عرض مشاركة واحدة
  #486  
قديم 06-07-2025, 08:16 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,685
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (12)
سُورَةُ الحج
من صــ 334 الى صــ 353
الحلقة (486)



اليمن الحطب ، وكل ما هيجت به النار وأوقدتها به فهو حضب ؛ ذكره الجوهري. والموقد محضب. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى : {حَصَبُ جَهَنَّمَ} كل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به. ويظهر من هذه الآية أن الناس من الكفار وما يعبد ون من الأصنام حطب لجهنم. ونظير هذه الآية قوله تعالى : {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة : 24] . وقيل : إن المراد بالحجارة حجارة الكبريت ؛ على ما تقدم في "البقرة" وأن النار لا تكون على الأصنام عذابا ولا عقوبة ؛ لأنها لم تذنب ، ولكن تكون عذابا على من عبد ها : أول شيء بالحسرة ، ثم تجمع على النار فتكون نارها أشد من كل نار ، ثم يعذبون بها. وقيل : تحمى فتلصق بهم زيادة في تعذيبهم وقيل : إنما جعلت في النار تبكيتا لعبادتهم.
قوله تعالى : {أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} أي فيها داخلون. والخطاب للمشركين عبد ه الأصنام ؛ أي أنتم واردوها مع الأصنام. ويجوز أن يقال : الخطاب للأصنام وعبد تها ؛ لأن الأصنام وإن كانت جمادات فقد يخبر عنها بكنايات الآدميين. وقال العلماء : لا يدخل في هذا عيسى ولا عزير ولا الملائكة صلوات الله عليهم ؛ لأن "ما" لغير الآدميين. فلو أراد ذلك لقال : "ومن" . قال الزجاج : ولأن المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة دون غيرهم.
الآيتان : 99 - 100 {لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ، لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ}
قوله تعالى : {لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا} أي لو كانت الأصنام آلهة لما ورد عابدوها النار. وقيل : ما وردها العابدون والمعبودون ؛ ولهذا قال : {وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} .
قوله تعالى : {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} أي لهؤلاء الذين وردوا النار من الكفار والشياطين ؛ فأما الأصنام فعلى الخلاف فيها ؛ هل يحييها الله تعالى ويعذبها حتى يكون لها زفير أو لا ؟ قولان : والزفير صوت نفس المغموم يخرج من القلب. وقد تقدم في "هود" . وَهُمْ فِيهَا
لا يَسْمَعُونَ قيل : في الكلام حذف ؛ والمعنى وهم فيها لا يسمعون شيئا ؛ لأنهم يحشرون صما ، كما قال الله تعالى : {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} [الإسراء : 97] . وفي سماع الأشياء روح وأنس ، فمنع الله الكفار ذلك في النار. وقيل : لا يسمعون ما يسرهم ، بل يسمعون صوت من يتولى تعذيبهم من الزبانية. وقيل : إذا قيل لهم {اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون : 108] يصيرون حينئذ صما بكما ؛ كما قال ابن مسعود : إذا بقي من يخلد في النار في جهنم جعلوا في توابيت من نار ، ثم جعلت التوابيت في توابيت أخرى فيها مسامير من نار ، فلا يسمعون شيئا ، ولا يرى أحد منهم أن في النار من يعذب غيره.
الآيات : 101 - 103 {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ، لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}
قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} أي الجنة {أُولَئِكَ عَنْهَا} أي عن النار. {مُبْعَدُونَ} فمعنى الكلام الاستثناء ؛ ولهذا قال بعض أهل العلم : "إن" ههنا بمعنى "إلا" وليس في القرآن غيره. وقال محمد بن حاطب : سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقرأ هذه الآية على المنبر {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "إن عثمان منهم" .
قوله تعالى : {لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} أي حس النار وحركة لهبها. والحسيس والحس الحركة. وروى ابن جريج عن عطاء قال قال أبو راشد الحروري لابن عباس : {لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} فقال ابن عباس : أمجنون أنت ؟ فأين قوله تعالى : {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} وقوله تعالى : {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} [هود : 98] وقوله : {إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً} [مريم : 86] . ولقد كان من دعاء من مضى : اللهم أخرجني من النار سالما ، وأدخلني الجنة فائزا. وقال أبو عثمان النهدي :
على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون : حس حس. وقيل : إذا دخل أهل الجنة لم يسمعوا حس أهل النار وقبل ذلك يسمعون ؛ فالله أعلم. {وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ} أي دائمون وهم فيما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وقال {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت : 31] .
قوله تعالى : {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} وقرأ أبو جعفر وابن محيصن {لا يُحْزُنُهُمُ} بضم الياء وكسر الزاي. الباقون بفتح الياء وضم الزاي. قال اليزيدي : حزنه لغة قريش ، وأحزنه لغة تميم ، وقد قرئ بهما. والفزع الأكبر أهوال يوم القيامة والبعث ؛ عن ابن عباس. وقال الحسن : هو وقت يؤمر بالعباد إلى النار. وقال ابن جريح وسعيد بن جبير والضحاك : هو إذا أطبقت النار على أهلها ، وذبح الموت بين الجنة والنار وقال ذو النون المصري : هو القطيعة والفراق. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : "ثلاثة يوم القيامة في كثيب من المسك الأذفر ولا يحزنهم الفزع الأكبر رجل أم قوما محتسبا وهم له رضوان ورجل أذن لقوم محتسبا ورجل ابتلى برق الدنيا فلم يشغله عن طاعة ربه" . وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : مررت برجل يضرب غلاما له ، فأشار إليّ الغلام ، فكلمت مولاه حتى عفا عنه ؛ فلقيت أبا سعيد الخدري فأخبرته ، فقال : يا ابن أخي من أغاث مكروبا أعتقه الله من النار يوم الفزع الأكبر "سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} أي تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون لهم : {هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} وقيل : تستقبلهم ملائكة الرحمة عند خروجهم من القبور عن ابن عباس {هَذَا يَوْمُكُمُ} أي ويقولون لهم ؛ فحذف. {الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} فيه الكرامة."
الآية : 104 {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}
قوله تعالى : {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ} قرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح والأعرج والزهري {تُطْوَى} بتاء مضمومة {السَّمَاء} رفعا على ما لم يسم فاعله. مجاهد {يَطوِي}
على معنى يطوي الله السماء. الباقون {نَطْوِي} بنون العظمة. وانتصاب {يوم} على البدل من الهاء المحذوفة في الصلة ؛ التقدير : الذي كنتم توعدونه يوم نطوي السماء. أو يكون منصوبا بـ "نعيد" من قول {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} . أو بقول : {لا يَحْزُنُهُمُ} أي لا يحزنهم الفزع الأكبر في اليوم الذي نطوي فيه السماء. أو على إضمار واذكر ، وأراد بالسماء الجنس ؛ دليله : {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر : 67] . {كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ} قال ابن عباس ومجاهد : أي كطي الصحيفة على ما فيها ؛ فاللام بمعنى "على" . وعن ابن عباس أيضا اسم كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بالقوي ؛ لأن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفون ليس هذا منهم ، ولا في أصحابه من اسمه السجل. وقال ابن عباس أيضا وابن عمر والسدي : "السّجل" ملك ، وهو الذي يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه. ويقال : إنه في السماء الثالثة ، ترفع إليه أعمال العباد ، يرفعها إليه الحفظة الموكلون بالخلق في كل خميس واثنين ، وكان من أعوانه فيما ذكروا هاروت وماروت. والسجل الصك ، وهو اسم مشتق من السجالة وهي الكتابة ؛ وأصلها من السجل وهو الدلو ؛ تقول : ساجلت الرجل إذا نزعت دلوا ونزع دلوا ، ثم استعيرت فسميت المكاتبة والمراجعة مساجلة. وقد سجل الحاكم تسجيلا. وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب :
من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب
ثم بني هذا الاسم على فعل مثل حمر وطمر وبلي. وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير {كَطَيّ السُّجُلِّ} بضم السين والجيم وتشديد اللام. وقرأ الأعمش وطلحة {كَطَيّ السَّجْل} بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام. قال النحاس : والمعنى واحد إن شاء الله تعالى. والتمام عند قوله : {لِلْكتَابِ} . والطي في هذه الآية يحتمل معنيين : أحدهما : الدرج الذي هو ضد النشر ، قال الله تعالى : {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر : 67] . والثاني : الإخفاء والتعمية والمحو ؛ لأن الله تعالى يمحو ويطمس رسومها ويكدر نجومها.
قال الله تعالى : {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} [التكوير : 1 - 2] {وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ} [التكوير : 11] . {لِلْكِتَابَ} وتم الكلام. وقراءة الأعمش وحفص وحمزة والكسائي ويحي وخلف : {لِلْكُتُبِ} جمعا ثم استأنف الكلام فقال : {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} أي نحشرهم حفاة عراة غرلا كما بدؤوا في البطون. وروى النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا أول الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام - ثم قرأ - {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} أخرجه مسلم أيضا عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال :" يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام "وذكر الحديث. وقد ذكرنا هذا الباب في كتاب" التذكرة "مستوفى. وذكر سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن عبد الله بن مسعود قال : يرسل الله عز وجل ماء من تحت العرش كمني الرجال فتنبت منه لحمانهم وجسمانهم كما تنبت الأرض بالثرى. وقرأ {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} . وقال ابن عباس : المعنى. نهلك كل شيء ونفنيه كما كان أول مرة ؛ وعلى هذا فالكلام متصل بقوله : {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ} أي نطويها فنعيدها إلى الهلاك والفناء فلا تكون شيئا. وقيل : نفني السماء ثم نعيدها مرة أخرى بعد طيها وزوالها ؛ كقول : {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم : 48] والقول الأول أصح وهو نظير قوله : {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام : 94] وقوله عز وجل : {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} {وَعْداً} نصب على المصدر ؛ أي وعدنا وعدا {عَلَيْنَا} إنجازه والوفاء به أي من البعث والإعادة ففي الكلام حذف. ثم أكد ذلك بقول جل ثناؤه : {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} قال الزجاج : معنى {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} إنا كنا قادرين على ما نشاء. وقيل {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} أي ما وعدناكم وهو كما قال : {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً} [المزمل : 18] . وقيل : {كَانَ} للإخبار بما سبق من قضائه. وقيل : صلة."
الآيتان : 105 - 106 {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ}
قوله تعالى : {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ} الزبور والكتاب واحد ؛ ولذلك جاز أن يقال للتوراة والإنجيل زبور. زبرت أي كتبت وجمعة زبر. وقال سعيد بن جبير : {الزَّبُورِ} التوراة والإنجيل والقرآن. {مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} الذي في السماء {أَنَّ الْأَرْضَ} أرض الجنة {يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} رواه سفيان عن الأعمش عن سعيد بن جبير. الشعبي : {الزَّبُورِ} زبور داود ، و {الذِّكْرِ} توراة موسى عليه السلام. مجاهد وابن زيد {الزَّبُورِ} كتب الأنبياء عليهم السلام ، و {الذِّكْرِ} أم الكتاب الذي عند الله في السماء. وقال ابن عباس : {الزَّبُورِ} الكتب التي أنزلها الله من بعد موسى على أنبيائه ، و {الذِّكْرِ} التوراة المنزلة على موسى. وقرأ حمزة {فِي الزَّبُورِ} بضم الزاي جمع زبر {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} أحسن ما قيل فيه أنه يراد بها أرض الجنة كما قال سعيد بن جبير ؛ لأن الأرض في الدنيا قال قد يرثها الصالحون وغيرهم. وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقال مجاهد وأبو العالية : ودليل هذا التأويل قوله تعالى : {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ} [الزمر : 74] وعن ابن عباس أنها الأرض المقدسة. وعنه أيضا : أنها أرض الأمم الكافرة ترثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالفتوح. وقيل : إن المراد بذلك بنو إسرائيل ؛ بدليل قوله تعالى : {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف : 137] وأكثر المفسرين على أن المراد بالعباد الصالحين أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقرأ حمزة {عِبَادِي الصَّالِحُونَ} بتسكين الياء. {إِنَّ فِي هَذَا} أي فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه. وقيل : إن في القرآن {لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} قال أبو هريرة وسفيان الثوري : هم أهل الصلوات الخمس. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : {عَابِدِينَ} مطيعين. والعابد المتذلل الخاضع. قال القشيري : ولا يبعد أن يدخل فيه كل عاقل ؛ لأنه من حيث الفطرة متذلل للخالق ، وهو بحيث لو تأمل القرآن واستعمله لأوصله ذلك إلى الجنة. وقال ابن عباس أيضا : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يصلون الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان. وهذا هو القول الأول بعينه.
الآيات : 107 - 109 {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ}
قوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان محمد صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع الناس فمن آمن به وصدق به سعد ، ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق. وقال ابن زيد : أراد بالعالمين المؤمنين خاصة.
قوله تعالى : {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} فلا يجوز الإشراك به. {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} أي منقادون لتوحيد الله تعالى ؛ أي فأسلموا ؛ كقوله تعالى : {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة : 91] أي انتهوا.
قوله تعالى : {فَإِنْ تَوَلَّوْا} أي إن أعرضوا عن الإسلام {فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} أي أعلمتكم على بيان أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا ؛ كقوله تعالى : {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال : 58] أي أعلمهم أنك نقضت العهد نقضا ، أي استويت أنت وهم فليس لفريق عهد ملتزم في حق الفريق الآخر. وقال الزجاج : المعنى أعلمتكم بما يوحى إلي على استواء في العلم به ، ولم أظهر لأحد شيئا كتمته عن غيره. {وَإِنْ أَدْرِي} {إِنْ} نافيه بمعنى {مَا} أي وما أدري. {أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ} يعني أجل يوم القيامة لا يدريه أحد لا نبي مرسل ولا ملك مقرب ؛ قاله ابن عباس. وقيل : آذنتكم بالحرب ولكني لا أدري متى يؤذن لي في محاربتكم.
الآيات : 110 - 112 {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ، وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ، قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}
قوله تعالى : {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} أي من الشرك وهو المجازي عليه. {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ} أي لعل الإمهال {فِتْنَةٌ لَكُمْ} أي اختبار ليرى كيف صنيعكم
وهو أعلم. {وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} قيل : إلى انقضاء المدة. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية في منامه يلون الناس ، فخرج الحكم من عنده فأخبر بني أمية بذلك ؛ فقالوا له : ارجع فسله متى يكون ذلك. فأنزل الله تعالى {وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ} {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} يقول لنبيه عليه السلام قل لهم ذلك.
قوله تعالى : {قُلْ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} ختم السورة بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتفويض الأمر إليه وتوقع الفرج من عنده ، أي احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين وانصرني عليهم. روى سعيد عن قتادة قال : كانت الأنبياء تقول : {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف : 89] فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول : {رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} فكان إذا لقي العدو يقول وهو يعلم أنه على الحق وعدوه على الباطل {رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} أي اقض به. وقال أبو عبيدة : الصفة ههنا أقيمت مقام الموصوف والتقدير : رب احكم بحكمك الحق. و {رَبِّ} في موضع نصب ، لأنه نداء مضاف. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وابن محيصن {قُلْ رَبُّ احْكمْ بِالحَقَّ} بضم الباء. قال النحاس : وهذا لحن عند النحويين ؛ لا يجوز عندهم رجل أقبل ، حتى تقول يا رجل أقبل أو ما أشبهه. وقرأ الضحاك وطلحة ويعقوب {قَالَ رَبِّي أحْكَمُ بِالحَقَّ} بقطع الألف مفتوحة الكاف والميم مضمومة. أي قال محمد ربي أحكم بالحق من كل حاكم. وقرأ الجحدري {قُلْ رَبي أحْكَمَ} على معنى أحكم الأمور بالحق. {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} أي تصفونه من الكفر والتكذيب. وقرأ المفضل والسلمي {عَلَى مَا يَصِفُوْنَ} بالياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب. والله أعلم.
المجلد الثاني عشر
تفسير سورة الحج
الجزء 12 من الطبعة
سورة الحج
مقدمة السورة
وهي مكية ، سوى ثلاث آيات : قوله تعالى : {هَذَانِ خَصْمَانِ} [الحج : 19] إلى تمام ثلاث آيات ، قاله ابن عباس ومجاهد. وعن ابن عباس أيضا "أنهن أربع آيات" ، إلى قوله {عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج : 22] وقال الضحاك وابن عباس أيضا : "هي مدنية" - وقاله قتادة - إلا أربع آيات : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} [الحج : 52] إلى {عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج : 55] فهن مكيات. وعد النقاش ما نزل بالمدينة عشر آيات. وقال الجمهور : السورة مختلطة ، منها مكي ومنها مدني. وهذا هو الأصح ؛ لأن الآيات تقتضي ذلك ، لأن {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} مكي ، و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} مدني. الغزنوي : وهي من أعاجيب السور ، نزلت ليلا ونهارا ، سفرا وحضرا ، مكيا ومدنيا ، سلميا وحربيا ، ناسخا ومنسوخا ، محكما ومتشابها ؛ مختلف العدد.
قلت : وجاء في فضلها ما رواه الترمذي وأبو داود والدارقطني عن عقبة بن عامر قال قلت : يا رسول الله ، فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين ؟ قال : "نعم ، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما" . لفظ الترمذي. وقال : هذا حديث حسن ليس إسناده بالقوي.
واختلف أهل العلم في هذا ؛ فروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وابن عمر أنهما قالا : "فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين" . وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. ورأى بعضهم أن فيها سجدة واحدة ؛ وهو قول سفيان الثوري. روى الدارقطني عن عبد الله بن ثعلبة قال : رأيت عمر بن الخطاب سجد في الحج سجدتين ؛ قلت في الصبح ؟ قال في الصبح.
الآية : 1 {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}
روى الترمذي عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - إلى قوله - وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} قال : أنزلت عليه هذا الآية وهو في سفر فقال : "أتدرون أي يوم ذلك ؟ فقالوا : الله ورسوله أعلم ؛ قال : ذاك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار قال يا رب وما بعث النار قال تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة" . فأنشأ المسلمون يبكون ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قاربوا وسددوا فإنه لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية - قال - فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير - ثم قال - إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة - فكبروا ؛ ثم قال - إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة - فكبروا ؛ ثم قال - إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" فكبروا. قال : لا أدري قال الثلثين أم لا. قال : هذا حديث حسن صحيح ، قد روي من غير وجه الحسن عن عمران بن حصين. وفيه : فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "اعملوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ومن مات من بني آدم وبني إبليس" قال : فسري عن القوم بعض الذي يجدون ؛ فقال : "اعملوا وأبشروا فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة" قال : هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يقول الله تعالى يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك - قال - يقول أخرج بعث النار قال وما بعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين"
قال فذاك حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل ، حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ". قال : فاشتد ذلك عليهم ؛ قالوا : يا رسول الله ، أينا ذلك الرجل ؟ فقال :" أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل ". وذكر الحديث بنحو ما تقدم في حديث عمران بن حصين. وذكر أبو جعفر النحاس قال : حدثنا أحمد بن محمد بن نافع قال حدثنا سلمة قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - إلى - وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} قال : نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له ، فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه فقال :" أتدرون أي يوم هذا هذا يوم يقول الله عز وجل لآدم صلى الله عليه وسلم يا آدم قم فابعث بعث أهل النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة ". فكبر ذلك على المسلمين ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" سددوا وقاربوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الحمار وإن معكم خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الجن والأنس "."
قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} المراد بهذا النداء المكلفون ؛ أي اخشوه في أوامره أن تتركوها ، ونواهيه أن تقدموا عليها. والاتقاء : الاحتراس من المكروه ؛ وقد تقدم في أول "البقرة" القول فيه مستوفى ، فلا معنى لإعادته. والمعنى : احترسوا بطاعته عن عقوبته.
قوله تعالى : {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} الزلزلة شدة الحركة ؛ ومنه {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} [البقرة : 214] . وأصل الكلمة من زل عن الموضع ؛ أي زال عنه وتحرك. وزلزل الله قدمه ؛ أي حركها. وهذه اللفظة تستعمل في تهويل الشيء. وقيل : هي الزلزلة المعروفة التي هي إحدى شرائط الساعة ، التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة ؛ هذا قول الجمهور. وقد قيل : إن هذه الزلزلة تكون في النصف من شهر رمضان ، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها ، فالله أعلم.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.23 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.37%)]