عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 06-07-2025, 08:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (12)
سُورَةُ الحج
من صــ 74 الى صــ 83
الحلقة (494)






قوله تعالى : {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} أي أهلكنا أهلها. وقد مضى في "آل عمران" الكلام في كأين. {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي بالكفر. {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} تقدم في الكهف. {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} قال الزجاج : {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ} معطوف على {مِنْ قَرْيَةٍ} أي ومن أهل قرية ومن أهل بئر. والفراء يذهب إلى أن {وَبِئْرٍ} معطوف على {عُرُوشِهَا} . وقال الأصمعي : سألت نافع بن أبي نعيم أيهمز البئر والذئب ؟ فقال : إن كانت العرب تهمزهما فاهمزهما. وأكثر الرواة عن نافع بهمزهما ؛ إلا ورشا فإن روايته عنه بغير همز فيهما ، والأصل الهمز. ومعنى {مُعَطَّلَةٍ} متروكة ؛ قاله الضحاك. وقيل : خالية من أهلها لهلاكهم. وقيل : غائرة الماء. وقيل : معطلة من دلائها وأرشيتها ؛ والمعنى متقارب. {وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} قال قتادة والضحاك ومقاتل : رفيع طويل. قال عدي بن زيد :
شاده مرمرا وجلله كلـ ... ـسا فللطير في ذراه وكور
أي رفعه. وقال سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومجاهد : مجصص ؛ من الشيد وهو الجص. قال الراجز :
لا تحسبني وإن كنت امرأ غمرا ... كحية الماء بين الطين والشيد
وقال امرؤ القيس :
ولا أطما إلا مشيدا بجندل
وقال ابن عباس : {مشِيدٍ} أي حصين "؛ وقال الكلبي. وهو مفعل بمعنى مفعول كمبيع بمعنى مبيوع. وقال الجوهري : والمشيد المعمول بالشيد. والشيد" بالكسر ": كل شيء طليت به الحائط من جص أو بلاط ، وبالفتح المصدر. تقول : شاده يشيده شيدا جصصه. والمشيد" بالتشديد "المطول. وقال الكسائي :" المشيد "للواحد ، من قوله تعالى : {وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} والمشيد للجمع ، من قوله تعالى : {فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} . [النساء : 78] . وفي الكلام مضمر"
محذوف تقديره : وقصر مشيد مثلها معطل. ويقال : إن هذه البئر والقصر بحضرموت معروفان ، فالقصر مشرف على قلة جبل لا يرتقى إليه بحال ، والبئر في سفحه لا تقر الريح شيئا سقط فيه إلا أخرجته. وأصحاب القصور ملوك الحضر ، وأصحاب الآبار ملوك البوادي ؛ أي فأهلكنا هؤلاء وهؤلاء. وذكر الضحاك وغيره فيما ذكر الثعلبي وأبو بكر محمد بن الحسن المقرئ وغيرهما أن البئر الرس ، وكانت بعدن باليمن بحضرموت ، في بلد يقال له حضور ، نزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح ، ونجوا من العذاب ومعهم صالح ، فمات صالح فسمي المكان حضرموت ؛ لأن صالحا لما حضره مات فبنوا حضور وقعدوا على هذه البئر ، وأمروا عليهم رجلا يقال له العلس بن جلاس بن سويد ؛ فيما ذكر الغزنوي. الثعلبي : جلهس بن جلاس. وكان حسن السيرة فيهم عاملا عليهم ، وجعلوا وزيره سنحاريب بن سوادة ، فأقاموا دهرا وتناسلوا حتى كثروا ، وكانت البئر تسقي المدينة كلها وباديتها وجميع ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك ؛ لأنها كانت لها بكرات كثيرة منصوبة عليها ، ورجال كثيرون موكلون بها ، وأبازن "بالنون" من رخام وهي شبه الحياض كثيرة تملأ للناس ، وأخر للدواب ، وأخر للبقر ، وأخر للغنم. والقوام يسقون عليها بالليل والنهار يتداولون ، ولم يكن لهم ماء غيرها. وطال عمر الملك الذي أمروه ، فلما جاءه الموت طلي بدهن لتبقى صورته لا تتغير ، وكذلك كانوا يفعلون إذا مات منهم الميت وكان ممن يكرم عليهم. فلما مات شق ذلك عليهم ورأوا أن أمرهم قد فسد ، وضجوا جميعا بالبكاء ، واغتنمها الشيطان منهم فدخل في جثة الملك بعد موته بأيام كثيرة ، فكلمهم وقال : إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ؛ ففرحوا أشد الفرح وأمر خاصته أن يضربوا له حجابا بينه وبينهم ويكلمهم من ورائه لئلا يعرف الموت في صورته. فنصبوا صنما من وراء الحجاب لا يأكل ولا يشرب. وأخبرهم أنه لا يموت أبدا وأنه إلههم ؛ فذلك كله يتكلم به الشيطان على لسانه ، فصدق كثير منهم وارتاب بعضهم ، وكان المؤمن المكذب منهم أقل من المصدق له ، وكلما تكلم ناصح لهم زجر وقهر. فأصفقوا على عبادته ، فبعث الله إليهم نبيا كان الوحي ينزل عليه في النوم دون اليقظة ، كان اسمه
حنظلة بن صفوان ، فأعلمهم أن الصورة صنم لا روح له ، وأن الشيطان قد أضلهم ، وأن الله لا يتمثل بالخلق ، وأن الملك لا يجوز أن يكون شريكا لله ، ووعظهم ونصحهم وحذرهم سطوة ربهم ونقمته ؛ فآذوه وعادوه وهو يتعهدهم بالموعظة ولا يغبهم بالنصيحة ، حتى قتلوه في السوق وطرحوه في بئر ؛ فعند ذلك أصابتهم النقمة ، فباتوا شباعا رواء من الماء وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها وتعطل رشاؤها ، فصاحوا بأجمعهم وضج النساء والولدان ، وضجت البهائم عطشا ؛ حتى عمهم الموت وشملهم الهلاك ، وخلفتهم في أرضهم السباع ، وفي منازلهم الثعالب والضباع ، وتبدلت جناتهم وأموالهم بالسدر وشوك العضاه والقتاد ، فلا يسمع فيها إلا عزيف الجن وزئير الأسد ، نعوذ بالله من سطواته ؛ ومن الإصرار على ما يوجب نقماته.
قال السهيلي. وأما القصر المشيد فقصر بناه شداد بن عامر بن إرم ، لم يبن في الأرض مثله - فيما ذكروا وزعموا - وحاله أيضا كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنيس ، وإقفاره بعد العمران ، وإن أحدا لا يستطيع أن يدنو منه على أميال ؛ لما يسمع فيه من عزيف الجن والأصوات المنكرة بعد النعيم والعيش الرغد وبهاء الملك وانتظام الأهل كالسلك فبادروا وما عدوا ؛ فذكرهم الله تعالى في هذه الآية موعظة وعبرة وتذكرة ، وذكرا وتحذيرا من مغبة المعصية وسوء عاقبة المخالفة ؛ نعوذ بالله من ذلك ونستجير به من سوء المآل. وقيل : إن الذي أهلكهم بختنصر على ما تقدم في سورة "الأنبياء" في قوله : {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ} [الأنبياء : 11] . فتعطلت بئرهم وخربت قصورهم.
الآية : 46 {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
قوله تعالى : {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} يعني كفار مكة فيشاهدوا هذه القرى فيتعظوا ، ويحذروا عقاب الله أن ينزل بهم كما نزل بمن قبلهم. {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} أضاف العقل إلى القلب لأنه محله كما أن السمع محله الأذن. وقد قيل : إن العقل محله الدماغ ؛ وروي عن أبي حنيفة ؛ وما أراها عنه صحيحة. {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ} قال الفراء : الهاء عماد ، ويجوز أن يقال فإنه ، وهي قراءة عبد الله بن مسعود ، والمعنى واحد ، التذكير على الخبر ، والتأنيث على الأبصار أو القصة ؛ أي فإن الأبصار لا تعمى ، أو فإن القصة. {لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ} أي أبصار العيون ثابتة لهم. {وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} أي عن درك الحق والاعتبار. وقال قتادة : البصر الناظر جعل بلغة ومنفعة ، والبصر النافع في القلب. وقال مجاهد : لكل عين أربع أعين ؛ يعني لكل إنسان أربع أعين : عينان في رأسه لدنياه ، وعينان في قلبه لآخرته ؛ فإن عميت عينا رأسه وأبصرت. عينا قلبه فلم يضره عماه شيئا ، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه فلم ينفعه نظره شيئا. وقال قتادة وابن جبير : نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم الأعمى. قال ابن عباس ومقاتل : لما نزل {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى} [الإسراء : 72] قال ابن أم مكتوم : يا رسول الله ، فأنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى ؟ فنزلت {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} . أي من كان في هذه أعمى بقلبه عن الإسلام فهو في الآخرة في النار.
الآية : 47 {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}
قوله تعالى : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} نزلت في النضر بن الحارث ، وهو قوله : {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف : 70] . وقيل : نزلت في أبي جهل بن هشام ، وهو قوله : {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} [الأنفال : 32] . {وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} أي في إنزال العذاب. قال الزجاج : استعجلوا العذاب فأعملهم الله أنه لا يفوته شيء ؛ وقد نزل بهم في الدنيا يوم بدر.
قوله تعالى : {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} قال ابن عباس ومجاهد : يعني من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. عكرمة : يعني من أيام الآخرة ؛ أعلمهم الله إذ استعجلوه بالعذاب في أيام قصيرة أنه يأتيهم به في أيام طويلة. قال الفراء : هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة ؛ أي يوم من أيام عذابهم في الآخرة ألف سنة. وقيل : المعنى وإن يوما في الخوف والشدة في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا فيها خوف وشدة ؛ وكذلك يوم النعيم قياسا. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي {مما يعدّون} بالياء المثناة تحت ، واختاره أبو عبيد لقوله : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ} . والباقون بالتاء على الخطاب ، واختاره أبو حاتم.
الآية : 48 {وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ}
قوله تعالى : {وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي أمهلتها مع عتوها. {ثُمَّ أَخَذْتُهَا} أي بالعذاب. {وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} .
الآية : 49 - 51 {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ، فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ، وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}
قوله تعالى : {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ} يعني أهل مكة. {إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} أي منذر مخوف. وقد تقدم في البقرة الإنذار في أولها. {مُبِينٌ} أي أبين لكم ما تحتاجون إليه من أمر دينكم. {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} يعني الجنة. {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا} أي في إبطال آياتنا. {مُعَاجِزِينَ} أي مغالبين مشاقين ؛ قال ابن عباس. "الفراء : معاندين" . وقال عبد الله ابن الزبير : مثبطين عن الإسلام.
وقال الأخفش : معاندين مسابقين. الزجاج : أي ظانين أنهم يعجزوننا لأنهم ظنوا أن لا بعث ، وظنوا أن الله لا يقدر عليهم ؛ وقاله قتادة. وكذلك معنى قراءة ابن كثير وأبي عمرو {مُعَجِّزِين} بلا ألف مشددا. ويجوز أن يكون معناه أنهم يعجزون المؤمنين في الإيمان بالنبي عليه السلام وبالآيات ؛ قاله السدي. وقيل : أي ينسبون من اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العجز ؛ كقولهم : جهلته وفسقته.
الآية : 52 {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}
فيه ثلاث مسائل : -
الأولى : قوله تعالى : {تَمَنَّى} أي قرأ وتلا. و {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} أي قراءته وتلاوته. وقد تقدم في البقرة. قال ابن عطية : وجاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ وَلاَ مُحَدَّث} ذكره مسلمة بن القاسم بن عبد الله ، ورواه سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس. قال مسلمة : فوجدنا المحدثين معتصمين بالنبوة - على قراءة ابن عباس - لأنهم تكلموا بأمور عالية من أنباء الغيب خطرات ، ونطقوا بالحكمة الباطنة فأصابوا فيما تكلموا وعصموا فيما نطقوا ؛ كعمر بن الخطاب في قصة سارية ، وما تكلم به من البراهين العالية.
قلت : وقد ذكر هذا الخبر أبو بكر الأنباري قي كتاب الرد له ، وقد حدثني أبي رحمه الله حدثنا علي بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ وَلاَ مُحَدَّث} قال أبو بكر : فهذا حديث لا يؤخذ به على أن ذلك قرآن. والمحدث هو الذي يوحي إليه في نومه ؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي.
الثانية : قال العلماء : إن هذه الآية مشكلة من جهتين : إحداهما : أن قوما يرون أن الأنبياء صلوات الله عليهم فيهم مرسلون وفيهم غير مرسلين. وغيرهم يذهب إلى أنه لا يجوز أن يقال نبي حتى يكون مرسلا. والدليل على صحة هذا قوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} فأوجب للنبي صلى الله عليه وسلم الرسالة. وأن معنى {نَبِيٍّ} أنبأ عن الله عز وجل ، ومعنى أنبأ عن الله عز وجل الإرسال بعينه. وقال الفراء : الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل عليه السلام إليه عيانا ، والنبي الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما ؛ فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. قال المهدوي : وهذا هو الصحيح ، أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. وكذا ذكر القاضي عياض في كتاب الشفا قال : والصحيح والذي عليه الجم الغفير أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا ؛ واحتج بحديث أبي ذر ، وأن الرسل من الأنبياء ثلاثمائة وثلاثة عشر ، أولهم آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم.والجهة الأخرى التي فيها الإشكال وهي :
الثالثة : الأحاديث المروية في نزول هذه الآية ، وليس منها شيء يصح. وكان مما تموه به الكفار على عوامهم قولهم : حق الأنبياء ألا يعجزوا عن شيء ، فلم لا يأتينا محمد بالعذاب وقد بالغنا في عداوته ؟ وكانوا يقولون أيضا : ينبغي ألا يجري عليهم سهو وغلط ؛ فبين الرب سبحانه أنهم بشر ، والآتي بالعذاب هو الله تعالى على ما يريد ، ويجوز على البشر السهو والنسيان والغلط إلى أن يحكم الله آياته وينسخ حيل الشيطان. روى الليث عن يونس عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم : 1] فلما بلغ {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم : 19 - 20]
سها فقال : "إن شفاعتهم تُرْتَجَى" فلقيه المشركون والذين في قلوبهم مرض فسلموا عليه وفرحوا ؛ فقال : "إن ذلك من الشيطان" فأنزل الله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} الآية. قال النحاس : وهذا حديث منقطع وفيه هذا الأمر العظيم. وكذا حديث قتادة وزاد فيه "وإنهن لهن الغرانيق العلا" . وأقطع من هذا ما ذكره الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله قال : سجد المشركون كلهم إلا الوليد بن المغيرة فإنه أخذ ترابا من الأرض فرفعه إلى جبهته وسجد عليه ، وكان شيخا كبيرا. ويقال إنه أبو أحيحة سعيد بن العاص ، حتى نزل جبريل عليه السلام فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقال : "ما جئتك به" ! وأنزل الله {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} [الإسراء : 74] . قال النحاس : وهذا حديث منكر منقطع ولا سيما من حديث الواقدي. وفي البخاري أن الذي أخذ قبضة من تراب ورفعها إلى جبهته هو أمية بن خلف. وسيأتي تمام كلام النحاس على الحديث - إن شاء الله - أخر الباب. قال ابن عطية : وهذا الحديث الذي فيه هي الغرانيق العلا وقع في كتب التفسير ونحوها ، ولم يدخله البخاري ولا مسلم ، ولا ذكره في علمي مصنف مشهور ؛ بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقى ، ولا يعينون هذا السبب ولا غيره. ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة ؛ بها وقعت الفتنة. ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء ، فالذي في التفاسير وهو مشهور القول أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بتلك الألفاظ على لسانه. وحدثني أبي رضي الله عنه أنه لقي بالشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من قال : هذا لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم في التبليغ ، وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قول النبي صلى الله عليه وسلم : {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم : 19 - 20] وقرب صوته من صوت النبي صلى الله عليه وسلم حتى التبس الأمر على المشركين ، وقالوا : محمد قرأها. وقد روي نحو هذا التأويل عن الإمام أبي المعالي. وقيل : الذي ألقى شيطان الإنس ؛ كقوله عز وجل : {وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت : 26] . قتادة : هو ما تلاه ناعسا.
وقال القاضي عياض في كتاب الشفا بعد أن ذكر الدليل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه ، لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا وغلطا : اعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين : أحدهما : في توهين أصله ، والثاني : على تسليمه. أما المأخذ الأول فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه بسند سليم متصل ثقة ؛ وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب ، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. قال أبو بكر البزار : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره ؛ إلا ما رواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "فيما أحسب ، الشك في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة..." وذكر القصة. ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد ، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير. وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ؛ فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا ، وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه الذي ذكرناه ، الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه. وأما حديث الكلبي فما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه ؛ كما أشار إليه البزار رحمه الله. والذي منه في الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {والنَّجْمِ} بمكة فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس ؛ هذا توهينه من طريق النقل.
وأما المأخذ الثاني فهو مبني على تسليم الحديث لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته ، ولكن على كل حال فقد أجاب أئمة المسلمين عنه بأجوبة ؛ منها الغث والسمين. والذي يظهر ويترجح في تأويله على تسليمه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا ، ويفصل الآي تفصيلا في قراءته ؛ كما رواه الثقات عنه ، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكنات ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات ، محاكيا نغمة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار ، فظنوها من قول النبي صلى الله عليه وسلم وأشاعوها.
لم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله ، وتحققهم من حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعيبها ما عرف منه ؛ فيكون ما روي من حزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنة ، وقد قال الله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} الآية.
قلت : وهذا التأويل ، أحسن ما قيل في هذا. وقد قال سليمان بن حرب : إن "في" بمعنى عنده ؛ أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ كقوله عز وجل : {وَلَبِثْتَ فِينَا} [الشعراء : 18] أي عندنا. وهذا هو معنى ما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق ، وإليه أشار القاضي أبو بكر بن العربي ، وقال قبله : إن هذه الآية نص في غرضنا ، دليل على صحة مذهبنا ، أصل في براءة النبي صلى الله عليه وسلم مما ينسب إليه أنه قاله ؛ وذلك أن الله تعالى قال : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} أي في تلاوته. فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله وسيرته في أنبيائه إذا قالوا عن الله تعالى قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه كما يفعل سائر المعاصي. تقول : ألقيت في دار كذا وألقيت في الكيس كذا ؛ فهذا نص في الشيطان أنه زاد في الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم ، لا أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به. ثم ذكر معنى كلام عياض إلى أن قال : وما هدي لهذا إلا الطبري لجلالة قدره وصفاء فكره وسعة باعه في العلم ، وشدة ساعده في النظر ؛ وكأنه أشار إلى هذا الغرض ، وصوب على هذا المرمى ، وقرطس بعدما ذكر في ذلك روايات كثيرة كلها باطل لا أصل لها ، ولو شاء ربك لما رواها أحد ولا سطرها ، ولكنه فعال لما يريد.
وأما غيره من التأويلات فما حكاه قوم أن الشيطان أكرهه حتى قال كذا فهو محال ؛ إذ ليس للشيطان قدرة على سلب الإنسان الاختيار ، قال الله تعالى مخبرا عنه : {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم : 22] ؛ ولو كان للشيطان هذه القدرة لما بقي لأحد




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.36 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.57%)]