عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 09-07-2025, 12:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,440
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (14)
سُورَةُ الاحزاب
من صــ 126 الى صــ 135
الحلقة (568)





"صفحة رقم 127"
قوله تعالى : ) وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ( أي عهدهم على الوفاء بما حملوا وأن يبشر بعضهم ببعض ويصدق بعضهم بعضا أي كان مسطورا حين كتب الله ما هو كائن وحين أخذ الله تعالى المواثيق من الأنبياء ) ومنك ( يامحمد ) ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم ( وإنما خص هؤلاء الخمسة وأن دخلوا في زمرة النبيين تفضيلا لهم وقيل : لأنهم أصحاب الشرائع والكتب وأولو العزم من الرسل وأئمة الأمم ويحتمل أن يكون هذا تعظيما في قطع الولاية بين المسلمين والكافرين أي هذا مما لم تختلف فيه الشرائع أي شرائع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أي كان في ابتداء الإسلام توارث بالهجرة والهجرة سبب متأكد في الديانة ثم توارثوا بالقرابة مع الإيمان وهو سبب وكيد فأما التوارث بين مؤمن وكافر فلم يكن في دين أحد من الأنبياء الذين أخذ عليهم المواثيق فلا تداهنوا في الدين ولا تمالئوا الكفار ونظيره : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا إلى قوله ولا تتفرقوا فيه ومن ترك التفرق في الدين ترك موالاة الكفار وقيل : أي النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم كان ذلك في الكتاب مسطورا ومأخوذا به المواثيق من الأنبياء ) وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ( أي عهدا وثيقا عظيما على الوفاء بما التزموا من تبليغ الرسالة وأن يصدق بعضهم بعضا والميثاق هو اليمين بالله تعالى فالميثاق الثاني تأكيد للميثاق الأول باليمين وقيل : الأول هو الإقرار بالله تعالى والثاني في أمر النبوة ونظير هذا قوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري الآية أي أخذ عليهم أن يعلنوا أن محمدا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ويعلن محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أن لا نبي بعده وقدم محمدا في الذكر لما روي قتادة عن الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سئل عن قوله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح قال : ) كنت أولهم في الخلق وآخرهم في البعث ) وقال مجاهد : هذا في ظهر آدم عليه الصلاة والسلام
"صفحة رقم 128"
الأحزاب : ) 8 ( ليسأل الصادقين عن . . . . .
)
الأحزاب 8 (

قوله تعالى : ) ليسأل الصادقين عن صدقهم ( فيه أربعة أوجه : أحدها ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم حكاه النقاش وفي هذا تنبيه أي إذا كان الأنبياء يسألون فكيف من سواهم الثاني ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم حكاه علي بن عيسى الثالث ليسأل الأنبياء عليهم السلام عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه عليهم حكاه بن شجرة الرابع ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة وفي التنزيل : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين وقد تقدم وقيل : فائدة سؤالهم توبيخ الكفار كما قال تعالى : أأنت قلت للناس ) وأعد للكافرين عذابا أليما وهو عذاب جهنم
الأحزاب : ) 9 ( يا أيها الذين . . . . .
)
الأحزاب 9 (

يعني غزوة الخندق والأحزاب وبني قريظة وكانت حالا شديدة معقبة بنعمة ورخاء وغبطة وتضمنت أحكاما كثيرة وآيات باهرات عزيزة ونحن نذكر من ذلك بعون الله تعالى ما يكفي في عشر مسائل : الأولى اختلف في أي سنة كانت فقال بن إسحاق : كانت في شوال من السنة الخامسة وقال بن وهب وبن القاسم عن مالك رحمه الله : كانت وقعة الخندق سنة أربع
"صفحة رقم 129"
وهي وبنو قريظة في يوم واحد وبين قرظة والنظير أربع سنين قال بن وهب وسمعت مالكا يقول : أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالقتال من المدينة وذلك قوله تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر قال : ذلك يوم الخندق جاءت قريش من ها هنا واليهود من ها هنا والنجدية من ها هنا يريد مالك : إن الذين جاؤوا من فوقهم بنو قريظة ومن أسفل منهم قريش وغطفان وكان سببها : أن نفرا من اليهود منهم كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وسلام بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم وحي بن أخطب النضريون وهوذة بن قيس وأبو عمار من بني وائل وهم كلهم يهود هم الذين حزبوا الأحزاب وألبوا وجمعوا خرجوا في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل فأتوا مكة فدعوا إلى حرب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وواعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك فأجابهم أهل مكة إلى ذلك ثم خرج اليهود المذكورون إلى غطفان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم فخرجت قريش يقودهم أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على فزارة والحارث بن عوف المري على بني مرة ومسعود بن رخيلة على أشجع فلما سمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) باجتماعهم وخروجهم شاور أصحابه فأشار عليه سلمان بحفر الخندق فرضى رأيه وقال المهاجرون يومئذ : سلمان منا وقال الأنصار : سلمان منا فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) سلمان منا أهل البيت ) وكان الخندق أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يومئذ حر فقال : يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا فعمل المسلمون في الخندق مجتهدين ونكص المنافقون وجعلوا يتسللون لواذا فنزلت فيهم آيات من القرآن ذكرها بن إسحاق وغيره وكان من فرغ من المسلمين من حصته عاد إلى غيره حتى كمل الخندق وكانت فيه آيات بينات وعلامات للنبوات قلت : ففي هذا الذي ذكرناه من هذا الخبر من الفقه وهي
"صفحة رقم 130"
الثانية مشاورة السلطان أصحابه وخاصته في أمر القتال وقد مضى ذلك في آل عمران والنمل وفيه التحصن من العدو بما أمكن من الأسباب واستعمالها وقد مضى ذلك في غير موضع وفيه أن حفر الخندق يكون مقسوما على الناس فمن فرغ منهم عاون من لم يفرغ فالمسلمون يد على من سواهم وفي البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال : لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه وكان كثير الشعر فسمعته يرتجز بكلمات بن رواحة ويقول : اللهم لولا أنت مااهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا وأما ما كان فيه من الآيات وهي : الثالثة فروي النسائي عن أبي سكينة رجل من المحررين عن رجل من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : لما أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر فقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق وقال : وتمت كلمة ربك صدقا الآية فندر ثلث الحجر وسلمان الفارسي قائم ينظر فبرق مع ضربة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) برقة ثم ضرب الثانية وقال : وتمت الآية فندر الثلث الآخر فبرقت برقة فرآها سلمان ثم ضرب الثالثة وقال : وتمت كلمة ربك صدقا الآية فندر الثلث الباقي وخرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأخذ رداءه وجلس قال سلمان : يا رسول الله رأيتك حين ضربت ما تضرب ضربة إلا كانت معها برقة قال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) رأيت ذلك يا سلمان ) فقال : أي والذي بعثك بالحق يا رسول الله قال : ) فإني حين ضربت الضربة الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني قال له من حضره من أصحابه : يا رسول الله
"صفحة رقم 131"
ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ويخرب بأيدينا بلادهم فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثم ضربت الضربة الثانية فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعيني قالوا : يا رسول الله ادع الله تعالى أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ويخرب بأيدينا بلادهم فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثم ضربت الضربة الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعيني قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عند ذلك : دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم ) وخرجه أيضا عن البراء قال : لما أمرنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن نحفر الخندق عرض لنا صخرة لا تأخذ فيها المعاول فاشتكينا ذلك لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فجاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فألقى ثوبه وأخذ المعول وقال : ) باسم الله ) فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة ثم قال : ) الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر إلى قصورها الحمراء الآن من مكاني هذا ) قال : ثم ضرب أخرى وقال : ) باسم الله ) فكسر ثلثا آخر ثم قال : ) الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض ) ثم ضرب الثالثة وقال : ) باسم الله ) فقطع الحجر وقال : ) الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر باب صنعاء ) صححه أبو محمد عبد الحق الرابعة فلما فرغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من حفر الخندق أقبلت قريش في نحو عشرة آلاف بمن معهم من كنانة وأهل تهامة وأقبلت غطفان بمن معها من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أحد وخرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والمسلمون حتى نزلوا بظهر سلع في ثلاثة آلاف وضربوا عسكرهم والخندق بينهم وبين المشركين واستعمل على المدينة بن أم مكتوم في قول بن شهاب وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي وكان صاحب عقد بني قريظة ورئيسهم وكان قد وادع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعاقده وعاهده فلما سمع كعب بن أسد حيي بن أخطب
"صفحة رقم 132"
أغلق دونه باب حصنه وأبى أن يفتح له فقال له : افتح لي يا أخي فقال له : لا أفتح لك فإنك رجل مشئوم تدعوني إلى خلاف محمد وأنا قد عاقدته وعاهدته ولم أر منه إلا وفاء وصدقا فلست بناقض ما بيني وبينه فقال حيي : افتح لي حتى أكلمك وأنصرف عنك فقال : لا أفعل فقال : إنما تخاف أن آكل معك جشيشتك فغضب كعب وفتح له فقال : ياكعب إنما جئتك بعز الدهر جئتك بقريش وسادتها وغطفان وقادتها قد تعاقدوا على أن يستأصلوا محمدا ومن معه فقال له كعب : جئتني والله بذل الدهر وبجهام لا غيث فيه ويحك ياحيي دعني فلست بفاعل ما تدعوني إليه فلم يزل حيي بكعب يعده ويغره حتى رجع إليه وعاقده على خذلان محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه وأن يسير معهم وقال له حيي بن أخطب : إن انصرفت قريش وغطفان دخلت عندك بمن معي من اليهود فلما انتهى خبر كعب وحيي إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعث سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وسيد الأوس سعد بن معاذ وبعث معهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير وقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) انطلقوا إلى بني قريظة فإن كان ما قيل لنا حقا فالحنوا لنا لحنا ولا تفتوا في أعضاد الناس وإن كان كذبا فاجهروا به للناس ) فانطلقوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ماقيل لهم عنهم ونالوا من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقالوا : لا عهد له عندنا فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه وكانت فيه حدة فقال له سعد بن عبادة : دع عنك مشاتمتهم فالذي بيننا وبينهم أكثر من ذلك ثم أقبل سعد وسعد حتى أتيا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في جماعة المسلمين فقالا : عضل والقارة يعرضان بغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) أبشروا يامعشر المسلمين ) وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتى المسلمين عدوهم من فوقهم يعني من فوق الوادي من قبل المشرق ومن أسفل منهم من بطن الوادي من قبل المغرب حتى ظنوا بالله الظنونا وأظهر المنافقون كثيرا مما كانوا يسرون فمنهم من قال : إن بيوتنا عورة فلننصرف إليها
"صفحة رقم 133"
فإنا نخاف عليها وممن قال ذلك : أوس بن قيظي ومنهم من قال : يعدنا محمد أن يفتح كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه يذهب إلى الغائط وممن قال ذلك : معتب بن قشير أحد بني عمرو بن عوف فأقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأقام المشركون بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصى فلما رأى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه اشتد على المسلمين البلاء بعث إلى عيينة بن حصن الفزاري وإلى الحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة لينصرفا بمن معهما من غطفان ويخذلا قريشا ويرجعا بقومهما عنهم وكانت هذه المقالة مراوضة ولم تكن عقدا فلما رأى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منهما أنهما قد أنابا ورضيا أتى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما فقالا : يا رسول الله هذا أمر تحبه فنصنعه لك أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع أو أمر تصنعه لنا قال : ) بل أمر أصنعه لكم والله ما أصنعه إلا أني قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ) فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله والله لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا شراء أو قرى فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم فسر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بذلك وقال : ) أنتم وذاك ) وقال لعيينة والحارث : ) انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف ) وتناول سعد الصحيفة وليس فيها شهادة فمحاها الخامسة فأقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والمسلمون على حالهم والمشركون يحاصرونهم ولا قتال بينهم إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود العامري من بني عامر بن لؤي وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب وضرار بن الخطاب الفهري وكانوا فرسان قريش وشجعانهم أقبلوا حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا : إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق فضربوا خيلهم فاقتحمت بهم وجاوزوا الخندق وصاروا بين الخندق وبين سلع وخرج علي بن أبي طالب
"صفحة رقم 134"
في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها وأقبلت الفرسان نحوهم وكان عمرو بن عبد ود قد أثبتته الجراح يوم بدر فلم يشهد أحدا وأراد يوم الخندق أن يرى مكانه فلما وقف هو وخيله نادى : من يبارز فبرز له علي بن أبي طالب وقال له : ياعمرو إنك عاهدت الله فيما بلغنا أنك لا تدعى إلى إحدى خلتين إلا أخذت إحداهما قال نعم قال : فإني أدعوك إلى الله والإسلام قال : لا حاجة لي بذلك قال : فأدعوك إلى البراز قال : يا بن أخي والله ما أحب أن أقتلك لما كان بيني وبين أبيك فقال له علي : أنا والله أحب أن أقتلك فحمي عمرو بن عبد ود ونزل عن فرسه فعقره وصار نحو علي فتنازلا وتجاولا وثار النقع بينهما حتى حال دونهما فما انجلى النقع حتى رئي علي على صدر عمرو يقطع رأسه فلما رأى أصحابه أنه قد قتله علي اقتحموا بخيلهم الثغرة منهزمين هاربين وقال علي رضي الله عنه في ذلك : نصر الحجارة من سفاهة رأيه ونصرت دين محمد بضراب نازلته فتركته متجدلا كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو انني كنت المقطر بزنى أثوابي لا تحسبن الله خاذل دينه ونبيه يا معشر الأحزاب قال بن هشام : أكثر أهل العلم بالسير يشك فيها لعلي قال بن هشام : وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو فقال حسان بن ثابت في ذلك : فر وألقى لنا رمحه لعلك عكرم لم تفعل ووليت تعدو كعدو الظل يم إن تجور عن المعدل ولم تلق ظهرك مستأنسا كأن قفاك قفا فرعل
"صفحة رقم 135"
قال بن هشام : فرعل صغير الضباع وكانت عائشة رضي الله عنها في حصن بني حارثة وأم سعد بن معاذ معها وعلى سعد درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه وفي يده حربته وهو يقول : لبث قليلا يلحق الهيجا جمل لا بأس بالموت إذا كان الأجل ورمى يومئذ سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل واختلف فيمن رماه فقيل : رماه حبان بن قيس بن العرقة أحد بني عامر بن لؤي فلما أصابه قال له : خذها وأنا بن العرقة فقال له سعد : عرق الله وجهك في النار وقيل : إن الذي رماه خفاجة بن عاصم بن حبان وقيل : بل الذي رماه أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم ولحسان مع صفية بنت عبد المطلب خبر طريف يومئذ ذكره بن إسحاق وغيره قالت صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها : كنا يوم الأحزاب في حصن حسان بن ثابت وحسان معنا في النساء والصبيان والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه في نحر العدو لا يستطيعون الانصراف إلينا فإذا يهودي يدور فقلت لحسان : انزل إليه فاقتله فقال : ما أنا بصاحب هذا يابنة عبد المطلب فأخذت عمودا ونزلت من الحصن فقتلته فقلت : يا حسان انزل فاسلبه فلم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل فقال : مالي بسلبه حاجة يا بنة عبد المطلب قال : فنزلت فسلبته قال أبو عمر بن عبد البر : وقد أنكر 2 هذا عن حسان جماعة من أهل السير وقالوا : لو كان في حسان من الجبن ما وصفتم لهجاه بذلك الذين كان يهاجيهم في الجاهلية والإسلام ولهجي بذلك ابنه عبد الرحمن فإنه كان كثيرا ما يهاجي الناس من شعراء العرب مثل النجاشي وغيره السادسة وأتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي فمرني بما شئت فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
"صفحة رقم 136"
: ) إنما أنت رجل واحد من غطفان فلو خرجت فخذلت عنا إن استطعت كان أحب إلينا من بقائك معنا فاخرج فإن الحرب خدعة ) فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان ينادمهم في الجاهلية فقال : يابني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم قالوا : قل فلست عندنا بمتهم فقال لهم : إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه فإن رأوا نهزة أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ولا طاقة لكم به فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لهم : قد عرفتم ودي لكم معشر قريش وفراقي محمدا وقد بلغني أمر أرى من الحق أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا علي قالوا نفعل قال : تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما كان من خذلانهم محمدا وقد أرسلوا إليه : إنا قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على ما بقي منهم حتى نستأصلهم ثم أتى غطفان فقال مثل ذلك فلما كان ليلة السبت وكان ذلك من صنع الله عز وجل لرسوله والمؤمنين أرسل أبو سفيان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان يقول لهم : إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فاغدوا صبيحة غد للقتال حتى نناجز محمدا فأرسلوا إليهم : إن اليوم يوم السبت وقد علمتم ما نال منا من تعدي في السبت ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فلما رجع الرسول بذلك قالوا : صدقنا والله نعيم بن مسعود فردوا




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.29 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.70%)]