عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 06-07-2025, 10:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,807
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (12)
سُورَةُ الحج
من صــ 94 الى صــ 103
الحلقة (496)




وقال الزجاج : {فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ} أي فلا يجادلنك ؛ ودل على هذا {وَإِنْ جَادَلُوكَ} . ويقال : قد نازعوه فكيف قال فلا ينازعنك ؛ فالجواب أن المعنى فلا تنازعهم أنت. نزلت الآية قبل الأمر بالقتال ؛ تقول : لا يضاربنك فلان فلا تضاربه أنت ؛ فيجري هذا في باب المفاعلة. ولا يقال : لا يضربنك زيد وأنت تريد لا تضرب زيدا. وقرأ أبو مجلز {فَلاَ يَنْزِعنّك في الأمر} أي لا يستخلفنك ولا يغلبنك عن دينك. وقراءة الجماعة من المنازعة. ولفظ النهي في القراءتين للكفار ، والمراد النبي صلى الله عليه وسلم. {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} أي إلى توحيده ودينه والإيمان به. {إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً} أي دين. {مُسْتَقِيمٍ} أي قويم لا اعوجاج فيه.
الآيتان : 68 - 69 {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ، اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}
قوله تعالى : {وَإِنْ جَادَلُوكَ} أي خاصموك يا محمد ؛ يريد مشركي مكة. {فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} يريد من تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم ؛ عن ابن عباس. وقال مقاتل : "هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وهو في السماء السابعة لما رأى من آيات ربه الكبرى ؛ فأوحى الله إليه {وَإِنْ جَادَلُوكَ} بالباطل فدافعهم بقولك : {اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الكفر والتكذيب ؛ فأمره الله تعالى بالإعراض عن مماراتهم صيانة له عن الاشتغال بتعنتهم ؛ ولا جواب لصاحب العناد. {اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يريد بين النبي صلى الله عليه وسلم وقومه. {فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} يريد في خلافكم آياتي ، فتعرفون حينئذ الحق من الباطل."
مسألة : في هذه الآية أدب حسن علمه الله عباده في الرد على من جادل تعنتا ومراء ألا يجاب ولا يناظر ويدفع بهذا القول الذي علمه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم. وقد قيل : إن هذه الآية منسوخة بالسيف ؛ يعني السكوت عن مخالفه والاكتفاء بقوله : {اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ}
الآية : 70 {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}
قوله تعالى : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} أي وإذ قد علمت يا محمد هذا وأيقنت فاعلم أنه يعلم أيضا ما أنتم مختلفون فيه فهو يحكم بينكم. وقد قيل : إنه استفهام تقرير للغير. {إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ} أي ما يجري في العالم فهو مكتوب عند الله في أم الكتاب. {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} أي إن الفصل بين المختلفين على يسير. وقيل : المعنى إن كتاب القلم الذي أمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة على الله يسير.
الآية : 71 {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ}
قوله تعالى : {وَيَعْبُدُونَ} يريد كفار قريش. {مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} أي حجة وبرهانا. وقد تقدم في "آل عمران" . {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} .
الآية : 72 {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}
قوله تعالى : {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} يعني القرآن. {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ} أي الغضب والعبوس. {يَكَادُونَ يَسْطُونَ} أي يبطشون. والسطوة شدة البطش ؛ يقال : سطا به يسطو إذا بطش به ؛ كان ذلك بضرب أو بشتم ، وسطا
عليه. {بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} وقال ابن عباس : "يسطون يبسطون إليهم أيديهم" . محمد بن كعب : أي يقعون بهم. الضحاك : أي يأخذونهم أخذا باليد ، والمعنى واحد. وأصل السطو القهر. والله ذو سطوات ؛ أي أخذات شديدة. {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ} أي أكره من هذا القرآن الذي تسمعون هو النار. فكأنهم قالوا : ما الذي هو شر ؛ فقيل هو النار. وقيل : أي هل أنبكم بشر مما يلحق تالي القرآن منكم هو النار ؛ فيكون هذا وعيدا لهم على سطواتهم بالذين يتلون القرآن. ويجوز في {النار} الرفع والنصب والخفض ؛ فالرفع على هو النار ، أو هي النار. والنصب بمعنى أعني ، أو على إضمار فعل مثل الثاني ، أو يكون محمولا على المعنى ؛ أي أعرفكم من ذلكم النار. والخفض على البدل. {وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} في القيامة. {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} أي الموضع الذي يصيرون إليه وهو النار.
الآية : 73 {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}
قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} هذا متصل بقوله : {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} . وإنما قال : {ضُرِبَ مَثَلٌ} لأن حجج الله تعالى عليهم بضرب الأمثال أقرب إلى أفهامهم. فإن قيل : فأين المثل المضروب ؛ ففيه وجهان : الأول : قال الأخفش : ليس ثم مثل ، وإنما المعنى ضربوا لي مثلا فاستمعوا قولهم ؛ يعني أن الكفار جعلوا لله مثلا بعبادتهم غيره ؛ فكأنه قال جعلوا لي شبيها في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبه. الثاني : قول القتبي : وأن المعنى يا أيها الناس ، مثل من عبد آلهة لم تستطع أن تخلق ذبابا وإن سلبها الذباب شيئا لم تستطع أن تستنقذه منه. وقال النحاس : المعنى ضرب الله عز وجل ما يعبد من دونه مثلا ، قال : وهذا من أحسن ما قيل فيه ؛ أي بين الله لكم شبها
لمعبودكم. {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} قراءة العامة {تَدْعُونَ} بالتاء. وقرأ السلمي وأبو العالية ويعقوب {يدعون} بالياء على الخبر. والمراد الأوثان الذين عبد وهم من دون الله ، وكانت حول الكعبة ، وهي ثلاثمائة وستون صنما. وقيل : السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله عز وجل. وقيل : الشياطين الذين حملوهم على معصية الله تعالى ؛ والأول أصوب. {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً} الذباب اسم واحد للذكر والأنثى ، والجمع القليل أذبة والكثير ذبان ؛ على مثل غراب وأغربة وغربان ؛ وسمي به لكثرة حركته. الجوهري : والذباب معروف الواحدة ذبابة ، ولا تقل ذبانة. والمذبة ما يذب به الذباب. وذباب أسنان الإبل حدها. وذباب السيف طرفه الذي يضرب به. وذباب العين إنسانها. والذبابة البقية من الدين. وذبب النهار إذا لم يبق منه إلا بقية. والتذبذب التحرك. والذبذبة نوس الشيء المعلق في الهواء. والذبذب الذكر لتردده. وفي الحديث "من وقي شر ذبذبه" . وهذا مما لم يذكره - أعني - قوله : وفي الحديث. {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} الاستنقاذ والإنقاذ التخليص. قال ابن عباس : كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران فتجف فيأتي فيختلسه. وقال السدي : كانوا يجعلون للأصنام طعاما فيقع عليه الذباب فيأكله. {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} قيل : الطالب الآلهة والمطلوب الذباب. وقيل بالعكس. وقيل : الطالب عابد الصنم والمطلوب الصنم ؛ فالطالب يطلب إلى هذا الصنم بالتقرب إليه ، والصنم المطلوب إليه. وقد قيل : {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً} راجع إلى ألمه في قرص أبدانهم حتى يسلبهم الصبر لها والوقار معها. وخص الذباب لأربعة أمور تخصه : لمهانته وضعفه ولاستقذاره وكثرته ؛ فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبد وه من دون الله عز وجل على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين وأربابا مطاعين. وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان.
الآية : 74 مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
قوله تعالى : {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظموه حق عظمته ؛ حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له. وقد مضى في "الأنعام" . {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} تقدم.
الآيتان : 75 - 76 {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}
قوله تعالى : {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} ختم السورة بأن الله اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم لتبليغ الرسالة ؛ أي ليس بعثه محمدا أمرا بدعيا. وقيل : إن الوليد بن المغيرة قال : أو أنزل عليه الذكر من بيننا ؛ فنزلت الآية. وأخبر أن الاختيار إليه سبحانه وتعالى. {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} لأقوال عباده {بَصِيرٌ} بمن يختاره من خلقه لرسالته . {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} يريد ما قدموا. {وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} يريد ما خلفوا ؛ مثل قوله في يس : {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} [يس : 12] يريد ما بين أيديهم {وَآثَارَهُمْ} يريد ما خلفوا.
الآية : 77 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} تقدم في أول السورة أنها فضلت بسجدتين ؛ وهذه السجدة الثانية لم يرها مالك وأبو حنيفة من العزائم ؛ لأنه قرن الركوع بالسجود ، وأن المراد بها الصلاة المفروضة ؛ وخص الركوع والسجود تشريفا للصلاة. وقد مضى القول في الركوع والسجود مبينا في "البقرة" والحمد لله وحده. {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} أي امتثلوا أمره. {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} ندب فيما عدا الواجبات التي صح وجوبها من غير هذا الموضع.
الآية : 78 {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}
قوله تعالى : {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} قيل : عنى به جهاد الكفار. وقيل : هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به ، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه ؛ أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى ، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته ، والظلمة في رد ظلمهم ، والكافرين في رد كفرهم. قال ابن عطية : وقال مقاتل وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى : {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن : 16] . وكذا قال هبة الله : إن قول {حَقَّ جِهَادِهِ} وقوله في الآية الأخرى. {حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران : 102] منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة في هذه الأوامر. ولا حاجة إلى تقدير النسخ ؛ فإن هذا هو المراد من أول الحكم ؛ لأن {حَقَّ جِهَادِهِ} ما ارتفع عنه الحرج. وقد روى سعيد بن المسيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "خيرُ دينكم أيْسرَهُ" . وقال أبو جعفر النحاس. وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ ؛ لأنه واجب على الإنسان ، كما روى حيوة بن شريح يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : "المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل" . وكما روى أبو غالب عن أبي أمامة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الجهاد أفضل ؟ عند الجمرة الأولى فلم يجبه ، ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه ، ثم سأله عند جمرة العقبة ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أين السائل" ؟ فقال : أنا ذا ؛ فقال عليه السلام : "كلمة عدل عند سلطان جائر" .
قوله تعالى : {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} أي اختاركم للذب عن دينه والتزام أمره ؛ وهذا تأكيد للأمر بالمجاهدة ؛ أي وجب عليكم أن تجاهدوا لأن الله اختاركم له.
قوله تعالى : {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}
فيه ثلاث مسائل : -
الأولى : قوله تعالى : {مِنْ حَرَجٍ} أي من ضيق. وقد تقدم في "الأنعام" . وهذه الآية تدخل في كثير من الأحكام ؛ وهي مما خص الله بها هذه الأمة. روى معمر عن قتادة قال : أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبي : كان يقال للنبي اذهب فلا حرج عليك ، وقيل لهذه الأمة : {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} . والنبي شهيد على أمته ، وقيل لهذه الأمة : {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} . ويقال للنبي : سل تعطه ، وقيل لهذه الأمة : {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} .
الثانية : واختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله تعالى ؛ فقال عكرمة : هو ما أحل من النساء مثنى وثلاث ورباع ، وما ملكت يمينك. وقيل : المراد قصر الصلاة ، والإفطار للمسافر ، وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره ، وحط الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعديم الذي لا يجد ما ينفق في غزوه ، والغريم ومن له والدان ، وحط الإصر الذي كان على بني إسرائيل. وقد مضى تفصيل أكثر هذه الأشياء. وروي عن ابن عباس والحسن البصري "أن هذا في تقديم الأهلة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم ؛ فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم" ، على خلاف فيه بيناه في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس رضي الله عنه. وما ذكرناه هو الصحيح في الباب. وكذلك الفطر والأضحى ؛ لما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فِطركم يوم تُفْطِرون وأضحاكم يوم تضحون" . خرجه أبو داود والدارقطني ، ولفظه ما ذكرناه. والمعنى : باجتهادكم من غير حرج يلحقكم. وقد روى الأئمة أنه عليه السلام سئل يوم النحر عن أشياء ، فما يسأل عن
أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا قال فيها : "أفعل ولا حرج" .
الثالثة : قال العلماء : رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع ، وأما السلابة والسراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج ، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين ، وليس في الشرع أعظم حرجا من إلزام ثبوت رجل لاثنين في سبيل الله تعالى ؛ ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج.
قوله تعالى : {مِلَّةَ أَبِيكُمْ} قال الزجاج : المعنى اتبعوا ملة أبيكم. الفراء : انتصب على تقدير حذف الكاف ؛ كأنه قال كملة. وقيل : المعنى وافعلوا الخير فعل أبيكم ، فأقام الفعل مقام الملة. وإبراهيم هو أبو العرب قاطبة. وقيل : الخطاب لجميع المسلمين ، وإن لم يكن الكل من ولده ؛ لأن حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد على الولد. {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} قال ابن زيد والحسن : {هُوَ} راجع إلى إبراهيم ؛ والمعنى : هو سماكم المسلمين من قبل النبي صلى الله عليه وسلم. {وَفِي هَذَا} أي وفي حكمه أن من اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فهو مسلم. قال ابن زيد : وهو معنى قوله : {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة : 128] . قال النحاس : وهذا القول مخالف لقول عظماء الأمة. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : سماكم الله عز وجل المسلمين من قبل ، أي في الكتب المتقدمة وفي هذا القرآن "؛ قال مجاهد وغيره. {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ} أي بتبليغه إياكم. {وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} أن رسلهم قد بلغتهم ؛ كما تقدم في" البقرة ". {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} تقدم مستوفى والحمد لله.رب العالمين"

تفسير سورة المؤمنون
سورة المؤمنون
الآيات : 1 - 11 {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ، أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
فيه تسع مسائل :
الأولى : قوله تعالى : {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} روى البيهقي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون" . وروى النسائي عن عبد الله بن السائب قال : حضرت رسول الله صلى يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة ، فخلع نعليه فوضعهما عن يسره فافتتح سورة المؤمنين ، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل علي الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل ؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا عنده ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال : "اللهم زدنا ولا تنقصنا وارضنا وأرض عنا - ثم قال -"
أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون "حتى ختم عشر آيات ؛ صححه ابن العربي. وقال النحاس : معنى" من أقامهن "من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن ؛ كما تقول : فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مصرف {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} بضم الألف على الفعل المجهول ؛ أي أبقوا في الثواب والخير. وقد مضى في أول" البقرة "معنى الفلاح لغة ومعنى ، والحمد لله وحده."
الثانية : قوله تعالى : {خَاشِعُونَ} روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة ؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هشيم : كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله تعالى : {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} ؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلي إلى حيث ينظر في "البقرة" عند قول {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة : 144] . وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى : {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة : 45] . والخشوع محله القلب ؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه ؛ إذ هو ملكها ، حسبما بيناه أول البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء : هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر صلى الله عليه وسلم صلى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال : "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" . وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم. "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى" . رواه الترمذي. وقال الشاعر :




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.91 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.48%)]