
06-07-2025, 11:57 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,509
الدولة :
|
|
رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى

تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (12)
سُورَةُ النور
من صــ 314 الى صــ 323
الحلقة (518)
وبعضهم كان يفعل ذلك تحرجا من غير أهل الأعذار ، إذ هم مقصرون عن درجة الأصحاء في الأكل ، لعدم الرؤية في الأعمى ، وللعجز عن المزاحمة في الأعرج ، ولضعف المريض ؛ فنزلت الآية في إباحة الأكل معهم. وقال ابن عباس في كتاب الزهراوي : إن أهل الأعذار تحرجوا في الأكل مع الناس من أجل عذرهم ؛ فنزلت الآية مبيحة لهم. وقيل : كان الرجل إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه شيئا ذهب به إلى بيوت قرابته ؛ فتحرج أهل الأعذار من ذلك ؛ فنزلت الآية.
الثالثة : قوله تعالى : {وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} هذا ابتداء كلام أي ولا عليكم أيها الناس. ولكن لما اجتمع المخاطب وغير المخاطب غلب المخاطب لينتظم الكلام. وذكر بيوت القربات وسقط منها بيوت الأبناء ؛ فقال المسفرون : ذلك لأنها داخلة في قوله : {فِي بُيُوتِكُمْ} لأن بيت ابن الرجل بيته وفي الخبر "أنت ومالك لأبيك" . لأنه ذكر الأقرباء بعد ولم يذكر الأولاد. قال النحاس : وعارض بعضهم هذا القول فقال : هذا تحكم على كتاب الله تعالى ؛ بل الأولى في الظاهر ألا يكون الابن مخالفا لهؤلاء ، وليس الاحتجاج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنت ومالك لأبيك" بقوي لوهي هذا الحديث ، وأنه لو صح لم تكن فيه حجة ؛ إذ قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم أن مال ذلك المخاطب لأبيه. وقد قيل إن المعنى : أنت لأبيك ، ومالك مبتدأ ؛ أي ومالك لك. والقاطع لهذا التوارث بين الأب والابن. وقال الترمذي الحكيم : ووجه قوله تعالى : {وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} كأنه يقول مساكنكم التي فيها أهاليكم وأولادكم ؛ فيكون للأهل والولد هناك شيء قد أفادهم هذا الرجل الذي له المسكن ، فليس عليه حرج أن يأكل معهم من ذلك القوت ، أو يكون للزوجة والولد هناك شيء من ملكهم فليس عليه في ذلك حرج.
الرابعة : قوله تعالى : {أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ} قال بعض العلماء : هذا إذا أذنوا له في ذلك. وقال آخرون : أذنوا له أو لم يأذنوا فله أن يأكل ؛ لأن القرابة التي بينهم هي إذن منهم. وذلك لأن في تلك القرابة عطفا تسمح النفوس منهم بذلك العطف أن يأكل هذا من شيئهم ويسروا بذلك إذا علموا. ابن العربي : أباح لنا الأكل من جهة النسب من غير استئذان إذا كان الطعام مبذولا ، فإذا كان محرزا دونهم لم يكن لهم أخذه ، ولا يجوز أن يجاوزوا إلى الادخار ، ولا إلى ما ليس بمأكول وإن غير محرز عنهم إلا بإذن منهم.
الخامسة : قوله تعالى : {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} يعني مما اختزنتم وصار في قبضتكم. وعظم ذلك ما ملكه الرجل في بيته وتحت غلقه ؛ وذلك هو تأويل الضحاك وقتادة ومجاهد. وعند جمهور المفسرين يدخل في الآية الوكلاء والعبيد والأجراء. قال ابن عباس : عني وكيل الرجل على ضيعته ، وخازنه على ماله ؛ فيجوز له أن يأكل مما قيم عليه. وذكر معمر عن قتادة عن عكرمة قال : إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن ، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير. ابن العربي : وللخازن أن يأكل مما يخزن إجماعا ؛ وهذا إذا لم تكن له أجرة ، فأما إذا كانت له أجرة على الخزن حرم عليه الأكل. وقرأ سعيد بن جبير {مُلِّكْتم} بضم الميم وكسر اللام وشدها. وقرأ أيضا {مفاتيحه} بياء بين التاء والحاء ، جمع مفتاح ؛ وقد مضى في "الأنعام" . وقرأ قتادة {مفتاحه} على الإفراد. وقال ابن عباس : نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو ، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا وخلف مالك بن زيد على أهله ، فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال : تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
السادسة : قوله تعالى : {أَوْ صَدِيقِكُمْ} الصديق بمعنى الجمع ، وكذلك العدو ؛ قال الله تعالى : {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} [الشعراء : 77] . وقال جرير :
دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأسهم أعداء وهن صديق
والصديق من يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك. ثم قيل : إن هذا منسوخ بقوله : {لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} [الأحزاب : 53] ، وقوله تعالى : {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا} [النور : 28] الآية ، وقوله عليه السلام : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه" . وقيل : هي محكمة ؛ وهو أصح. ذكر محمد بن ثور عن معمر قال : دخلت بيت قتادة فأبصرت فيه رطبا فجعلت آكله ؛ فقال : ما هذا ؟ فقلت : أبصرت رطبا في بيتك فأكلت ؛ قال : أحسنت ؛ قال الله تعالى : {أَوْ صَدِيقِكُمْ} . وذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله : {أَوْ صَدِيقِكُمْ} قال : إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته لم يكن بذلك بأس. وقال معمر قلت لقتادة : ألا أشرب من هذا الحب ؟ قال : أنت لي صديق! فما هذا الاستئذان. وكان صلى الله عليه وسلم يدخل حائط أبي طلحة المسمى ببيرحا ويشرب من ماء فيها طيّب بغير إذنه ، على ما قاله علماؤنا ؛ قالوا : والماء متملك لأهله. وإذا جاز الشرب من ماء الصديق بغير إذنه جاز الأكل من ثماره وطعامه إذا علم أن نفس صاحبه تطيب به لتفاهته ويسير مؤنته ، أو لما بينهما من المودة. ومن هذا المعنى إطعام أم حرام له صلى الله عليه وسلم إذا نام عندها ؛ لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل ، وأن يد زوجته في ذلك عارية. وهذا كله ما لم يتخذ الأكل خُبنة ، ولم يقصد بذلك وقاية ماله ، وكان تافها يسيرا.
السابعة : قرن الله عز وجل في هذه الآية الصديق بالقرابة المحضة الوكيدة ، لأن قرب المودة لصيق. قال ابن عباس في كتاب النقاش : الصديق أو كد من القرابة ؛ ألا ترى استغاثة الجهنميين {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ. وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء : 100 - 101] .
قلت : ولهذا لا تجوز عندنا شهادة الصديق لصديقه ، كما لا تجوز شهادة القريب لقريبه. وقد مضى بيان هذا والعلة فيه في "النساء" . وفي المثل - أيهم أحب إليك أخوك أم صديقك - قال : أخي إذا صديقي.
الثامنة : قوله تعالى : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} قيل : إنها نزلت في بني ليث بن بكر ، وهم حي من بني كنانة ، وكان الرجل منهم لا يأكل وحده ويمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله. ومنه قول بعض الشعراء :
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي
قال ابن عطية : وكانت هذه السيرة موروثه عندهم عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه كان لا يأكل وحده. وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل مع ضيفه ؛ فنزلت الآية مبينة سنة الأكل ، ومذهبة كل ما خالفها من سيرة العرب ، ومبيحة من أكل المنفرد ما كان عند العرب محرما ، نحت به نحو كرم الخلق ، فأفرطت في إلزامه ، وإن إحضار الأكيل لحسن ، ولكن بألا يحرم الانفراد.
التاسعة : قوله تعالى : {جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} {جَمِيعاً} نصب على الحال. و { أَشْتَاتاً} جمع شت والشت المصدر بمعنى التفرق يقال : شت القوم أي تفرقوا. وقد ترجم البخاري في صحيحه باب {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} الآية. و - النهد والاجتماع -. ومقصوده فيما قاله علماؤنا في هذا الباب : إباحة الأكل جميعا وإن اختلفت أحوالهم في الأكل. وقد سوغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، فصارت تلك سنة في الجماعات التي تدعى إلى الطعام في النهد والولائم وفي الإملاق في السفر. وما ملكت مفاتحه بأمانة أو قرابة أو صداقة فلك أن تأكل مع القريب أو الصديق ووحدك. والنهد : ما يجمعه الرفقاء من مال أو طعام على قدر في النفقة ينفقونه بينهم ؛ وقد تناهدوا ؛ عن صاحب العين. وقال ابن دريد : يقال من ذلك : تناهد القوم الشيء بينهم. الهروي : وفي حديث الحسن "أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم" . النهد : ما تخرجه الرفقة عند المناهدة ؛ وهو استقسام النفقة بالسوية في السفر وغيره. والعرب تقول : هات نهدك ؛ بكسر النون. قال المهلب : وطعام النهد لم يوضع للآكلين على أنهم يأكلون بالسواء ، وإنما يأكل كل واحد على قدر نهمته ، وقد يأكل الرجل أكثر من غيره. وقد قيل : إن
تركها أشبه بالورع. وإن كانت الرفقة تجتمع كل يوم على طعام أحدهم فهو أحسن من النهد لأنهم لا يتناهدون إلا ليصيب كل واحد منهم من ماله ، ثم لا يدري لعل أحدهم يقصر عن ماله ويأكل غيره أكثر من ماله وإذا كانوا يوما عند هذا ويوما عند هذا بلا شرط فإنما يكونون أضيافا والضيف يأكل بطيب نفس مما يقدم إليه. وقال أيوب السختياني : إنما كان النهد أن القوم كانوا يكونون في السفر فيسبق بعضهم إلى المنزل فيذبح ويهيئ الطعام ثم يأتيهم ، ثم يسبق أيضا إلى المنزل فيفعل مثل ذلك ؛ فقالوا : إن هذا الذي تصنع كلنا نحب أن نصنع مثله فتعالوا نجعل بيننا شيئا لا يتفضل بعضنا على بعض ، فوضعوا النهد بينهم. وكان الصلحاء إذا تناهدوا تحرى أفضلهم أن يزيد على ما يخرجه أصحابه ، وإن لم يرضوا بذلك منه إذا علموه فعله سرا دونهم.
العاشرة : قوله تعالى : {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} اختلف المتأولون في أي البيوت أراد ؛ فقال إبراهيم النخعي والحسن : أراد المساجد ؛ والمعنى : سلموا على من فيها من ضيفكم. فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن يقول المرء : السلام على رسول الله. وقيل : يقول السلام عليكم ؛ يريد الملائكة ، ثم يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} الآية ، قال : إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقيل : المراد بالبيوت البيوت المسكونة ؛ أي فسلموا على أنفسكم. قال جابر بن عبد الله وابن عباس أيضا وعطاء بن أبي رباح. وقالوا : يدخل في ذلك البيوت غير المسكونة ، ويسلم المرء فيها على نفسه بأن يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال ابن العربي : القول بالعموم في البيوت هو الصحيح ، ولا دليل على التخصيص ؛ وأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كل بيت كان للغير أو لنفسه ، فإذا دخل بيتا لغيره أستأذن كما تقدم ، فإذا دخل بيتا لنفسه سلم كما ورد في الخبر ، يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ؛ قال ابن عمر. وهذا إذا كان فارغا ، فإن كان فيه أهله وخدمه
فليقل : السلام عليكم. وإن كان مسجدا فليقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وعليه حمل ابن عمر البيت الفارغ. قال ابن العربي : والذي أختاره إذا كان البيت فارغا ألا يلزم السلام ، فإنه إن كان المقصود الملائكة فالملائكة لا تفارق العبد بحال ، أما إنه إذا دخلت بيتك يستحب لك ذكر الله بأن تقول : ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وقد تقدم في سورة [الكهف] . وقال القشيري في قوله : {إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً } : والأوجه أن يقال إن هذا عام في دخول كل بيت ، فإن كان فيه ساكن مسلم يقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وإن لم يكن فيه ساكن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وإن كان في البيت من ليس بمسلم قال السلام على من اتبع الهدى ، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وذكر ابن خويز منداد قال : كتب إلى أبو العباس الأصم قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا جعفر بن ميسرة عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا دخلتم بيوتا فسلموا على أهلها واذكروا اسم الله فإن أحدكم إذا سلم حين يدخل بيته وذكر اسم الله تعالى على طعامه يقول الشيطان لأصحابه لا مبيت لكم ها هنا ولا عشاء وإذا لم يسلم أحدكم إذا دخل ولم يذكر اسم الله على طعامه قال الشيطان لأصحابه أدركتم المبيت والعشاء" .
قلت : هذا الحديث ثبت معناه مرفوع من حديث جابر ، خرجه مسلم. وفي كتاب أبي داود عن أبي مالك الأشجعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا ولج الرجل بيته فليقل اللهم إني أسألك خير الولوج وخير الخروج باسم الله ولجنا وباسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا ليسلم على أهله" .
الحادية عشرة : قوله تعالى : {تَحِيَّةً} مصدر ؛ لأن قوله : {فَسَلِّمُوا} معناه فحيوا. وصفها بالبركة لأن فيها الدعاء واستجلاب مودة المسلم عليه. ووصفها أيضا بالطيب لأن سامعها يستطيبها. والكاف من قوله : {كَذَلِكَ} كاف تشبيه. و {ذَلِكَ} إشارة إلى هذه السنن ؛ أي كما بين لكم سنة دينكم في هذه الأشياء يبين لكم سائر ما بكم حاجة إليه في دينكم.
الآية : 62 {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
قوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ}
فيه مسألتان : -
الأولى : قوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} {إِنَّمَا} في هذه الآية للحصر ؛ المعنى : لا يتم ولا يكمل إيمان من آمن بالله ورسول إلا بأن يكون من الرسول سامعا غير معنت في أن يكون الرسول يريد إكمال أمر فيريد هو إفساده بزواله في وقت الجمع ، ونحو ذلك. وبين تعالى في أول السورة أنه أنزل آيات بينات ، وإنما النزول على محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فختم السورة بتأكيد الأمر في متابعته عليه السلام ؛ ليعلم أن أوامره كأوامر القرآن.
الثانية : واختلف في الأمر الجامع ما هو ؛ فقيل : المراد به ما للإمام من حاجة إلى تجمع الناس فيه لإذاعة مصلحة ، من إقامة سنة في الدين ، أو لترهيب عدو باجتماعهم وللحروب ؛ قال الله تعالى : {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران : 159] . فإذا كان أمر يشملهم نفعه وضره جمعهم للتشاور في ذلك. والإمام الذي يترقب إذنه هو إمام الإمرة ، فلا يذهب أحد لعذر إلا بإذنه ، فإذا ذهب بإذنه ارتفع عنه الظن السيئ. وقال مكحول والزهري : الجمعة من الأمر الجامع. وإمام الصلاة ينبغي أن يستأذن إذا قدمه إمام الإمرة ، إذا كان يرى المستأذن. قال ابن سيرين : كانوا يستأذنون الإمام على المنبر ؛ فلما كثر ذلك قال زياد : من جعل يده على فيه فليخرج دون إذن ، وقد كان هذا بالمدينة حتى أن سهل بن أبي صالح رعف يوم الجمعة فاستأذن الإمام. وظاهر الآية يقتضي أن يستأذن أمير الإمرة الذي هو في مقعد النبوة ، فإنه ربما كان له رأي في حبس ذلك الرجل لأمر من أمور الدين. فأما إمام الصلاة فقط
فليس ذلك إليه ؛ لأنه وكيل على جزء من أجزاء الدين للذي هو في مقعد النبوة. وروي أن هذه الآية نزلت في حفر الخندق حين جاءت قريش وقائدها أبو سفيان ، وغطفان وقائدها عيينة بن حصن ؛ فضرب النبي صلى الله عليه وسلم الخندق على المدينة ، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة ، فكان المنافقون يتسللون لواذا من العمل ويعتذرون بأعذار كاذبة. ونحوه روى أشهب وابن عبد الحكم عن مالك ، وكذلك قال محمد بن إسحاق. وقال مقاتل : نزلت في عمر رضي الله عنه ، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك في الرجعة فأذن له وقال : "انطلق فو الله ما أنت بمنافق" يريد بذلك أن يسمع المنافقين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنما استأذن عمر رضي الله عنه في العمرة فقال عليه السلام لما أذن له : "يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك" .
قلت : والصحيح الأول لتناوله جميع الأقوال. واختار ابن العربي ما ذكره في نزول الآية عن مالك وابن إسحاق ، وأن ذلك مخصوص في الحرب. قال : والذي يبين ذلك أمران :
أحدهما : قوله في الآية الأخرى : {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً} [النور : 63] . وذلك أن المنافقين كانوا يتلوذون ويخرجون عن الجماعة ويتركون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر الله جميعهم بألا يخرج أحد منهم حتى يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وبذلك يتبين إيمانه.
الثاني : قوله : {لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} وأي إذن في الحدث والإمام يخطب ، وليس للإمام خيار في منعه ولا إبقائه ، وقد قال : {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} ؛ فبين بذلك أنه مخصوص في الحرب.
قلت : القول بالعموم أولى وأرفع وأحسن وأعلى. {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} فكان النبي صلى الله عليه وسلم بالخيار إن شاء أن يأذن وإن شاء منع. وقال قتادة : قوله : {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} منسوخة بقوله : {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة : 43] . {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ} أي لخروجهم عن الجماعة إن علمت لهم عذرا. {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
الآية : 63 {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
قوله تعالى : {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} يريد : يصيح من بعيد : يا أبا القاسم! بل عظموه كما قال في الحجرات : {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} [الحجرات : 3] الآية. وقال سعيد بن جبير ومجاهد : المعنى قولوا يا رسول الله ، في رفق ولين ، ولا تقولوا يا محمد بتجهم. وقال قتادة : أمرهم أن يشرفوه ويفخموه. ابن عباس : لا تتعرضوا لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه فإن دعوته موجبة. {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً} التسلل والانسلال : الخروج واللواذ من الملاوذة ، وهي أن تستتر بشيء مخافة من يراك ؛ فكان المنافقون يتسللون عن صلاة الجمعة. {لِوَاذاً} مصدر في موضع الحال ؛ أي متلاوذين ، أي يلوذ بعضهم ببعض ، ينضم إليه استتارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لم يكن على المنافقين أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة ؛ حكاه النقاش ، وقد مضى القول فيه. وقيل : كانوا يتسللون في الجهاد رجوعا عنه يلوذ بعضهم ببعض. وقال الحسن : لواذا فرارا من الجهاد ؛ ومنه قول حسان :
وقريش تجول منا لواذا ... لم تحافظ وخف منها الحلوم
وصحت واوها لتحركها في لاوذ. يقال : لاوذ يلاوذ ملاوذة ولواذا. ولاذ يلوذ لوذا ولياذا ؛ انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها اتباعا للاذ في الاعتلال ؛ فإذا كان مصدر فاعل لم يعل ؛ لأن فاعل لا يجوز أن يعل.
قوله تعالى : {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} بهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر على الوجوب. ووجهها أن الله تبارك وتعالى قد حذر من مخالفة أمره ، وتوعد
بالعقاب عليها بقوله : {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فتحرم مخالفته ، فيجب امتثال أمره. والفتنة هنا القتل ؛ قاله ابن عباس. عطاء : الزلازل والأهوال. جعفر بن محمد : سلطان جائر يسلط عليهم. وقيل : الطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول. والضمير في {أَمْرِهِ} قيل هو عائد إلى أمر الله تعالى ؛ قاله يحيى بن سلام. وقيل : إلى أمر رسوله عليه السلام ؛ قال قتادة. ومعنى {يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} أي يعرضون عن أمره. وقال أبو عبيدة والأخفش : {عَنْ} في هذا الموضع زائدة. وقال الخليل وسيبويه : ليست بزائدة ؛ والمعنى : يخالفون بعد أمره ؛ كما قال :
. .. لم تنتطق عن تفضل
ومنه قوله : {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف : 50] أي بعد أمر ربه. و {أن} في موضع نصب بـ {يَحْذر} . ولا يجوز عند أكثر النحويين حذر زيدا ، وهو في {أن} جائز ؛ لأن حروف الخفض تحذف معها.
الآية : 64 {أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
قوله تعالى : {أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} خلقا وملكا. {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} فهو يجازيكم به. و {يَعْلَمُ} هنا بمعنى علم. {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} بعد ما كان في خطاب رجع في خبر وهذا يقال له : خطاب التلوين. {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} أي يخبرهم بأعمالهم ويجازيهم بها. {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} من أعمالهم وأحوالهم.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|