
06-07-2025, 07:34 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة :
|
|
رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى

تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (12)
سُورَةُ الحج
من صــ 54 الى صــ 63
الحلقة (492)
الخامسة : {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} والزور : الباطل والكذب. وسمي زورا لأنه أميل عن الحق ؛ ومنه {تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ} ، [الكهف : 17] ، ومدينة زوراء ؛ أي مائلة. وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور. وفي الخبر أنه عليه السلام قام خطيبا فقال : "عدلت شهادة الزور الشرك بالله" قالها مرتين أو ثلاثا. يعني أنها قد جمعت مع عبادة الوثن في النهي عنها.
السادسة : هذه الآية تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور ، وينبغي للحاكم إذا عثر على الشاهد بالزور أن يعزره وينادي عليه ليعرف لئلا يغتر بشهادته أحد. ويختلف الحكم في شهادته إذا تاب ؛ فإن كان من أهل العدالة المشهور بها المبرز فيها لم تقبل ؛ لأنه لا سبيل إلى علم حاله في التوبة ؛ إذ لا يستطيع أن يفعل من القربات أكثر مما هو عليه. وإن كان دون ذلك فشمر في العبادة وزادت حاله في التقى قبل شهادته. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن من أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وقول الزور" . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.
السابعة : قوله تعالى : {حُنَفَاءَ لِلَّهِ} معناه مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق. ولفظة {حُنَفَاءَ} من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل. و {حُنَفَاءَ} نصب على الحال. وقيل : {حُنَفَاءَ} حجاجا ؛ وهذا تخصيص لا حجة معه. {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ} أي هو يوم القيامة بمنزلة من لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عن نفسه ضرا ولا عذابا ؛ فهو بمنزلة من خر من السماء ، فهو لا يقدر أن يدفع عن نفسه. ومعنى {فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} أي تقطعه بمخالبها. وقيل : هذا عند خروج روحه وصعود الملائكة بها إلى سماء الدنيا ، فلا يفتح لها فيرمى بها إلى الأرض ؛ كما في حديث البراء ، وقد ذكرناه في التذكرة. والسحيق : البعيد ؛ ومنه قوله تعالى : {فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك : 11] ، وقوله عليه الصلاة والسلام : "فسحقا فسحقا" .
الخامسة- قوله تعالى : { وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } والزور : الباطل والكذب. وسمي زورا لأنه أميل عن الحق ، ومنه { تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ } ، ومدينة زوراء ، أي مائلة . وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور . وفي الخبر أنه عليه السلام قام خطيبا فقال : "عدلت شهادة الزور الشرك بالله" قالها مرتين أو ثلاثا . يعني أنها قد جمعت مع عبادة الوثن في النهي عنها .
السادسة- هذه الآية تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور ، وينبغي للحاكم إذا عثر على الشاهد بالزور أن يعزه وينادي عليه ليعرف لئلا يغتر بشهادته أحد. ويختلف الحكم في شهادته إذا تاب ، فإن كان من أهل العدالة المشهور بها المبرز فيها لم تقبل لأنه لا سبيل إلى علم حاله في التوبة ، إذا لا يستطيع أن يفعل من القربات أكثر مما هو عليه . وإن كان دون ذلك فشمر في العبادة وزادت حاله في التقى قبلت شهادته . وفي "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وقول الزور" . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.
السابعة - { حُنَفَاءَ لِلَّهِ } معناه مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق . ولفظة { حُنَفَاءَ } من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل . و { حُنَفَاءَ } نصب على الحال . وقيل : { حُنَفَاءَ } حجاجا ، وهذا تخصيص لا حجة معه .
الثامنة- قوله تعالى { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ } أي هو يوم القيامة بمنزلة من لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عن نفسه ضرا ولا عذابا ، فهو بمنزلة من خر من السماء , فهو لا يقدر أن يدفع عن نفسه . ومعنى { فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ } أي تقطعه بمخالبها .وقيل : هذا عند خروج روحه وصعود الملائكة بها إلى السماء الدنيا ، فلا يفتح لها فيرمى بها إلى الأرض ، كما في حديث البراء ، وقد ذكرناه في التذكرة . والسحيق : البعيد ، ومنه قوله تعالى : { فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ } وقوله عليه الصلاة والسلام : "فسحقا فسحقا"
الآيتان : 32 - 33 {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ، لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ}
فيه سبع مسائل : -
الأولى : قوله تعالى : {ذَلِكَ} فيه ثلاثة أوجه. قيل : يكون في موضع رفع بالابتداء ، أي ذلك أمر الله. ويجوز أن يكون في موضع رفع على خبر ابتداء محذوف. ويجوز أن يكون في موضع نصب ، أي اتبعوا ذلك.
الثانية : قوله تعالى : {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} الشعائر جمع شعيرة ، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم ؛ ومنه شعار القوم في الحرب ؛ أي علامتهم التي يتعارفون بها. ومنه إشعار البدنة وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة ، فهي تسمى شعيرة بمعنى المشعورة. فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك. وقال قوم : المراد هنا تسمين البدن والاهتمام بأمرها والمغالاة بها ؛ قال ابن عباس ومجاهد وجماعة. وفيه إشارة لطيفة ، وذلك أن أصل شراء البدن ربما يحمل على فعل ما لا بد منه ، فلا يدل على الإخلاص ، فإذا عظمها مع حصول الإجزاء بما دونه فلا يظهر له عمل إلا تعظيم الشرع ، وهو من تقوى القلوب. والله أعلم.
الثالثة : الضمير في {إِنَّهَا} عائد على الفعلة التي يتضمنها الكلام ، ولو قال فإنه لجاز. وقيل إنها راجعة إلى الشعائر ؛ أي فإن تعظيم الشعائر ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه ، فرجعت الكناية إلى الشعائر. {فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} قرئ {الْقُلُوبِ} بالرفع على أنها فاعلة بالمصدر الذي هو {تَقْوَى} وأضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى في القلب ؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في صحيح الحديث : "التقوى هاهنا" وأشار إلى صدره.
الرابعة : قوله تعالى : {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} يعني البدن من الركوب والدر والنسل والصوف وغير ذلك ، إذا لم يبعثها ربها هديا ، فإذا بعثها فهو الأصل المسمى ؛ قال ابن عباس.
فإذا صارت بدنا هديا فالمنافع فيها أيضا ركوبها عند الحاجة ، وشرب لبنها بعد ري فصيلها. وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "رأى رجلا يسوق بدنة فقال :" اركبها "فقال : إنها بدنة. فقال :" اركبها "قال : إنها بدنة. قال :" اركبها ويلك "في الثانية أو الثالثة" . وروي عن جابر بن عبد الله وسئل عن ركوب الهدي فقال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا" . والأجل المسمى على هذا القول نحرها ؛ قاله عطاء بن أبي رباح.
السادسة : ذهب بعض العلماء إلى وجوب ركوب البدنة لقوله عليه الصلاة والسلام : "اركبها" . وممن أخذ بظاهره أحمد واسحاق وأهل الظاهر. وروى ابن نافع عن مالك : لا بأس بركوب البدنة ركوبا غير فادح. والمشهور أنه لا يركبها إلا إن اضطر إليها لحديث جابر فإنه مقيد والمقيد يقضي على المطلق. وبنحو ذلك قال الشافعي وأبو حنيفة. ثم إذا ركبها عنده الحاجة نزل ؛ قال إسماعيل القاضي. وهو الذي يدل عليه مذهب مالك ، وهو خلاف ما ذكره ابن القاسم أنه لا يلزمه النزول ، وحجته إباحة النبي صلى الله عليه وسلم له الركوب فجاز له استصحابه. وقوله : "إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا" يدل على صحة ما قاله الإمام الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما ؛ وما حكاه إسماعيل عن مذهب مالك. وقد جاء صريحا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة وقد جهد ، فقال : "اركبها" . وقال أبو حنيفة والشافعي : إن نقصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك ويتصدق به.
قوله تعالى : {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} يريد أنها تنتهي إلى البيت ، وهو الطواف. فقول : {مَحِلُّهَا} مأخوذ من إحلال المحرم. والمعنى أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي ينتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه ؛ قاله مالك في الموطأ. وقال عطاء : ينتهي إلى مكة. وقال الشافعي : إلى الحرم. وهذا بناء على أن الشعائر هي البدن ، ولا وجه لتخصيص الشعائر مع عمومها وإلغاء خصوصية ذكر البيت. والله أعلم
الآية : 34 {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ}
قوله تعالى : {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً} لما ذكر تعالى الذبائح بين أنه لم يخل منها أمة ، والأمة القوم المجتمعون على مذهب واحد ؛ أي ولكل جماعة مؤمنة جعلنا منسكا. والمنسك الذبح وإراقة الدم ؛ قاله مجاهد. يقال : نسك إذا ذبح ينسك نسكا. والذبيحة نسيكة ، وجمعها نسك ؛ ومنه قوله تعالى : {أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة : 196] . والنسك أيضا الطاعة. وقال الأزهري في قوله تعالى : {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً } : إنه يدل على موضع النحر في هذا الموضع ، أراد مكان نسك. ويقال : منسك ومنسك ، لغتان ، وقرئ بهما. قرأ الكوفيون إلا عاصما بكسر السين ، الباقون بفتحها. وقال الفراء : المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد في خير أو شر. وقيل مناسك الحج لترداد الناس إليها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي. وقال ابن عرفة في قوله {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً} : أي مذهبا من طاعة الله تعالى ؛ يقال : نسك نسك قومه إذا سلك مذهبهم. وقيل : منسكا عيدا ؛ قاله الفراء. وقيل حجا ؛ قاله قتادة. والقول الأول أظهر ؛ لقوله تعالى : {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} ي على ذبح ما رزقهم. فأمر تعالى عند الذبح بذكره وأن يكون الذبح له ؛ لأنه رازق ذلك. ثم رجع اللفظ من الخبر عن الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه : فالإله واحد لجميعكم ، فكذلك الأمر في الذبيحة إنما ينبغي أن تخلص له.
قوله تعالى : {فَلَهُ أَسْلِمُوا} معناه لحقه ولوجهه وإنعامه آمنوا وأسلموا. ويحتمل أن يريد الاستسلام ؛ أي له أطيعوا وانقادوا. {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} المخبت : المتواضع الخاشع من المؤمنين. والخبت ما انخفض من الأرض ؛ أي بشرهم بالثواب الجزيل. قال عمرو بن أوس : المخبتون الذين لا يظلمون ، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقال مجاهد فيما روى عنه سفيان عن ابن أبي نجيح : المخبتون المطمئنون بأمر الله عز وجل
الآية : 35 {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}
فيه مسألتان : -
الأولى : قوله تعالى : {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي خافت وحذرت مخالفته. فوصفهم بالخوف والوجل عند ذكره ، وذلك لقوة يقينهم ومراعاتهم لربهم ، وكأنهم بين يديه ، ووصفهم بالصبر وإقامة الصلاة وإدامتها. وروي أن هذه الآية قوله : {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} نزلت في أبي بكر وعمر وعلي رضوان الله عليهم. وقرأ الجمهور {الصلاةِ} بالخفض على الإضافة ، وقرأ أبو عمرو {الصلاة} بالنصب على توهم النون ، وأن حذفها للتخفيف لطول الاسم. وأنشد سيبويه :
الحافظو عورة العشيرة...
الثانية : هذه الآية نظير قوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال : 2] ، وقوله تعالى : {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر : 23] . هذه حالة العارفين بالله ، الخائفين من سطوته وعقوبته ؛ لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزئير ، ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير ، فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع : إنك لم تبلغ أن تساوي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى والخوف منه والتعظيم لجلاله ؛ ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفا من الله. وكذلك وصف الله تعالى أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه ، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم ؛ قال الله تعالى : وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ
تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة : 83] . فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم ؛ فمن كان مستنا فليستن ، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا ؛ والجنون فنون. روى الصحيح عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة ، فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال : "سلوني لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا" فلما سمع ذلك القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين [يدي] أمر قد حضر. قال أنس : فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكي. وذكر الحديث. وقد مضى القول في هذه المسألة بأشبع من هذا في سورة "الأنفال" والحمد لله.
الآية : 36 {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
فيه عشر مسائل : -
الأولى : قوله تعالى : {وَالْبُدْنَ} وقرأ ابن أبي إسحاق {والبُدُن} لغتان ، واحدتها بَدَنَة. كما يقال : ثمرة وثُمُر وثُمْر ، وخشبة وخشُب وخشْب. وفي التنزيل {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} وقرئ {ثُمْر} لغتان. وسميت بدنة لأنها تبدن ، والبدانة السمن. وقيل : إن هذا الاسم خاص بالإبل. وقيل : البدن جمع {بَدَن} بفتح الباء والدال. ويقال : بَدُن الرجل "بضم الدال" إذا سمن. وبدّن "بتشديدها" إذا كبر وأسنّ. وفي الحديث "إني قد بدّنت" أي كبرت وأسننت. وروي {بَدُنْت} وليس له معنى ؛ لأنه خلاف صفته صلى الله عليه وسلم ، ومعناه كثرة اللحم. يقال : بدن الرجل يبدُن بدنا وبدانة فهو بادن ؛ أي ضخم.
الثانية : اختلف العلماء في البدن هل تطلق على غير الإبل من البقر أم لا ؛ فقال ابن مسعود وعطاء والشافعي : لا. وقال مالك وأبو حنيفة : نعم. وفائدة الخلاف فيمن نذر بدنة فلم يجد البدنة أو لم يقدر عليها وقدر على البقرة ؛ فهل تجزيه أم لا ؛ فعلى مذهب الشافعي وعطاء لا تجزيه. وعلى مذهب مالك تجزيه. والصحيح ما ذهب إليه الشافعي وعطاء ؛ لقوله عليه السلام في الحديث الصحيح في يوم الجمعة : "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة" الحديث. فتفريقه عليه السلام بين البقرة والبدنة يدل على أن البقرة لا يقال عليها بدنة ؛ والله أعلم. وأيضا قوله تعالى : {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} يدل على ذلك ؛ فإن الوصف خاص بالإبل. والبقر يضجع ويذبح كالغنم ؛ على ما يأتي. ودليلنا أن البدنة مأخوذة من البدانة وهو الضخامة ، والضخامة توجد فيهما جميعا. وأيضا فإن البقرة في التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدم بمنزلة الإبل ؛ حتى تجوز البقرة في الضحايا على سبعة كالإبل. وهذا حجة لأبي حنيفة حيث وافقه الشافعي على ذلك ، وليس ذلك في مذهبنا. وحكى ابن شجرة أنه يقال في الغنم بدنة ، وهو قول شاذ. والبدن هي الإبل التي تهدى إلى الكعبة. والهدي عام في الإبل والبقر والغنم.
الثالثة : قوله تعالى : {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} نص في أنها بعض الشعائر. وقوله : "لكم فيها خير" يريد به المنافع التي تقدم ذكرها. والصواب عمومه في خير الدنيا والآخرة.
الرابعة : {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} أي انحروها على اسم الله. و {صَوَافَّ} أي قد صفت قوائمها. والإبل تنحر قياما معقولة. وأصل هذا الوصف في الخيل ؛ يقال : صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاثة قوائم وثنى سنبك الرابعة ؛ والسنبك طرف الحافر. والبعير إذا أرادوا نحره تعقل إحدى يديه فيقوم على ثلاث قوائم. وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري {صَوَافِيَ} أي خوالص لله عز وجل لا يشركون به في التسمية على نحرها أحدا. وعن الحسن أيضا {صوافٍ} بكسر الفاء وتنوينها مخففة ، وهي بمعنى التي قبلها ، لكن حذفت الياء تخفيفا على غير قياس
و {صوافّ} قراءة الجمهور بفتح الفاء وشدها ؛ من صف يصف. وواحد صواف صافة ، وواحد صوافي صافية. وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبو جعفر محمد بن علي {صوافِن} بالنون جمع صافنة. ولا يكون واحدها صافنا ؛ لأن فاعلا لا يجمع على فواعل إلا في حروف مختصة لا يقاس عليها ؛ وهي فارس وفوارس ، وهالك وهوالك ، وخالف وخوالف. والصافنة هي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب. ومنه قوله تعالى : {الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} [ص : 31] . وقال عمرو بن كلثوم :
تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلدة أعنتها صفونا
ويروي :
تظل جياده نوحا عليه ... مقلدة أعنتها صفونا
وقال آخر :
ألف الصفون فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا
وقال أبو عمرو الجرمي : الصافن عرق في مقدم الرجل ، فإذا ضرب على الفرس رفع رجله. وقال الأعشى :
وكل كميت كجذع السحو ... ق يرنو القناء إذا ما صفن
الخامسة : قال ابن وهب : أخبرني ابن أبي ذئب أنه سأل ابن شهاب عن الصواف فقال : تقيدها ثم تصفها. وقال لي مالك بن أنس مثله. وكافة العلماء على استحباب ذلك ؛ إلا أبا حنيفة والثوري فإنهما أجازا أن تنحر باركة وقياما. وشذ عطاء فخالف واستحب نحرها باركة. والصحيح ما عليه الجمهور ؛ لقوله تعالى : {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} معناه سقطت بعد نحرها ؛ ومنه وجبت الشمس. وفي صحيح مسلم عن زياد بن جبير أن ابن عمر أتى على رجل وهو ينحر بدنته باركة فقال : ابعثها قائمة مقيدة سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم. وروى أبو داود عن أبي الزبير عن جابر ، وأخبرني عبد الرحمن بن سابط أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها
السادسة : قال مالك : فإن ضعف إنسان أو تخوف أن تنفلت بدنته فلا أرى بأسا أن ينحرها معقولة. والاختيار أن تنحر الإبل قائمة غير معقولة ؛ إلا أن يتعذر ذلك فتعقل ولا تعرقب إلا أن يخاف أن يضعف عنها ولا يقوى عليها. ونحرها باركة أفضل من أن تعرقب. وكان ابن عمر يأخذ الحربة بيده في عنفوان أيده فينحرها في صدرها ويخرجها على سنامها ، فلما أسن كان ينحرها باركة لضعفه ، ويمسك معه الحربة رجل آخر ، وآخر بخطامها. وتضجع البقر والغنم.
السابعة : ولا يجوز النحر قبل الفجر من يوم النحر بإجماع. وكذلك الأضحية لا تجوز قبل الفجر. فإذا طلع الفجر حل النحر بمنى ، وليس عليهم انتظار نحر إمامهم ؛ بخلاف الأضحية في سائر البلاد. والمنحر منى لكل حاج ، ومكة لكل معتمر. ولو نحر الحاج بمكة والمعتمر بمنى لم يحرج واحد منهما ، إن شاء الله تعالى.
الثامنة : قوله تعالى : {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} يقال : وجبت الشمس إذا سقطت ، ووجب الحائط إذا سقط. قال قيس بن الخطيم :
أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم ... عن السلم حتى كان أول واجب
وقال أوس بن حجر :
ألم تكسف الشمس والبدر والـ ... واكب للجبل الواجب
فقوله تعالى : {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} يريد إذا سقطت على جنوبها ميتة. كنى عن الموت بالسقوط على الجنب كما كنى عن النحر والذبح بقوله تعالى : {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا} والكنايات في أكثر المواضع أبلغ من التصريح. قال الشاعر :
فتركته جزر السباع ينشنه ... ما بين قلة رأسه والمعصم
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|