
09-07-2025, 12:59 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,412
الدولة :
|
|
رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى

تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (14)
سُورَةُ سبأ
من صــ 306 الى صــ 315
الحلقة (586)
ومريم والفرقان. و {مَن} في موضع نصب على الاستثناء المنقطع ، أي لكن من آمن وعمل صالحا فإيمانه وعمله يقربانه مني. وزعم الزجاج أنه في موضع نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم التي في { تُقَرِّبُكُمْ } . النحاس : وهذا القول غلط ؛ لأن الكاف والميم للمخاطب فلا يجوز البدل ، ولو جاز هذا لجاز : رأيتك زيدا. وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء. إلا أن الفراء لا يقول بدل لأنه ليس من لفظ الكوفيين ، ولكن قول يؤول إل ذلك ، وزعم أن مثله { إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } يكون منصوبا عنده بـ {ينفع} . وأجاز الفراء أن يكون {مَن} في موضع رفع بمعنى : ما هو إلا من أمن ، كذا قال ، ولست أحصل معناه. { فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا } يعني قوله : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } فالضعف الزيادة ، أي لهم جزاء التضعيف ، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول. وقيل : لهم جزاء الأضعاف ، فالضعف في معنى الجمع ، وإضافة الضعف إلى الجزاء كإضافة الشيء إلى نفسه ، نحو : حق اليقين ، وصلاة الأولى. أي لهم الجزاء المضعف ، للواحد عشرة إلى ما يريد الله من الزيادة.
وبهذه الآية استدل من فضل الغنى على الفقر. وقال محمد بن كعب : إن المؤمن إذا كان غنيا تقيا أتاه الله أجره مرتين بهذه الآية { وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } قراءة العامة { جَزَاءُ الضِّعْفِ } بالإضافة. وقرأ الزهري ويعقوب ونصر بن عاصم {جزاءَ} منونا منصوبا {الضُعف} رفعا ؛ أي فأولئك لهم الضعف جزاء ، على التقديم والتأخير. { جَزَاءُ الضِّعْفِ } على أن يجازوا الضعف. و { جَزَاءٌ الضِّعْفِ } مرفوعان ، الضعف بدل من جزاء. وقرأ الجمهور { فِي الْغُرُفَاتِ } على الجمع ، وهو اختيار أبى عبيد ؛ لقوله : { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً } . الزمخشري : وقرئ { فِي الْغُرُفَاتِ } بضم الراء وفتحها وسكونها. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة وخلف {في الغرفة} على التوحيد ؛ لقوله تعالى : { أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ } والغرفة قد يراد بها اسم الجمع واسم الجنس. قال ابن عباس : هي غرف
من ياقوت وزبرجد ودر وقد مضى بيان ذلك. { آمِنُونَ } أي من العذاب والموت والأسقام والأحزان. { وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا } في إبطال أدلتنا وحجتنا وكتابنا. { مُعَاجِزِينَ } معاندين ، يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم. { أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ } أي في جهنم تحضرهم الزبانية فيها.
الآية : [39] { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }
قوله تعالى : { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ } كرر تأكيدا. { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } أي قل يا محمد لهؤلاء المغترين بالأموال والأولاد إن الله يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء ، فلا تغتروا بالأموال والأولاد بل أنفقوها في طاعة الله ، فإن ما أنفقتم في طاعة الله فهو يخلفه. وفيه إضمار ، أي فهو يخلفه عليكم ؛ يقال : أخلف له وأخلف عليه ، أي يعطيكم خلفه وبدله ، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في الآخرة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم : "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا. وفيه أيضا عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله قال لي أنفق أنفق عليك... "الحديث. وهذه إشارة إلى الخلف في الدنيا بمثل المنفق فيها إذا كانت النفقة في طاعة الله. وقد لا يكون الخلف في الدنيا فيكون كالدعاء كما تقدم سواء في الإجابة أو التكفير أو الادخار ؛ والادخار ها هنا مثله في الأجر."
مسألة : روى الدارقُطني وأبو أحمد بن عدي عن عبدالحميد الهلالي عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم : "كل معروف صدقة وما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة وما وقى به الرجل عرضه فهو صدقة وما أنفق الرجل"
من نفقة فعلى الله خلفها إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية ". قال عبدالحميد : قلت لابن المنكدر :"
"ما وقى الرجل عرضه" ؟ قال : يعطي الشاعر وذا اللسان. عبدالحميد وثقه ابن معين.
قلت : أما ما أنفق في معصية فلا خلاف أنه غير مثاب عليه ولا مخلوف له. وأما البنيان فما كان منه ضروريا يكن الإنسان ويحفظه فذلك ، مخلوف عليه ومأجور ببنيانه. وكذلك كحفظ بنيته وستر عورته ، قال صلى الله عليه وسلم : "ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال ، بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز والماء" . وقد مضى هذا المعنى في {الأعراف} مستوفى.
قوله تعالى : { وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } لما كان يقال في الإنسان : إنه يرزق عياله والأمير جنده ؛ قال : { وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } والرازق من الخلق يرزق ، لكن ذلك من مال يملك عليهم ثم ينقطع ، والله تعالى يرزق من خزائن لا تفنى ولا تتناهى. ومن أخرج من عدم إلى الوجود فهو الرازق على الحقيقة ، كما قال : { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } .
الآية : [40] { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون }
الآية : [42] { قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ }
قوله تعالى : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } هذا متصل بقوله : { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ } . أي لو تراهم في هذه الحالة لرأيت أمرا فظيعا. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد هو وأمته ثم قال ولو تراهم أيضا { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } العابدين والمعبودين ، أي نجمعهم للحساب { ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} قال سعيد عن قتادة : هذا
استفهام ؛ كقول عز وجل لعيسى : { أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } قال النحاس : فالمعنى أن الملائكة صلوات الله عليهم إذا كذبتهم كان في ذلك تبكيت لهم ؛ فهو استفهام توبيخ للعابدين . { قَالُوا سُبْحَانَكَ } أي تنزيها لك. { أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ } أي أنت ربنا الذي نتولاه ونطيعه ونعبده ونخلص في العبادة له. {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ } أي يطيعون إبليس وأعوانه. وفي التفاسير : أن حيا يقال لهم بنو مليح من خزاعة كانوا يعبدون الجن ، ويزعمون أن الجن تتراءى لهم ، وأنهم ملائكة ، وأنهم بنات الله ؛ وهو قوله : { وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً }
الآية : [42] { فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ }
قوله تعالى : { فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً } أي شفاعة ونجاة. { وَلا ضَرّاً } أي عذابا وهلاكا. وقيل : أي لا تملك الملائكة دفع ضر عن عابديهم ؛ فحذف المضاف { وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } يجوز أن يقول الله لهم أو الملائكة : ذوقوا.
الآية : [43] { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ }
قوله تعالى : { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ } يعني القرآن. { قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم. { يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ } أي أسلافكم من
الآلهة التي كانوا يعبدونها. { وَقَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً } يعنون القرآن ؛ أي ما هو إلا كذب مختلق. { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ } فتارة قالوا سحر ، وتارة قالوا إفك. ويحتمل أن يكون منهم من قال سحر ومنهم من قال إفك.
الآية : [44] { وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ }
الآية : [45] { وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ }
قوله تعالى : { وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا } أي لم يقرؤوا في كتاب أوتوه بطلان ما جئت به ، ولا سمعوه من رسول بعث إليهم ، كما قال : { أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ } فليس لتكذيبهم وجه يتشبث به ولا شبهة متعلق كما يقول أهل الكتاب وإن كانوا مبطلين : نحن أهل كتاب وشرائع ومستندون إلى رسل من رسل الله ، ثم توعدهم على تكذيبهم بقوله الحق : { وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } أي كذب قبلهم أقوام كانوا أشد من هؤلاء بطشا وأكثر أموالا وأولادا وأوسع عيشا ، فأهلكتهم كثمود وعاد. { وَمَا بَلَغُوا } أي ما بلغ أهل مكة { مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ } تلك الأمم. والمعشار والعشر سواء ، لغتان. وقيل : المعشار عشر العشر. الجوهري : ومعشار الشيء عشره ، ولا يقولون هذا في شيء سوى العشر. وقال : ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم ؛ حكاه النقاش. وقيل : ما أعطى الله تعالى من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة والبرهان. قال ابن عباس : فليس أمة أعلم من أمة ، ولا كتاب أبين من كتابه. وقيل : المعشار هو عشر العشير ، والعشير هو عشر العشر فيكون جزءا من ألف جزء. الماوردي : وهو الأظهر ، لأن المراد به المبالغة في التقليل. { فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي عقابي في الأمم ، وفيه محذوف وتقديره : فأهلكناهم فكيف كان نكيري.
الآية : [46] { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ }
قوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ } تمم الحجة على المشركين ؛ أي قل لهم يا محمد : { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ } أي أذكركم وأحذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه. { بِوَاحِدَةٍ } أي بكلمة واحدة مشتملة على جميع الكلام ، تقتضي نفي الشرك لإثبات الإله قال مجاهد : هي لا إله إلا الله وهذا قول ابن عباس والسدي. وعن مجاهد أيضا : بطاعة الله. وقيل : بالقرآن ؛ لأنه يجمع كل المواعظ. وقيل : تقديره بخصلة واحدة ، { أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى } {أَنْ} في موضع خفض على البدل من { وَاحِدَة } ، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ ، أي هي أن تقوموا. ومذهب الزجاج أنها في موضع نصب بمعنى لأن تقوموا. وهذا القيام معناه القيام إلى طلب الحق لا القيام الذي هو ضد القعود ، وهو كما يقال : قام فلان بأمر كذا ؛ أي لوجه الله والتقرب إليه. وكما قال تعالى : { وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ } { مَثْنَى وَفُرَادَى } أي وحدانا ومجتمعين قاله السدي. وقيل : منفردا برأيه ومشاورا لغيره ، وهذا قول مأثور. وقال القتبي : مناظرا مع غيره ومفكرا في نفسه ، وكله متقارب. ويحتمل رابعا أن المثنى عمل النهار والفرادى عمل الليل ، لأنه في النهار معان وفي الليل وحيد ، قال الماوردي. وقيل : إنما قال : { مَثْنَى وَفُرَادَى } لأن الذهن حجة الله على العباد وهو العقل ، فأوفرهم عقلا أوفرهم حظا من الله ، فإذا كانوا فرادى كانت فكرة واحدة ، وإذا كانوا مثنى تقابل الذهنان فتراءى من العلم لهما ما أضعف على الانفراد ؛ والله أعلم. { ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ } الوقف عند أبي حاتم وابن الأنباري على { ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا } . وقيل : ليس هو بوقف لأن المعنى : ثم تتفكروا هل جربتم على صاحبكم كذبا ، أو رأيتم فيه جنة ، أو في أحواله من
فساد ، أو اختلف إلى أحد ممن يدعي العلم بالسحر ، أو تعلم الأقاصيص وقرأ الكتب ، أو عرفتموه بالطمع في أموالكم ، أو تقدرون على معارضته في سورة واحدة ؛ فإذا عرفتم بهذا الفكر صدقه فما بال هذه المعاندة. { إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ورَهْطُكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف : يا صباحاه ؟ فقالوا : من هذا الذي يهتف! ؟ قالوا محمد ؛ فاجتمعوا إليه فقال : "يا بني فلان يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبدالمطلب فاجتمعوا إليه فقال أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي" ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا. قال : "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" . قال فقال أبو لهب : تبا لك! أما جمعتنا إلا لهذا ؟ ثم قال فنزلت هذه السورة : { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة.
الآية : [47] { قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }
قوله تعالى : { قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ } أي جعل على تبليغ الرسالة { فَهُوَ لَكُمْ } أي ذلك الجعل لكم إن كنت سألتكموه { إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } أي رقيب وعالم وحاضر لأعمالي وأعمالكم ، لا يخفى عليه شيء فهو يجازي الجميع.
الآية : [48] { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ }
قوله تعالى : { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ } أي يبين الحجة ويظهرها. قال قتادة : بالحق بالوحي. وعنه : الحق القرآن. وقال ابن عباس : أي يقذف الباطل بالحق علام الغيوب.
وقرأ عيسى بن عمر { عَلاَّمُ الْغُيُوبِ } على أنه بدل ، أي قل إن ربي علام الغيوب يقذف بالحق. قال الزجاج. والرفع من وجهين على الموضع ، لأن الموضع موضع رفع ، أو على البدل مما في يقذف. النحاس : وفي الرفع وجهان آخران : يكون خبرا بعد خبر ، ويكون على إضمار مبتدأ. وزعم الفراء أن الرفع في مثل هذا أكثر في كلام العرب إذا أتى بعد خبر {إن} ومثله { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ } وقرئ : { الْغُيُوبِ } بالحركات الثلاث ، فالغيوب كالبيوت ، والغيوب كالصبور ، وهو الأمر الذي غاب وخفي جدا.
الآية : [49] { قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ }
قوله تعالى : { قُلْ جَاءَ الْحَقُّ } قال سعيد عن قتادة : يريد القرآن. النحاس : والتقدير جاء صاحب الحق أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج. { وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ } قال قتادة : الشيطان ؛ أي ما يخلق الشيطان أحدا { وَمَا يُعِيدُ } فـ { وَمَا } نفي. ويجوز أن يكون استفهاما بمعنى أي شيء ؛ أي جاء الحق فأي شيء بقي للباطل حتى يعيده ويبدئه أي فلم يبق منه شيء ، كقوله : { فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ } أي لا ترى.
الآية : [50] { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ }
قوله تعالى : { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي } وذلك أن الكفار قالوا تركت دين آبائك فضللت. فقال له : قل يا محمد إن ضللت كما تزعمون فإنما أضل على نفسي. وقراءه العامة {ضَللت} بفتح اللام. وقرأ يحيى بن وثاب وغيره : { قُلْ إِنْ ضَلِلت } بكسر اللام وفتح الضاد من {أضَلُّ} ، والضلال والضلالة ضد الرشاد. وقد ضللت "بفتح اللام" أضل
"بكسر الضاد" ، قال الله تعالى : { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي } فهذه لغة نجد وهي الفصيحة. وأهل العالية يقولون {ضَلِلت} بالكسر {أضِل} ، أي إثم ضلالتي على نفسي. { وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي } من الحكمة والبيان { إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } أي سميع ممن دعاه قريب الإجابة. وقيل وجه النظم : قل إن ربي يقذف بالحق ويبين الحجة ، وضلال من ضل لا يبطل الحجة ، ولو ضللت لأضررت بنفسي ، لا أنه يبطل حجة الله ، وإذا اهتديت فذلك فضل الله إذ ثبتني على الحجة إنه سميع قريب.
الآية : [51] { وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ }
قوله تعالى : { وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ } ذكر أحوال الكفار في وقت ما يضطرون فيه إلى معرفة الحق. والمعنى : لو ترى إذا فزعوا في الدنيا عند نزول الموت أو غيره من بأس الله تعالى بهم ، روي معناه عن ابن عباس. الحسن : هو فزعهم في القبور من الصيحة. وعنه أن ذلك الفزع إنما هو إذا خرجوا من قبورهم ؛ وقاله قتادة. وقال ابن مغفل : إذا عاينوا عقاب الله يوم القيامة. السدي : هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة فلم يستطيعوا فرارا ولا رجوعا إلى التوبة. سعيد ابن جبير : هو الجيش الذي يخسف بهم في البيداء فيبقى منهم رجل فيخبر الناس بما لقي أصحابه فيفزعون ، فهذا هو فزعهم. { فَلا فَوْتَ } فلا نجاة ؛ قاله ابن عباس. مجاهد : فلا مهرب. { وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } أي من القبور. وقيل : من حيث كانوا ، فهم من الله قريب لا يعزبون عنه ولا يفوتونه. وقال ابن عباس : نزلت في ، ثمانين ألفا يغزون في آخر الزمان الكعبة ليخربوها ، وكما يدخلون البيداء يخسف بهم ؛ فهو الأخذ من مكان قريب.
قلت : وفي هذا المعنى خبر مرفوع عن حذيفة وقد ذكرناه في كتاب التذكرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب : "فبينا هم"
كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين ، جيشا إلى المشرق ؛ وجيشا إلى المدينة ، فيسير الجيش نحو المشرق حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الحبيبة يعني مدينة بغداد ، قال - فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من ولد العباس ، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام فتخرج راية هدى من الكوفة فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم ومحل جيشه الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريل عليه السلام فيقول يا جبريل أذهب فأبدهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم ، وذلك قوله تعالى : { وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } فلا يبقى منهم إلا رجلان أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة ، ولذلك جاء القول وعند جهينة الخبر اليقين وقيل : { وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } أي قبضت أرواحهم في أماكنها فلم يمكنهم الفرار من الموت ، وهذا على قول من يقول : هذا الفزع عند النزع. ويحتمل أن يكون هذا من الفزع الذي هو بمعنى الإجابة ؛ يقال : فزع الرجل أي أجاب الصارخ الذي يستغيث به إذا نزل به خوف. ومنه الخبر إذ قال للأنصار : "إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع" . ومن قال : أراد الخسف أو القتل في الدنيا كيوم بدر قال : أخذوا في الدنيا قبل أن يؤخذوا في الآخرة. ومن قال : هو فزع يوم القيامة قال : أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها. وقيل : { أُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } من جهنم فألقوا فيها.
الآية : [52] { وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ }
قوله تعالى : { وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ } أي القرآن. وقال مجاهد : بالله عز وجل. الحسن : بالبعث. قتادة : بالرسول صلى الله عليه وسلم { وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } قال
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|