذا لخفة أجسام الشياطين فيرجمون بالشهب حينئذ. وروي في هذا الباب أحادث صحاح ، مضمنها : أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء ، فتقعد للسمع واحدا فوق واحد ، فيتقدم الأجسر نحو السماء ثم الذي يليه ثم الذي يليه ، فيقضي الله تعالى الأمر من أمر الأرض ، فيتحدث به أهل السماء فيسمعه منهم الشيطان الأدنى ، فيلقيه إلى الذي تحته فربما أحرقه شهاب ، وقد ألقى الكلام ، وربما لم يحرقه على ما بيناه. فتنزل تلك الكلمة إلى الكهان ، فيكذبون معها مائة كذبة ، وتصدق تلك الكلمة فيصدق الجاهلون الجميع كما بيناه في "الأنعام" . فلما جاء الله بالإسلام حرست السماء بشدة ، فلا يفلت شيطان سمع بَتّةً. والكواكب الراجمة هي التي يراها الناس تنقض. قال النقاش ومكي : وليست بالكواكب الجارية في السماء ؛ لأن تلك لا ترى حركتها ، وهذه الراجمة ترى حركتها ؛ لأنها قريبة منا. وقد مضى في هذا الباب في سورة [الحجر] من البيان ما فيه كفاية. وذكرنا في "سبأ" حديث أبي هريرة. وفيه : "والشياطين بعضهم فوق بعض" وقال فيه الترمذي حديث حسن صحيح. وفيه عن ابن عباس : "ويختطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه إلى أوليائهم فما جاؤوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يحرفونه ويزيدون" . قال هذا حديث حسن صحيح. والخطف : أخذ الشيء بسرعة ؛ يقال : خَطَفَ وخَطِف وخَطّف وخِطّف وخِطّف. والأصل في المشددات اختطف فأدغم التاء في الطاء لأنها أختها ، وفتحت الخاء ؛ لأن حركة التاء ألقيت عليها. ومن كسرها فلالتقاء الساكنين. ومن كسر الطاء أتبع الكسر الكسر.
قوله تعالى : {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } أي مضيء ؛ قاله الضحاك والحسن وغيرهما. وقيل : المراد كواكب النار تتبعهم حتى تسقطهم في البحر. وقال ابن عباس في الشهب : تحرقهم من غير موت. وليست الشهب التي يرجم الناس بها
من الكواكب الثوابت. يدل على ذلك رؤية حركاتها ، والثابتة تجري ولا ترى حركاتها لبعدها. وقد مضى هذا. وجمع شهاب شهب ، والقياس في القليل أشهبة وإن لم يُسمع من العرب و {ثاقب} معناه مضيء ؛ قاله الحسن ومجاهد وأبو مجلز. ومته قوله :
وزندك أثقب أزنادها
أي أضوأ. وحكى الأخفش في الجمع : شُهُبٌ ثُقُبٌ وثواقب وثقاب. وحكى الكسائي : ثقبت النار تثقب ثقابةً وثقوبا إذا اتقدت ، وأثقبتها أنا. وقال زيد بن أسلم في الثاقب : إنه المستوقد ؛ من قولهم : أثقب زندك أي استوقد نارك ؛ قال الأخفش. وأنشد قول الشاعر :
بينما المرء شهاب ثاقب ... ضرب الدهر سناه فخمد
الآية : 11 {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ، بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ، وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ، وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ، أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ }
قوله تعالى : {فَاسْتَفْتِهِمْ } أي سلهم يعني أهل مكة ؛ مأخوذ من استفتاء المفتي. {أهم أشد خلقا أم من خلقنا} قال مجاهد : أي من خلقنا من السموات والأرض والجبال والبحار. وقيل : يدخل فيه الملائكة ومن سلف من الأمم الماضية. يدل على ذلك أنه أخبر عنهم {بمن} قال سعيد بن جبير : الملائكة. وقال غيره : {من} الأمم الماضية وقد هلكوا وهم أشد خلقا منهم. نزلت في أبي الأشد بن كلدة ، وسمى بأبى الأشد لشدة بطشه وقوته. وسيأتي في "البلد" ذكره. ونظير هذه : {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ } غافر : 57] وقوله : {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ } [النازعات : 27] . {إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ } أي لاصق ؛ قال ابن عباس. ومنه قول علي رضي الله عنه :
تعلم فإن الله زادك بسطة ... وأخلاق خير كلها لك لازب
وقال قتادة وابن زيد : معنى {لازب} لازق. الماوردي : والفرق بين اللاصق واللازق أن اللاصق : هو الذي قد لصق بعضه ببعض ، واللازق : هو الذي يلتزق بما أصابه. وقال عكرمة : {لازب} لزج. سعيد بن جبير : أي جيد حر يلصق باليد. مجاهد : {لازب} لازم. والعرب تقول : طين لازب ولازم ، تبدل الباء من الميم. ومثله قولهم : لا تب ولازم. على إبدال الباء بالميم. واللازب الثابت ؛ تقول : صار الشيء ضربة لازب ، وهو أفصح من لازم. قال النابغة :
ولا تحسبون الخير لا شر بعده ... ولا تحسبون الشر ضربة لازب
وحكى الفراء عن العرب : طين لاتب بمعنى لازم. واللاتب الثابت ؛ تقول منه : لتب يلتب لتبا ولتوبا ، مثل لزب يزب بالضم لزوبا ؛ وأنشد أبو الجراح في اللاتب :
فإن يك هذا من نبيذ شربته ... فإني من شرب النبيذ لتائب
صداع وتوصيم العظام وفترة ... وغم مع الإشراق في الجوف لاتب
واللاتب أيضا : اللاصق مثل اللازب ، عن الأصمعي حكاه الجوهري. وقال السدي والكلبي في اللازب : إنه الخالص. مجاهد والضحاك : إنه المنتن.
قوله تعالى : {بَلْ عَجِبْتَ } قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم بفتح التاء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ أي بل عجبت مما نزل عليك من القرآن وهم يسخرون به. وهي قراءة شريح وأنكر قراءة الضم وقال : إن الله لا يعجب من شيء ، وإنما يعجب من لا يعلم. وقيل : المعنى بل عجبت من إنكارهم للبعث. وقرأ الكوفيون إلا عاصما بضم التاء. واختارها أبو عبيد والفراء ، وهي مروية عن علي وابن مسعود ؛ رواه شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود أنه قرأ : {بل عجبت} بضم التاء. ويروى عن ابن عباس. قال الفراء في قوله سبحانه : {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ } قرأها الناس بنصب
التاء ورفعها ، والرفع أحب إلي ؛ لأنها عن علي وعبدالله وابن عباس. وقال أبو زكريا القراء : العجب إن أسند إلى الله عز وجل فليس معناه من الله كمعناه من العباد ؛ وكذلك قوله : {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } [البقرة : 15] ليس ذلك من الله كمعناه من العباد. وفي هذا بيان الكسر لقول شريح حيث أنكر القراءة بها. روى جرير والأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال : قرأها عبدالله يعني ابن مسعود {بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ } قال شريح : إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم. قال الأعمش فذكرته لإبراهيم فقال : إن شريحا كان يعجبه رأيه ، إن عبدالله كان أعلم من شريح وكان يقرؤها عبدالله {بل عجبتُ} . قال الهروي : وقال بعض الأئمة : معنى قوله : {بَلْ عَجِبْتُ } بل جازيتهم على عجبهم ؛ لأن الله تعالى أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الحق ؛ فقال : {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم} [ص : 4] وقال : {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } ، {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ } [يونس : 2] فقال تعالى : {بَلْ عَجِبْتُ } بل جازيتهم على التعجب.
قلت : وهذا تمام معنى قول الفراء واختاره البيهقي. وقال علي بن سليمان : معنى القراءتين واحد ، التقدير : قيل يا محمد بل عجبت ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب بالقرآن. النحاس : وهذا قول حسن وإضمار القول كثير. البيهقي : والأول أصح. المهدوي : ويجوز أن يكون إخبار الله عن نفسه بالعجب محمولا على أنه أظهر من أمره وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من المخلوقين ؛ كما يحمل إخباره تعالى عن نفسه بالضحك لمن يرضى عنه - على ما جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم - على أنه أظهر له من رضاه عنه ما يقوم له مقام الضحك من المخلوقين مجازا واتساعا. قال الهروي : ويقال معنى : "عجب ربكم" أي رضي وأثاب ؛ فسماه عجبا وليس بعجب في الحقيقة ؛ كما فال تعالى : {وَيَمْكُرُ اللَّهُ } [الأنفال : 30] معناه ويجازيهم الله على مكرهم ، ومثله في الحديث : "عجب ربكم من إلّكُم وقنوطكم" . وقد يكون العجب بمعنى وقوع ذلك العمل عند الله عظيما. فيكون معنى قوله : {بل عجبت} أي بل عظم فعلهم عندي. قال البيهقي : ويشبه أن يكون هذا معنى حديث عقبة بن عامر قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "عجب ربك من شاب ليست له صبوة" وكذلك ما خرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل" قال البيهقي : وقد يكون هذا الحديث وما ورد من أمثاله أنه يعجب ملائكته من كرمه ورأفته بعباده ، حين حملهم على الإيمان به بالقتال والأسر في السلاسل ، حتى إذا آمنوا أدخلهم الجنة. وقيل : معنى {بَلْ عَجِبْتُ } بل أنكرت. حكاه النقاش. وقال الحسين بن الفضل : التعجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه ، وهو لغة العرب. وقد جاء في الخبر : "عجب ربكم من إلّكُم وقنوطكم" .
قوله تعالى : {وَيَسْخَرُونَ } قيل : الواو واو الحال ؛ أي عجبت منهم في حال سخريتهم. وقيل : تم الكلام عند فوله : {بَلْ عَجِبْتُ } ثم استأنف فقال : {وَيَسْخَرُونَ } أي مما جئت به إذا تلوته عليهم. وقيل : يسخرون منك إذا دعوتهم. {وَإِذَا ذُكِّرُوا } أي وعظوا بالقرآن في قول قتادة : {لا يَذْكُرُونَ } لا ينتفعون به. وقال سعيد بن جبير : أي إذا ذكر لهم ما حل بالمكذبين من قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا . {وَإِذَا رَأَوْا آيَةً } أي معجزة {يَسْتَسْخِرُونَ } أي يسخرون في قوله قتادة. ويقولون إنها سحر. واستسخر وسخر بمعنىً مثل استقر وقر ، واستعجب ، وعجب. وقيل : {يَسْتَسْخِرُونَ } أي يستدعون السخري من غيرهم. وقال مجاهد : يستهزئون. وقيل : أي يظنون أن تلك الآية سخرية. {وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } أي إذا عجزوا عن مقابلة المعجزات بشيء قالوا هذا سحر وتخييل وخداع. {أئذا متنا} أي انبعث إذا متنا ؟ . فهو استفهام إنكار منهم وسخرية. {أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ } أي أو تبعث آباؤنا دخلت ألف الاستفهام على حرف العطف. قرأ نافع : {أو آباؤنا} بسكون الواو. وقد مضى هذا في سورة "الأعراف" . في قوله تعالى : {أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى } [الأعراف : 98] .
الآية : 18 {قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ، فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ، وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ، هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ }
قوله تعالى : {قُلْ نَعَمْ } أي نعم تبعثون. {وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ } أي صاغرون أذلاء ؛ لأنهم إذا رأوا وقوع ما أنكروه فلا محالة يذلون. وقيل : أي ستقوم القيامة وإن كرهتم ، فهذا أمر واقع على رغمكم وإن أنكرتموه اليوم بزعمكم. {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ } أي صيحة واحدة ، قاله الحسن وهي النفخة الثانية. وسميت الصيحة زجرة ؛ لأن مقصودها الزجر أي يزجر بها كزجر الإبل والخيل عند السوق. {فإذا هم} قيام
قوله تعالى : {ينظرون} أي ينظر بعضهم إلى بعض. وقيل : المعنى ينتظرون ما يفعل بهم. وقيل : هي مثل قوله : {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا } [الأنبياء : 97] . وقيل : أي ينظرون إلى البعث الذي أنكروه.
قوله تعالى : {وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ } نادوا على أنفسهم بالويل ؛ لأنهم يومئذ يعلمون ما حل بهم. وهو منصوب على أنه مصدر عند البصريين. وزعم الفراء أن تقديره : ياوي لنا ، ووي بمعنى حزن. النحاس : ولو كان كما قال لكان منفصلا وهو في المصحف متصل ، ولا نعلم أحدا يكتبه إلا متصلا. و {يوم الدين} يوم الحساب. وقيل : يوم الجزاء. {هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون} قيل : هو من قول بعضهم لبعض ؛ أي هذا اليوم الذي كذبنا به. وقيل : هو قول الله تعالى لهم. وقيل : من قول الملائكة ؛ أي هذا يوم الحكم بين الناس فيبين المحق من المبطل. فـ { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } [الشورى : 7] .
الآية : 22 احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ، مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ، مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ ، بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ،
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ، قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ، قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ، وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ ، فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ ، فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ، فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ، إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ، إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ
قوله تعالى : {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ } هو من قول الله تعالى للملائكة : {احْشُرُوا ا} المشركين {وَأَزْوَاجَهُمْ } أي أشياعهم في الشرك ، والشرك الظلم ؛ قال الله تعالى : {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان : 13] فيحشر الكافر مع الكافر ؛ قاله قتادة وأبو العالية. وقال عمر بن الخطاب في قول الله عز وجل : {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ } قال : الزاني مع الزاني ، وشارب الخمر مع شارب الخمر ، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة. وقال ابن عباس : {وَأَزْوَاجَهُمْ } أي أشباههم. وهذا يرجع إلى قول عمر. وقيل : {وَأَزْوَاجَهُمْ} نساؤهم الموافقات على الكفر ؛ قاله مجاهد والحسن ، ورواه النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب. وقال الضحاك : {وأزواجهم} قرناءهم من الشياطين. وهذا قول مقاتل أيضا : يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة. {وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ، مِنْ دُونِ اللَّهِ } من الأصنام والشياطين وإبليس. {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ } أي سوقوهم إلى النار. وقيل : {فأهدوهم} أي دلوهم. يقال : هديته إلى الطريق ، وهديته الطريق ؛ أي دللته عليه. وأهديت الهدية وهديت العروس ، ويقال أهديتها ؛ أي جعلتها بمنزلة الهدية.
قوله تعالى : {وَقِفُوهُمْ } وحكى عيسى بن عمر {أنهم} بفتح الهمزة. قال الكسائي : أي لأنهم وبأنهم ، يقال : وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هي وقوفا ، يتعدى ولا يتعدى ؛ أي احسبوهم. وهذا يكون قبل السوق إلى الجحيم ؛ وفيه تقديم وتأخير ،
أي قفوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار. وقيل : يساقون إلى النار أولا ثم يحشرون للسؤال إذا قربوا من النار. {إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ } عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم ؛ قال القرظي والكلبي. الضحاك : عن خطاياهم. ابن عباس : عن لا إله إلا الله. وعنه أيضا : عن ظلم الخلق. وفي هذا كله دليل على أن الكافر يحاسب. وقد مضى في "الحجر" الكلام فيه. وقيل : سؤالهم أن يقال لهم : {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ } [الأنعام : 130] إقامة للحجة. ويقال لهم : {مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ } على جهة التقريع والتوبيخ ؛ أي ينصر بعضكم بعضا فيمنعه من عذاب الله. وقيل : هو إشارة إلى قول أبي جهل يوم بدر : {نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ } [القمر : 44] . وأصله تتناصرون فطرحت إحدى التاءين تخفيفا. وشدد البزي التاء في الوصل.
قوله تعالى : {بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } قال قتادة : مستسلمون في عذاب الله عز وجل. ابن عباس : خاضعون ذليلون. الحسن : منقادون. الأخفش : ملقون بأيديهم. والمعنى متقارب. {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } يعني الرؤساء والأتباع {يَتَسَاءَلُونَ } يتخاصمون. ويقال لا يتساءلون فسقطت لا. النحاس : وإنما غلط الجاهل باللغة فتوهم أن هذا من قوله : {فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ } [المؤمنون : 101] إنما هو لا يتساءلون بالأرحام ، فيقول أحدهم : أسألك بالرحم الذي بيني وبينك لما نفعتني ، أو أسقطت لي حقا لك علي ، أو وهبت لي حسنة. وهذا بين ؛ لأن قبله {فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ } [المؤمنون : 101] . أي ليس ينتفعون بالأنساب التي بينهم ؛ كما جاء في الحديث : "إن الرجل ليسر بأن يصبح له على أبيه أو على ابنه حق فيأخذه منه لأنها الحسنات والسيئات" ، وفي حديث آخر : "رحم الله امرأ كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فأتاه فاستحله قبل أن يطالبه به فيأخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات زيد عليه من سيئات المطالب" . و {يتساءلون} ها هنا إنما هو أن يسأل بعضهم بعضا ويوبخه في أنه أضله أو فتح بابا من المعصية ؛ يبين ذلك أن بعده {إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ } قال مجاهد : هو قول الكفار للشياطين. قتادة : هو قول الإنس للجن. وقيل : هو من قول
الأتباع للمتبوعين ؛ دليله قوله تعالى : {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ } [ سبأ : 31] الآية. قال سعيد عن قتادة : أي تأتوننا عن طريق الخير وتصدوننا عنها. وعن ابن عباس نحو منه. وقيل : تأتوننا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك من جهة النصح. والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح. وقيل : {تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ } تأتوننا مجيء من إذا حلف لنا صدقناه. وقيل : تأتوننا من قبل الدين فتهونون علينا أمر الشريعة وتنفروننا عنها.
قلت : وهذا القول حسن جدا ؛ لأن من جهة الدين يكون الخير والشر ، واليمين بمعنى الدين ؛ أي كنتم تزينون لنا الضلالة. وقيل : اليمين بمعنى القوة ؛ أي تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر ؛ قال الله تعالى : {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ } [الصافات : 93] أي بالقوة وقوة الرجل في يمينه ؛ وقال الشاعر :
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
أي بالقوة والقدرة. وهذا قول ابن عباس. وقال مجاهد : {تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ } أي من قبل الحق أنه معكم ؛ وكله متقارب المعنى. {قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } قال قتادة : هذا قول الشياطين لهم. وقيل : من قول الرؤساء ؛ أي لم تكونوا مؤمنين قط حتى ننقلكم منه إلى الكفر ، بل كنتم على الكفر فأقمتم عليه للألف والعادة. {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ } أي من حجة في ترك الحق {بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ } أي ضالين متجاوزين الحد. {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا } هو أيضا من قول المتبوعين ؛ أي وجب علينا وعليكم قول ربنا ، فكلنا ذائقون العذاب ، كما كتب الله وأخبر على ألسنة الرسل {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [السجدة : 13] . وهذا موافق للحديث : "إن الله جل وعز كتب للنار أهلا وللجنة أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم" . {فَأَغْوَيْنَاكُمْ } أي زينا لكم ما كنتم عليه من الكفر {إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ } بالوسوسة والاستدعاء. ثم قال مخبرا عنهم : {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } الضال والمضل. {إِنَّا كَذَلِكَ } أي مثل هذا الفعل {فْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ } أي المشركين. {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } أي إذا قيل لهم قولوا فأضمر القول.
و {يَسْتَكْبِرُونَ } في موضع نصب على خبر كان. ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر إن ، وكان ملغاة. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب عند موته واجتماع قريش : "قولوا لا إله إلا الله تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم" أبوا وأنفوا من ذلك. وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أنزل الله تعالى في كتابه فذكر قوما استكبروا فقال : {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } وقال تعالى : {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } [الفتح : 26] وهي :" لا إله إلا الله محمد رسول الله "استكبر عنها المشركون يوم الحديبية يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية المدة ؛ ذكر هذا الخبر البيهقي ، والذي قبله القشيري."
الآية : 36 - 40 {وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ، بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ، إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ، وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ }
قوله تعالى : {وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ } أي لقول شاعر مجنون ؛ فرد الله جل وعز عليهم فقال : {بل جاء بالحق} يعني القرآن والتوحيد {وصدق المرسلين} فيما جاؤوا به من التوحيد. {إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ } الأصل لذائقون فحذفت النون استخفافا وخفضت للإضافة. ويجوز النصب كما أنشد سيبويه :
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا
وأجاز سيبويه {الْمُقِيمِي الصَّلاةِ } على هذا. {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي إلا بما عملتم من الشرك {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } استثناء ممن يذوق العذاب. وقراءة أهل المدينة والكوفة {المخلصين} بفتح اللام ؛ يعني الذين أخلصهم الله لطاعته ودينه وولايته. الباقون بكسر اللام ؛ أي الذين أخلصوا لله العبادة. وقيل : هو استثناء منقطع ، أي إنكم أيها المجرمون ذائقو العذاب لكن عباد الله المخلصين لا يذوقون العذاب.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|