عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 09-07-2025, 12:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,811
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (14)
سُورَةُ الاحزاب
من صــ 246 الى صــ 255
الحلقة (580)






"صفحة رقم 247"
بقتلهم وأخذهم أي هذا حكمهم إذا كانوا مقيمين على النفاق والإرجاف وفي الحديث عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : خمس يقتلن في الحل والحرم فهذا فيه معنى الأمر كالآية سواء النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في الآية وقيل : إنهم قد انتهوا عن الإرجاف فلم يغربهم ولام لنغرينك لام القسم واليمين واقعة عليها وأدخلت اللام في إن توطئة لها الثالثة قوله تعالى : ) ثم لايجاورونك فيها ( أي في المدينة ) إلا قليلا ( نصب على الحال من الضمير في يجاورونك فكان الأمر كما قال تبارك وتعالى لأنهم لم يكونوا إلا أقلاء فهذا أحد جوابي الفراء وهو الأولى عنده أي لا يجاورونك إلا في حال قلتهم والجواب الآخر أن يكون المعنى إلا وقتا قليلا أي لا يبقون معك إلا مدة يسيرة أي لا يجاورونك فيها إلا جوارا قليلا حتى يهلكوا فيكون نعتا لمصدر أو ظرف محذوف ودل على أن من كان معك ساكنا بالمدينة فهو جار وقد مضى في النساء الرابعة قوله تعالى : ) ملعونين ( هذا تمام الكلام عند محمد بن يزيد وهو منصوب على الحال وقال بن الأنباري : قليلا ملعونين وقف حسن النحاس : ويجوز أن يكون التمام إلا قليلا وتنصب ملعونين على الشتم كما قرأ عيسى بن عمر : وامرأته حمالة الحطب وقد حكى عن بعض النحويين أنه قال : يكون المعنى أينما ثقفوا أخذوا ملعونين وهذا خطأ لا يعمل ما كان مع المجازاة فيما قبله وقيل : معنى الآية إن أصروا على النفاق لم يكن لهم مقام بالمدينة إلا وهم مطرودون ملعونون وقد فعل بهم هذا فإنه لما نزلت سورة براءة جمعوا فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ) يا فلان قم فاخرج فإنك منافق ويا فلان قم ) فقام إخوانهم من المسلمين وتولوا إخراجهم من المسجد الخامسة قوله تعالى : ) سنة الله ( نصب على المصدر أي سن الله جل وعز فيمن أرجف بالأنبياء وأظهر نفاقه أن يؤخذ ويقتل ) ولن تجد لسنة الله تبديلا ( أي تحويلا وتغييرا حكاه النقاش وقال السدي : يعني أن من قتل بحق فلا دية على قاتله
"صفحة رقم 248"
المهدوي : وفي الآية دليل على جواز ترك إنفاذ الوعيد والدليل على ذلك بقاء المنافقين معه حتى مات والمعروف من أهل الفضل إتمام وعدهم وتأخير وعيدهم وقد مضى هذا في آل عمران وغيرها
الأحزاب : ) 63 ( يسألك الناس عن . . . . .
)
الاحزاب 63 (

قوله تعالى : ) يسألك الناس عن الساعة ( هؤلاء المؤذون لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما توعدوا بالعذاب سألوا عن الساعة استبعادا وتكذيبا موهمين أنها لاتكون ) قل إنما علمها عند الله ( أي أجبهم عن سؤالهم وقل علمها عند الله وليس في إخفاء الله وقتها عني ما يبطل نبوتي وليس من شرط النبي أن يعلم الغيب بغير تعليم من الله جل وعز ) وما يدريك ( أي ما يعلمك ) لعل الساعة تكون قريبا ( أي في زمان قريب وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ) بعثت أنا والساعة كهاتين ) وأشار إلى السبابة والوسطى خرجه أهل الصحيح وقيل : أي ليست الساعة تكون قريبا فحذف هاء التأنيث ذهابا بالساعة إلى اليوم كقوله : إن رحمة الله قريب من المحسنين ولم يقل قريبة ذهابا بالرحمة إلى العفو إذ ليس تأنيثها أصليا وقد مضى هذا مستوفي وقيل : إنما أخفي وقت الساعة ليكون العبد مستعدا لها في كل وقت
الأحزاب : ) 64 ( إن الله لعن . . . . .
)
الاحزاب 64 : 65 (

قوله تعالى : ) إن الله لعن الكافرين ( أي طردهم وأبعدهم واللعن : الطرد والإبعاد عن الرحمة وقد مضى في البقرة بيانه ) وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا ( فأنث السعير لأنها بمعنى النار ) لا يجدون وليا ولا نصيرا ( ينجيهم من عذاب الله والخلود فيه
"صفحة رقم 249"
الأحزاب : ) 66 ( يوم تقلب وجوههم . . . . .
)
الاحزاب 66 : 67 (

قوله تعالى : ) يوم تقلب وجوههم في النار ( قراءة العامة بضم التاء وفتح اللام على الفعل المجهول وقرأ عيسى الهمداني وبن إسحاق : نقلب بنون وكسر اللام وجوههم نصبا وقرأ عيسى أيضا : تقلب بضم التاء وكسر اللام على معنى تقلب السعير وجوههم وهذا التقليب تغيير ألوانهم بلفح النار فتسود مرة وتخضر أخرى وإذا بدلت جلودهم بجلود أخر فحينئذ يتمنون أنهم ما كفروا ) يقولون يا ليتنا ( ويجوز أن يكون المعنى : يقولون يوم تقلب وجوههم في النار يا ليتنا ) أطعنا الله وأطعنا الرسولا ( أي لم نكفر فننجو من هذا العذاب كما نجا المؤمنون وهذه الألف تقع في الفواصل فيوقف عليها ولا يوصل بها وكذا السبيلا وقد مضى في أول السورة وقرأ الحسن : إنا أطعنا ساداتنا بكسر التاء جمع سادة وكان في هذا زجر عن التقليد والسادة جمع السيد وهو فعلة مثل كتبة وفجرة وساداتنا جمع الجمع والسادة والكبراء بمعنى وقال قتادة : هم المطعمون في غزوة بدر والأظهر العموم في القادة والرؤساء في الشرك والضلالة أي أطعناهم في معصيتك وما دعونا إليه ) فأضلونا السبيلا ( أي عن السبيل وهو التوحيد فلما حذف الجار وصل الفعل فنصب والإضلال لا يتعدى إلى مفعولين من غير توسط حرف الجر كقوله : لقد أضلني عن الذكر
الأحزاب : ) 68 ( ربنا آتهم ضعفين . . . . .
)
الاحزاب 68 (

"صفحة رقم 250"
قوله تعالى : ) ربنا آتهم ضعفين من العذاب ( قال قتادة : عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وقيل : عذاب الكفر وعذاب الإضلال أي عذبهم مثلي ما تعذبنا فإنهم ضلوا وأضلوا ) والعنهم لعنا كبيرا ( قرأ بن مسعود وأصحابه ويحيى وعاصم بالباء الباقون بالثاء واختاره أبو حاتم وأبو عبيد والنحاس لقوله تعالى : أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون وهذا المعنى كثير وقال محمد بن أبي السرى : رأيت في المنام كأني في مسجد عسقلان وكأن رجلا يناظرني فيمن يبغض أصحاب محمد فقال : والعنهم لعنا كثيرا ثم كررها حتى غاب عني لا يقولها إلا بالثاء وقراءة الباء ترجع في المعنى إلى الثاء لأن ما كبر كان كثيرا عظيم المقدار
الأحزاب : ) 69 ( يا أيها الذين . . . . .
)
الاحزاب 69 (

لما ذكر الله تعالى المنافقين والكفار الذين آذوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والمؤمنين حذر المؤمنين من التعرض للإيذاء ونهاهم عن التشبه ببني إسرائيل في أذيتهم نبيهم موسى واختلف الناس فيما أوذي به محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وموسى فحكى النقاش أن اذيتهم محمدا عليه السلام قولهم : زيد بن محمد وقال أبو وائل : أذيته أنه ( صلى الله عليه وسلم ) قسم قسما فقال رجل من الأنصار : إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله فذكر ذلك للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فغضب وقال : ) رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ) وأما أذية موسى ( صلى الله عليه وسلم ) فقال بن عباس وجماعة : هي ما تضمنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وذلك أنه قال : ) كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة وكان موسى عليه السلام يتستر كثيرا ويخفي بدنه فقال قوم هو آدر وأبرص أو به آفة فانطلق ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشام وجعل ثيابه على صخرة ففر الحجر بثيابه واتبعه موسى عريانا يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فنظروا إليه وهو من
"صفحة رقم 251"
أحسنهم خلقا وأعد لهم صورة وليس به الذي قالوا فهو قوله تبارك وتعالى : فبرأه الله مما قالوا ) أخرجه البخاري ومسلم بمعناه ولفظ مسلم : قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوءة بعض وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر قال فذهب يوما يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه قال فجمح موسى عليه السلام بإثره يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوءة موسى وقالوا والله ما بموسى من بأس فقام الحجر حتى نظر إليه قال فأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا ) قال أبو هريرة : والله إنه بالحجر ندب ستة أو سبعة ضرب موسى بالحجر فهذا قول وروي عن بن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال : آذوا موسى بأن قالوا : قتل هارون وذلك أن موسى وهارون خرجا من فحص التيه إلى جبل فمات هارون فيه فجاء موسى فقالت بنو إسرائيل لموسى : أنت قتلته وكان ألين لنا منك وأشد حبا فآذوه بذلك فأمر الله تعالى الملائكة فحملته حتى طافوا به في بني إسرائيل ورأوا آية عظيمة دلتهم على صدق موسى ولم يكن فيه أثر القتل وقد قيل : إن الملائكة تكلمت بموته ولم يعرف موضع قبره إلا الرخم وأنه تعالى جعله أصم أبكم ومات هارون قبل موسى في التيه ومات موسى قبل إنقضاء مدة التيه بشهرين وحكى القشيري عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : أن الله تعالى أحيا هارون فأخبرهم أنه لم يقتله ثم مات وقد قيل : إن أذية موسى عليه السلام رميهم إياه بالسحر والجنون والصحيح الأول ويحتمل أن فعلوا كل ذلك فبرأه الله من جميع ذلك مسألة في وضع موسى عليه السلام ثوبه على الحجر ودخوله في الماء عريانا دليل على جواز ذلك وهو مذهب الجمهور ومنعه بن أبي ليلى واحتج بحديث لم يصح وهو
"صفحة رقم 252"
قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) لا تدخلوا الماء إلا بمئزر فإن للماء عامرا ) قال القاضي عياض : وهو ضعيف عند أهل العلم قلت : أما أنه يستحب التستر لما رواه إسرائيل عن عبد الأعلى أن الحسن بن علي دخل غديرا وعليه برد له متوشحا به فلما خرج قيل له قال : إنما تسترت ممن يراني ولا أراه يعني من ربي والملائكة فإن قيل : كيف نادى موسى عليه السلام الحجر نداء من يعقل قيل : لأنه صدر عن الحجر فعل من يعقل وحجر منادى مفرد محذوف حرف النداء كما قال تعالى : يوسف أعرض عن هذا وثوبي منصوب بفعل مضمر التقدير : أعطني ثوبي أو اترك ثوبي فحذف الفعل لدلالة الحال عليه قوله تعالى : ) وكان عند الله وجيها ( أي عظيما والوجيه عند العرب : العظيم القدر الرفيع المنزلة ويروى أنه كان إذا سأل الله شيئا أعطاه إياه وقرأ بن مسعود : وكان عبدا لله وقيل : معنى وجيها أي كلمه تكليما قال أبو بكر الأنباري في ) كتاب الرد ( : زعم من طعن في القرآن أن المسلمين صحفوا وكان عند الله وجيها وأن الصواب عنده وكان عبدا لله وجيها وذلك يدل على ضعف مقصده ونقصان فهمه وقلة علمه وذلك أن الآية لو حملت على قوله وقرئت : وكان عبدا نقص الثناء على موسى عليه السلام وذلك أن وجيها يكون عند أهل الدنيا وعند أهل زمانه وعند أهل الآخرة فلا يوقف على مكان المدح لأنه إن كان وجيها عند بني الدنيا كان ذلك إنعاما من الله عليه لا يبين عليه معه ثناء من الله فلما أوضح الله تعالى موضع المدح بقوله : وكان عند الله وجيها استحق الشرف وأعظم الرفعة بأن الوجاهة عند الله فمن غير اللفظة صرف عن نبي الله أفخر الثناء وأعظم المدح
الأحزاب : ) 70 ( يا أيها الذين . . . . .
)
الاحزاب 70 : 71 (

"صفحة رقم 253"
قوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ( أي قصدا وحقا وقال بن عباس : أي صوابا وقال قتادة ومقاتل : يعني قولوا قولا سديدا في شأن زينب وزيد ولا تنسبوا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى ما لا يحل وقال عكرمة وبن عباس أيضا : القول السداد لا إله إلا الله وقيل : هو الذي يوافق ظاهره باطنه وقيل : هو ما أريد به وجه الله دون غيره وقيل : هو الإصلاح بين المتشاجرين وهو مأخوذ من تسديد السهم ليصاب به الغرض والقول السداد يعم الخيرات فهو عام في جميع ما ذكر وغير ذلك وظاهر الآية يعطي أنه إنما أشار إلى ما يكون خلافا للأذى الذي قيل في جهة الرسول وجهة المؤمنين ثم وعد جل وعز بأنه يجازي على القول السداد بإصلاح الأعمال وغفران الذنوب وحسبك بذلك درجة ورفعة منزلة ) ومن يطع الله ورسوله ( أي فيما أمر به ونهى عنه ) فقد فاز فوزا عظيما (
الأحزاب : ) 72 ( إنا عرضنا الأمانة . . . . .
)
الاحزاب 72 : 73 (

لما بين تعالى في هذه السورة من الأحكام ما بين أمر بالتزام أوامره والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال وهو قول الجمهور روى الترمذي الحكيم أبو عبد الله : حدثنا إسماعيل بن نصر عن صالح بن عبد الله عن محمد بن يزيد بن جوهر عن الضحاك عن بن عباس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) قال الله تعالى لآدم يا آدم إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض فلم تطقها فهل أنت حاملها بما فيها فقال
"صفحة رقم 254"
وما فيها يا رب قال إن حملتها أجرت وإن ضيعتها عذبت فاحتملها بما فيها فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين صلاة الأولى إلى العصر حتى أخرجه الشيطان منها ) فالأمانة هي الفرائض التي اؤتمن الله عليها العباد وقد اختلف في تفاصيل بعضها على أقوال فقال بن مسعود : هي في أمانات الأموال كالودائع وغيرها وروي عنه أنها في كل الفرائض وأشدها أمانة المال وقال أبي بن كعب : من الأمانة أن إئتمنت المرأة على فرجها وقال أبو الدرداء : غسل الجنابة أمانة وأن الله تعالى لم يأمن بن آدم على شيء من دينه غيرها وفي حديث مرفوع ) الأمانة الصلاة ) إن شئت قلت قد صليت وإن شئت قلت لم أصل وكذلك الصيام وغسل الجنابة وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : أول ما خلق الله تعالى من الإنسان فرجه وقال هذه أمانة استودعتكها فلا تلبسها إلا بحق فإن حفظتها حفظتك فالفرج أمانة والأذن أمانة والعين أمانة واللسان أمانة والبطن أمانة واليد أمانة والرجل أمانة ولا إيمان لمن لا أمانة له وقال السدي : هي ائتمان آدم ابنه قابيل على ولده وأهله وخيانته إياه في قتل أخيه وذلك أن الله تعالى قال له : ) يا آدم هل تعلم أن لي بيتا في الأرض ) قال : ) اللهم لا ) قال : ) فإن لي بيتا بمكة فأته فقال للسماء : احفظي ولدي بالأمانة فأبت وقال للأرض : احفظي ولدي بالأمانة فأبت وقال للجبال كذلك فأبت فقال لقابيل : احفظ ولدي بالأمانة فقال نعم تذهب وترجع فتجد ولدك كما يسرك فرجع فوجده قد قتل أخاه فذلك قوله تبارك وتعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها الآية وروى معمر عن الحسن أن الأمانة عرضت على السماوات والأرض والجبال قالت : وما فيها قيل لها : إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت فقالت لا قال مجاهد : فلما خلق الله تعالى آدم عرضها عليه قال : وما هي قال : إن أحسنت أجرتك وإن
"صفحة رقم 255"
أسأت عذبتك قال : فقد تحملتها يارب قال مجاهد : فما كان بين أن تحملها إلى أن أخرج من الجنة إلا قدر ما بين الظهر والعصر وروى علي بن طلحة عن بن عباس في قوله تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال قال : الأمانة الفرائض عرضها الله عز وجل على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية ولكن تعظيما لدين الله عز وجل ألا يقوموا به ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها قال النحاس : وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير وقيل : لما حضرت آدم ( صلى الله عليه وسلم ) الوفاة أمر أن يعرض الأمانة على الخلق فعرضها فلم يقبلها إلا بنوه وقيل : هذه الأمانة هي ما أودعه الله تعالى في السماوات والأرض والجبال والخلق من الدلائل على ربوبيته أن يظهروها فأظهروها إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها قاله بعض المتكلمين ومعنى عرضنا أظهرنا كما تقول : عرضت الجارية على البيع والمعنى إنا عرضنا الأمانة وتضييعها على أهل السماوات وأهل الأرض من الملائكة والإنس والجن ) فأبين أن يحملنها ( أي أن يحملن وزرها كما قال جل وعز : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) وحملها الإنسان ( قال الحسن : المراد الكافر والمنافق ) إنه كان ظلوما ( لنفسه ) جهولا ( بربه فيكون على هذا الجواب مجازا مثل : واسأل القرية وفيه جواب آخر على أن يكون حقيقة أنه عرض على السماوات والأرض والجبال الأمانة وتضييعها وهي الثواب والعقاب أي أظهر لهن ذلك فلم يحملن وزرها وأشفقت وقالت : لا أبتغي ثوابا ولا عقابا وكل يقول : هذا أمر لا نطيقه ونحن لك سامعون ومطيعون فيما أمرن به وسخرن له قاله الحسن وغيره قال العلماء : معلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب فلا بد من تقدير الحياة على القول الأخير وهذا العرض عرض تخيير لا إلزام والعرض على الإنسان إلزام وقال القفال وغيره : العرض في هذه الآية ضرب مثل أي أن السماوات والأرض على كبر أجرامها لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها
"صفحة رقم 256"
تقلد الشرائع لما فيها من الثواب والعقاب أي أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال وقد كلفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل وهذا كقوله : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ثم قال : وتلك الأمثال نضربها للناس قال القفال : فإذا تقرر في أنه تعالى يضرب الأمثال وورد علينا من الخبر ما لا يخرج إلا على ضرب المثل وجب حمله عليه وقال قوم : إن الآية من المجاز أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال رأينا أنها لا تطيقها وأنها لو تكلمت لآبت وأشفقت فعبر عن هذا المعنى بقوله إنا عرضنا الأمانة الآية وهذا كما تقول : عرضت الحمل على البعير فأباه وأنت تريد قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه وقيل : عرضنا بمعنى عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة ورجحت الأمانة بثقلها عليها : وقيل : إن عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال إنما كان من آدم عليه السلام وذلك أن الله تعالى لما استخلفه على ذريته وسلطه على جميع ما في الأرض من الأنعام والطير والوحش وعهد إليه عهدا أمره فيه ونهاه وحرم وأحل فقبله ولم يزل عاملا به فلما أن حضرته الوفاة سأل الله أن يعلمه من يستخلف بعده ويقلده من الأمانة ما تقلده فأمره أن يعرض ذلك على السماوات بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع ومن العقاب إن عصى فأبين أن يقبلنه شفقا من عذاب الله ثم أمره أن يعرض ذلك على الأرض والجبال كلها فأبياه ثم أمره أن يعرض ذلك على ولده فعرضه عليه فقبله بالشرط ولم يهب منه ما تهيبت السماوات والأرض والجبال إنه كان ظلوما لنفسه جهولا بعاقبة ما تقلد لربه قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي : عجبت من هذا القائل من أين أتى بهذه القصة فإن نظرنا إلى الآثار وجدناها بخلاف ما قال وإن نظرنا إلى ظاهره وجدناه بخلاف ما قال وإن نظرنا إلى باطنه وجدناه بعيدا مما قال وذلك أنه ردد ذكر الأمانة ولم يذكر ما الأمانة إلا أنه يومئ في مقالته إلى أنه سلطه على




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.55 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.64%)]