
08-07-2025, 04:08 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,575
الدولة :
|
|
رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى

تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (14)
سُورَةُ الروم
من صــ 16 الى صــ 25
الحلقة (557)
الماوردي : والفرق بين المساء والعشاء : أن المساء بدو الظلام بعد المغيب ، والعشاء آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب ، وهو مأخوذ من عشا العين وهو نقص النور من الناظر كنقص نور الشمس.
الآية : [19] {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}
بين كمال قدرته ؛ أي كما أحيا الأرض بإخراج النبات بعد همودها ، كذلك يحييكم بالبعث. وفي هذا دليل على صحة القياس ؛ وقد مضى في {آل عمران} بيان {وَيُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ}
الآية : [20] {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ}
الآية : [21] {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
الآية : [22] {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ}
الآية : [23] {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}
الآية : [24] {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
الآية : [25] {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ}
الآية : [26] {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}
قوله تعالى : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ} أي من علامات ربوبيته ووحدانيته أن خلقكم من تراب ؛ أي خلق أباكم منه والفرع كالأصل ، وقد مضى بيان هذا في {الأنعام} . و {أنْ} في موضع رفع بالابتداء وكذا {أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} .
قوله تعالى : {ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} ثم أنتم عقلاء ناطقون تتصرفون فيما هو قوام معايشكم ، فلم يكن ليخلقكم عبثا ؛ ومن قدر على هذا فهو أهل للعبادة والتسبيح. ومعنى : {خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} لتسكنوا أي نساء تسكنون إليها. {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} أي من نطف الرجال ومن جنسكم. وقيل : المراد حواء ، خلقها من ضلع آدم ؛ قاله قتادة. {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} قال ابن عباس ومجاهد : المودة الجماع ، والرحمة الولد ؛ وقاله الحسن. وقيل : المودة والرحمة عطف قلوبهم بعضهم على بعض. وقال السدي : المودة : المحبة ، والرحمة : الشفقة ؛ وروي معناه عن ابن عباس قال : المودة حب الرجل امرأته ، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء. ويقال : إن الرجل أصله من الأرض ، وفيه قوة الأرض ، وفيه الفرج الذي منه بدئ خلقه فيحتاج إلى سكن ، وخلقت المرأة سكنا للرجل ؛ قال الله تعالى : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ} الآية. وقال : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} فأول ارتفاق الرجل بالمرأة سكونه إليها مما فيه من غليان القوة ، وذلك أن الفرج إذا تحمل فيه هيج ماء الصلب إليه ، فإليها يسكن وبها يتخلص من الهياج ، وللرجال خلق البضع منهن ، قال الله تعالى : {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} فأعلم الله عز وجل الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن للرجال ، فعليها بذله في كل وقت يدعوها الزوج ؛ فإن منعته فهي ظالمة وفي حرج عظيم ؛ ويكفيك من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها" . وفي لفظ آخر : "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح" . {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} تقدم
في {البقرة} . وكانوا يعترفون بأن الله هو الخالق. {وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} اللسان في الفم ؛ وفيه اختلاف اللغات : من العربية والعجمية والتركية والرومية. واختلاف الألوان في الصور : من البياض والسواد والحمرة ؛ فلا تكاد ترى أحدا إلا وأنت تفرق بينه وبين الآخر. وليس هذه الأشياء من فعل النطفة ولا من فعل الأبوين ؛ فلا بد من فاعل ، فعلم أن الفاعل هو الله تعالى ؛ فهذا من أدل دليل على المدبر البارئ. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ} أي للبر والفاجر. وقرأ حفص : {للعالِمين} بكسر اللام جمع عالم. {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} قيل : في هذه الآية تقديم وتأخير ، والمعنى : ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ؛ فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل وعطفه عليه ، والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة ؛ فجعل النوم بالليل دليلا على الموت ، والتصرف بالنهار دليلا على البعث. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} يريد سماع تفهم وتدبر. وقيل : يسمعون الحق فيتبعونه. وقيل : يسمعون الوعظ فيخافونه. وقيل : يسمعون القرآن فيصدقونه ؛ والمعنى متقارب. وقيل : كان منهم من إذا تلي القرآن وهو حاضر سد أذنيه حتى لا يسمع ؛ فبين الله عز وجل هذه الدلائل عليه. {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} قيل : المعنى أن يريكم ، فحذف {أن} لدلالة الكلام عليه ؛ قال طرفة :
ألا أيهذا اللائمي أحضُرُ الوغى ... وأن أشهدَ اللذات هل أنت مخلدي
وقيل : هو على التقديم والتأخير ؛ أي ويريكم البرق من آياته. وقيل : أي ومن آياته آية يريكم بها البرق ؛ كما قال الشاعر :
وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
وقيل : أي من آياته أنه يريكم البرق خوفا وطمعا من آياته ؛ قاله الزجاج ، فيكون عطف جملة على جملة. {خَوْفاً} أي للمسافر. {وَطَمَعاً} للمقيم ؛ قاله قتادة. الضحاك :
{خَوْفاً} من الصواعق ، {وَطَمَعاً} في الغيث. يحيى بن سلام : {خَوْفاً} من البرد أن يهلك الزرع ، {وَطَمَعاً} في المطر أن يحيي الزرع. ابن بحر : {خَوْفاً} أن يكون البرق برقا خُلَّبا لا يمطر ، {وطمعا} أن يكون ممطرا ؛ وأنشد قول الشاعر :
لا يكن برقك برقا خلّبا ... إن خير البرق ما الغيث معه
وقال آخر :
فقد أرد المياه بغير زاد ... سوى عدي لها برق الغمام
والبرق الخلّب : الذي لا غيث فيه كأنه خادع ؛ ومنه قيل لمن يعد ولا ينجز : إنما أنت كبرق خلب. والخلب أيضا : السحاب الذي لا مطر فيه. ويقال : برق خلب ، بالإضافة.
قوله تعالى : {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تقدم. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ} {أَنْ} في محل رفع كما تقدم ؛ أي قيامها واستمساكها بقدرته بلا عمد. وقيل : بتدبيره وحكمته ؛ أي يمسكها بغير عمد لمنافع الخلق. وقيل : {بِأَمْرِهِ} بإذنه ؛ والمعنى واحد. {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} أي الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم ؛ والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا تلبث ؛ كما يجيب الداعي المطاع مدعوه ؛ كما قال القائل :
دعوت كليبا باسمه فكأنما ... دعوت برأس الطود أو هو أسرع
يريد برأس الطود : الصدى أو الحجر إذا تدهده. وإنما عطف هذا على قيام السموات والأرض بـ {ثم} لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله ، وهو أن يقول : يأهل القبور قوموا ؛ فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر ؛ كما قال تعالى : {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} و {إذا} الأولى في قوله تعالى :
{إِذَا دَعَاكُمْ} للشرط ، والثانية في قوله تعالى : {إِذَا أَنْتُمْ} للمفاجأة ، وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط. وأجمع القراء على فتح التاء هنا في {تَخْرُجُونَ} . واختلفوا في التي في {الأعراف} فقرأ أهل المدينة : {وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} بضم التاء ، وقرأ أهل العراق : بالفتح ، وإليه يميل أبو عبيد. والمعنيان متقاربان ، إلا أن أهل المدينة فرقوا بينهما لنسق الكلام ، فنسق الكلام في التي في {الأعراف} بالضم أشبه ؛ إذ كان الموت ليس من فعلهم ، وكذا الإخراج. والفتح في سورة الروم أشبه بنسق الكلام ؛ أي إذا دعاكم خرجتم أي أطعتم ؛ فالفعل بهم أشبه. وهذا الخروج إنما هو عند نفخة إسرافيل النفخة الآخرة ؛ على ما تقدم ويأتي. وقرئ {تخرجون} بضم التاء وفتحها ، ذكره الزمخشري ولم يزد على هذا شيئا ، ولم يذكر ما ذكرناه من الفرق ، والله أعلم. {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} خلقا وملكا وعبدا. {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "كل قنوت في القرآن فهو طاعة" . قال النحاس : مطيعون طاعة انقياد. وقيل : {قَانِتُونَ} مقرون بالعبودية ، إما قالة وإما دلالة ؛ قاله عكرمة وأبو مالك والسدي. وقال ابن عباس : {قَانِتُونَ} مصلون. الربيع بن أنس : {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} أي قائم يوم القيامة ؛ كما قال : {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} أي للحساب. الحسن : كل له قائم بالشهادة أنه عبد له. سعيد بن جبير {قَانِتُونَ قانتون} مخلصون.
الآية : [27] {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
قوله تعالى : {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أما بدء خلقه فبعلوقه في الرحم قبل ولادته ، وأما إعادته فإحياؤه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث ؛ فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلا على ما يخفى من إعادته ؛ استدلالا بالشاهد على الغائب ، ثم أكد ذلك بقوله
{وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} وقرأ ابن مسعود وابن عمر : {يَبْدئُ الْخَلْقَ} من أبدأ يبدئ ؛ دليله قوله تعالى : {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} ودليل قراءة العامة قوله سبحانه : {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} و {أهْوَنُ} بمعنى هين ؛ أي الإعادة هين عليه ؛ قاله الربيع بن خثيم والحسن. فأهون بمعنى هين ؛ لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء. قال أبو عبيدة : ومن جعل أهون يعبر عن تفضيل شيء على شيء فقوله مردود بقوله تعالى : {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} وبقوله : {وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا}
والعرب تحمل أفعل على فاعل ، ومنه قول الفرزدق :
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول
أي دعائمه عزيزة طويلة. وقال آخر :
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول
أراد : إني لوجل. وأنشد أبو عبيدة أيضا :
إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل
أراد لمائل. وأنشد أحمد بن يحيى :
تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أراد بواحد. وقال آخر :
لعمرك إن الزبرقان لباذل ... لمعروفه عند السنين وأفضل
أي وفاضل. ومنه قولهم : الله أكبر ؛ إنما معناه الله الكبير. وروى معمر عن قتادة قال : في قراءة عبدالله بن مسعود {وهو عليه هين} . وقال مجاهد وعكرمة والضحاك : إن المعنى أن الإعادة أهون عليه - أي على الله - من البداية ؛ أي أيسر ، وإن كان جميعه على الله تعالى هينا ؛ وقاله ابن عباس. ووجهه أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده ؛ يقول : إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه ؛ فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم
أهون عليه من الإنشاء. وقيل : الضمير في {عَلَيهِ} للمخلوقين ؛ أي وهو أهون عليه ، أي على الخلق ، يصاح بهم صيحة واحدة فيقومون ويقال لهم : كونوا فيكونون ؛ فذلك أهون عليهم من أن يكونوا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم أجنة ثم أطفالا ثم غلمانا ثم شبانا ثم رجالا أو نساء. وقاله ابن عباس وقطرب. وقيل أهون أسهل ؛ قال :
وهان على أسماء أن شطت النوى ... يحن إليها واله ويتوق
أي سهل عليها ، وقال الربيع بن خثيم في قوله تعالى : {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} قال : ما شيء على الله بعزيز. عكرمة : تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية. {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى} أي ما أراده جل وعز كان. وقال الخليل : المثل الصفة ؛ أي وله الوصف الأعلى {فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} كما قال : {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} أي صفتها. وقد مضى الكلام في ذلك. وعن مجاهد : {الْمَثَلُ الأَعْلَى} قول لا إله إلا الله ؛ ومعناه : أي الذي له الوصف الأعلى ، أي الأرفع الذي هو الوصف بالوحدانية. وكذا قال قتادة : إن المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله ؛ ويعضده قوله تعالى : {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ} على ما نبينه آنفا إن شاء الله تعالى. وقال الزجاج : {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي قوله : {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} قد ضربه لكم مثلا فيما يصعب ويسهل ؛ يريد التفسير الأول. وقال ابن عباس : أي ليس كمثله شيء {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} تقدم.
الآية : [38] {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
فيه مسألتان :
الأولي- قوله تعالى : {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} ثم قال : {مِنْ شُرَكَاءَ} ؛ ثم قال : {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فـ {من} الأولى للابتداء ؛ كأنه قال : أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم. والثانية للتبعيض ، والثالثة زائدة لتأكيد الاستفهام. والآية نزلت في كفار قريش ، كانوا يقولون في التلبية : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ؛ قال سعيد بن جبير. وقال قتادة : هذا مثل ضربه الله للمشركين ؛ والمعنى : هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله ، فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء.
الثانية- قال بعض العلماء : هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض ونفيها عن الله سبحانه ، وذلك أنه لما قال جل وعز : {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} الآية ، فيجب أن يقولوا : ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا ، فيقال لهم : فكيف يتصور أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي ؛ فهذا حكم فاسد وقلة نظر وعمى قلب ، فإذا بطلت الشركة بين العبيد وسادتهم فيما يملكه السادة والخلق كلهم عبيد لله تعالى فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكا لله تعالى في شيء من أفعاله ؛ فلم يبق إلا أنه واحد يستحيل أن يكون له شريك ، إذ الشركة تقتضي المعاونة ، ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضا بالمال والعمل ؛ والقديم الأزلي منزه عن ذلك جل وعز.
وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه ؛ لأن جميع العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب ، فافهم ذلك.
الآية : [29] {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}
قوله تعالى : {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} لما قامت عليهم الحجة ذكر أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم في عبادتها وتقليد الأسلاف في ذلك. {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} أي لا هادي لمن أضله الله تعالى. وفي هذا رد على القدرية. {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} .
آية : [30] {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}
قوله تعالى : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ} فيه ثلاث مسائل :
الأولي- قال الزجاج : {فِطْرَتَ} منصوب بمعنى اتبع فطرة الله. قال : لأن معنى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} اتبع الدين الحنيف واتبع فطرة الله. وقال الطبري : {فِطْرَتَ اللَّهِ} مصدر من معنى : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} لأن معنى ذلك : فطر الله الناس ذلك فطرة. وقيل : معنى ذلك اتبعوا دين الله الذي خلق الناس له ؛ وعلى هذا القول يكون الوقف على {حَنِيفاً} تاما. وعلى القولين الأولين يكون متصلا ، فلا يوقف على {حَنِيفاً} . وسميت الفطرة دينا لأن الناس يخلقون له ، قال جل وعز : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} ويقال : {عَلَيْهَا} بمعنى لها ؛ كقوله تعالى : {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} . والخطاب بـ {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ} للنبي صلى الله عليه وسلم ، أمره بإقامة وجهه للدين المستقيم ؛ كما قال : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ} وهو دين الإسلام. وإقامة الوجه هو تقويم المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين ؛ وخص الوجه بالذكر لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفه. ودخل في هذا الخطاب أمته باتفاق من أهل التأويل. و {حَنِيفاً} معناه معتدلا مائلا عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة.
الثانية- في الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة - في رواية على هذه الملة - أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة : واقرؤوا إن شئتم ؛ {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} ، في رواية : "حتى"
تكونوا أنتم تجدعونها "قالوا : يا رسول الله ؛ أفرأيت من يموت صغيرا ؟ قال :" الله أعلم بما كانوا عاملين ". لفظ مسلم."
الثالثة- واختلف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال متعددة ؛ منها الإسلام ؛ قاله أبو هريرة وابن شهاب وغيرهما ؛ قالوا : وهو المعروف عند عامة السلف من أهل التأويل ؛ واحتجوا بالآية وحديث أبي هريرة ، وعضدوا ذلك بحديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس يوما : "ألا أحدثكم بما حدثني الله في كتابه ، أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين ، وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيه فجعلوا مما أعطاهم الله حلالا وحراما.." الحديث. وبقوله صلى الله عليه وسلم : "خمس من الفطرة" فذكر منها قص الشارب ، وهو من سنن الإسلام ، وعلى هذا التأويل فيكون معنى الحديث : أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه ، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا في الجنة ؛ أولاد مسلمين كانوا أو أولاد كفار. وقال آخرون : الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها ؛ أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء ، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ. قالوا : والفطرة في كلام العرب البداءة. والفاطر : المبتدئ ؛ واحتجوا بما روي عن ابن عباس أنه قال : لم أكن أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ؛ أي ابتدأتها. قال المروزي : كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم تركه. قال أبو عمر في كتاب التمهيد له : ما رسمه مالك في موطئه وذكر في باب القدر فيه من الآثار - يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا ، والله أعلم. ومما احتجوا به ما روي عن كعب القرظي في قول الله تعالى : {فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} قال : من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال الهدى ، ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة ، ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة ، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه ، قال : وكان من الكافرين.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|