
08-07-2025, 03:55 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,502
الدولة :
|
|
رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى

تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (13)
سُورَةُ النمل
من صــ 351 الى صــ 360
الحلقة (554)
"صفحة رقم 351"
قال مجاهد وسعيد بن جبير : وقوله : إلا الذين ظلموا منهم معناه إلا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجدالهم بالسيف حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية الثانية قوله تعالى : ) وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ( روى البخاري عن أبي هريرة : قال كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ) وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وروى عبد الله بن مسعود أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ) لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق وإما أن تصدقوا بباطل ) وفي البخاري : عن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال : إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب
العنكبوت : ) 48 ( وما كنت تتلو . . . . .
) العنكبوت 48 (
فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ) وما كنت تتلو من قبله من كتاب ( الضمير في ) قبله ( عائد إلى الكتاب وهو القرآن المنزل على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أي وما كنت يا محمد تقرأ قبله ولا تختلف إلى أهل الكتاب بل أنزلناه إليك في غاية الإعجاز والتضمين للغيوب وغير ذلك فلو كنت ممن يقرأ كتابا ويخط حروفا ) لارتاب المبطلون ( أي من أهل الكتاب وكان لهم في ارتيابهم متعلق وقالوا الذي نجده في كتبنا أنه أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس به قال مجاهد : كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) لا يخط ولا يقرأ فنزلت هذه الآية قال النحاس : دليلا على نبوته لقريش لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ولم يكن بمكة أهل الكتاب فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم وزالت الريبة والشك
"صفحة رقم 352"
الثانية ذكر النقاش في تفسير هذه الآية عن الشعبي أنه قال : ما مات النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حتى كتب وأسند أيضا حديث أبي كبشة السلولي مضمنه : أنه ( صلى الله عليه وسلم ) قرأ صحيفة لعيينة بن حصن وأخبر بمعناها قال بن عطية : وهذا كله ضعيف وقول الباجي رحمه الله منه قلت : وقع في صحيح مسلم من حديث البراء في صلح الحديبية أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لعلي : ) اكتب الشرط بيننا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ) فقال له المشركون : لو نعلم أنك رسول الله تابعناك وفي رواية بايعناك ولكن أكتب محمد بن عبد الله فأمر عليا أن يمحوها فقال علي : والله لا أمحاه فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) أرني مكانها ) فأراه فمحاها وكتب بن عبد الله قال علماؤنا رضي الله عنهم : وظاهر هذا أنه عليه السلام محا تلك الكلمة التي هي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بيده وكتب مكانها بن عبد الله وقد رواه البخاري بأظهر من هذا فقال : فأخذ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الكتاب فكتب وزاد في طريق أخرى : ولا يحسن أن يكتب فقال جماعة بجواز هذا الظاهر عليه وأنه كتب بيده منهم السمناني وأبو ذر والباجي ورأوا أن ذلك غير قادح في كونه أميا ولا معارض بقوله : وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ولا بقوله : ) إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) بل رأوه زيادة في معجزاته واستظهارا على صدقه وصحة رسالته وذلك أنه كتب من غير تعلم لكتابه ولا تعاط لأسبابها وإنما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها بن عبد الله لمن قرأها فكان ذلك خارقا للعادة كما أنه عليه السلام علم علم الأولين والآخرين من غير تعلم ولا إكتساب فكان ذلك أبلغ في معجزاته وأعظم في فضائله ولا يزول عنه اسم الأمي بذلك ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة : ولا يحسن أن يكتب فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال كتب قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر : وقد أنكر هذا كثير من
"صفحة رقم 353"
متفقهة الأندلس وغيرهم وشددوا النكير فيه ونسبوا قائله إلى الكفر وذلك دليل على عدم العلوم النظرية وعدم التوقف في تكفير المسلمين ولم يتفطنوا لأن تكفير المسلم كقتله على ما جاء عنه عليه السلام في الصحيح لا سيما رمي من شهد له أهل العصر بالعلم والفضل والإمامة على أن المسألة ليست قطعية بل مستندها ظواهر أخبار أحاد صحيحة غير أن العقل لا يحيلها وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها قلت : وقال بعض المتأخرين من قال هي آية خارقة فيقال له : كانت تكون آية لا تنكر لولا أنها مناقضة لآية أخرى وهي كونه أميا لا يكتب وبكونه أميا في أمة أمية قامت الحجة وأفحم الجاحدون وانحسمت الشبهة فكيف يطلق الله تعالى يده فيكتب وتكون آية وإنما الآية ألا يكتب والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضا وإنما معنى كتب وأخذ القلم أي أمر من يكتب به من كتابه وكان من كتبه الوحي بين يديه ( صلى الله عليه وسلم ) ستة وعشرون كاتبا الثالثة ذكر القاضي عياض عن معاوية أنه كان يكتب بين يدي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال له : ) ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم ) قال القاضي : وهذا وإن لم تصح الرواية أنه ( صلى الله عليه وسلم ) كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا ويمنع القراءة والكتابة قلت : هذا هو الصحيح في الباب أنه ما كتب ولا حرفا واحدا وإنما أمر من يكتب وكذلك ما قرأ ولا تهجى فإن قيل : فقد تهجى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حين ذكر الدجال فقال : ) مكتوب بين عينيه ك ا ف ر ) وقلتم إن المعجزة قائمة في كونه أميا قال الله تعالى : وما كنت تتلو من قبله من كتاب الآية وقال : ) إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) فكيف هذا فالجواب ما نص عليه ( صلى الله عليه وسلم ) في حديث حذيفة والحديث كالقرآن يفسر بعضه بعضا ففي حديث حذيفة ) يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب ) فقد نص في ذلك على غير الكتاب ممن يكون أميا وهذا من أوضح ما يكون جليا
"صفحة رقم 354"
العنكبوت : ) 49 ( بل هو آيات . . . . .
) العنكبوت 49 (
قوله تعالى : ) بل هو آيات بينات ( يعني القرآن قال الحسن : وزعم الفراء في قراءة عبد الله بل هي آيات بينات المعنى بل آيات القرآن آيات بينات قال الحسن : ومثله هذا بصائر ولو كانت هذه لجاز نظيره : هذا رحمة من ربي قال الحسن : أعطيت هذه الأمة الحفظ وكان من قبلها لا يقرؤون كتابهم إلا نظرا فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا النبيون فقال كعب في صفة هذه الأمة : إنهم حكماء علماء وهم في الفقه أنبياء ) في صدور الذين أوتوا العلم ( أي ليس هذا القرآن كما يقوله المبطلون من أنه سحر أو شعر ولكنه علامات ودلائل يعرف بها دين الله وأحكامه وهي كذلك في صدور الذين أوتوا العلم وهم أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) والمؤمنون به يحفظونه ويقرءونه ووصفهم بالعلم لأنهم ميزوا بأفهامهم بين كلام الله وكلام البشر والشياطين وقال قتادة وبن عباس : بل هو يعني محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب يجدونه مكتوبا عندهم في كتبهم بهذه الصفة أميا لا يقرأ ولا يكتب ولكنهم ظلموا أنفسهم وكتموا وهذا اختيار الطبري ودليل هذا القول قراءة بن مسعود وبن السميقع : بل هذا آيات بينات وكان عليه السلام آيات لا آية واحدة لأنه دل على أشياء كثيرة من أمر الدين فلهذا قال : بل هو آيات بينات وقيل : بل هو ذو آيات بينات فحذف المضاف ) وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ( أي الكفار لأنهم جحدوا نبوته وما جاء به
العنكبوت : ) 50 ( وقالوا لولا أنزل . . . . .
) العنكبوت 50 : 52 (
"صفحة رقم 355"
قوله تعالى : ) وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه ( هذا قول المشركين لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومعناه هلا أنزل عليه آية كآيات الأنبياء قيل : كما جاء صالح بالناقة وموسى بالعصا وعيسى بإحياء الموتى أي ) قل ( لهم يا محمد : ) إنما الآيات عند الله ( فهو يأتي بها كما يريد إذا شاء أرسلها وليست عندي ) وإنما أنا نذير مبين ( وقرأ بن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي : آية بالتوحيد وجمع الباقون وهو اختيار أبي عبيد لقوله تعالى : قل إنما الآيات عند الله قوله تعالى : ) أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ( هذا جواب لقولهم لولا أنزل عليه آيات من ربه أي أو لم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد تحديتهم بأن يأتوا بمثله أو بسورة منه فعجزوا ولو أتيتهم بآيات موسى وعيسى لقالوا : سحر ونحن لا نعرف السحر والكلام مقدور لهم ومع ذلك عجزوا عن المعارضة وقيل : إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه بن عيينة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال : أتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بكتف فيه كتاب فقال ) كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم ) فأنزل الله تعالى : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب أخرجه أبو محمد الدارمي في مسنده وذكره أهل التفسير في كتبهم وفي مثل هذا قال ( صلى الله عليه وسلم ) لعمر رضي الله عنه : ) لو كان موسى بن عمران حيا لما وسعه إلا اتباعي ) وفي مثله قال ( صلى الله عليه وسلم ) ) ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) أي يستغنى به عن غيره وهذا تأويل البخاري رحمه الله في الآية وإذا كان لقاء ربه بكل حرف عشر حسنات فأكثر على ما ذكرناه في مقدمة الكتاب فالرغبة عنه إلى غيره ضلال وخسران وغبن ونقصان ) إن في ذلك ( أي في القرآن ) لرحمة ( في الدنيا والآخرة وقيل : رحمة في الدنيا باستنقاذهم من الضلالة ) وذكرى ( في الدنيا بإرشادهم به إلى الحق ) لقوم يؤمنون ( قوله تعالى : ) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا ( أي قل للمكذبين لك كفى بالله شهيدا يشهد لي بالصدق فيما أدعيه من أني رسوله وأن هذا القرآن كتابه ) يعلم ما في السماوات والأرض ( أي لا يخفى عليه شيء وهذا إحتجاج عليهم في صحة شهادته عليهم لأنهم قد
"صفحة رقم 356"
أقروا بعلمه فلزمهم أن يقروا بشهادته ) والذين آمنوا بالباطل ( قال يحيى بن سلام : بإبليس وقيل : بعبادة الأوثان والأصنام قاله بن شجرة ) وكفروا بالله ( أي لتكذيبهم برسله وجحدهم لكتابه وقيل : بما أشركوا به من الأوثان وأضافوا إليه من الأولاد والأضداد ) أولئك هم الخاسرون ( أنفسهم وأعمالهم في الآخرة
العنكبوت : ) 53 ( ويستعجلونك بالعذاب ولولا . . . . .
) العنكبوت 53 : 55 (
قوله تعالى : ) ويستعجلونك بالعذاب ( لما أنذرهم بالعذاب قالوا لفرط الإنكار : عجل لنا هذا العذاب وقيل : إن قائل ذلك النضر بن الحرث وأبو جهل حين قالا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء وقولهم : ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب وقوله : ) ولولا أجل مسمى ( في نزول العذاب قال بن عباس : يعني هو ما وعدتك ألا أعذب قومك وأؤخرهم إلى يوم القيامة بيانه : بل الساعة موعدهم وقال الضحاك : هو مدة أعمارهم في الدنيا وقيل : المراد بالأجل المسمى النفخة الأولى قاله يحيى بن سلام وقيل : الوقت الذي قدره الله لهلاكهم وعذابهم قاله بن شجرة وقيل : هو القتل يوم بدر وعلى الجملة فلكل عذاب أجل لا يتقدم ولا يتأخر دليله قوله : لكل نبإ مستقر ) لجاءهم العذاب ( يعني الذي استعجلوه ) وليأتينهم بغتة ( أي فجأة ) وهم لا يشعرون ( أي لا يعلمون بنزوله عليهم ) يستعجلونك بالعذاب ( أي يستعجلونك وقد أعد لهم جهنم وأنها ستحيط بهم لا محالة فما معنى الإستعجال وقيل : نزلت في عبد الله بن أبي أمية وأصحابه من المشركين حين قالوا : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا
"صفحة رقم 357"
قوله تعالى : ) يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ( قيل : هو متصل بما هو قبله أي يوم يصيبهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم فإذا غشيهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم فإذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنم وإنما قال : ) من تحت أرجلهم ( للمقاربة وإلا فالغشيان من فوق أعم كما قال الشاعر : علفتها تبنا وماء باردا وقال آخر : لقد كان قواد الجياد إلى العدا عليهن غاب من قنى ودروع ) ويقول ذوقوا ( قرأ أهل المدينة والكوفة : نقول بالنون الباقون بالياء واختاره أبو عبيد لقوله : قل كفى بالله ويحتمل أن يكون الملك الموكل بهم يقول : ذوقوا والقراءتان ترجع إلى معنى أي يقول الملك بإمرنا ذوقوا
العنكبوت : ) 56 ( يا عبادي الذين . . . . .
) العنكبوت 56 : 60 (
قوله تعالى : ) يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة ( هذه الآية نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة على الهجرة في قول مقاتل والكلبي فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه وأن البقاء في بقعة على أذى الكفار ليس بصواب بل الصواب أن يتلمس عبادة الله في أرضه مع صالحي عباده أي إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان بها فهاجروا إلى المدينة فإنها واسعة لإظهار التوحيد بها وقال بن جبير وعطاء : إن الأرض التي فيها الظلم
"صفحة رقم 358"
والمنكر تترتب فيها هذه الآية وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق وقاله مالك وقال مجاهد : إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا وقال مطرف بن الشخير : المعنى إن رحمتي واسعة وعنه أيضا : إن رزقي لكم واسع فابتغوه في الأرض قال سفيان الثوري : إذا كنت بأرض غالية فانتقل إلى غيرها تملأ فيها جرابك خبزا بدرهم وقيل : المعنى : إن أرضي التي هي أرض الجنة واسعة ) فاعبدون ( حتى أورثكموها فإياي فاعبدون إياي منصوب بفعل مضمر أي فاعبدوا إياي فاعبدون فاستغنى بأحد الفعلين عن الثاني والفاء في قوله : فإياي بمعنى الشرط أي إن ضاق بكم موضع فإياي فاعبدوني في غيره لأن أرضي واسعة قوله تعالى : ) كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون ( تقدم في آل عمران وإنما ذكره ها هنا تحقيرا لأمر الدنيا ومخاوفها كأن بعض المؤمنين نظر في عاقبة تلحقه في خروجه من وطنه من مكة أنه يموت أو يجوع أو نحو هذا فحقر الله شأن الدنيا أي أنتم لا محالة ميتون ومحشورون إلينا فالبدار إلى طاعة الله والهجرة إليه وإلى ما يمتثل ثم وعد المؤمنين العاملين بسكنى الجنة تحريضا منه تعالى وذكر الجزاء الذي ينالونه ثم نعتهم بقوله : ) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ( وقرأ أبو عمر ويعقوب والجحدري وبن أبي إسحاق وبن محيصن والأعمش وحمزة والكسائي وخلف : يا عبادي بإسكان الياء وفتحها الباقون إن أرضي فتحها بن عامر وسكنها الباقون وروي أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ) من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو قيد شبر استوجب الجنة وكان رفيق محمد وإبراهيم ) عليهما السلام ثم إلينا ترجعون وقرأ السلمي وأبو بكر عن عاصم : يرجعون بالياء لقوله : كل نفس ذائقة الموت وقرأ الباقون بالتاء لقوله : يا عبادي الذين آمنوا وأنشد بعضهم : الموت في كل حين ينشد الكفنا ونحن في غفلة عما يراد بنا لا تركنن إلى الدنيا وزهرتها وإن توشحت من أثوابها الحسنا
"صفحة رقم 359"
أين الأحبة والجيران ما فعلوا أين الذين همو كانوا لها سكنا سقاهم الموت كأسا غير صافة صيرهم تحت أطباق الثرى رهنا قوله تعالى : ) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبؤنهم من الجنة غرفا ( وقرأ بن مسعود والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي : لنثوينهم بالثاء مكان الباء من الثوى وهو الإقامة أي لنعطينهم غرفا يثوون فيها وقرأ رويس عن يعقوب والجحدري والسلمي : ليبوئنهم بالباء مكان النون الباقون ) لنبوئنهم ( أي لننزلهم غرفا جمع غرفة وهي العلية المشرفة وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ) إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم ) قالوا : يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال ) بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ) وخرج الترمذي عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) إن في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها ( فقام إليه أعرابي فقال : لمن هي يا رسول الله قال : ) هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام ) وقد زدنا هذا المعنى بيانا في كتاب التذكرة والحمد لله قوله تعالى : ) وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم
"صفحة رقم 360"
قلت : وهذا ضعيف يضعفه أنه عليه السلام كان يدخر لأهله قوت سنتهم اتفق البخاري عليه ومسلم وكانت الصحابة يفعلون ذلك وهم القدوة وأهل اليقين والأئمة لمن بعدهم من المتقين المتوكلين وقد روى بن عباس أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال للمؤمنين بمكة حين أذاهم المشركون ) اخرجوا إلى المدينة وهاجروا ولا تجاوروا الظلمة ) قالوا : ليس لنا بها دار ولا عقار ولا من يطعمنا ولا من يسقينا فنزلت : وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم أي ليس معها رزقها مدخرا وكذلك أنتم يرزقكم الله في دار الهجرة وهذا أشبه من القول الأول وتقدم الكلام في كأين وأن هذه أي دخلت عليها كاف التشبيه وصار فيها معنى كم والتقدير عند الخليل وسيبويه كالعدد أي كشيء كثير من العدد من دابة قال مجاهد : يعني الطير والبهائم تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئا الحسن : تأكل لوقتها ولا تدخر لغد وقيل : لا تحمل رزقها أي لا تقدر على رزقها الله يرزقها أينما توجهت وإياكم وقيل : الحمل بمعنى الحمالة وحكى النقاش : أن المراد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يأكل ولا يدخر قلت : وليس بشيء لإطلاق لفظ الدابة وليس مستعملا في العرف إطلاقها على الآدمي فكيف على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقد مضى هذا في النمل عند قوله : وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم قال بن عباس : الدواب هو كل ما دب من الحيوان فكله لا يحمل رزقه ولا يدخر إلا بن آدم والنمل والفأر وعن بعضهم رأيت البلبل يحتكر في محضنه ويقال للعقعق مخابئ إلا أنه ينساها ) الله يرزقها وإياكم ( يسوى بين الحريص والمتوكل في رزقه وبين الراغب والقانع وبين الحيول والعاجز حتى لا يغتر الجلد أنه مرزوق بجلده ولا يتصور العاجز أنه ممنوع بعجزه وفي الصحيح عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ) وهو السميع ( لدعائكم وقولكم لا نجد ما ننفق بالمدينة ) العليم ( بما في قلوبكم
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|