عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 08-07-2025, 04:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,502
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (14)
سُورَةُ الروم
من صــ 36 الى صــ 45
الحلقة (559)






الثالثة- قوله تعالى : {ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} أي إعطاء الحق أفضل من الإمساك إذا أريد بذلك وجه الله والتقرب إليه. {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي الفائزون بمطلوبهم من الثواب في الآخرة. وقد تقدم في {البقرة} القول فيه.
الآية : [39] {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}
وقوله تعالي : {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ}
فيه أربع مسائل :
الأولي- لما ذكر ما يراد به وجهه ويثبت عليه ذكر غير ذلك من الصفة وما يراد به أيضا وجهه. وقرأ الجمهور : {آتَيْتُمْ} بالمد بمعنى أعطيتم. وقرأ ابن كثير ومجاهد وحميد بغير مد ؛ بمعنى ما فعلتم من ربا ليربو ؛ كما تقول : أتيت صوابا وأتيت خطأ. وأجمعوا على المد في قوله : {آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ} . والربا الزيادة وقد مضى في {البقرة} معناه ، وهو هناك محرم وها هنا حلال. وثبت بهذا أنه قسمان : منه حلال ومنه حرام. قال عكرمة في قوله تعالى : {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} قال : الربا ربوان ، ربا حلال وربا حرام ؛ فأما الربا الحلال فهو الذي يهدى ، يلتمس ما هو أفضل منه. وعن الضحاك في هذه الآية : هو الربا الحلال الذي يهدى ليثاب ما هو أفضل منه ، لا له ولا عليه ، ليس له فيه أجر وليس عليه فيه إثم. وكذلك قال ابن عباس : {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً} يريد هدية الرجل الشيء يرجو أن يثاب أفضل منه ؛ فذلك الذي لا يربو عند الله ولا يؤجر صاحبه ولكن لا إثم عليه ، وفي هذا المعنى نزلت الآية. قال ابن عباس وابن جبير وطاوس ومجاهد : هذه آية نزلت في هبة الثواب. قال ابن عطية : وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسلام وغيره ؛ فهو وإن كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله تعالى. وقاله القاضي أبو بكر بن العربي. وفي كتاب النسائي
عن عبدالرحمن بن علقمة قال : قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم هدية فقال : "أهدية أم صدقة فإن كانت هدية فإنما يبتغى بها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاء الحاجة ، وإن كانت صدقة فإنما يبتغى بها وجه الله عز وجل" قالوا : لا بل هدية ؛ فقبلها منهم وقعد معهم يسائلهم ويسألونه. وقال ابن عباس أيضا وإبراهيم النخعي : نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم ، وليزيدوا في أموالهم على وجه النفع لهم. وقال الشعبي : معنى الآية أن ما خدم الإنسان به أحدا وخف له لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجزي به الخدمة لا يربو عند الله. وقيل : كان هذا حراما على النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص ؛ قال الله تعالى : {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} فنهى أن يعطي شيئا فيأخذ أكثر منه عوضا. وقيل : إنه الربا المحرم ؛ فمعنى : {لا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ} على هذا القول لا يحكم به لآخذه بل هو للمأخوذ منه. قال السدي : نزلت هذه الآية في ربا ثقيف ؛ لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله فيهم قريش.
الثانية- قال القاضي أبو بكر بن العربي : صريح الآية فيمن يهب يطلب الزيادة من أموال الناس في المكافأة. قال المهلب : اختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب ثوابها وقال : إنما أردت الثواب ؛ فقال مالك : ينظر فيه ؛ فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك ؛ مثل هبة الفقير للغني ، وهبة الخادم لصاحبه ، وهبة الرجل لأميره ومن فوقه ؛ وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة : لا يكون له ثواب إذا لم يشترط ؛ وهو قول الشافعي الآخر. قال : والهبة للثواب باطلة لا تنفعه ؛ لأنها بيع بثمن مجهول. واحتج الكوفي بأن موضوع الهبة التبرع ، فلو أوجبنا فيها العوض لبطل معنى التبرع وصارت في معنى المعاوضات ، والعرب قد فرقت بين لفظ البيع ولفظ الهبة ، فجعلت لفظ البيع على ما يستحق فيه العوض ، والهبة بخلاف ذلك. ودليلنا ما رواه مالك في موطئه عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : أيما رجل وهب هبة يرى أنها للثواب فهو على هبته حتى يرضى
منها. ونحوه عن علّي رضي الله عنه قال : المواهب ثلاثة : موهبة يراد بها وجه الله ، وموهبة يراد بها وجوه الناس ، وموهبة يراد بها الثواب ؛ فموهبة الثواب يرجع فيها صاحبها إذا لم يثب منها. وترجم البخاري رحمه الله "باب المكافأة في الهبة" وساق حديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها ، وأثاب على لقحة ولم ينكر على صاحبها حين طلب الثواب ، وإنما أنكر سخطه للثواب وكان زائدا على القيمة. خرجه الترمذي.
الثالثة- ما ذكره علّي رضي الله عنه وفصّله من الهبة صحيح ؛ وذلك أن الواهب لا يخلو في هبته من ثلاثة أحوال : أحدها : أن يريد بها وجه الله تعالى ويبتغي عليها الثواب منه. والثاني : أن يريد بها وجوه الناس رياء ليحمدوه عليها ويثنوا عليه من أجلها. والثالث : أن يريد بها الثواب من الموهوب له ؛ وقد مضى الكلام فيه. وقال صلى الله عليه وسلم : "الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" . فأما إذا أراد بهبته وجه الله تعالى وابتغى عليه الثواب من عنده فله ذلك عند الله بفضله ورحمته ؛ قال الله عز وجل : {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}
وكذلك من يصل قرابته ليكون غنيا حتى لا يكون كلا فالنية في ذلك متبوعة ؛ فإن كان ليتظاهر بذلك دنيا فليس لوجه الله ، وإن كان لما له عليه من حق القرابة وبينهما من وشيجة الرحم فإنه لوجه الله.
وأما من أراد بهبته وجوه الناس رياء ليحمدوه عليها ويثنوا عليه من أجلها فلا منفعة له في هبته ؛ لا ثواب في الدنيا ولا أجر في الآخرة ؛ قال الله عز وجل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ} الآية.
وأما من أراذ بهبته الثواب من الموهوب له فله ما أراد بهبته ، وله أن يرجع فيها ما لم يثب بقيمتها ، على مذهب ابن القاسم ، أو ما لم يرض منها بأزيد من قيمتها ، على ظاهر قول عمر
وعلّي ، وهو قول مطرف في الواضحة : أن الهبة ما كانت قائمة العين ، وإن زادت أو نقصت فللواهب الرجوع فيها وإن أثابه الموهوب فيها أكثر منها. وقد قيل : إنها إذا كانت قائمة العين لم تتغير فإنه يأخذ ما شاء. وقيل : تلزمه القيمة كنكاح التفويض ، وأما إذا كان بعد فوت الهبة فليس له إلا القيمة اتفاقا ؛ قاله ابن العربي.
الرابعة- قوله تعالى : {لِيَرْبُوَ} قرأ جمهور الفراء القراء ؟ ؟ السبعة : {لِيَرْبُوَ} بالياء وإسناد الفعل إلى الربا. وقرأ نافع وحده : بضم التاء والواو ساكنة على المخاطبة ؛ بمعنى تكونوا ذوي زيادات ، وهذه قراءة ابن عباس والحسن وقتاده والشعبي. قال أبو حاتم : هي قراءتنا. وقرأ أبو مالك : {لتربوها} بضمير مؤنث. {فلا يربو عند الله} أي لا يزكو ولا يثيب عليه ؛ لأنه لا يقبل إلا ما أريد به وجهه وكان خالصا له ؛ وقد تقدم في {النساء} . {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ} قال ابن عباس : أي من صدقة. {تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} أي ذلك الذي يقبله ويضاعفه له عشرة أضعافه أو أكثر ؛ كما قال : {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} وقال : {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} وقال : 0 {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} ولم يقل فأنتم المضعفون لأنه رجع من المخاطبة إلى الغيبة ؛ مثل قوله : {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} وفي معنى المضعفين قولان : أحدهما : أنه تضاعف لهم الحسنات ذكرنا. والآخر : أنهم قد أضعف لهم الخير والنعيم ؛ أي هم أصحاب أضعاف ، كما يقال : فلان مقو إذا كانت إبله قوية ، أو له أصحاب أقوياء. ومسمن إذا كانت إبله سمانا. ومعطش إذا كانت إبله عطاشا. ومضعف إذا كان إبله ضعيفة ؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : "اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الشيطان الرجيم" . فالمخبث : الذي أصابه خبث ، يقال : فلان رديء أي هو رديء ؛ في نفسه. ومردئ : أصحابه أردئاء.
الآية : [40] {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}
قوله تعالى : {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} ابتداء وخبر. وعاد الكلام إلى الاحتجاج على المشركين وأنه الخالق الرازق المميت المحيي. ثم قال على جهة الاستفهام : {هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ} لا يفعل. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ثم نزه نفسه عن الأنداد والأضداد والصاحبة والأولاد وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم بالآلهة والشركاء ، ويجعلون لهم من أموالهم.
الآية : [41] {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}
قوله تعالى : {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} اختلف العلماء في معنى الفساد والبر والبحر ؛ فقال قتادة والسدي : الفساد الشرك ، وهو أعظم الفساد. وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد : فساد البر قتل ابن آدم أخاه ؛ قابيل قتل هابيل. وفي البحر بالملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا. وقيل : الفساد القحط وقلة النبات وذهاب البركة. ونحوه قال ابن عباس قال : هو نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا. قال النحاس : وهو أحسن ما قيل في الآية. وعنه أيضا : أن الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم. وقال عطية : فإذا قل المطر قل الغوص عنده ، وأخفق الصيادون ، وعميت دواب البحر. وقال ابن عباس : إذا مطرت السماء تفتحت الأصداف في البحر ، فما وقع فيها من السماء فهو لؤلؤ. وقيل : الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش. وقيل : الفساد المعاصي وقطع السبيل والظلم ؛ أي صار هذا العمل مانعا من الزرع والعمارات والتجارات ؛ والمعنى كله متقارب. والبر والبحر هما المعروفان المشهوران في اللغة وعند الناس ؛ لا ما قاله بعض العباد : أن البر اللسان ، والبحر القلب ؛ لظهور
ما على اللسان وخفاء ما في القلب. وقيل : البر : الفيافي ، والبحر : القرى ؛ قاله عكرمة. والعرب تسمي الأمصار البحار. وقال قتادة : البر أهل العمود ، والبحر أهل القرى والريف. وقال ابن عباس : إن البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر ، والبحر ما كان على شط نهر ؛ وقاله مجاهد ، قال : أما والله ما هو بحركم هذا ، ولكن كل قرية على ماء جار فهي بحر. وقال معناه النحاس ، قال : في معناه قولان : أحدهما : ظهر الجذب في البر ؛ أي في البوادي وقراها ، وفي البحر أي في مدن البحر ؛ مثل : {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} أي ظهر قلة الغيث وغلاء السعر. {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ} أي عقاب بعض {الَّذِي عَمِلُوا} ثم حذف. والقول الآخر : أنه ظهرت المعاصي من قطع السبيل والظلم ، فهذا هو الفساد على الحقيقة ، والأول مجاز إلا أنه على الجواب الثاني ، فيكون في الكلام حذف واختصار دل عليه ما بعده ، ويكون المعنى : ظهرت المعاصي في البر والبحر فحبس الله عنهما الغيث وأغلى سعرهم ليذيقهم عقاب بعض الذي عملوا. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لعلهم يتوبون. وقال : {بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا} لأن معظم الجزاء في الآخرة. والقراءة {لِيُذِيقَهُمْ} بالياء. وقرأ ابن عباس بالنون ، وهي قراءة السلمي وابن محيصن وقنبل ويعقوب على التعظيم ؛ أي نذيقهم عقوبة بعض ما عملوا.
الآية : [42] {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ}
قوله تعالى : {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ} أي قل لهم يا محمد سيروا في الأرض ليعتبروا بمن قبلهم ، وينظروا كيف كان عاقبة من كذب الرسل {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ} أي كافرين فأهلكوا.
الآية : [43] {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ}
قوله تعالى : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ} قال الزجاج : أي أقم قصدك ، واجعل جهتك اتباع الدين القيم ؛ يعني الإسلام. وقيل : المعنى أوضح الحق وبالغ في الإعذار ، واشتغل بما أنت فيه ولا تحزن عليهم. {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ} أي لا يرده الله عنهم ، فإذا لم يرده لم يتهيأ لأحد دفعه. ويجوز عند غير سيبويه {لا مَرَدَّ لَهُ} وذلك عند سيبويه بعيد ، إلا أن يكون في الكلام عطف. والمراد يوم القيامة.
قوله تعالى : {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} قال ابن عباس : معناه يتفرقون. وقال الشاعر :
وكنا كنَدْمانَي جَذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
أي لن يتفرقا ؛ نظيره قوله تعالى : {وْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} . والأصل يتصدعون ؛ ويقال : تصدع القوم إذا تفرقوا ؛ ومنه اشتق الصداع ، لأنه يفرق شعب الرأس.
الآية : [44] {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}
قوله تعالى : {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي جزاء كفره. {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } أي يوطئون لأنفسهم في الآخرة فراشا ومسكنا وقرارا بالعمل الصالح ؛ ومنه : مهد الصبي. والمهاد الفراش ، وقد مهدت الفراش مهدا : بسطته ووطأته. وتمهيد الأمور : تسويتها وإصلاحها. وتمهيد العذر : بسطه وقبوله. والتمهد : التمكن. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد {فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} قال : في القبر.
الآية : [45] {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}
قوله تعالى : {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} أي يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من فضله. وقيل يصدعون ليجزيهم الله ؛ أي ليتميز الكافر من المسلم. {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} .
الآية : [46] {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
قوله تعالى : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} أي ومن أعلام كمال قدرته إرسال الرياح مبشرات أي بالمطر لأنها تتقدمه. وقد مضى في {الحجر} بيانه. {وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} يعني الغيث والخصب. {وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ} أي في البحر عند هبوبها. وإنما زاد {أَمْرِهِ} لأن الرياح قد تهب ولا تكون مواتية ، فلا بد من إرساء السفن والاحتيال بحبسها ، وربما عصفت فأغرقتها بأمره. {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} يعني الرزق بالتجارة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} هذه النعم بالتوحيد والطاعة. وقد مضى هذا كله مبينا.
الآية : [47] {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}
قوله تعالى : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أي المعجزات والحجج النيرات {فَانْتَقَمْنَا} أي فكفروا فانتقمنا ممن كفر. {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} {حَقّاً} نصب على خبر كان ، {نَصْرُ} اسمها. وكان أبو بكر يقف على {حَقّاً} أي وكان عقابنا حقا ، ثم قال : {عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} ابتداء وخبر ؛ أي أخبر بأنه لا يخلف الميعاد ، ولا خلف في خبرنا. وروي من حديث أبي الدرداء قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "ما من مسلم يذب عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله تعالى أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة - ثم تلا -" وكان حقا علينا نصر المؤمنين ". ذكره النحاس والثعلبي والزمخشري وغيرهم."
الآية : [48] {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}
الآية : [49] {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ}
قوله تعالى : {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} قرأ ابن محيصن وابن كثير وحمزة والكسائي : {الرِّيَحَ} بالتوحيد. والباقون بالجمع. قال أبو عمرو : وكل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع ، وما كان بمعنى العذاب فهو موحد. وقد مضى في {البقرة} معنى هذه الآية وفي غيرها. {كِسَفاً} جمع كسفة وهي القطعة. وفي قراءة الحسن وأبي جعفر وعبدالرحمن الأعرج وابن عامر {كِسَفا} بإسكان السين ، وهي أيضا جمع كسفة ؛ كما يقال : سدرة وسدر ؛ وعلى هذه القراءة يكون المضمر الذي بعده عائدا عليه ؛ أي فترى الودق أي المطر يخرج من خلال الكسف ؛ لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء لا غير فالتذكير فيه حسن. ومن قرأ : {كِسَفاً} فالمضمر عنده عائد على السحاب. وفي قراءة الضحاك وأبي العالية وابن عباس : {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ} ويجوز أن يكون خلل جمع خلال. {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ} أي بالمطر. {مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} يفرحون بنزول المطر عليهم. {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} أي يائسين مكتئبين قد ظهر الحزن عليهم لاحتباس المطر عنهم. و {مِنْ قَبْلِهِ} تكرير عند الأخفش معناه التأكيد ؛ وأكثر النحويين على هذا القول ؛ قاله النحاس. وقال قطرب : إن {قبل} الأولى للإنزال والثانية للمطر ؛ أي وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل : المعنى من قبل تنزيل الغيث عليهم من قبل الزرع ، ودل على الزرع المطر إذ بسببه يكون. ودل عليه أيضا {فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً} على ما يأتي. وقيل : المعنى من قبل السحاب من قبل رؤيته ؛ واختار هذا القول النحاس ، أي من قبل رؤية السحاب {لَمُبْلِسِينَ} أي ليائسين. وقد تقدم ذكر السحاب.
الآية : [50] {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
قوله تعالى : {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ} يعني المطر ؛ أي انظروا نظر استبصار واستدلال ؛ أي استدلوا بذلك على أن من قدر عليه قادر على إحياء الموتى. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزه والكسائي : {آثَارِ} بالجمع. الباقون "بالتوحيد ؛ لأنه مضاف إلى مفرد. والأثر فاعل" يحيي "ويجوز أن يكون الفاعل اسم الله عز وجل. ومن قرأ : {آثَارِ} بالجمع فلأن رحمة الله يجوز أن يراد بها الكثرة ؛ كما قال تعالى : {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} وقرأ الجحدري وأبو حيوة وغيرهما : {كَيْفَ تُحْيِي الأَرْضَ} بتاء ؛ ذهب بالتأنيث إلى لفظ الرحمة ؛ لأن أثر الرحمة يقوم مقامها فكأنه هو الرحمة ؛ أي كيف تحيي الرحمة الأرض أو الآثار." ويحيي "أي يحيي الله عز وجل أو المطر أو الأثر فيمن قرأ بالياء. و {كَيْفَ تُحْيِي الأَرْضَ} في موضع نصب على الحال على الحمل على المعنى لأن اللفظ لفظ الاستفهام والحال خبر ؛ والتقدير : فانظر إلى أثر رحمة الله محيية للأرض بعد موتها. {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} استدلال بالشاهد على الغائب."
الآية : [51] { وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ }
قوله تعالى : {و وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً } يعني الريح ، والريح يجوز تذكيره. قال محمد بن يزيد : لا يمتنع تذكير كل مؤنث غير حقيقي ، نحو أعجبني الدار وشبهه. وقيل : فرأوا السحاب. وقال ابن عباس : الزرع ، وهو الأثر ؛ والمعنى : فرأوا الأثر مصفرا ؛ واصفرار الزرع بعد اخضراره يدل على يبسه ، وكذا السحاب يدل على أنه لا يمطر ، والريح على أنها لا تلقح {لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} أي ليظلن ؛ وحسن وقوع الماضي في موضع المستقبل لما في الكلام من معنى المجازاة ، والمجازاة لا تكون إلا بالمستقبل ؛ قاله الخليل وغيره.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.61 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.98 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.44%)]