عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 09-07-2025, 12:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (14)
سُورَةُ الاحزاب
من صــ 116 الى صــ 125
الحلقة (567)






"صفحة رقم 117"
في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه الأول فقالوا ذلك عنه فأكذبهم الله عز وجل وقيل : نزلت في عبد الله بن خطل وقال الزهري وبن حبان : نزل ذلك تمثيلا في زيد بن حارثة لما تبناه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فالمعنى : كما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا يكون ولد واحد لرجلين قال النحاس : وهذا قول ضعيف لا يصح في اللغة وهو من منقطعات الزهري رواه معمر عنه وقيل : هو مثل ضرب للمظاهر أي كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى تكون له أمان وقيل : كان الواحد من المنافقين يقول : لي قلب يأمرني بكذا وقلب يأمرني بكذا فالمنافق ذو قلبين فالمقصود رد النفاق وقيل : لا يجتمع الكفر والإيمان بالله تعالى في قلب كما لا يجتمع قلبان في جوف فالمعنى : لا يجتمع اعتقادان متغايران في قلب ويظهر من الآية بجملتها نفي أشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت وإعلام بحقيقة الأمر والله أعلم الثانية القلب بضعة صغيرة على هيئة الصنوبرة خلقها الله تعالى في الآدمي وجعلها محلا للعلم فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار يكتبه الله تعالى فيه بالخط الإلهي ويضبطه فيه بالحفظ الرباني حتى يحصيه ولا ينسى منه شيئا وهو بين لمتين : لمة من الملك ولمة من الشيطان كما قال ( صلى الله عليه وسلم ) خرجه الترمذي وقد مضى في البقرة وهو محل الخطرات والوساوس ومكان الكفر والإيمان وموضع الإصرار والإنابة ومجرى الانزعاج والطمأنينة والمعنى في الآية : أنه لا يجتمع في القلب الكفر والإيمان والهدى والضلال والإنابة والإصرار وهذا نفي لكل ما توهمه أحد في ذلك من حقيقة أو مجاز والله أعلم الثالثة أعلم الله عز وجل في هذه الآية أنه لا أحد بقلبين ويكون في هذا طعن على المنافقين الذين تقدم ذكرهم أي إنما هو قلب واحد فإما فيه إيمان وإما فيه كفر لأن
"صفحة رقم 118"
درجة النفاق كأنها متوسطة فنفاها الله تعالى وبين أنه قلب واحد وعلى هذا النحو يستشهد الإنسان بهذه الآية متى نسى شيئا أو وهم يقول على جهة الإعتذار : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه الرابعة قوله تعالى : ) وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ( يعني قول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي وذلك مذكور في سورة المجادلة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى ( أجمع أهل التفسير على أن هذا نزل في زيد بن حارثة وروى الأئمة أن بن عمر قال : ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله وكان زيد فيما روي عن أنس بن مالك وغيره مسبيا من الشام سبته خيل من تهامة فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد فوهبه لعمته خديجة فوهبته خديجة للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأعتقه وتبناه فأقام عنده مدة ثم جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه فقال لهما النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وذلك قبل البعث : ) خيراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء ) فاختار الرق مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على حريته وقومه فقال محمد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عند ذلك : ) يامعشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه ) وكان يطوف على حلق قريش يشهدهم على ذلك فرضي ذلك عمه وأبوه وانصرفا وكان أبوه لما سبى يدور الشام ويقول : بكيت على زيد ولم أدر ما أفعل أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل فوالله لا أدري وإني لسائل أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل فياليت شعري هل لك الدهر أوبة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل تذكرنيه الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا غربها أفل وإن هبت الأرياح هيجن ذكره فياطول ما حزني عليه وما وجل سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل حياتي أو تأتي علي منيتي فكل امرئ فان وإن غره الأمل
"صفحة رقم 119"
فأخبر أنه بمكة فجاء إليه فهلك عنده وروي أنه جاء إليه فخيره النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كما ذكرنا وانصرف وسيأتي من ذكره وفضله وشرفه شفاء عند قوله : فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها إن شاء الله تعالى وقتل زيد بمؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أمره في تلك الغزاة وقال : ) إن قتل زيد فجعفر فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة ) فقتل الثلاثة في تلك الغزاة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ولما أتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نعى زيد وجعفر بكى وقال : ) أخواي ومؤنساي ومحدثاي
الأحزاب : ) 5 ( ادعوهم لآبائهم هو . . . . .
)
الاحزاب 5 (

بن أبي ربيعة فسمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ببعثهما فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ) ادعوهم لآبائهم ( نزلت في زيد بن حارثة على ما تقدم بيانه وفي قول بن عمر : ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد دليل على أن التبني كان معمولا به في الجاهلية والإسلام يتوارث به ويتناصر إلى أن نسخ الله ذلك بقوله : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله أي أعدل فرفع الله حكم التبني ومنع من إطلاق لفظه وأرشد بقوله إلى أن الأولى والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبا فيقال : كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جلده وظرفه ضمه إلى نفسه وجعل له نصيب الذكر من أولاده من ميراثه وكان ينسب إليه فيقال فلان بن فلان وقال النحاس : هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبني وهو من نسخ السنة بالقرآن فأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف فإن لم يكن له أب معروف نسبوه إلى ولائه فإن لم يكن له ولاء معروف قال له يا أخي يعني في الدين قال الله تعالى : إنما المؤمنون إخوة
"صفحة رقم 120"
الثانية لو نسبه إنسان إلى أبيه من التبني فإن كان على جهة الخطأ وهو أن يسبق لسانه إلى ذلك من غير قصد فلا إثم ولا مؤاخذة لقوله تعالى : وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكذلك لو دعوت رجلا إلى غير أبيه وأنت ترى أنه أبوه فليس عليك بأس قاله قتادة ولا يجري هذا المجرى ما غلب عليه اسم التبني كالحال في المقداد بن عمرو فإنه كان غلب عليه نسب التبني فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود فإن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية وعرف به فلما نزلت الآية قال المقداد : أنا بن عمرو ومع ذلك فبقى الإطلاق عليه ولم يسمع فيمن مضى من عصى مطلق ذلك عليه وإن كان متعمدا وكذلك سالم مولى أبي حذيفة كان يدعى لأبي حذيفة وغير هؤلاء ممن تبنى وانتسب لغير أبيه وشهر بذلك وغلب عليه وذلك بخلاف الحال في زيد بن حارثة فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد فإن قاله أحد متعمدا عصى لقوله تعالى : ولكن ما تعمدت قلوبكم أي فعليكم الجناح والله أعلم ولذلك قال بعده : ) وكان الله غفورا رحيما ( أي غفورا للعمد ورحيما برفع إثم الخطأ الثالثة وقد قيل : إن قول الله تبارك وتعالى : وليس عليكم جناح فيما أخطأتم مجمل أي وليس عليكم جناح في شيء أخطأتم وكانت فتيا عطاء وكثير من العلماء على هذا إذا حلف رجل ألا يفارق غريمه حتى يستوفي منه حقه فأخذ منه ما يرى أنه جيد من دنانير فوجدها زيوفا أنه لا شيء عليه وكذلك عنده إذا حلف ألا يسلم على فلان فسلم عليه وهو لا يعرفه أنه لا يحنث لأنه لم يتعمد ذلك وما في موضع خفض ردا على ما التي مع أخطأتم ويجوز أن تكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ والتقدير : ولكن الذي تؤاخذون به ما تعمدت قلوبكم قال قتادة وغيره : من نسب رجلا إلى غير أبيه وهو يرى أنه أبوه خطأ فذلك من الذي رفع الله فيه الجناح وقيل هو أن يقول له في المخاطبة : يا بني على غير تبن الرابعة قوله تعالى : ) ذلكم قولكم بأفواهكم ( بأفواهكم تأكيد لبطلان القول أي أنه قول لا حقيقة له في الوجود إنما هو قول لساني فقط وهذا كما تقول : أنا أمشي
"صفحة رقم 121"
إليك على قدم فإنما تريد بذلك المبرة وهذا كثير وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع ) والله يقول الحق ( الحق نعت لمصدر محذوف أي يقول القول الحق و ) يهدي ( معناه يبين فهو يتعدى بغير حرف جر الخامسة الأدعياء جمع الدعى وهو الذي يدعي أبنا لغير أبيه أو يدعي غير أبيه والمصدر الدعوة بالكسر فأمر تعالى بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصلب فمن جهل ذلك فيه ولم تشتهر أنسابهم كان مولى وأخا في الدين وذكر الطبري أن أبا بكرة قرأ هذه الآية وقال : أنا ممن لا يعرف أبوه فأنا أخوكم في الدين ومولاكم قال الراوي عنه : ولو علم والله أن أباه حمار لانتمى إليه ورجال الحديث يقولون في أبي بكرة : نفيع بن الحارث السادسة روى الصحيح عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة كلاهما قال : سمعته أذناي ووعاه قلبي محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ) من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ) وفي حديث أبي ذر أنه سمع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ) ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر )
الأحزاب : ) 6 ( النبي أولى بالمؤمنين . . . . .
)
الاحزاب 6 (

فيه تسع مسائل : الأولى قوله تعالى : ) النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ( هذه الآية أزال الله تعالى بها أحكاما كانت في صدر الإسلام منها : أنه ( صلى الله عليه وسلم ) كان لا يصلي على ميت
"صفحة رقم 122"
عليه دين فلما فتح الله عليه الفتوح قال : ) أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته ) أخرجه الصحيحان وفيهما أيضا ) فأيكم ترك دينا أو ضياعا فأنا مولاه ) قال بن العربي : فانقلبت الآن الحال بالذنوب فإن تركوا مالا ضويق العصبة فيه وإن تركوا ضياعا أسلموا إليه فهذا تفسير الولاية المذكورة في هذه الآية بتفسير النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وتنبيهه ) ولا عطر بعد عروس ( قال بن عطية : وقال بعض العلماء العارفين هو أولى بهم من أنفسهم لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك وهو يدعوهم إلى النجاة قال بن عطية : ويؤيد هذا قوله عليه الصلاة والسلام : ) أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش ) قلت : هذا قول حسن في معنى الآية وتفسيرها والحديث الذي ذكر أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيه ) وعن جابر مثله وقال : ) وأنتم تفلتون من يدي ) قال العلماء : الحجزة للسراويل والمعقد للإزار فإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه وهذا مثل لاجتهاد نبينا عليه الصلاة والسلام في نجاتنا وحرصه على تخلصنا من الهلكات التي بين أيدينا فهو أولى بنا من أنفسنا ولجهلنا بقدر ذلك وغلبة شهواتنا علينا وظفر عدونا اللعين بناصرنا أحقر من الفراش وأذل من الفراش ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقيل : أولى بهم أي أنه إذا أمر بشيء ودعت النفس إلى غيره كان أمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أولى وقيل : أولى بهم أي هو أولى بأن يحكم على المؤمنين فينفذ حكمه في أنفسهم أي فيما يحكمون به لأنفسهم مما يخالف حكمه الثانية قال بعض أهل العلم : يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداء بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فإنه قد صرح بوجوب ذلك عليه حيث قال : ) فعلي قضاؤه ) والضياع ) بفتح الضاد ( مصدر ضاع ثم جعل اسما لكل ما هو بصدد أن يضيع
"صفحة رقم 123"
من عيال وبنين لا كافل لهم ومال لا قيم له وسميت الأرض ضيعة لأنها معرضة للضياع وتجمع ضياعا بكسر الضاد الثالثة قوله تعالى : ) وأزواجه أمهاتهم ( شرف الله تعالى أزواج نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) بأن جعلهن أمهات المؤمنين أي في وجوب التعظيم والمبرة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال وحجبهن رضي الله تعالى عنهن بخلاف الأمهات وقيل : لما كانت شفقتهن عليهم كشفقة الأمهات أنزلن منزلة الأمهات ثم هذه الأمومة لا توجب ميراثا كأمومة التبني وجاز تزويج بناتهن ولا يجعلن أخوات للناس وسيأتي عدد أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في آية التخيير إن شاء الله تعالى واختلف الناس هل هن أمهات الرجال والنساء أم أمهات الرجال خاصة على قولين : فروى الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة قالت لها : يا أمة فقالت لها : لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم قال بن العربي : وهو الصحيح قلت : لا فائدة في اختصاص الحصر في الإباحة للرجال دون النساء والذي يظهر لي أنهن أمهات الرجال والنساء تعظيما لحقهن على الرجال والنساء يدل عليه صدر الآية : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة ويدل على ذلك حديث أبي هريرة وجابر فيكون قوله : وأزواجه أمهاتهم عائدا إلى الجميع ثم إن في مصحف أبي بن كعب وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم وقرأ بن عباس : من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم وهذا كله يوهن مارواه مسروق إن صح من جهة الترجيح وإن لم يصح فيسقط الإستدلال به في التخصيص وبقينا على الأصل الذي هو العموم الذي يسبق إلى الفهوم والله أعلم الرابعة قوله تعالى : ) وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ( قيل : إنه أراد بالمؤمنين الأنصار وبالمهاجرين قريشا وفيه قولان
"صفحة رقم 124"
أحدهما أنه ناسخ للتوارث بالهجرة حكى سعيد عن قتادة قال : كان نزل في سورة الأنفال والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا فتوارث المسلمون بالهجرة فكان لا يرث الأعرابي المسلم من قريبه المسلم المهاجر شيئا حتى يهاجر ثم نسخ ذلك في هذه السورة بقوله : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض الثاني أن ذلك ناسخ للتوارث بالحلف والمؤاخاة في الدين روى هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فآخيناهم فأورثونا وأورثناهم فآخى أبو بكر خارجة بن زيد وآخيت أنا كعب بن مالك فجئت فوجدت السلاح قد أثقله فوالله لقد مات عن الدنيا ما ورثه غيري حتى أنزل الله تعالى هذه الآية فرجعنا إلى موارثنا وثبت عن عروة أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) آخى بين الزبير وبين كعب بن مالك فارتث كعب يوم أحد فجاء الزبير يقوده بزمام راحلته فلو مات يومئذ كعب عن الضح والريح لورثه الزبير فأنزل الله تعالى : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله فبين الله تعالى أن القرابة أولى من الحلف فتركت الوراثة بالحلف وورثوا بالقرابة وقد مضى في الأنفال الكلام في توريث ذوي الأرحام وقوله : في كتاب الله يحتمل أن يريد القرآن ويحتمل أن يريد اللوح المحفوظ الذي قضى فيه أحوال خلقه ومن المؤمنين متعلق ب أولى لا بقوله : وأولو الأرحام بالإجماع لأن ذلك كان يوجب تخصيصا ببعض المؤمنين ولا خلاف في عمومها وهذا حل إشكالها قاله بن العربي النحاس : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين يجوز أن يتعلق من المؤمنين ب أولو فيكون التقدير : وأولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين ويجوز أن يكون المعنى أولى من المؤمنين وقال المهدوي : وقيل إن معناه : وأولو الأرحام بعضهم أولى
"صفحة رقم 125"
ببعض في كتاب الله إلا مايجوز لأزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يدعين أمهات المؤمنين والله تعالى أعلم الخامسة واختلف في كونهن كالأمهات في المحرم وإباحة النظر على وجهين : أحدهما هن محرم لايحرم النظر إليهن الثاني أن النظر إليهم محرم لأن التحريم نكاحهن إنما كان حفظا لحق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيهن وكان من حفظ حقه تحيم النظر إليهن ولأن عائشة رضي الله عنها كانت إذا أرادت دخول رجل عليها أمرت أختها أسماء أن ترضعه ليصير ابنا لأختها من الرضاعة فيصير محرما يستبيح النظر وأما اللاتي طلقهن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في حياته فقد اختلف في ثبوت هذه الحرمة لهن على ثلاثة أوجه : أحدها ثبتت لهن الحرمة تغليبا لحرمة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الثاني لايثبت لهن ذلك بل هن كسائر النساء لأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد أثبت عصمتهن وقال : ) أزواجي في الدنيا هن أزواجي في الآخرة ) الثالث من دخل بها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منهن ثبتت حرمتها وحرم نكاحها وإن طلقها حفظا لحرمته وحراسة لخلوته ومن لم يدخل بها لم تثبت لها هذه الحرمة وقد هم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه برجم امرأة فارقها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فتزوجت فقالت : لم هذا وما ضرب علي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حجابا ولا سميت أم المؤمنين فكف عنها عمر رضي الله عنه السادسة قال قوم : لا يجوز أن يسمى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أبا لقوله تعالى : ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم ولكن يقال : مثل الأب للمؤمنين كما قال : ) إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم ) الحديث خرجه أبو داود والصحيح أنه يجوز أن يقال : إنه أب للمؤمنين أي في الحرمة وقوله تعالى : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم أي في النسب وسيأتي وقرأ بن عباس : من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه وسمع عمر هذه القراءة فأنكرها وقال : حكمها يا غلام فقال : إنها في مصحف أبي فذهب إليه
"صفحة رقم 126"
فسأله فقال له أبي : إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق وأغلظ لعمر وقد قيل في قول لوط عليه السلام هؤلاء بناتي : إنما أراد المؤمنات أي تزوجوهن وقد تقدم السابعة قال قوم : لايقال بناته أخوات المؤمنين ولا أخوالهن أخوال المؤمنين وخالاتهم قال الشافعي رضي الله عنه : تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر الصديق وهي أخت عائشة ولم يقل هي خالة المؤمنين وأطلق قوم هذا وقالوا : معاوية خال المؤمنين يعني في الحرمة لا في النسب الثامنة قوله تعالى : ) إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ( يريد الإحسان في الحياة والوصية عند الموت أي إن ذلك جائز قاله قتادة والحسن وعطاء وقال محمد بن الحنفية نزلت في إجازة الوصية لليهودي والنصراني أي يفعل هذا مع الولي والقريب وإن كان كافرا فالمشرك ولي في النسب لا في الدين فيوصى له بوصية واختلف العلماء هل يجعل الكافر وصيا فجوز بعض ومنع بعض ورد النظر إلى السلطان في ذلك بعض منهم مالك رحمه الله تعالى وذهب مجاهد وبن زيد والرماني إلى أن المعنى : إلى أوليائكم من المؤمنين ولفظ الآية يعضد هذا المذهب وتعميم الولي أيضا حسن وولاية النسب لا تدفع الكافر وإنما تدفع أن يلقى إليه بالمودة كولي الإسلام التاسعة قوله تعالى : ) كان ذلك في الكتاب مسطورا ( الكتاب يحتمل الوجهين المذكورين المتقدمين في كتاب الله ومسطورا من قولك سطرت الكتاب إذا أثبته أسطارا وقال قتادة : أي مكتوبا عند الله عز وجل ألا يرث كافر مسلما قال قتادة : وفي بعض القراءة كان ذلك عند الله مكتوبا وقال القرظي : كان ذلك في التوراة
الأحزاب : ) 7 ( وإذ أخذنا من . . . . .
)
الاحزاب 7 (





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.59 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.69%)]