
09-07-2025, 01:26 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,492
الدولة :
|
|
رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى

تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (15)
سُورَةُ يس
من صــ 17 الى صــ 35
الحلقة (594)
قوله تعالى : {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} يجوز أن يكون تقديره وآية لهم الشمس. ويجوز أن يكون {وَالشَّمْسُ} مرفوعا بإضمار فعل يفسره الثاني. ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء {تَجْرِي} في موضع الخبر أي جارية. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل : {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} قال : "مستقرها تحت العرش" . وفيه عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما : "أتدرون أين تذهب هذه الشمس" ؟ قالوا الله ورسوله أعلم ، قال : "إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أتدرون متى ذلكم ذاك حين {لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً } [الأنعام : 158] " . ولفظ البخاري عن أبي ذر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس : "تدري أين تذهب" قلت الله ورسوله أعلم ، قال : "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى : {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} . ولفظ الترمذي عن أبي ذر قال : دخلت المسجد حين غابت الشمس والنبي صلى الله عليه وسلم جالس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه "قال قلت : الله ورسوله أعلم ؛ قال :" فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها اطلعي من حيث جئت فتطلع من مغربها "قال : ثم قرأ {ذلك مستقر لها} قال وذلك قراءة عبدالله. قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح."
وقال عكرمة : إن الشمس إذا غربت دخلت محرابا تحت العرش تسبح الله حتى تصبح ، فإذا أصبحت استعفت ربها من الخروج فيقول لها الرب : ولم ذاك ؟ قالت : إني إذا خرجت عبدت من دونك. فيقول الرب تبارك وتعالى : أخرجي فليس عليك من ذاك شيء ، سأبعث إليهم جهنم مع سبعين ألف ملك يقودونها حتى يدخلوهم فيها.
وقال الكلبي وغيره : المعنى تجري إلى أبعد منازلها في الغروب ، ثم ترجع إلى أدنى منازلها ؛ فمستقرها بلوغها الموضع الذي لا تتجاوزه بل ترجع منه ؛ كالإنسان يقطع مسافة حتى يبلغ أقصى مقصوده فيقضي وطره ، ثم يرجع إلى منزل الأول الذي ابتدأ منه سفره. وعلى تبليغ الشمس أقصى منازلها ، وهو مستقرها إذا طلعت الهنعة ، وذلك اليوم أطول الأيام في السنة ، وتلك الليلة أقصر الليالي ، فالنهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات ، ثم يأخذ في النقصان وترجع الشمس ، فإذا طلعت الثريا استوى الليل والنهار ، وكل واحد ثنتا عشرة ساعة ، ثم تبلغ أدنى منازلها وتطلع النعائم ، وذلك اليوم أقصر الأيام ، والليل خمس عشرة ساعة ، حتى إذا طلع فرس الدلو المؤخر استوى الليل والنهار ، فيأخذ الليل من النهار كل يوم عشر ثلث ساعة ، وكل عشرة أيام ثلث ساعة ، وكل شهر ساعة تامة ، حتى يستويا ويأخذ الليل حتى يبلغ خمس عشرة ساعة ، ويأخذ النهار من الليل كذلك. وقال الحسن : إن للشمس في السنة ثلاثمائة وستين مطلعا ، تنزل في كل يوم مطلعا ، ثم لا تنزله إلى الحول ؛ فهي تجري في تلك المنازل وهي مستقرها. وهو معنى الذي قبله سواء. وقال ابن عباس : إنها إذا غربت وانتهت إلى الموضع الذي لا تتجاوزه استقرت تحت العرش إلى أن تطلع.
قلت : ما قاله ابن عباس يجمع الأقوال فتأمله. وقيل : إلى انتهاء أمدها عند انقضاء الدنيا وقرأ ابن مسعود وابن عباس {والشمس تجري لا مستقر لها} أي إنها تجري في الليل والنهار لا وقوف لها ولا قرار ، إلى أن يكورها الله يوم القيامة. وقد احتج من خالف المصحف فقال : أنا أقرأ بقراءة ابن مسعود وابن عباس. قال أبو بكر الأنباري : وهذا باطل مردود على من نقله ؛ لأن أبا عمر وروى عن مجاهد عن ابن عباس وابن كثير روى
عن مجاهد عن ابن عباس {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} فهذان السندان عن ابن عباس اللذان يشهد بصحتهما الإجماع - يبطلان ما روي بالسند الضعيف مما يخالف مذهب الجماعة ، وما اتفقت عليه الأمة.
قلت : والأحاديث الثابتة التي ذكرناها ترد قوله ، فما أجرأه على كتاب الله ، قاتله الله. وقوله : {لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} أي إلى مستقرها ، والمستقر موضع القرار. {ذَلِكَ تَقْدِيرُ } أي الذي ذكر من أمر الليل والنهار والشمس تقدير {الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} .
{وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ }
قوله تعالى : {وَالْقَمَرَ} يكون تقديره وآية لهم القمر. ويجوز أن يكون {والقمر} مرفوعا بالابتداء. وقرأ الكوفيون {وَالْقَمَرَ} بالنصب على إضمار فعل وهو اختيار أبي عبيد. قال : لأن قبله فعلا وبعده فعلا ؛ قبله {نَسْلَخُ} وبعده {قَدَّرْنَاهُ} . النحاس : وأهل العربية جميعا فيما علمت على خلاف ما قال : منهم الفراء قال : الرفع أعجب إلي ، وإنما كان الرفع عندهم أولى ؛ لأنه معطوف على ما قبله ومعناه وآية لهم القمر. وقوله : إن قبله {نَسْلَخُ} فقبله ما هو أقرب منه وهو {تَجْرِي} وقبله {وَالشَّمْسُ} بالرفع. والذي ذكره بعده وهو {قَدَّرْنَاهُ} قد عمل في الهاء. قال أبو حاتم : الرفع أولى ؛ لأنك شغلت الفعل عنه بالضمير فرفعته بالابتداء. ويقال : القمر ليس هو المنازل فكيف قال : {قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} ففي هذا جوابان : أحدهما قدرناه إذا منازل ؛ مثل : {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ } [يوسف : 82] . والتقدير الآخر قدرنا له منازل ثم حذفت اللام ، وكان حذفها حسنا لتعدي الفعل إلى مفعولين مثل {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً} [الأعراف : 155] . والمنازل ثمانية وعشرون منزلا ، ينزل القمر كل ليلة منها بمنزل ؛ وهي : الشرطان. البطين. الثريا. الدبران. الهقعة. الهنعة. الذراع. النثرة. الطرف. الجبهة. الخراتان. الصرفة. العواء. السماك. الغفر.
الزبانيان. الإكليل. القلب. الشولة. النعائم. البلدة. سعد الذابح. سعد بلع. سعد السعود. سعد الأخبية. الفرغ المقدم. الفرغ المؤجر. بطن الحوت. فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أولها ، فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة. ثم يستسر ثم يطلع هلالا ، فيعود في قطع الفلك على المنازل ، وهي منقسمة على البروج لكل برج منزلان وثلث. فللحمل السرطان والبطين وثلث الثريا ، وللثور ثلثا الثريا والدبران وثلثا الهقعة ، ثم كذلك إلى سائرها. وقد مضى في "الحجر" تسمية البروج والحمد لله. وقيل : إن الله تعالى خلق الشمس والقمر من نار ثم كسيا النور عند الطلوع ، فأما نور الشمس فمن نور العرش ، وأما نور القمر فمن نور الكرسي ، فذلك أصل الخلقة وهذه الكسوة. فأما الشمس فتركت كسوتها على حالها لتشعشع وتشرق ، وأما القمر فأمرّ الروح الأمين جناح على وجهه فمحا ضوءه بسلطان الجناح ، وذلك أنه روح والروح سلطانه غالب على الأشياء. فبقي ذلك المحو على ما يراه الخلق ، ثم جعل في غلاف من ماء ، ثم جعل له مجرى ، فكل ليلة يبدو للخلق من ذلك الغلاف قمرا بمقدار ما يقمر لهم حتى ينتهي بدؤه ، ويراه الخلق بكماله واستدارته. ثم لا يزال يعود إلى الغلاف كل ليلة شيء منه فينقص من الرؤية والإقمار بمقدار ما زاد في البدء. ويبتدئ في النقصان من الناحية التي لا تراه الشمس وهي ناحية الغروب حتى يعود كالعرجون القديم ، وهو العذق المتقوس ليبسه ودقته. وإنما قيل القمر ؛ لأنه يقمر أي يبيض الجو ببياضه إلى أن يستسر.
قوله تعالى : {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ } قال الزجاج : هو عود العذق الذي عليه الشماريخ ، وهو فعلون من الانعراج وهو الانعطاف ، أي سار في منازل ، فإذا كان في آخرها دق واستقوس وضاق حتى صار كالعرجون. وعلى هذا فالنون زائدة. وقال قتادة : هو العذق اليابس المنحني من النخلة. ثعلب : {كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ } قال : {العرجون} الذي يبقى من الكباسة في النخلة إذا قطعت ، و {القديم} البالي. الخليل : في باب الرباعي {العرجون} أصل العذق وهو أصفر عريض يشبه به الهلال إذا انحنى. الجوهري :
{العرجون} أصل العذق الذي يعوج وتقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابسا ؛ وعرجنه : ضربه بالعرجون. فالنون على قول هؤلاء أصلية ؛ ومنه شعر أعشى بني قيس :
شرق المسك والعبير بها ... فهي صفراء كعرجون القمر
فالعرجون إذا عتق ويبس وتقوس شبه القمر في دقته وصفرته به. ويقال له أيضا الإهان والكباسة والقنو ، وأهل مصر يسمونه الإسباطة. وقرئ : {العرجون} بوزن الفرجون وهما لغتان كالبُزيون والبِزيون ؛ ذكره الزمخشري وقال : هو عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة. واعلم أن السنة منقسمة على أربعة فصول ، لكل فصل سبعة منازل : فأولها الربيع ، وأوله خمسة عشر يوما من آذار ، وعدد أيامه اثنان وتسعون يوما ؛ تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، وسبعة منازل : الشرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع. ثم يدخل فصل الصيف في خمسة عشر يوما من حزيران ، وعدد أيامه اثنان وتسعون يوما ؛ تقطع الشمس فيه ثلاثة بروج : السرطان ، والأسد ، والسنبلة ، وسبعة منازل : وهي النثرة والطرف والجبهة والخراتان والصرفة والعواء والسماك. ثم يدخل فصل الخريف في خمسة عشر يوما من أيلول ، وعدد أيامه أحد وتسعون يوما ، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج ؛ وهي الميزان ، والعقرب ، والقوس ، وسبعة منازل الغفر والزبانان والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة. ثم يدخل فصل الشتاء في خمسة عشر يوما من كانون الأول ، وعدد أيامه تسعون يوما وربما كان أحدا وتسعين يوما ، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج : وهي الجدي والدلو والحوت ، وسبعة منازل سعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرغ المقدم ، والفرغ المؤخر وبطن الحوت. وهذه قسمة السريانيين لشهورها : تشرين الأول ، تشرين الثاني ، كانون الأول ، كانون الثاني ، أشباط ، آذار ، نيسان ، أيار ، حزيران ، تموز ، آب ، أيلول ، وكلها أحد وثلاثون إلا تشرين الثاني ونيسان وحزيران وأيلول ، فهي ثلاثون ، وأشباط ثمانية وعشرون يوما وربع يوم.
وإنما أردنا بهذا أن تنظر في قدرة الله تعالى : فذلك قوله تعالى : {الْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} فإذا كانت الشمس في منزل أهل الهلال بالمنزل الذي بعده ، وكان الفجر بمنزلتين من قبله. فإذا كانت الشمس بالثريا في خمسة وعشرين يوما من نيسان ، كان الفجر بالشرطين ، وأهل الهلال بالدبران ، ثم يكون له في كل ليلة منزلة حتى يقطع في ثمان وعشرين ليلة ثمانيا وعشرين منزلة. وقد قطعت الشمس منزلتين فيقطعهما ، ثم يطلع في المنزلة التي بعد منزلة الشمس فـ {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} .
قوله تعالى : {القديم} قال الزمخشري : القديم المحول وإذا قدم دق وانحنى واصفر فشبه القمر به من ثلاثة أوجه. وقيل : أقل عدة الموصوف بالقديم الحول ، فلو أن رجلا قال : كل مملوك لي قديم فهو حر ، أو كتب ذلك في وصيته عتق من مضى له حول أو أكثر.
قلت : قد مضى في "البقرة" ما يترتب على الأهلة من الأحكام والحمد لله.
الآية : 40 {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }
قوله تعالى : {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ} رفعت {الشَّمْسُ } بالابتداء ، ولا يجوز أن تعمل {لا} في معرفة. وقد تكلم العلماء في معنى هذه الآية ، فقال بعضهم : معناها إن الشمس لا تدرك القمر فتبطل معناه. أي لكل واحد منهما سلطان على حياله ، فلا يدخل أحدهما على الآخر فيذهب سلطانه ، إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك ، فتطلع الشمس من مغربها على ما تقدم في آخر سورة {الأنعام} بيانه. وقيل : إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء ، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء. روي معناه عن ابن عباس والضحاك. وقال مجاهد : أي لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر. وقال قتادة : لكل حد وعلم لا يعدوه
ولا يقصر دونه إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا. وقال الحسن : إنهما لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة. أي لا تبقى الشمس حتى يطلع القمر ، ولكن إذا غربت الشمس طلع القمر. يحيى بن سلام : لا تدرك الشمس القمر ليلة البدر خاصة لأنه يبادر بالمغيب قبل طلوعها. وقيل : معناه إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر في منازل لا يشتركان فيها ؛ قاله ابن عباس أيضا. وقيل : القمر في السماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة فهي لا تدركه ؛ ذكره النحاس والمهدوي. قال النحاس : وأحسن ما قيل في معناها وأبينه مما لا يدفع : أن سير القمر سير سريع والشمس لا تدركه في السير ذكره المهدوي أيضا. فأما قوله سبحانه : {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة : 9] فذلك حين حبس الشمس عن الطلوع على ما تقدم بيانه في آخر "الأنعام" ويأتي في سورة [القيامة] أيضا. وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا وقيام الساعة. {وَكُلٌّ} يعني من الشمس والقمر والنجوم {فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } أي يجرون. وقيل : يدورون. ولم يقل تسبح ؛ لأنه وصفها بفعل من يعقل. وقال الحسن : الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملصقة ؛ ولو كانت ملصقة ما جرت ذكره الثعلبي والماوردي. واستدل بعضهم بقوله تعالى : {وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} على أن النهار مخلوق قبل الليل ، وأن الليل لم يسبقه بخلق. وقيل : كل واحد منهما يجيء وقته ولا يسبق صاحبه إلى أن يجمع بين الشمس والقمر يوم القيامة ؛ كما قال : {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} وإنما هذا التعاقب الآن لتتم مصالح العباد. {وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ } [يونس : 5] ويكون الليل للإجمام والاستراحة ، والنهار للتصرف ؛ كما قال تعالى : {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [القصص : 73] وقال : {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} أي راحة لأبدانكم من عمل النهار. فقوله : {وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} أي غالب النهار ؛ يقال : سبق فلان فلانا أي غلبه. وذكر المبرد قال : سمعت عمارة يقرأ : {وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} فقلت ما هذا ؟ قال : أردت سابق النهار فحذفت التنوين ؛ لأنه أخف. قال النحاس : يجوز أن يكون {النَّهَارِ} منصوبا بغير تنوين ويكون التنوين حذف لالتقاء الساكنين.
الآية : [41] {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ}
الآية : [42] { وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ}
الآية : [43] { وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ}
الآية : [44] { إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ }
قوله تعالى : {وَآيَةٌ لَهُمْ} يحتمل ثلاثة معان : أحدها عبرة لهم ؛ لأن في الآيات اعتبارا. الثاني نعمة عليهم ؛ لأن في الآيات إنعاما. الثالث إنذار لهم ؛ لأن في الآيات إنذارا. {أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} من أشكل ما في السورة ؛ لأنهم هم المحمولون. فقيل : المعنى وآية لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} فالضميران مختلفان ؛ ذكره المهدوي. وحكاه النحاس عن علي بن سليمان أنه سمعه يقوله. وقيل : الضميران جميعا لأهل مكة على أن يكون ذرياتهم أولادهم وضعفاءهم ؛ فالفلك على القول الأول سفينة نوح. وعلى الثاني يكون اسما للجنس ؛ خبّر جل وعز بلطفه وامتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يصعب عليه المشي والركوب من الذمة والضعفاء ، فيكون الضميران على هذا متفقين. وقيل : الذرية الآباء والأجداد ، حملهم الله تعالى في سفينة نوح عليه السلام ؛ فالآباء ذرية والأبناء ذرية ؛ بدليل هذه الآية ؛ قاله أبو عثمان. وسمي الآباء ذرية ؛ لأن منهم ذرأ الأبناء. وقول رابع : أن الذرية النطف حملها الله تعالى في بطون النساء تشبيها بالفلك المشحون ؛ قاله علي بن أبى طالب رضي الله عنه ؛ ذكره الماوردي. وقد مضى في {البقرة} اشتقاق الذرية والكلام فيها مستوفى. و {الْمَشْحُونِ} المملوء الموقر ، و {الْفُلْكِ} يكون واحدا وجمعا. وقد تقدم في {يونس} القول فيه.
قوله تعالى : {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} والأصل يركبونه فحذفت الهاء لطول الاسم وأنه رأس آية. وفي معناه ثلاثة أقوال : مذهب مجاهد وقتادة وجماعة من أهل التفسير ،
وروي عن ابن عباس أن معنى "من مثله" للإبل ، خلقها لهم للركوب في البر مثل السفن المركوبة في البحر ؛ والعرب تشبه الإبل بالسفن. قال طرفة :
كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دَدِ
جمع خلية وهي السفينة العظيمة. والقول الثاني أنه للإبل والدواب وكل ما يركب. والقول الثالث أنه للسفن ؛ النحاس : وهو أصحها لأنه متصل الإسناد عن ابن عباس. {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} قال : خلق لهم سفنا أمثالها يركبون فيها. وقال أبو مالك : إنها السفن الصغار خلقها مثل السفن الكبار ؛ وروي عن ابن عباس والحسن. وقال الضحاك وغيره : هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح. قال الماوردي : ويجيء على مقتضى تأويل علي رضي الله عنه في أن الذرية في الفلك المشحون هي النطف في بطون النساء قول خامس في قوله : {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} أن يكون تأويله النساء خلقن لركوب الأزواج لكن لم أره محكيا.
قوله تعالى : {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ} أي في البحر فترجع الكناية إلى أصحاب الذرية ، أو إلى الجميع ، وهذا يدل على صحة قول ابن عباس ومن قال : إن المراد {مِنْ مِثْلِهِ } السفن لا الإبل. {فَلا صَرِيخَ لَهُمْ} أي لا مغيث لهم رواه سعيد عن قتادة. وروى شيبان عنه : فلا منعة لهم ومعناهما متقاربان. و {صَرِيخَ} بمعنى مصرخ فعيل بمعنى فاعل. ويجوز {فلا صريخ لهم} ؛ لأن بعده ما لا يجوز فيه إلا الرفع ؛ لأنه معرفة وهو {وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ} والنحويون يختارون لا رجل في الدار ولا زيد. ومعنى : {يُنْقَذُونَ} يخلصون من الغرق. وقيل : من العذاب. {إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا} قال الكسائي : هو نصب على الاستثناء. وقال الزجاج : نصب مفعول من أجله ؛ أي للرحمة {وَمَتَاعاً} إِلَى حِينٍ معطوف عليه. {إِلَى حِينٍ} إلى الموت ؛ قاله قتادة. يحيى بن سلام : إلى القيامة أي إلا أن نرحمهم ونمتعهم إلى آجالهم ، وأن الله عجل عذاب الأمم السالفة ، وأخر عذاب أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإن كذبوه إلى الموت والقيامة.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|