عرض مشاركة واحدة
  #510  
قديم 06-07-2025, 10:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,067
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (12)
سُورَةُ النور
من صــ 234 الى صــ 243
الحلقة (510)





نعم ، إذا كان مملوكا لها أو لغيرها ؛ وأما الحر فلا. وإن كان فحلا كبيرا وَغْداً تملكه ، لا هيئة له ولا منظر فلينظر إلى شعرها. قال أشهب قال مالك : ليس بواسع أن تدخل جارية الولد أو الزوجة على الرجل المرحاض ؛ قال الله تعالى : {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . وقال أشهب عن مالك : ينظر الغلام الوغد إلى شعر سيدته ، ولا أحبه لغلام الزوج. وقال سعيد بن المسيب : لا تغرنكم هذه الآية {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} إنما عني بها الإماء ولم يعن بها العبيد. وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته. وهو قول مجاهد وعطاء. وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها ، قال : وعلى فاطمة ثوب إذا غطت به رأسها لم يبلغ إلى رجليها ، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ إلى رأسها ؛ فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى من ذلك قال : "إنه لا بأس عليك إنما هو أبوك وغلامك" .
الخامسة عشرة : قوله تعالى : {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} أي غير أولي الحاجة والإربة الحاجة ، يقال : أربت كذا آرب أربا. والإرب والإربة والمأربة والأرب : الحاجة ؛ والجمع مأرب ؛ أي حوائج. ومنه قوله تعالى : {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه : 18] وقد تقدم وقال طرفة :
إذا المرء قال الجهل والحوب والخنا ... تقدم يوما ثم ضاعت مآربه
واختلف الناس في معنى قوله : {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ} فقيل : هو الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء. وقيل الأبله. وقيل : الرجل يتبع القوم فيأكل معهم ويرتفق بهم ؛ وهو ضعيف لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن. وقيل العنين. وقيل الخصي. وقيل المخنث. وقيل الشيخ الكبير ، والصبي الذي لم يدرك. وهذا الاختلاف كله متقارب المعنى ، ويجتمع فيمن لا فهم له ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء. وبهذه الصفة كان هيت المخنث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما سمع منه ما سمع من وصف محاسن المرأة : بادية ابنة غيلان ، أمر بالاحتجاب منه. أخرج حديثه مسلم وأبو داود ومالك في الموطأ وغيرهم عن
هشام بن عروة عن عروة عن عائشة. قال أبو عمر : ذكر عبد الملك بن حبيب عن حبيب كاتب مالك قال قلت لمالك : إن سفيان زاد في حديث ابنة غيلان : "أن مخنثا يقال له هيت" وليس في كتابك هيت ؟ فقال مالك : صدق ، هو كذلك وغربه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحمى وهو موضع من ذي الحليفة ذات الشمال من مسجدها. قال حبيب وقلت لمالك : وقال سفيان في الحديث : إذا قعدت تبنت ، وإذا تكلمت تغنت. قال مالك : صدق ، هو كذلك. قال أبو عمر : ما ذكره حبيب كاتب مالك عن سفيان أنه قال في الحديث يعني حديث هشام بن عروة "أن مخنثا يدعى هيتا" فغير معروف عند أحد من رواته عن هشام ، لا ابن عيينة ولا غيره ، ولم يقل في نسق الحديث "إن مخنثا يدعى هيتا" وإنما ذكره عن ابن جريج بعد تمام الحديث ، وكذلك قوله عن سفيان أنه يقول في الحديث : إذا قعدت تبنت وإذا تكلمت تغنت ، هذا ما لم يقله سفيان ولا غيره في حديث هشام بن عروة ، وهذا اللفظ لا يوجد إلا من رواية الواقدي ، والعجب أنه يحكيه عن سفيان ويحكي عن مالك أنه كذلك ، فصارت رواية عن مالك ، ولم يروه عن مالك غير حبيب ولا ذكره عن سفيان غيره أيضا ، والله أعلم. وحبيب كاتب مالك متروك الحديث ضعيف عند جميعهم ، لا يكتب حديثه ولا يلتفت إلى ما يجيء به. ذكر الواقدي والكلبي أن هيتا المخنث قال لعبد بن أمية المخزومي وهو أخو أم سلمة لأبيها وأمه عاتكة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال له وهو في بيت أخته أم سلمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع : إن فتح الله عليكم الطائف فعليك ببادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي ، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان ، مع ثغر كالأقحوان ، إن جلست تبنت وإن تكلمت تغنت ، بين رجليها كالإناء المكفوء ، وهي كما قال قيس بن الخطيم :
تغترق الطرف وهي لاهية ... كأنما شف وجهها نزف
بين شكول النساء خلقتها ... قصد فلا جبلة ولا قضف
تنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت رويدا تكاد تنقصف
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "لقد غلغلت النظر إليها يا عدو الله" . ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى. قال : فلما افتتحت الطائف تزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له منه بريهة ؛ في قول الكلبي. ولم يزل هيت بذلك المكان حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما ولي أبو بكر كلم فيه فأبى أن يرده ، فلما ولي عمر كلم فيه فأبى ، ثم كلم فيه عثمان بعد. وقيل : إنه قد كبر وضعف واحتاج ، فأذن له أن يدخل كل جمعة فيسأل ويرجع إلى مكانه. قال : وكان هيت مولى لعبد بن أبي أمية المخزومي ، وكان له طُوَيس أيضا ، فمن ثم قبل الخنث. قال أبو عمر : يقال بادية بالياء وبادنة بالنون ، والصواب فيه عندهم بالياء ، وهو قول أكثرهم ، وكذلك ذكره الزبيري بالياء.
السادسة عشرة : وصف التابعين بـ {غَيْرِ} لأن التابعين غير مقصودين بأعيانهم ، فصار اللفظ كالنكرة. و {غَيْرِ} لا يتمحض نكرة فجاز أن يجري وصفا على المعرفة. وإن شئت قلت هو بدل. والقول فيها كالقول في "غير المغضوب عليهم [الفاتحة : 7] . وقرأ عاصم وابن عامر {غَيْرِ} بالنصب فيكون استثناء ؛ أي يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم. ويجوز أن يكون حالا ؛ أي والذين يتبعونهن عاجزين عنهن ؛ قاله أبو حاتم. وذو الحال ما في {التَّابِعِينَ} من الذكر."
السابعة عشرة : قوله تعالى : {أَوِ الطِّفْلِ} اسم جنس بمعنى الجمع ، والدليل على ذلك نعته بـ {الَّذِينَ} . وفي مصحف حفصة {أو الأطفال} على الجمع. ويقال : طفل ما لم يراهق الحلم. و {يَظْهَرُوا} معناه يطلعوا بالوطء ؛ أي لم يكشفوا عن عوراتهن للجماع لصغرهن. وقيل : لم يبلغوا أن يطيقوا النساء ؛ يقال : ظهرت على كذا أي علمته ، وظهرت
على كذا أي قهرته. والجمهور على سكون الواو من {عَوْرَاتِ} لاستثقال الحركة على الواو. وروي عن ابن عباس فتح الواو ؛ مثل جفنة وجفنات. وحكى الفراء أنها لغة قيس {عَوَرَاتِ} بفتح الواو. النحاس : وهذا هو القياس ؛ لأنه ليس بنعت ، كما تقول : جفنة وجفنات ؛ إلا أن التسكين أجود في {عورات} وأشباهه ، لأن الواو إذا تحركت وتحرك ما قبلها قلبت ألفا ؛ فلو قيل هذا لذهب المعنى.
الثامنة عشرة : اختلف العلماء في وجوب ستر ما سوى الوجه والكفين منه على قولين : أحدهما : لا يلزم ؛ لأنه لا تكليف عليه ، وهو الصحيح. والآخر يلزمه ؛ لأنه قد يشتهي وقد تشتهي أيضا هي فإن راهق فحكمه حكم البالغ في وجوب الستر. ومثله الشيخ الذي سقطت شهوته اختلف فيه أيضا على قولين كما في الصبي ، والصحيح بقاء الحرمة ؛ قاله ابن العربي.
التاسعة عشرة : أجمع المسلمون على أن السوأتين عورة من الرجل والمرأة ، وأن المرأة كلها عورة ، إلا وجهها ويديها فإنهم اختلفوا فيهما. وقال أكثر العلماء في الرجل : من سرته إلى ركبته عورة ؛ لا يجوز أن ترى. وقد مضى في "الأعراف" القول في هذا مستوفى.
الموفية عشرين : قال أصحاب الرأي : عورة المرأة مع عبد ها من السرة إلى الركبة. ابن العربي : وكأنهم ظنوها رجلا أو ظنوه امرأة ، والله تعالى قد حرم المرأة على الإطلاق لنظر أو لذة ، ثم استثنى اللذة للأزواج وملك اليمين ، ثم استثنى الزينة لاثني عشر شخصا العبد منهم ، فما لنا ولذلك هذا نظر فاسد واجتهاد عن السداد متباعد. وقد تأول بعض الناس قوله : {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} على الإماء دون العبيد ؛ منهم سعيد بن المسيب ، فكيف يحملون على العبيد ثم يلحقون بالنساء هذا بعيد جدا وقد قيل : إن التقدير أو ما ملكت أيمانهن من غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ؛ حكاه المهدوي.
الحادية والعشرون : قوله تعالى : {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت لتسمع صوت خلخالها ؛ فإسماع صوت الزينة كإبداء الزينة وأشد ،
والغرض التستر. أسند الطبري عن المعتمر عن أبيه أنه قال : زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين من فضة واتخذت جزعا فجعلت في ساقها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت ؛ فنزلت هذه الآية. وسماع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها ؛ قاله الزجاج.
الثانية والعشرون : من فعل ذلك منهن فرحا بحليهن فهو مكروه. ومن فعل ذلك منهن تبرجا وتعرضا للرجال فهو حرام مذموم. وكذلك من ضرب بنعله من الرجال ، إن فعل ذلك تعجبا حرم فإن العجب كبيرة. وإن فعل ذلك تبرجا لم يجز.
الثالثة والعشرون : قال مكي رحمه الله تعالى : ليس في كتاب الله تعالى آية أكثر ضمائر من هذه جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات من مخفوض ومرفوع.
قوله تعالى : {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} فيه مسألتان : -
الأولى : قوله تعالى : {وَتُوبُوا} أمر. ولا خلاف بين الأمة في وجوب التوبة ، وأنها فرض متعين وقد مضى الكلام فيها في "النساء" وغيرها فلا معنى لإعادة ذلك. والمعنى : وتوبوا إلى الله فإنكم لا تخلون من سهو وتقصير في أداء حقوق الله تعالى ، فلا تتركوا التوبة في كل حال.
قرأ الجمهور {أَيُّهَ} بفتح الهاء. وقرأ ابن عامر بضمها ؛ ووجهه أن تجعل الهاء من نفس الكلمة ، فيكون إعراب المنادى فيها. وضعف أبو علي ذلك جدا وقال : آخر الاسم هو الياء الثانية من أي ، فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم ، ولو جاز ضم الهاء ها هنا لاقترانها بالكلمة لجاز ضم الميم في "اللهم" لاقترانها بالكلمة في كلام طويل. والصحيح أنه إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قراءة فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة ، فإن القرآن هو الحجة. وأنشد الفراء :
يا أيه القلب اللجوج النفس ... أفق عن البيض الحسان اللعس
اللعس : لون الشفة إذا كانت تضرب إلى السواد قليلا ، وذلك يستملح ؛ يقال : شفة لعساء ، وفتية ونسوة لعس. وبعضهم يقف {أيُّهَ} . وبعضهم يقف {أَيُّهَا} بالألف ؛ لأن علة حذفها في الوصل إنما هي سكونها وسكون اللام ، فإذا كان الوقف ذهبت العلة فرجعت الألف كما ترجع الياء إذا وقفت على {مُحِلِّي} من قوله تعالى : {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ} [المائدة : 1] . وهذا الاختلاف الذي ذكرناه كذلك هو في {يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ} . و {أيُّهَ الثَّقَلانِ} .
الآية : 32 {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}
فيه سبع مسائل : -
الأولى : هذه المخاطبة تدخل في باب الستر والصلاح ؛ أي زوجوا من لا زوج له منكم فإنه طريق التعفف ؛ والخطاب للأولياء. وقيل للأزواج. والصحيح الأول ؛ إذ لو أراد الأزواج لقال {وانكحوا} بغير همز ، وكانت الألف للوصل. وفي هذا دليل على أن المرأة ليس لها أن تنكح نفسها بغير ولي ؛ وهو قول أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة : إذا زوجت الثيب أو البكر نفسها بغير ولي كفء لها جاز. وقد مضى هذا في "البقرة" مستوفى.
الثانية : اختلف العلماء في هذا الأمر على ثلاثة أقوال ؛ فقال علماؤنا : يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت ، ومن عدم صبره ، ومن قوته على الصبر وزوال خشية العنت عنه. وإذا خاف الهلاك في الدين أو الدنيا أو فيهما فالنكاح حتم. وإن لم يخش شيئا وكانت الحال مطلقة فقال الشافعي : النكاح مباح. وقال مالك وأبو حنيفة : هو مستحب. تعلق الشافعي بأنه قضاء لذة فكان مباحا كالأكل والشرب.
وتعلق علماؤنا بالحديث الصحيح : "من رغب عن سنتي فليس مني" .
الثالثة : قوله تعالى : {الْأَيَامَى مِنْكُمْ} أي الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء ؛ واحدهم أيم. قال أبو عمرو : أيامى مقلوب أيايم. واتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل
هي المرأة التي لا زوج لها ، بكرا كانت أو ثيبا ؛ حكى ذلك أبو عمرو والكسائي وغيرهما. تقول العرب : تأيمت المرأة إذا أقامت لا تتزوج. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم : "أنا وامرأة سفعاء الخدين تأيمت على ولدها الصغار حتى يبلغوا أو يغنيهم الله من فضله كهاتين في الجنة" . وقال الشاعر :
فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيم
ويقال : أيم بين الأيمة. وقد آمت هي ، وإمت أنا. قال الشاعر :
لقد إمت حتى لامني كل صاحب ... رجاء بسلمي أن تئيم كما إمت
قال أبو عبيد : يقال رجل أيم وامرأة أيم ؛ وأكثر ما يكون ذلك في النساء ، وهو كالمستعار في الرجال. وقال أمية بن أبي الصلت :
لله در بني علـ ... ـي أيم منهم وناكح
وقال قوم : هذه الآية ناسخة لحكم قوله تعالى : {وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور : 3] . وقد بيناه في أول السورة والحمد لله.
الرابعة : المقصود من قوله تعالى : {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} الحرائر والأحرار ؛ ثم بين حكم المماليك فقال : {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} . وقرأ الحسن {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عَبِيدِكُمْ} ، وعبيد اسم للجمع. قال الفراء : ويجوز {وَإِمَاءَكُمْ} بالنصب ، يرده على {الصَّالِحِينَ} يعني الذكور والإناث ؛ والصلاح الإيمان. وقيل : المعنى ينبغي أن تكون الرغبة في تزويج الإماء والعبيد إذا كانوا صالحين فيجوز تزويجهم ، ولكن لا ترغيب فيه ولا استحباب ؛ كما قال {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} [النور : 33] . ثم قد تجوز الكتابة وإن لم يعلم أن في العبد خيرا ، ولكن الخطاب ورد في الترغيب واستحباب ، وإنما يستحب كتابة من فيه خير.
الخامسة : أكثر العلماء على أن للسيد أن يكره عبد ه وأمته على النكاح ؛ وهو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما. قال مالك : ولا يجوز ذلك إذا كان ضررا. وروي نحوه عن
الشافعي ، ثم قال : ليس للسيد أن يكره العبد على النكاح. وقال النخعي : كانوا يكرهون المماليك على النكاح ويغلقون عليهم الأبواب. تمسك أصحاب الشافعي فقالوا : العبد مكلف فلا يجبر على النكاح ؛ لأن التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدمية ، وإنما تتعلق به المملوكية فيما كان حظا للسيد من ملك الرقبة والمنفعة ، بخلاف الأمة فإنه له حق المملوكية في بضعها ليستوفيه ؛ فأما بضع العبد فلا حق له فيه ، ولأجل ذلك لا تباح السيدة لعبدها. هذه عمدة أهل خراسان والعراق ، وعمدتهم أيضا الطلاق ، فإنه يملكه العبد بتملك عقده. ولعلمائنا النكتة العظمى في أن مالكية العبد استغرقتها مالكية السيد ؛ ولذلك لا يتزوج إلا بإذنه بإجماع. والنكاح وبابه إنما هو من المصالح ، ومصلحة العبد موكولة إلى السيد ، هو يراها ويقيمها للعبد.
السادسة : قوله تعالى : {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} رجع الكلام إلى الأحرار ؛ أي لا تمتنعوا عن التزويج بسبب فقر الرجل والمرأة ؛ {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} . وهذا وعد بالغنى للمتزوجين طلب رضا الله واعتصاما من معاصيه. وقال ابن مسعود : التمسوا الغنى في النكاح ؛ وتلا هذه الآية. وقال عمر رضي الله عنه : عجبي ممن لا يطلب الغني في النكاح ، وقد قال الله تعالى : {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} . وروي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا. ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ثلاثة كلهم حق على الله عونه المجاهد في سبيل الله والناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء" . أخرجه ابن ماجه في سننه. فإن قيل : فقد نجد الناكح لا يستغني ؛ قلنا : لا يلزم أن يكون هذا على الدوام ، بل لو كان في لحظة واحدة لصدق الوعد. وقد قيل : يغنيه ؛ أي يغني النفس. وفي الصحيح "ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس" . وقد قيل : ليس وعد لا يقع فيه خلف ، بل المعنى أن المال غاد ورائح ، فارجوا الغنى. وقيل : المعنى يغنهم الله من فضله إن شاء ؛ كقوله تعالى :
{فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} [الأنعام : 41] ، وقال تعالى : {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ} [الشورى : 12] . وقيل : المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بالحلال ليتعففوا عن الزنى.
السابعة : هذه الآية دليل على تزويج الفقير ، ولا يقول كيف أتزوج وليس لي مال ؛ فإن رزقه على الله. وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي أتته تهب له نفسها لمن ليس له إلا إزار واحد ، وليس لها بعد ذلك فسخ النكاح بالإعسار لأنها دخلت عليه ؛ وإنما يكون ذلك إذا دخلت على اليسار فخرج معسرا ، أو طرأ الإعسار بعد ذلك لأن الجوع لا صبر عليه ؛ قال علماؤنا. وقال النقاش : هذه الآية حجة على من قال : إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرا لا يقدر على النفقة ؛ لأن الله تعالى قال : {يُغْنِهِمُ اللَّهُ} ولم يقل يفرق. وهذا انتزاع ضعيف ، وليس هذه الآية حكما فيمن عجز عن النفقة ، وإنما هي وعد بالإغناء لمن تزوج فقيرا. فأما من تزوج موسرا وأعسر بالنفقة فإنه يفرق بينهما ؛ قال الله تعالى : {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ} [النساء : 130] . ونفحات الله تعالى مأمولة في كل حال موعود بها.
الآيتان : 33 - 34 {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ}
فيه أربع مسائل :
الأولى : قوله تعالى : {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ} الخطاب لمن يملك أمر نفسه ، لا لمن زمامه بيد غيره فإنه يقوده إلى ما يراه ؛ كالمحجور - قولا واحدا - والأمة والعبد ؛ على أحد قولي العلماء.
الثانية : {واستعفف} وزنه استفعل ؛ ومعناه طلب أن يكون عفيفا ؛ فأمر الله تعالى بهذه الآية كل من تعذر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر أن يستعفف. ثم لما كان أغلب الموانع على النكاح عدم المال وعد بالإغناء من فضله ؛ فيرزقه ما يتزوج به ، أو يجد امرأة ترضى باليسير من الصداق ، أو تزول عنه شهوة النساء. وروى النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ثلاثة كلهم حق على الله عز وجل عونهم المجاهد في سبيل الله والناكح الذي يريد العفاف والمكاتب الذي يريد الأداء" .
الثالثة : قوله تعالى : {لا يَجِدُونَ نِكَاحاً} أي طول نكاح ؛ فحذف المضاف. وقيل : النكاح ها هنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة ؛ كاللحاف اسم لما يلتحف به. واللباس اسم لما يلبس فعلى هذا لا حذف في الآية ، قاله جماعة من المفسرين ؛ وحملهم على هذا قوله تعالى : {حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} فظنوا أن المأمور بالاستعفاف إنما هو من عدم المال الذي يتزوج به. وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف ؛ وذلك ضعيف ، بل الأمر بالاستعفاف متوجه لكل من تعذر عليه النكاح بأي وجه تعذر ، كما قدمناه ، والله تعالى أعلم.
الرابعة : من تاقت نفسه إلى النكاح فإن وجد الطول فالمستحب له أن يتزوج ، وإن لم يجد الطول فعليه بالاستعفاف ما أمكن ولو بالصوم فإن الصوم له وجاء ؛ كما جاء في الخبر الصحيح. ومن لم تتق نفسه إلى النكاح فالأولى له التخلي لعبادة الله تعالى. وفي الخبر "خيركم الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد" . وقد تقدم جواز نكاح الإماء عند عدم الطول للحرة في "النساء" والحمد لله. ولما لم يجعل الله له من العفة والنكاح درجة دل على أن ما عداهما




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.38 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.76 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.55%)]