عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 09-07-2025, 12:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,811
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (14)
سُورَةُ الاحزاب
من صــ 176 الى صــ 185
الحلقة (573)



"صفحة رقم 177"
الأحزاب : ) 32 ( يا نساء النبي . . . . .
)
الاحزاب 32 (

قوله تعالى : ) يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ( يعني في الفضل والشرف وقال : كأحد ولم يقل كواحدة لأن أحدا نفي من المذكر والمؤنث والواحد والجماعة وقد يقال على ما ليس بآدمي يقال : ليس فيها أحد لا شاة ولا بعير وإنما خصص النساء بالذكر لأن فيمن تقدم آسية ومريم وقد أشار إلى هذا قتادة وقد تقدم في آل عمران الإختلاف في التفضيل بينهن فتأمله هناك ثم قال : إن اتقيتن أي خفتن الله فبين أن الفضيلة إنما تتم لهن بشرط التقوى لما منحهن الله من صحبة الرسول وعظيم المحل منه ونزول القرآن في حقهن قوله تعالى : ) فلا تخضعن بالقول ( في موضع جزم بالنهي إلا أنه مبني كما بني الماضي هذا مذهب سيبويه أي لا تلن القول أمرهن الله أن يكون قولهن جزلا وكلامهن فصلا ولا يكون على وجه يظهر في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين كما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه مثل كلام المريبات والمومسات فنهاهن عن مثل هذا قوله تعالى : ) فيطمع ( بالنصب على جواب النهي ) الذي في قلبه مرض ( أي شك ونفاق عن قتادة والسدي وقيل : تشوف لفجور وهو الفسق والغزل قاله عكرمة وهذا أصوب وليس للنفاق مدخل في هذه الآية وحكى أبو حاتم أن الأعرج قرأ فيطمع بفتح الياء وكسر الميم النحاس : أحسب هذا غلطا وأن يكون قرأ فيطمع بفتح الميم وكسر العين بعطفه على تخضعن فهذا وجه جيد حسن ويجوز فيطمع بمعنى فيطمع الخضوع أو القول
"صفحة رقم 178"
قوله تعالى : ) وقلن قولا معروفا ( قال بن عباس : أمرهن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمرأة تندب إذا خاطبت الأجانب وكذا المحرمات عليها بالمصاهرة إلى الغلظة في القول من غير رفع صوت فإن المرأة مأمورة بخفض الكلام وعلى الجملة فالقول المعروف : هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس
الأحزاب : ) 33 ( وقرن في بيوتكن . . . . .
)
الاحزاب 33 (

قوله تعالى : ) وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ( فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ) وقرن ( قرأ الجمهور وقرن بكسر القاف وقرأ عاصم ونافع بفتحها فأما القراءة الأولى فتحتمل وجهين : أحدهما أن يكون من الوقار تقول : وقر يقر وقارا أي سكن والأمر قر وللنساء قرن مثل عدن وزن والوجه الثاني وهو قول المبرد أن يكون من القرار تقول : قررت بالمكان ) بفتح الراء ( أقرأ والأصل أقررن بكسر الراء فحذفت الراء الأولى تخفيفا كما قالوا في ظللت : ظلت ومسست : مست ونقلوا حركتها إلى القاف واستغنى عن ألف الوصل لتحرك القاف قال أبو علي : بل على أن أبدلت الراء ياء كراهة التضعيف كما أبدلت في قيراط ودينار ويصير للياء حركة الحرف المبدل منه فالتقدير : إقيرن ثم تلقى حركة الياء على القاف كراهة تحرك الياء بالكسر فتسقط الياء لاجتماع الساكنين وتسقط همزة الوصل لتحرك ما بعدها فيصير قرن وأما قراءة أهل المدينة وعاصم فعلى لغة العرب : قررت في المكان إذا أقمت فيه ) بكسر الراء ( أقر ) بفتح القاف ( من باب حمد يحمد وهي لغة أهل الحجاز ذكرها أبو عبيد في الغريب المصنف عن الكسائي وهو من أجل مشايخه وذكرها الزجاج وغيره والأصل إقررن
"صفحة رقم 179"
حذفت الراء الأولى لثقل التضعيف وألقيت حركتها على القاف فتقول : قرن قال الفراء : هو كما تقول : أحست صاحبك أي هل أحسست وقال أبو عثمان المازني : قررت به عينا ) بالكسر لا غير ( من قرة العين ولا يجوز قررت في المكان ) بالكسر ( وإنما هو قررت ) بفتح الراء ( وما أنكره من هذا لا يقدح في القراءة إذا ثبتت عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فيستدل بما ثبت عنه من القراءة على صحة اللغة وذهب أبو حاتم أيضا أن قرن لا مذهب له في كلام العرب قال النحاس : وأما قول أبي حاتم : لا مذهب له فقد خولف فيه وفيه مذهبان : أحدهما ما حكاه الكسائي والآخر ما سمعت علي بن سليمان يقول قال : وهو من قررت به عينا أقر والمعنى : واقررن به عينا في بيوتكن وهو وجه حسن إلا أن الحديث يدل على أنه من الأول كما روي أن عمارا قال لعائشة رضي الله عنها : إن الله قد أمرك أن تقري في منزلك فقالت : يا أبا اليقظان ما زلت قوالا بالحق فقال : الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك وقرأ بن أبي عبلة واقررن بألف وصل وراءين الأولى مكسورة الثانية معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت وإن كان الخطاب لنساء النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والإنكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة على ما تقدم في غير موضع فأمر الله تعالى نساء النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بملازمة بيوتهن وخاطبهن بذلك تشريفا لهن ونهاهن عن التبرج وأعلم أنه فعل الجاهلية الأولى فقال : ) ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ( وقد تقدم معنى التبرج في النور وحقيقته إظهار ما ستره أحسن وهو مأخوذ من السعة يقال : في أسنانه برج إذا كانت متفرقة قاله المبرد واختلف الناس في الجاهلية الأولى فقيل : هي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم عليه السلام كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال وقال الحكم بن عيينة : ما بين آدم ونوح
"صفحة رقم 180"
وهي ثمانمائة سنة وحكيت لهم سير ذميمة وقال بن عباس : ما بين نوح وإدريس الكلبي : ما بين نوج وإبراهيم قيل : إن المرأة كانت تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط الجانبين وتلبس الثياب الرقاق ولا تواري بدنها وقالت فرقة : ما بين موسى وعيسى الشعبي : ما بين عيسى ومحمد ( صلى الله عليه وسلم ) أبو العالية : هي زمان داود وسليمان كان فيه للمرأة قميص من الدر غير مخيط الجانبين وقال أبو العباس المبرد : والجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء قال : وكان النساء في الجاهلية الجهلاء يظهرن ما يقبح إظهاره حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخلها فينفرد خلها بما فوق الإزار إلى الأعلى وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى الأسفل وربما سأل أحدهما صاحبه البدل وقال مجاهد : كان النساء يتمشين بين الرجال فذلك التبرج قال بن عطية : والذي يظهر عندي أنه أشار للجاهلية التي لحقنها فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة لأنهم كانوا لا غيرة عندهم وكان أمر النساء دون حجاب وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى وقد أوقع اسم الجاهلية على تلك المدة التي قبل الإسلام فقالوا : جاهلي في الشعراء وقال بن عباس في البخاري : سمعت أبي في الجاهلية يقول إلى غير هذا قلت : وهذا قول حسن ويعترض بأن العرب كانت أهل قشف وضنك في الغالب وأن التنعم وإظهار الزينة إنما جرى في ألأزمان السابقة وهي المراد بالجاهلية الأولى وأن المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من المشية على تغنيج وتكسير وإظهار المحاسن للرجال إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعا وذلك يشمل الأقوال كلها ويعمها فيلزمن البيوت فإن مست الحاجة إلى الخروج فليكن على تبذل وتستر تام والله الموفق الثالثة ذكر الثعلبي وغيره : أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى تبل خمارها وذكر أن سودة قيل لها : لم لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل
"صفحة رقم 181"
أخواتك فقالت : قد حججت واعتمرت وأمرني الله أن أقر في بيتي قال الراوي : فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها رضوان الله عليها قال بن العربي : لقد دخلت نيفا على ألف قرية فما رأيت نساء أصون عيالا ولا أعف نساء من نساء نابلس التي رمي بها الخليل ( صلى الله عليه وسلم ) بالنار فإني أقمت فيها فما رأيت امرأة في طريق نهارا إلا يوم الجمعة فإنهن يخرجن إليها حتى يمتلئ المسجد منهن فإذا قضيت الصلاة وانقلبن إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدة منهن إلى الجمعة الأخرى وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشهدن فيه الرابعة قال بن عطية : بكاء عائشة رضي الله عنها إنما كان بسبب سفرها أيام الجمل وحينئذ قال لها عمار : إن الله قد أمرك أن تقري في بيتك قال بن العربي : تعلق الرافضة لعنهم الله بهذه الآية على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ قالوا : إنها خالفت أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين خرجت تقود الجيوش وتباشر الحروب وتقتحم مأزق الطعن والضرب فيما لم يفرض عليها ولا يجوز لها قالوا : ولقد حصر عثمان فلما رأت ذلك أمرت برواحلها فقربت لتخرج إلى مكة فقال لها مروان : أقيمي هنا يا أم المؤمنين وردي هؤلاء الرعاع فإن الإصلاح بين الناس خير من حجك قال بن العربي قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إن عائشة رضي الله عنها نذرت الحج قبل الفتنة فلم تر التخلف عن نذرها ولو خرجت في تلك الثائرة لكان ذلك صوابا لها وأما خروجها إلى حرب الجمل فما خرجت لحرب ولكن تعلق الناس بها وشكوا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة وتهارج الناس ورجوا بركتها وطمعوا في الإستحياء منها إذا وقفت إلى الخلق وظنت هي ذلك فخرجت مقتدية بالله في قوله : لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس وقوله : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما والأمر بالإصلاح مخاطب به جميع الناس من ذكر وأنثى حر
"صفحة رقم 182"
أو عبد فلم يرد الله تعالى بسابق قضائه ونافذ حكمه أن يقع إصلاح ولكن جرت مطاعنات وجراحات حتى كاد يفنى الفريقان فعمد بعضهم إلى الجمل فعرقبه فلما سقط الجمل لجنبه أدرك محمد بن أبي بكر عائشة رضي الله تعالى عنها فاحتملها إلى البصرة وخرجت في ثلاثين امرأة قرنهن علي بها حتى أوصلوها إلى المدينة برة تقية مجتهدة مصيبة مثابة فيما تأولت مأجورة فيما فعلت إذ كل مجتهد في الأحكام مصيب وقد تقدم في النحل اسم هذا الجمل وبه يعرف ذلك اليوم قوله تعالى : وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ( أي فيما أمر ونهى ) إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ( قال الزجاج : قيل يراد به نساء النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل : يراد به نساؤه وأهله الذين هم أهل بيته على ما يأتي بيانه بعد وأهل البيت نصب على المدح قال : وإن شئت على البدل قال : ويجوز الرفع والخفض قال النحاس : إن خفض على أنه بدل من الكاف والميم لم يجز عند أبي العباس محمد بن يزيد قال لا يبدل من المخاطبة ولا من المخاطب لأنهما لا يحتاجان إلى تبيين ) ويطهركم تطهيرا ( مصدر فيه معنى التوكيد
الأحزاب : ) 34 ( واذكرن ما يتلى . . . . .
)
الاحزاب 34 (

فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ) واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ( هذه الألفاظ تعطي أن أهل البيت نساؤه وقد أختلف أهل العلم في أهل البيت من هم فقال عطاء وعكرمة وبن عباس : هم زوجاته خاصة لا رجل معهن وذهبوا إلى أن البيت أريد به مساكن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لقوله تعالى : واذكرن ما يتلى في بيوتكن وقالت فرقة منهم الكلبي : هم علي وفاطمة والحسن والحسين خاصة وفي هذا أحاديث عن النبي عليه السلام واحتجوا بقوله تعالى : ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
"صفحة رقم 183"
بالميم ولو كان للنساء خاصة لكان عنكن ويطهركن إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على لفظ الأهل كما يقول الرجل لصاحبه : كيف أهلك أي امرأتك ونساؤك فيقول : هم بخير قال الله تعالى : أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم وإنما قال : ويطهركم لأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعليا وحسنا وحسينا كان فيهم وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن يدل عليه سياق الكلام والله أعلم أما أن أم سلمة قالت : نزلت هذه الآية في بيتي فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فدخل معهم تحت كساء خيبري وقال : ) هؤلاء أهل بيتي ) وقرأ الآية وقال : ) اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ) فقالت أم سلمة : وأنا معهم يا رسول الله قال : ) أنت على مكانك وأنت على خير ) أخرجه الترمذي وغيره وقال : هذا حديث غريب وقال القشيري : وقالت أم سلمة أدخلت رأسي في الكساء وقلت : أنا منهم يا رسول الله قال : ) نعم ) وقال الثعلبي : هم بنو هاشم فهذا يدل على أن البيت يراد به بيت النسب فيكون العباس وأعمامه وبنو أعمامه منهم وروي نحوه عن زيد بن أرقم رضي الله عنهم أجمعين وعلى قول الكلبي يكون قوله : واذكرن ابتداء مخاطبة الله تعالى أي مخاطبة أمر الله عز وجل أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على جهة الموعظة وتعديد النعمة بذكر ما يتلى في بيوتهن من آيات الله تعالى والحكمة قال أهل العلم بالتأويل : آيات الله القرآن والحكمة السنة والصحيح أن قوله : واذكرن منسوق على ما قبله وقال عنكم لقوله أهل فالأهل مذكر فسماهن وإن كن إناثا باسم التذكير فلذلك صار عنكم ولا اعتبار بقول الكلبي وأشباهه فإنه توجد له أشياء في هذا التفسير ما لو كان في زمن السلف الصالح لمنعوه من ذلك وحجروا عليه فالآيات كلها من قوله : يا أيها النبي قل لأزواجك إلى قوله إن الله كان لطيفا خبيرا منسوق بعضها على بعض
"صفحة رقم 184"
فكيف صار في الوسط كلاما منفصلا لغيرهن وإنما هذا شيء جرى في الأخبار أن النبي عليه السلام لما نزلت عليه هذه الآية دعا عليا وفاطمة والحسن والحسين فعمد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى كساء فلفها عليهم ثم ألوى بيده إلى السماء فقال : ) اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ) فهذه دعوة من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لهم بعد نزول الآية أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج فذهب الكلبي ومن وافقه فصيرها لهم خاصة وهي دعوة لهم خارجة من التنزيل الثانية لفظ الذكر يحتمل ثلاثة معان : أحدها أي اذكرن موضع النعمة إذ صيركن الله في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة الثاني اذكرن آيات الله واقدرن قدرها وفكرن فيها حتى تكون منكن على بال لتتعظن بمواعظ الله تعالى ومن كان هذا حاله ينبغي أن تحسن أفعاله الثالث اذكرن بمعنى احفظن واقرأن والزمنه الألسنة فكأنه يقول : احفظن أوامر الله تعالى ونواهيه وذلك هو الذي يتلى في بيوتكن من آيات الله فأمر الله سبحانه وتعالى أن يخبرن بما ينزل من القرآن في بيوتهن وما يرين من أفعال النبي عليه الصلاة والسلام ويسمعن من أقواله حتى يبلغن ذلك إلى الناس فيعملوا ويقتدوا وهذا يدل على جواز قبول خبر الواحد من الرجال والنساء في الدين الثالثة قال بن العربي في : هذه الآية مسألة بديعة وهي أن الله تعالى أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بتبليغ ما أنزل عليه من القرآن وتعليم ما علمه من الدين فكان إذا قرأ على واحد أو ما اتفق سقط عنه الفرض وكان على من سمعه أن يبلغه إلى غيره ولا يلزمه أن يذكره لجميع الصحابة ولا كان عليه إذا علم ذلك أزواجه أن يخرج إلى الناس فيقول لهم نزل كذا ولا كان كذا ولهذا قلنا : يجوز العمل بخبر بسرة في إيجاب الوضوء من مس الذكر لأنها روت ما سمعت وبلغت ما وعت ولا يلزم أن يبلغ ذلك الرجال كما قال أبو حنيفة على أنه قد نقل عن سعد بن أبي وقاص وبن عمر
"صفحة رقم 185"
الأحزاب : ) 35 ( إن المسلمين والمسلمات . . . . .
)
الاحزاب 35 (

فيه مسألتان : الأولى روى الترمذي عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقالت : ما أرى كل شيء إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت هذه الآية : إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الآية هذا حديث حسن غريب والمسلمين اسم إن والمسلمات عطف عليه ويجوز رفعهن عند البصريين فأما الفراء فلا يجوز عنده إلا فيما لا يتبين فيه الإعراب الثانية بدأ تعالى في هذه الآية بذكر الإسلام الذي يعم الإيمان وعمل الجوارح ثم ذكر الإيمان تخصيصا له وتنبيها على أنه عظم الإسلام ودعامته والقانت : العابد المطيع والصادق : معناه فيما عوهد عليه أن يفي به والصابر عن الشهوات وعلى الطاعات في المكره والمنشط والخاشع : الخائف لله والمتصدق بالفرض والنفل وقيل : بالفرض خاصة والأول أمدح والصائم كذلك ) والحافظين فروجهم والحافظات ( أي عما لا يحل من الزنى وغيره وفي قوله : والحافظات حذف يدل عليه المتقدم تقديره : والحافظاتها فاكتفى بما تقدم وفي الذاكرات أيضا مثله ونظيره قول الشاعر
"صفحة رقم 186"
وكمتا مدماة كأن متونها جرى فوقها واستشعرت لون مذهب وروى سيبويه : لون مذهب بالنصب وإنما يجوز الرفع على حذف الهاء كأنه قال : واستشعرته فيمن رفع لونا والذاكر قيل في أدبار الصلوات وغدوا وعشيا وفي المضاجع وعند الإنتباه من النوم وقد تقدم هذا كله مفصلا في مواضعه وما يترتب عليه من الفوائد والأحكام فأغنى عن الإعادة والحمد لله رب العالمين قال مجاهد : لايكون ذاكر الله تعالى كثيرا حتى يذكره قائما وجالسا ومضطجعا وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : من أيقظ أهله بالليل وصليا أربع ركعات كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات
الأحزاب : ) 36 ( وما كان لمؤمن . . . . .
)
الاحزاب 36 (

فيه أربع مسائل : الأولى روى قتادة وبن عباس ومجاهد في سبب نزول هذه الآية : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خطب زينب بنت جحش وكانت بنت عمته فظنت أن الخطبة لنفسه فلما تبين أنه يريدها لزيد كرهت وأبت وامتنعت فنزلت الآية فأذعنت زينب حينئذ وتزوجته في رواية : فامتنعت وامتنع أخوها عبد الله لنسبها من قريش وأن زيدا كان بالأمس عبدا إلى أن نزلت هذه الآية فقال له أخوها : مرني بما شئت فزوجها من زيد وقيل : إنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت وهبت نفسها للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فزوجها من زيد بن حارثة فكرهت ذلك هي وأخوها وقالا : إنما أردنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.69%)]