
09-07-2025, 12:36 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,872
الدولة :
|
|
رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى

تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (14)
سُورَةُ الاحزاب
من صــ 226 الى صــ 235
الحلقة (578)
"صفحة رقم 227"
السادسة في هذه الآية دليل على أن الضيف يأكل على ملك المضيف لا على ملك نفسه لأنه قال : فإذا طعمتم فانتشروا فلم يجعل له أكثر من الأكل ولا أضاف إليه سواه وبقي الملك على أصله السابعة قوله تعالى : ) ولا مستأنسين لحديث ( عطف على قوله : غير ناظرين وغير منصوبة على الحال من الكاف والميم في لكم أي غير ناظرين ولا مستأنسين والمعنى المقصود : لا تمكثوا مستأنسين بالحديث كما فعل أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في وليمة زينب ) إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق ( أي لا يمتنع من بيانه وإظهاره ولما كان ذلك يقع من البشر لعلة الاستحياء نفى عن الله تعالى العلة الموجبة لذلك في البشر وفي الصحيح عن أم سلمة قالت : جاءت أم سليم إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقالت : يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) إذا رأت الماء ) الثامنة قوله تعالى : ) وإذا سألتموهن متاعا ( الآية روى أبو داود الطيالسي عن أنس بن مالك قال قال عمر : وافقت ربي في أربع الحديث وفيه : قلت يا رسول الله لو ضربت على نسائك الحجاب فإنه يدخل عليهن البر والفاجر فأنزل الله عز وجل وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب واختلف في المتاع فقيل : ما يتمتع به من العواري وقيل فتوى وقيل صحف القرآن والصواب أنه عام في جميع ما يمكن أن يطلب من المواعين وسائر المرافق للدين والدنيا التاسعة في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتين فيها ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة بدنها وصوتها كما تقدم فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها
"صفحة رقم 228"
العاشرة استدل بعض العلماء بأخذ الناس عن أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من وراء حجاب على جواز شهادة الأعمى وبأن الأعمى يطأ زوجته بمعرفته بكلامها وعلى إجازة شهادته أكثر العلماء ولم يجزها أبو حنيفة والشافعي وغيرهما قال أبو حنيفة : تجوز في الأنساب وقال الشافعي : لا تجوز إلا فيما رآه قبل ذهاب بصره الحادية عشرة قوله تعالى : ) ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ( يريد من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء وللنساء في أمر الرجال أي ذلك أنفى للريبة وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله وأحصن لنفسه وأتم لعصمته الثانية عشرة قوله تعالى : ) وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ( الآية هذا تكرار للعلة وتأكيد لحكمها وتأكيد العلل أقوى في الأحكام الثالثة عشرة قوله تعالى : ) ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ( روى إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة أن رجلا قال : لو قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تزوجت عائشة فأنزل الله تعالى : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله الآية ونزلت : وأزواجه أمهاتهم وقال القشيري أبو نصر عبد الرحمن : قال بن عباس قال رجل من سادات قريش من العشرة الذين كانوا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على حراء في نفسه لو توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لتزوجت عائشة وهي بنت عمي قال مقاتل : هو طلحة بن عبيد الله قال بن عباس : وندم هذا الرجل على ما حدث به في نفسه فمشى إلى مكة على رجليه وحمل على عشرة أفراس في سبيل الله وأعتق رقيقا فكفر الله عنه وقال بن عطية : روي أنها نزلت بسبب أن بعض الصحابة قال : لو مات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لتزوجت عائشة فبلغ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فتأذى به هكذا كنى عنه بن عباس ببعض الصحابة وحكى مكي عن معمر أنه قال : هو طلحة بن عبيد الله
"صفحة رقم 229"
قلت : وكذا حكى النحاس عن معمر أنه طلحة ولا يصح قال بن عطية : لله در بن عباس وهذا عندي لا يصح على طلحة بن عبيد الله قال شيخنا الإمام أبو العباس : وقد حكى هذا القول عن بعض فضلاء الصحابة وحاشاهم عن مثله والكذب في نقله وإنما يليق مثل هذا القول بالمنافقين الجهال يروى أن رجلا من المنافقين قال حين تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أم سلمة بعد أبي سلمة وحفصة بعد خنيس بن حذافة : ما بال محمد يتزوج نساءنا والله لو قد مات لأجلنا السهام على نسائه فنزلت الآية في هذا فحرم الله نكاح أزواجه من بعده وجعل لهن حكم الأمهات وهذا من خصائصه تمييزا لشرفه وتنبيها على مرتبته ( صلى الله عليه وسلم ) قال الشافعي رحمه الله : وأزواجه ( صلى الله عليه وسلم ) اللاتي مات عنهن لا يحل لأحد نكاحهن ومن استحل ذلك كان كافرا لقوله تعالى : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا وقد قيل : إنما منع من التزوج بزوجاته لأنهن أزواجه في الجنة وأن المرأة في الجنة لآخر أزواجها قال حذيفة لإمرأته : إن سرك أن تكوني زوجتي في الجنة إن جمعنا الله فيها فلا تزوجي من بعدي فإن المرأة لآخر أزواجها وقد ذكرنا ما للعلماء في هذا في ) كتاب التذكرة ( من أبواب الجنة الرابعة عشرة اختلف العلماء في أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعد موته هل بقين أزواجا أم زال النكاح بالموت وإذا زال النكاح بالموت فهل عليهن عدة أم لا فقيل : عليهن العدة لأنه توفي عنهن والعدة عبادة وقيل : لا عدة عليهن لأنها مدة تربص لا ينتظر بها الإباحة وهو الصحيح لقوله عليه السلام : ) ما تركت بعد نفقة عيالي ) وروي ) أهلي ) وهذا اسم خاص بالزوجية فأبقى عليهن النفقة والسكنى مدة حياتهن لكونهن نساءه وحرمن على غيره وهذا هو معنى بقاء النكاح وإنما جعل الموت في حقه عليه السلام لهن بمنزلة المغيب في حق غيره لكونهن أزواجا له في الآخرة قطعا بخلاف سائر
"صفحة رقم 230"
الناس لأن الرجل لا يعلم كونه مع أهله في دار واحدة فربما كان أحدهما في الجنة والآخر في النار فبهذا انقطع السبب في حق الخلق وبقي في حق النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقد قال عليه السلام : ) زوجاتي في الدنيا هن زوجاتي في الآخرة ) وقال عليه السلام : ) كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي فإنه باق إلى يوم القيامة ) فرع فأما زوجاته عليه السلام اللاتي فارقهن في حياته مثل الكلبية وغيرها فهل كان يحل لغيره نكاحهن فيه خلاف والصحيح جواز ذلك لما روي أن الكلبية التي فارقها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تزوجها عكرمة بن أبي جهل على ما تقدم وقيل : إن الذي تزوجها الأشعث بن قيس الكندي قال القاضي أبو الطيب : الذي تزوجها مهاجر بن أبي أمية ولم ينكر ذلك أحد فدل على أنه إجماع الخامسة عشرة قوله تعالى : ) إن ذلكم كان عند الله عظيما ( يعني أذية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أو نكاح أزواجه فجعل ذلك من جملة الكبائر ولا ذنب أعظم منه السادسة عشرة قد بينا سبب نزول الحجاب في حديث أنس وقول عمر وكان يقول لسودة إذا خرجت وكانت امرأة طويلة : قد رأيناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب فأنزل الله آية الحجاب ولا بعد في نزول الآية عند هذه الأسباب كلها والله أعلم بيد أنه لما ماتت زينب بنت جحش قال : لا يشهد جنازتها إلا ذو محرم منها مراعاة للحجاب الذي نزل بسببها فدلته أسماء بنت عميس على سترها في النعش في القبة وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة فصنعه عمر وروي أن ذلك صنع في جنازة فاطمة بنت النبي ( صلى الله عليه وسلم )
الأحزاب : ) 54 ( إن تبدوا شيئا . . . . .
) الاحزاب 54 (
الباريء سبحانه وتعالى عالم بما بدا وما خفى وما كان وما لم يكن لايخفى عليه ماض تقضى ولا مستقبل يأتي وهذا على العموم تمدح به وهو أهل المدح والحمد والمراد به ها هنا التوبيخ والوعيد لمن تقدم التعريض به في الآية قبلها ممن أشير إليه بقوله : ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ومن أشير إليه في قوله : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن
"صفحة رقم 231"
تنكحوا أزواجه من بعده أبدا فقيل لهم في هذه الآية : إن الله تعالى يعلم ما تخفونه من هذه المعتقدات والخواطر المكروهة ويجازيكم عليها فصارت هذه الآية منعطفة على ما قبلها مبينة لها والله أعلم
الأحزاب : ) 55 ( لا جناح عليهن . . . . .
) الاحزاب 55 (
فيه ثلاث مسائل : الأولى لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب فنزلت هذه الآية الثانية ذكر الله تعالى في هذه الآية من يحل للمرأة البروز له ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين وقد يسمى العم أبا قال الله تعالى : نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسماعيل كان العم قال الزجاج : العم والخال ربما يصفان المرأة لولديهما فان المرأة تحل لإبن العم وبن الخال فكره لهما الرؤية وقد كره الشعبي وعكرمة أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها وقد ذكر في هذه الآية بعض المحارم وذكر الجميع في سورة النور فهذه الآية بعض تلك وقد مضى الكلام هناك مستوفي والحمد لله الثالثة قوله تعالى : ) واتقين الله ( لما ذكر الله تعالى الرخصة في هذه الأصناف وانجزمت الإباحة عطف بأمرهن بالتقوى عطف جملة وهذا في غاية البلاغة والإيجاز كأنه قال : إقتصرن على هذا واتقين الله فيه أن تتعدينه إلى غيره وخص النساء بالذكر وعينهن في هذا الأمر لقلة تحفظهن وكثرة استرسالهن والله أعلم توعدهم تعالى بقوله : ) إن الله كان على كل شيء شهيدا
"صفحة رقم 232"
الأحزاب : ) 56 ( إن الله وملائكته . . . . .
) الاحزاب 56 (
هذه الآية شرف الله بها رسوله عليه السلام حياته وموته وذكر منزلته منه وطهر بها سوء فعل من استصحب في جهته فكرة سوء أو في أمر زوجاته ونحو ذلك والصلاة من الله رحمته ورضوانه ومن الملائكة الدعاء والإستغفار ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره مسألة واختلف العلماء في الضمير في قوله : يصلون فقالت فرقة : الضمير فيه لله والملائكة وهذا قول من الله تعالى شرف به ملائكته فلا يصحبه الإعتراض الذي جاء في قول الخطيب : من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله ) أخرجه الصحيح قالوا : لأنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله تعالى مع غيره في ضمير ولله أن يفعل في ذلك ما يشاء وقالت فرقة : في الكلام حذف تقديره إن الله يصلي وملائكته يصلون وليس في الآية اجتماع في ضمير وذلك جائز للبشر فعله ولم يقل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) بئس الخطيب أنت ) لهذا المعنى وإنما قاله لأن الخطيب وقف على ومن يعصهما وسكت سكتة واستدلوا بما رواه أبو داود عن عدي بن حاتم أن خطيبا خطب عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : من يطع الله ورسوله ومن يعصهما فقال : ) قم أو اذهب بئس الخطيب أنت ) إلا أنه يحتمل أن يكون لما خطأه في وقفه وقال له : ) بئس الخطيب ) أصلح له بعد ذلك جميع كلامه فقال : ) قل ومن يعص الله ورسوله ) كما في كتاب مسلم وهو يؤيد القول الأول بأنه لم يقف على ومن يعصهما وقرأ بن عباس : وملائكته بالرفع على موضع اسم الله قبل دخول إن والجمهور بالنصب عطفا على المكتوبة قوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ( فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما أمر الله تعالى عباده بالصلاة على نبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) دون أنبيائه تشريفا له ولا خلاف في أن
"صفحة رقم 233"
الصلاة عليه فرض في العمر مرة وفي كل حين من الواجبات وجوب السنن المؤكدة التي لا يسع تركها ولا يغفلها إلا من لا خير فيه الزمخشري : فإن قلت الصلاة على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) واجبة أم مندوب إليها قلت : بل واجبة وقد اختلفوا في حال وجوبها فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره وفي الحديث : ) من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله ) ويروى أنه قيل له : يا رسول الله أرأيت قول الله عز وجل : إن الله وملائكته يصلون على النبي فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : هذا من العلم المكنون ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم به إن الله تعالى وكل بي ملكين فلا أذكر عند مسلم فيصلي علي إلا قال ذلك الملكان غفر الله لك وقال الله تعالى وملائكته جوابا لذينك الملكين آمين ولا أذكر عند عبد مسلم فلا يصلي علي إلا قال ذلك الملكان لا غفر الله لك وقال الله تعالى وملائكته لذينك الملكين آمين ) ومنهم من قال : تجب في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قال في آية السجدة وتشميت العاطس وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره ومنهم من أوجبها في العمر وكذلك قال في إظهار الشهادتين والذي يقتضيه الإحتياط : الصلاة عند كل ذكر لما ورد من الأخبار في ذلك الثانية واختلفت الآثار في صفة الصلاة عليه ( صلى الله عليه وسلم ) فروى مالك عن أبي مسعود الأنصاري قال : أتانا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك قال : فسكت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم ) ورواه النسائي عن طلحة مثله بإسقاط قوله : ) في العالمين ) وقوله : ) والسلام كما قد علمتم ) وفي الباب عن كعب بن عجرة وأبي حميد الساعدي وأبي سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وبريدة الخزاعي وزيد بن خارجة
"صفحة رقم 234"
ويقال بن حارثة أخرجها أئمة أهل الحديث في كتبهم وصحح الترمذي حديث كعب بن عجرة خرجه مسلم في صحيحه مع حديث أبي حميد الساعدي قال أبو عمر : روى شعبة والثوري عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال : لما نزل قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما جاء رجل إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة فقال : ) قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) وهذا لفظ حديث الثوري لا حديث شعبة وهو يدخل في التفسير المسند إليه لقول الله تعالى : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما فبين كيف الصلاة عليه وعلمهم في التحيات كيف السلام عليه وهو قوله : ) السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ) وروى المسعودي عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة عن الأسود عن عبد الله أنه قال : إذا صليتم على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه قالوا فعلمنا قال : ) قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ونبيك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل حمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) وروينا بالإسناد المتصل في كتاب ) الشفا ( للقاضي عياض عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : عدهن في يدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقال : ) عدهن في يدي جبريل وقال هكذا أنزلت من عند رب العزة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم وتحنن على محمد
"صفحة رقم 235"
وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) قال بن العربي : من هذه الروايات صحيح ومنها سقيم وأصحها ما رواه مالك فاعتمدوه ورواية غير مالك من زيادة الرحمة مع الصلاة وغيرها لا يقوى وإنما على الناس أن ينظروا في أديانهم نظرهم في أموالهم وهم لا يأخذون في البيع دينارا معيبا وإنما يختارون السالم الطيب كذلك لا يؤخذ من الروايات عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلا ما صح عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) سنده لئلا يدخل في حيز الكذب على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فبينما هو يطلب الفضل إذا به قد أصاب النقص بل ربما أصاب الخسران المبين الثالثة في فضل الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ثبت عنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ) من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ) وقال سهل بن عبد الله : الصلاة على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أفضل العبادات لأن الله تعالى تولاها هو وملائكته ثم أمر بها المؤمنين وسائر العبادات ليس كذلك قال أبو سليمان الداراني : من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ثم يسأل الله حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فإن الله تعالى يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يرد ما بينهما وروى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : الدعاء يحجب دون السماء حتى يصلى على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فإذا جاءت الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) رفع الدعاء وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ) من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة يصلون عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب ) الرابعة واختلف العلماء في الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الصلاة فالذي عليه الجم الغفير والجمهور الكثير : أن ذلك من سنن الصلاة ومستحباتها قال بن المنذر : يستحب ألا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزية في مذهب مالك وأهل المدينة وسفيان الثوري وأهل الكوفة من أصحاب الرأي وغيرهم وهو قول جل أهل العلم وحكى عن مالك وسفيان أنها في التشهد الأخير
"صفحة رقم 236"
مستحبة وأن تاركها في التشهد مسيء وشذ الشافعي فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة وأوجب إسحاق الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان وقال أبو عمر : قال الشافعي إذا لم يصل على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في التشهد الأخير بعد التشهد وقبل التسليم أعاد الصلاة قال : وإن صلى عليه قبل ذلك لم تجزه وهذا قول حكاه عنه حرملة بن يحيى لا يكاد يوجد هكذا عن الشافعي إلا من رواية حرملة عنه وهو من كبار أصحابه الذين كتبوا كتبه وقد تقلده أصحاب الشافعي ومالوا إليه وناظروا عليه وهو عندهم تحصيل مذهبه وزعم الطحاوي أنه لم يقل به أحد من أهل العلم غيره وقال الخطابي وهو من أصحاب الشافعي : وليست بواجبة في الصلاة وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي ولا أعلم له فيها قدوة والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه وقد شنع عليه في هذه المسألة جدا وهذا تشهد بن مسعود الذي اختاره الشافعي وهو الذي علمه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ليس فيه الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وكذلك كل من روى التشهد عنه ( صلى الله عليه وسلم ) وقال بن عمر : كان أبو بكر يعلمنا التشهد على المنبر كما تعلمون الصبيان في الكتاب وعلمه أيضا على المنبر عمر وليس فيه ذكر الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قلت : قد قال بوجوب الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الصلاة محمد بن المواز من أصحابنا فيما ذكر بن القصار وعبد الوهاب واختاره بن العربي للحديث الصحيح : إن الله أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك فعلم الصلاة ووقتها فتعينت كيفية ووقتا وذكر الدارقطني عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أنه قال : لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ولا على أهل بيته لرأيت أنها لا تتم وروي مرفوعا عنه عن بن مسعود عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والصواب أنه قول أبي جعفر قاله الدارقطني الخامسة قوله تعالى : ) وسلموا تسليما ( قال القاضي أبو بكر بن بكير : نزلت هذه الآية على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأمر الله أصحابه أن يسلموا عليه وكذلك من بعدهم أمروا
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|