عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 09-07-2025, 01:23 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,426
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (15)
سُورَةُ يس
من صــ 16 الى صــ 26
الحلقة (593)






قلت : وحكاه الثعلبي عن زر بن حبيش وابن السميقع. وقرأ عيسى بن عمر والحسن البصري : {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَينْ ذُكِّرْتُمْ} بمعنى حيث. وقرأ يزيد بن القعقاع والحسن وطلحة {ذُكِّرْتُمْ} بالتخفيف ؛ ذكر جميعه النحاس. وذكر المهدوي عن طلحة بن مصرف وعيسى الهمذاني : {آنْ ذُكِّرْتُمْ} بالمد ، على أن همزة الاستفهام دخلت على همزة مفتوحة. الماجشون : {آنْ ذُكِّرْتُمْ} بهمزة واحدة مفتوحة. فهذه تسع قراءات. وقرأ ابن هرمز {طيركم معك} . {أئنْ ذُكِّرْتُمْ} أي لإن وعظتم ؛ وهو كلام مستأنف ، أي إن وعظتم تطيرتم. وقيل : إنما تطيروا لما بلغهم أن كل نبي دعا قومه فلم يجيب كان عاقبتهم الهلاك. {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} قال قتادة : مسرفون في تطيركم. يحيى بن سلام : مسرفون في كفركم. وقال ابن بحر : السرف ها هنا الفساد ، ومعناه بل أنتم قوم مفسدون. وقيل : مسرفون مشركون ، والإسراف مجاوزة الحد ، والمشرك يجاوز الحد.
الآية : [20] {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}
الآية : [21] { اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ}
الآية : [22] { وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}
الآية : [23] { أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ}
الآية : [24] { إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}
الآية : [25] { إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ}
الآية : [26] { قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ}
الآية : [27] { بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}
الآية : [28] { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينْ }
الآية : [29] {كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ }
قوله تعالى : {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} هو حبيب بن مري وكان نجارا. وقيل : إسكافا. وقيل : قصارا. وقال ابن عباس ومجاهد ومقاتل : هو حبيب
بن إسرائيل النجار وكان ينحت الأصنام ، وهو ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وبينهما ستمائة سنة ، كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما. ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره. قال وهب : وكان حبيب مجذوما ، ومنزله عند أقصى باب من أبواب المدينة ، وكان يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوهم ، لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره فما استجابوا له ، فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله فقال : هل من آية ؟ قالوا : نعم ، ندعو ربنا القادر فيفرج عنك ما بك. فقال : إن هذا لعجب! أدعو هذه الآلهة سبعين سنة تفرج عني فلم تستطع ، فكيف يفرجه ربكم في غداة واحدة ؟ قالوا : نعم ، ربنا على ما يشاء قدير ، وهذه لا تنفع شيئا ولا تضر. فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به ، كأن لم يكن به بأس ، فحينئذ أقبل على التكسب ، فإذا أمسى تصدق بكسبه ، فأطعم عياله نصفا وتصدق بنصف ، فلما هم قومه بقتل الرسل جاءهم. فـ {قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} الآية. وقال قتادة : كان يعبد الله في غار ، فلما سمع بخبر المرسلين جاء يسعى ، فقال للمرسلين : أتطلبون على ما جئتم به أجرا ؟ قالوا : لا ما أجرنا إلا على الله. قال أبو العالية : فاعتقد صدقهم وآمن بهم وأقبل على قومه فـ {قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} . {اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} أي لو كانوا متهمين لطلبوا منكم المال {وَهُمْ مُهْتَدُونَ} فاهتدوا بهم. {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} قال قتادة : قال له قومه أنت على دينهم ؟ ! فقال : {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} أي خلقني. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وهذا احتجاج منه عليهم. وأضاف الفطرة إلى نفسه ؛ لأن ذلك نعمة عليه توجب الشكر ، والبعث إليهم ؛ لأن ذلك وعيد يقتضي الزجر ؛ فكان إضافة النعمة إلى نفسه اظهر شكرا ، وإضافة البعث إلى الكافر أبلغ أثرا.
قوله تعالى : {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} يعني أصناما. {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ } يعني ما أصابه من السقم. {لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ} يخلصوني مما أنا فيه من البلاء {إِنِّي إِذاً} يعني إن فعلت ذلك {لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} أي خسران ظاهر. ، {إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} قال ابن مسعود : خاطب الرسل بأنه
مؤمن بالله ربهم. ومعنى {فَاسْمَعُونِ} أي فأشهدوا ، أي كونوا شهودي بالإيمان. وقال كعب ووهب : إنما قال ذلك لقومه إنى آمنت بربكم الذي كفرتم به. وقيل : إنه لما قال لقومه {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ، اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} رفعوه إلى الملك وقالوا : قد تبعت عدونا ؛ فطول معهم الكلام ليشغلهم بذلك عن قتل الرسل ، إلى أن قال : {إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} فوثبوا عليه فقتلوه. قال ابن مسعود : وطئوه بأرجلهم حتى خرج قُصْبُه من دبره ، وألقي في بئر وهي الرس وهم أصحاب الرس. وفي رواية أنهم قتلوا الرسل الثلاثة. وقال السدي : رموه بالحجارة وهو يقول : اللهم اهد قومي حتى قتلوه. وقال الكلبي : حفروا حفرة وجعلوه فيها ، وردموا فوقه التراب فمات ردما. وقال الحسن : حرقوه حرقا ، وعلقوه من سور المدينة وقبره في سور أنطاكية ؛ حكاه الثعلبي. وقال القشيري : وقال الحسن لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إلى السماء ، فهو في الجنة لا يموت إلا بفناء السماء وهلاك الجنة ، فإذا أعاد الله الجنة أدخلها. وقيل : نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه ، فوالله ما خرجت روحه إلا إلى الجنة فدخلها ؛ فذلك قوله : {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} . فلما شاهدها {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} أي بغفران ربي لي ؛ فـ "ما" مع الفعل بمنزلة المصدر. وقيل : بمعنى الذي والعائد من الصلة محذوف. ويجوز أن تكون استفهاما فيه معنى التعجب ، كأنه قال ليت قومي يعلمون بأي شيء غفر لي ربي ؛ قال الفراء. واعترضه الكسائي فقال : لو صح هذا لقال بم من غير ألف. وقال الفراء : يجوز أن يقال بما بالألف وهو استفهام وأنشد فيه أبياتا. الزمخشري : {بِمَ غَفَرَ لِي رَبِّي} بطرح الألف أجود ، وإن كان إثباتها جائزا ؛ يقال : قد علمت بما صنعت هذا وبم صنعت. المهدوي : وإثبات الألف في الاستفهام قليل. فيوقف على هذا على {يَعْلَمُونَ} . وقال جماعة : معنى {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} وجبت لك الجنة ؛ فهو خبر بأنه قد استحق دخول الجنة ؛ لأن دخولها يستحق بعد البعث.
قلت : والظاهر من الآية أنه لما قتل قيل له ادخل الجنة. قال قتادة : أدخله الله الجنة وهو فيها حي يرزق ؛ أراد قوله تعالى : {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران : 169] على ما تقدم في "آل عمران" بيانه. والله أعلم.
قوله تعالى : {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} وهو مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد من قول عند ذلك الفوز العظيم الذي هو {مَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} وقرئ {من المكرمين} وفي معنى تمنيه قولان : أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته. الثاني تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله. قال ابن عباس : نصح قومه حيا وميتا. رفعه القشيري فقال : وفي الخبر أنه عليه السلام قال في هذه الآية : "إنه نصح لهم في حياته وبعد موته" . وقال ابن أبي ليلى : سُبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين : علي بن أبي طالب وهو أفضلهم ، ومؤمن آل فرعون ، وصاحب يس ، فهم الصديقون ؛ ذكره الزمخشري مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الآية تنبيه عظيم ، ودلالة على وجوب كظم الغيظ ، والحلم عن أهل الجهل. والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي ، والتشمر في تخليصه ، والتلطف في افتدائه ، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته ، والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام. فلما قتل حبيب غضب الله له وعجل النقمة على قومه ، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة فماتوا عن آخرهم ؛ فذلك قوله : {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} أي ما أنزلنا عليهم من رسالة ولا نبي بعد قتله ؛ قال قتادة ومجاهد والحسن. قال الحسن : الجند الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء. وقيل : الجند العساكر ؛ أي لم أحتج في هلاكهم إلى إرسال جنود ولا جيوش ولا عساكر ؛ بل أهلكهم بصيحة واحدة. قال معناه ابن مسعود وغيره. فقوله : {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} تصغير لأمرهم ؛ أي أهلكناهم بصيحة واحدة من بعد ذلك الرجل ، أو من بعد رفعه إلى السماء. وقيل : {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} على من كان قبلهم.
الزمخشري : فان قلت فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق ؟ فقال : {وَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا } [الأحزاب : 9] ، وقال : {بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ} [آل عمران : 124] . {بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ } [آل عمران : 125] .
قلت : إنما كان يكفي ملك واحد ، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل ، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة ، ولكن الله فضل محمدا صلى الله عليه وسلم بكل شيء على سائر الأنبياء وأولي العزم من الرسل فضلا عن حبيب النجار ، وأولاه من أسباب الكرامة والإعزاز ما لم يوله أحدا ؛ فمن ذلك أنه أنزل له جنودا من السماء ، وكأنه أشار بقوله : {وَمَا أَنْزَلْنَا} . {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك ، وما كنا نفعل لغيرك. {إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} قراءة العامة {وَاحِدَةً } بالنصب على تقدير ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة.
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج : {صَيْحَةً} بالرفع هنا ، وفي قوله : {إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ} جعلوا الكون بمعنى الوقوع والحدوث ؛ فكأنه قال : ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة. وأنكر هذه القراءة أبو حاتم وكثير من النحويين بسبب التأنيث فهو ضعيف ؛ كما تكون ما قامت إلا هند ضعيفا ؛ من حيث كان المعنى ما قام أحد إلا هند. قال أبو حاتم : فلو كان كما قرأ أبو جعفر لقال : إن كان إلا صيحة. قال النحاس : لا يمتنع شيء من هذا ، يقال : ما جاءتني إلا جاريتك ، بمعنى ما جاءتني امرأة أو جارية إلا جاريتك. والتقدير في القراءة بالرفع ما قاله أبو إسحاق ، قال : المعنى إن كانت عليهم صيحة إلا صيحة واحدة ، وقدره غيره : ما وقع عليهم إلا صيحة واحدة. وكان بمعنى وقع كثير في كلام العرب. وقرأ عبدالرحمن بن الأسود - ويقال إنه في حرف عبدالله كذلك - {إن كانت إلا زقية واحدة} . وهذا مخالف للمصحف. وأيضا فإن اللغة المعروفة زقا يزقو إذا صاح ، ومنه المثل : أثقل من الزواقي ؛ فكان يجب على هذا أن يكون زقوة. ذكره النحاس.
قلت : وقال الجوهري : الزقو والزقي مصدر ، وقد زقا الصدى يزقو زقاء : أي صاح ، وكل صائح زاق ، والزقية الصيحة.
قلت : وعلى هذا يقال : زقوة وزقية لغتان ؛ فالقراءة صحيحة لا اعتراض عليها. والله أعلم. {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} أي ميتون هامدون ؛ تشبيها بالرماد الخامد. وقال قتادة : هلكى. والمعنى واحد.
30 {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ، أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ، وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ }
قوله تعالى : {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} منصوب ؛ لأنه نداء نكرة ولا يجوز فيه غير النصب عند البصريين. وفي حرف أبي {يا حسرة العباد} على الإضافة. وحقيقة الحسرة في اللغة أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيرا. وزعم الفراء أن الاختيار النصب ، وأنه لو رفعت النكرة الموصولة بالصلة كان صوابا. واستشهد بأشياء منها أنه سمع من العرب : يا مهتم بأمرنا لا تهتم. وأنشد :
يا دار غيرها البلى تغييرا
قال النحاس : وفي هذا إبطال باب النداء أو أكثره ؛ لأنه يرفع النكرة المحضة ، ويرفع ما هو بمنزلة المضاف في طول ، ويحذف التنوين متوسطا ، ويرفع ما هو في المعنى مفعول بغير علة أوجبت ذلك. فأما ما حكاه عن العرب فلا يشبه ما أجازه ؛ لأن تقدير يا مهتم بأمرنا لا تهتم على التقديم والتأخير ، والمعنى : يا أيها المهتم لا تهتم بأمرنا. وتقدير البيت : يا أيتها الدار ، ثم حول المخاطبة ؛ أي يا هؤلاء غير هذه الدار البلى ؛ كما قال الله جل وعز : {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ } [يونس : 22] . فـ {حَسْرَةً} منصوب على النداء ؛ كما تقول يا رجلا أقبل ، ومعنى النداء
هذا موضع حضور الحسرة. الطبري : المعنى يا حسرة من العباد على أنفسهم وتندما وتلهفا في استهزائهم برسل الله عليهم السلام. ابن عباس : {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} أي يا ويلا على العباد. وعنه أيضا : حل هؤلاء محل من يتحسر عليهم. وروى الربيع عن أنس عن أبي العالية أن العباد ها هنا الرسل ؛ وذلك أن الكفار لما رأوا العذاب قالوا : {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} فتحسروا على قتلهم ، وترك الإيمان بهم ؛ فتمنوا الإيمان حين لم ينفعهم الإيمان ؛ وقال مجاهد. وقال الضحاك : إنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل. وقيل : {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} من قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ، لما وثب القوم لقتله. وقيل : إن الرسل الثلاثة هم الذين قالوا لما قتل القوم ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ، وحل بالقوم العذاب : يا حسرة على هؤلاء ، كأنهم تمنوا أن يكونوا قد أمنوا. وقيل : هذا من قول القوم قالوا لما قتلوا الرجل وفارقتهم الرسل ، أو قتلوا الرجل مع الرسل الثلاثة ، على اختلاف الروايات : يا حسرة على هؤلاء الرسل ، وعلى هذا الرجل ، ليتنا آمنا بهم في الوقت الذي ينفع الإيمان. وتم الكلام على هذا ، ثم ابتدأ فقال : {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ} . وقرأ ابن هرمز ومسلم بن جندب وعكرمة : {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} بسكون الهاء للحرص على البيان وتقرير المعنى في النفس ؛ إذ كان موضع وعظ وتنبيه والعرب تفعل ذلك في مثله ، وإن لم يكن موضعا للوقف. ومن ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقطع قراءته حرفا حرفا ؛ حرصا على البيان والإفهام. ويجوز أن يكون {عَلَى الْعِبَادِ} متعلقا بالحسرة. ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف لا بالحسرة ؛ فكأنه قدر الوقف على الحسرة فأسكن الهاء ، ثم قال : {عَلَى الْعِبَادِ} أي أتحسر على العباد. وعن ابن عباس والضحاك وغيرهما : {يا حسرة العباد} مضاف بحذف "على" . وهو خلاف المصحف. وجاز أن يكون من باب الإضافة إلى الفاعل فيكون العباد فاعلين ؛ كأنهم إذا شاهدوا العذاب تحسروا فهو كقولك يا قيام زيد. ويجوز أن تكون من باب الإضافة إلى المفعول ، فيكون العباد مفعولين ؛ فكأن العباد يتحسر عليهم من يشفق لهم. وقراءة من قرأ : {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} مقوية لهذا المعنى.
قوله تعالى : {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ} قال سيبويه : "أن" بدل من "كم" ، ومعنى كم ها هنا الخبر ؛ فلذلك جاز أن يبدل منها ما ليس باستفهام. والمعنى : ألم يروا أن القرون الذين أهلكناهم أنهم إليهم لا يرجعون. وقال الفراء : {كَمْ} في موضع نصب من وجهين : أحدهما بـ {يَرَوْا} واستشهد على هذا بأنه في قراءة ابن مسعود {ألم يروا من أهلكنا} . والوجه الآخر أن يكون {كَمْ} في موضع نصب بـ {أَهْلَكْنَا} قال النحاس : القول الأول محال ؛ لأن "كم" لا يعمل فيها ما قبلها ؛ لأنها استفهام ، ومحال أن يدخل الاستفهام في خبر ما قبله. وكذا حكمها إذا كانت خبرا ، وإن كان سيبويه قد أومأ إلى بعض هذا فجعل "أنهم" بدلا من كم. وقد رد ذلك محمد بن يزيد أشد رد ، وقال : "كم" في موضع نصب بـ {أَهْلَكْنَا} و {أَنَّهُمْ} قي موضع نصب ، والمعنى عنده بأنهم أي {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ} بالاستئصال. قال : والدليل على هذا أنها في قراءة عبدالله {من أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون} . وقرأ الحسن : {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ} بكسر الهمزة على الاستئناف. وهذه الآية رد على من زعم أن من الخلق من يرجع قبل القيامة بعد الموت. {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} يريد يوم القيامة للجزاء. وفرأ ابن عامر وعاصم وحمزة : { وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا} بتشديد {لَمَّا} . وخفف الباقون. فـ "إن" مخففة من الثقيلة وما بعدها مرفوع بالابتداء ، وما بعده الخبر. وبطل عملها حين تغير لفظها. ولزمت اللام في الخبر فرقا بينها وبين إن التي بمعنى ما. "وما" عند أبي عبيدة زائدة. والتقدير عنده : وإن كل لجميع. قال الفراء : ومن شدد جعل "لما" بمعنى إلا و "إن" بمعنى ما ، أي ما كل إلا لجميع ؛ كقوله : {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } [المؤمنون : 25] . وحكى سيبويه في قوله : سألتك بالله لما فعلت. وزعم الكسائي أنه لا يعرف هذا. وقد مضى هذا المعنى في {هود} . وفي حرف أبي {وإن منهم إلا جميع لدينا محضرون} .
قوله تعالى : {آيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} نبههم الله تعالى بهذا على إحياء الموتى ، وذكرهم توحيده وكمال قدرته ، وهي الأرض الميتة أحياها بالنبات وإخراج الحب منها. {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} {فَمِنْهُ} أي من الحب {يَأْكُلُونَ} وبه يتغذون. وشدد أهل المدينة {الْمَيْتَةُ} وخفف الباقون ، وقد تقدم. {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ} أي في الأرض. {جَنَّاتٍ} أي بساتين. {مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} وخصصهما بالذكر ؛ لأنهما أعلى الثمار. {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ} أي في البساتين. {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ} الهاء في {ثَمَرِهِ} تعود على ماء العيون ؛ لأن الثمر منه أندرج ؛ قاله الجرجاني والمهدوي وغيرهما. وقيل : أي ليأكلوا من ثمر ما ذكرنا ؛ كما قال : {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ} [النحل : 66] . وقرأ حمزة والكسائي : {من ثمره} بضم الثاء والميم. وفتحهما الباقون. وعن الأعمش ضم الثاء وإسكان الميم. وقد مضى الكلام فيه في "الأنعام" . {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ } "ما" في موضع خفض على العطف على "من {مِنْ ثَمَرِهِ} أي ومما عملته أيديهم. وقرأ الكوفيون : {وما عملت} بغير هاء. الباقون {عَمِلَتْهُ} على الأصل من غير حذف. وحذف الصلة أيضا في الكلام كثير لطول الاسم. ويجوز أن تكون "ما" نافية لا موضع لها فلا تحتاج إلى صلة ولا راجع. أي ولم تعمله أيديهم من الزرع الذي أنبته الله لهم. وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل. وقال غيرهم : المعنى ومن الذي عملته أيديهم أي من الثمار ، ومن أصناف الحلاوات والأطعمة ، ومما"
اتخذوا من الحبوب بعلاج كالخبز والدهن المستخرج من السمسم والزيتون. وقيل : يرجع ذلك إلى ما يغرسه الناس. روي معناه عن ابن عباس أيضا. {أَفَلا يَشْكُرُونَ} نعمه.
قوله تعالى : {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا} نزه نفسه سبحانه عن قول الكفار ؛ إذ عبدوا غيره مع ما رأوه من نعمه وآثار قدرته. وفيه تقدير الأمر ؛ أي سبحوه ونزهوه عما لا يليق به. وقيل : فيه معنى التعجب ؛ أي عجبا لهؤلاء في كفرهم مع ما يشاهدونه من هذه الآيات ؛ ومن تعجب من شيء قال : سبحان الله! والأزواج الأنواع والأصناف ؛ فكل زوج صنف ؛ لأنه مختلف في الألوان والطعوم والأشكال والصغر والكبر ، فاختلافها هو ازدواجها. وقال قتادة : يعني الذكر والأنثى. {مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ} يعني من النبات ؛ لأنه أصناف. {وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ} يعني وخلق منهم أولادا أزواجا ذكورا وإناثا. {وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ} أي من أصناف خلقه في البر والبحر والسماء والأرض. ثم يجوز أن يكون ما يخلقه لا يعلمه البشر وتعلمه الملائكة. ويجوز ألا يعلمه مخلوق. ووجه الاستدلال في هذه الآية أنه إذا انفرد بالخلق فلا ينبغي أن يشرَك به.
{وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }
قوله تعالى : {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} أي وعلامة دالة على توحيد الله وقدرته ووجوب إلاهيته. والسلخ : الكشط والنزع ؛ يقال : سلخه الله من دينه ، ثم تستعمل بمعنى الإخراج. وقد جعل ذهاب الضوء ومجيء الظلمة كالسلخ من الشيء وظهور المسلوخ فهي استعارة. و {مُظْلِمُونَ} داخلون في الظلام ؛ يقال : أظلمنا أي دخلنا في ظلام الليل ، وأظهرنا دخلنا في وقت الظهر ، وكذلك أصبحنا وأضحينا وأمسينا. وقيل : {مِنْهُ} بمعنى عنه ، والمعنى نسلخ عنه ضياء النهار. {فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} أي في ظلمة ؛ لأن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فاذا خرج منه أظلم.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.38 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.75 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.42%)]