عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 06-07-2025, 08:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,467
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (11)
سُورَةُ الأنبياء
من صــ 314 الى صــ 323
الحلقة (483)





للشيء الذي لا يفعله أفعل ليستبين الحق". وترجم له أيضا "نقض الحاكم لا يحكم به غيره ممن هو مثله أو أجل منه". ولعل الكبرى اعترفت بأن الولد للصغرى عندما رأت من سليمان الحزم والجد في ذلك ، فقضى بالولد للصغرى ؛ ويكون هذا كما إذا حكم الحاكم باليمين ، فلما مضى ليحلف حضر من استخرج من المنكر ما أوجب إقراره ، فإنه يحكم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين وبعدها ، ولا يكون ذلك من باب نقض الحكم الأول ، لكن من باب تبدل الأحكام بحسب تبدل الأسباب. والله أعلم. وفي هذا الحديث من الفقه أن الأنبياء سوغ لهم الحكم بالاجتهاد ؛ وقد ذكرناه. وفيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق ، وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة ، وممارسة أحوال الخلق ؛ وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينية ، وتوسمات نورية ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وفيه الحجة لمن يقول : إن الأم تستلحق ؛ وليس مشهور مذهب مالك ، وليس هذا موضع ذكره. وعلى الجملة فقضاء سليمان في هذه القصة تضمنها مدحه تعالى له بقوله : {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} .
الثالثة عشرة : قد تقدم القول في الحرث والحكم في هذه الواقعة في شرعنا : أن على أصحاب الحوائط حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار ، ثم الضمان في المثل بالمثليات ، وبالقيمة في ذوات القيم. والأصل في هذه المسألة في شرعنا ما حكم به نبينا صلى الله عليه وسلم في ناقة البراء بن عازب. رواه مالك عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصة : أن ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت فيه ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالليل ، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها. هكذا رواه جميع الرواة مرسلا. وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب ، إلا ابن عيينة فإنه رواه عن الزهري عن سعيد وحرام بن سعد بن محيصة : أن ناقة ؛ فذكر مثله بمعناه. ورواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أنه بلغه أن ناقة البراء دخلت حائط قوم ؛ مثل حديث مالك سواء ، إلا أنه لم يذكر حرام بن سعد بن محيصة ولا غيره. قال أبو عمر : لم يصنع ابن أبي ذئب
شيئا ؛ إلا أنه أفسد إسناده. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يتابع عبد الرزاق على ذلك وأنكروا عليه قوله عن أبيه. ورواه ابن جريج عن ابن شهاب قال : حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن ناقة دخلت في حائط قوم فأفسدت ؛ فجعل الحديث لابن شهاب عن أبي أمامة ، ولم يذكر أن الناقة كانت للبراء. وجائز أن يكون الحديث عن ابن شهاب عن ابن محيصة ، وعن سعيد بن المسيب ، وعن أبي أمامة - والله أعلم - فحدث به عمن شاء منهم على ما حضره وكلهم ثقات. قال أبو عمر : وهذا الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث مشهور أرسله الأئمة ، وحدث به الثقات ، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول ، وجرى في المدينة العمل به ، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث.
الرابعة عشرة : ذهب مالك وجمهور الأئمة إلى القول بحديث البراء ، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعا في ليل أو نهار أنه لا يلزم صاحبها شيء ، وأدخل فسادها في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : "جرح العجماء جبار" فقاس جميع أعمالها على جرحها. ويقال : أنه ما تقدم أبا حنيفة أحد بهذا القول ، ولا حجة له ولا لمن اتبعه في حديث العجماء ، وكونه ناسخا لحديث البراء ومعارضا له ؛ فإن النسخ شروطه معدومة ، والتعاوض إنما يصح إذا لم يمكن استعماله أحدهما إلا بنفي الآخر ، وحديث "العجماء جرحها جبار" عموم متفق عليه ، ثم خص منه الزرع والحوائط بحديث البراء ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو جاء عنه في حديث واحد : العجماء جرحها جبار نهارا لا ليلا وفي الزرع والحوائط والحرث ، لم يكن هذا مستحيلا من القول ؛ فكيف يجوز أن يقال في هذا متعارض ؟ ! وإنما هذا من باب العموم والخصوص على ما هو مذكور في الأصول.
الخامسة عشرة : إن قيل : ما الحكمة في تفريق الشارع بين الليل والنهار ، وقد قال الليث بن سعد : يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار كل ما أفسدت ، ولا يضمن أكثر من قيمة الماشية ؟ قلنا : الفرق بينهما واضح وذلك أن أهل المواشي لهم ضرورة إلى إرسال
مواشيهم ترعى بالنهار ، والأغلب عندهم أن من عنده زرع يتعاهده بالنهار ويحفظه عمن أراده ، فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل الزروع ؛ لأنه وقت التصرف في المعاش ، كما قال الله سبحانه وتعالى : {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً} [النبأ : 11] فإذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شيء إلى موضعه وسكنه ؛ كما قال الله تعالى : {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} [القصص : 72] وقال : {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً} [الأنعام : 96] ويرد أهل المواشي مواشيهم إلى مواضعهم ليحفظوها ، فإذا فرط صاحب الماشية في ردها إلى منزله ، وفرط في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئا فعليه ضمان ذلك ، فجرى الحكم الأوفق الأسمح ، وكان ذلك أرفق بالفريقين ، وأسهل على الطائفتين ، وأحفظ للمالين ، وقد وضح الصبح لذي عينين ، ولكن لسليم الحاستين ؛ وأما قول الليث : لا يضمن أكثر من قيمة المال فقد قال أبو عمر : لا أعلم من أين قال هذا الليث بن سعد ، إلا أن يجعله قياسا على العبد الجاني لا يفتك بأكثر من قيمته ولا يلزم سيده في جنايته أكثر من قيمته ، وهذا ضعيف الوجه ؛ كما قال في "التمهيد" وفي "الاستذكار" فخالف الحديث في "العجماء جرحها جبار" وخالف ناقة البراء ، وقد تقدمه إلى ذلك طائفة من العلماء منهم عطاء. قال ابن جريج قلت لعطاء : الحرث الماشية ليلا أو نهارا ؟ قال : يضمن صاحبها ويغرم. قلت : كان عليه حظرا أو لم يكن ؟ قال نعم! يغرم. قلت : ما يغرم ؟ قال : قيمة ما أكل حماره ودابته وماشيته. وقال معمر عن ابن شبرمة : يقوم الزرع على حاله التي أصيب عليها دراهم. وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما : يضمن رب الماشية ليلا أو نهارا ، من طرق لا تصح.
السادسة عشرة : قال مالك : ويقوم الزرع الذي أفسدت المواشي بالليل على الرجاء والخوف. قال : والحوائط التي تحرس والتي لا تحرس ، والمحظر عليها وغير المحظر سواء ، يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغا ما بلغ ، وإن كان أكثر من قيمتها. قال : وإن انفلتت دابة بالليل فوطئت على رجل نائم لم يغرم صاحبها شيئا ، وإنما هذا في الحائط والزرع والحرث ؛ ذكره عنه ابن عبد الحكم. وقال ابن القاسم : ما أفسدت الماشية بالليل فهو في مال ربها ،
وإن كان أضعاف ثمنها ؛ لأن الجناية من قبله إذ لم يربطها ، وليست الماشية كالعبيد ؛ حكاه سحنون وأصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم.
السابعة عشرة : ولا يستأني بالزرع أن ينبت أولا ينبت كما يفعل في سن الصغير. وقال عيسى عن ابن القاسم : قيمته لو حل بيعه. وقال أشهب وابن نافع في المجموعة عنه : وإن لم يبد صلاحه. ابن العربي : والأول أقوى لأنها صفته فتقوم كما يقوم كل متلف على صفته.
الثامنة عشرة : لو لم يقض للمفسد له بشيء حتى نبت وانجبر فإن كان فيه قبل ذلك منفعة رعي أو شيء ضمن تلك المنفعة ، وإن لم تكن فيه منفعة فلا ضمان. وقال أصبغ : يضمن ؛ لأن التلف قد تحقق والجبر ليس من جهته فلا يعتد له به.
التاسعة عشرة : وقع في كتاب ابن سحنون أن الحديث إنما جاء في أمثال المدينة التي هي حيطان محدقة ، وأما البلاد التي هي زروع متصلة غير محظرة ، وبساتين كذلك ، فيضمن أرباب النعم ما أفسدت من ليل أو نهار ؛ كأنه ذهب إلى أن ترك تثقيف الحيوان في مثل هذه البلاد تعد ؛ لأنها ولا بد تفسد. وهذا جنوب إلى قول الليث.
الموفية عشرين : قال أصبغ في المدينة : ليس لأهل المواشي أن يخرجوا مواشيهم إلى قرى الزرع بغير ذواد ؛ فركب العلماء على هذا أن البقعة لا تخلو أن تكون بقعة زرع ، أو بقعة سرح ، فإن كانت بقعة زرع فلا تدخلها ماشية إلا ماشية تجتاح ، وعلى أربابها حفظها ، وما أفسدت فصاحبها ضامن ليلا أو نهارا ؛ وإن كانت بقعة سرح فعلى صاحب الذي حرثه فيها حفظه ، ولا شيء على أرباب المواشي.
الحادية والعشرين : المواشي على قسمين : ضواري وحريسة وعليهما قسمها مالك. فالضواري هي المعتادة للزرع والثمار ، فقال مالك : تغرب وتباع في بلد لا زرع فيه ؛ رواه ابن القاسم في الكتاب وغيره. قال ابن حبيب : وإن كره ذلك ربها ، وكذلك قال مالك في الدابة التي ضريت في إفساد الزرع : تغرب وتباع. وأما ما يستطاع الاحتراس منه فلا يؤمر صاحبه بإخراجه.
الثانية والعشرون : قال أصبغ : النحل والحمام والإوز والدجاج كالماشية ، لا يمنع صاحبها من اتخاذها وإن [ضريت] ، وعلى أهل القرية حفظ زروعهم. قال ابن العربي : وهذه رواية ضعيفة لا يلتفت إليها من أراد أن يجد ما ينتفع به مما لا يضر بغيره مكن منه ، وأما انتفاعه بما يتخذه بإضراره بأحد فلا سبيل إليه. قال عليه السلام : "لا ضرر ولا ضرار" وهذه الضواري عن ابن القاسم في المدينة لا ضمان على أربابها إلا بعد التقدم ابن العربي : وأرى الضمان عليهم قبل التقدم إذا كانت ضواري.
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الشعبي أن شاة وقعت في غزل حائك فاختصموا إلى شريح ، فقال الشعبي : انظروه فإنه سيسألهم ليلا وقعت فيه أو نهارا ؛ ففعل. ثم قال : إن كان بالليل ضمن ، وإن كان بالنهار لم يضمن ، ثم قرأ شريح {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} قال : والنفش بالليل والهمل بالنهار.
قلت : ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم : "العجماء جرحها جبار" الحديث. وقال ابن شهاب : والجبار الهدر ، والعجماء البهيمة ، قال علماؤنا : ظاهر قوله : "العجماء جرحها جبار" أن ما انفردت البهيمة بإتلافه لم يكن فيه شيء ، وهذا مجمع عليه. فلو كان معها قائد أو سائق أو راكب فحملها أحدهم على شيء فأتلفته لزمه حكم المتلف ؛ فإن كانت جناية مضمونة بالقصاص وكان الحمل عمدا كان فيه القصاص ولا يختلف فيه ؛ لأن الدابة كالآلة. وإن كان عن غير قصد كانت فيه الدية على العاقلة. وفي الأموال الغرامة في مال الجاني.
الرابعة والعشرون : واختلفوا فيمن أصابته برجلها أو ذنبها ، فلم يضمن مالك والليث والأوزاعي صاحبها ، وضمنه الشافعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة. واختلفوا في الضارية فجمهورهم أنها كغيرها ، ومالك وبعض أصحابه يضمنونه.
الخامسة والعشرون : روى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الرجل جبار" قال الدارقطني : لم يروه
غير سفيان بن حسين ولم يتابع عليه ، وخالفه الحفاظ عن الزهري منهم مالك وابن عيينة ويونس ومعمر وابن جريج والزبيدي وعقيل وليث بن سعد ، وغيرهم كلهم رووه عن الزهري فقالوا : "العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار" ولم يذكروا الرجل وهو الصواب. وكذلك روى أبو صالح السمان ، وعبد الرحمن الأعرج ، ومحمد بن سيرين ، ومحمد بن زياد وغيرهم عن أبي هريرة ، ولم يذكروا فيه "والرجل جبار" وهو المحفوظ عن أبي هريرة.
السادسة والعشرون : قوله : "والبئر جبار" قد روى موضعه "والنار جبار" قال الدارقطني : حدثنا حمزة بن القاسم الهاشمي حدثنا حنبل بن إسحاق قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول في حديث عبد الرزاق : حديث أبي هريرة "والنار جبار" ليس بشيء لم يكن في الكتاب باطل ليس هو بصحيح. حدثنا محمد بن مخلد حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قال سمعت أحمد بن حنبل يقول : أهل اليمن يكتبون النار النير ويكتبون البير ؛ يعني مثل ذلك. وإنما لقن عبد الرزاق "النار جبار" . وقال الرمادي : قال عبد الرزاق قال معمر لا أراه إلا وهما. قال أبو عمر : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "النار جبار" وقال يحيي بن معين : أصله البئر ولكن معمرا صحفه قال أبو عمر : لم يأت ابن معين على قوله هذا بدليل ، وليس هكذا ترد أحاديث الثقات. ذكر وكيع عن عبد العزيز بن حصين عن يحي بن يحي الغساني قال : أحرق رجل سافي قراح له فخرجت شررة من نار حتى أحرقت شيئا لجاره. قال : فكتب فيه إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ابن حصين فكتب إلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "العجماء جبار" وأرى أن النار جبار. وقد روي "والسائمة جبار" بدل العجماء فهذا ما ورد في ألفاظ هذا الحديث ولكل معنى لفظ صحيح مذكور في شرح الحديث وكتب الفقه.
قوله تعالى : {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} قال وهب : كان داود يمر بالجبال مسبحا والجبال تجاوبه بالتسبيح ، وكذلك الطير. وقيل كان داود إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت
حتى يشتاق ؛ ولهذا قال : {وَسَخَّرْنَا} أي جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح. وقيل : إن سيرها معه تسبيحها ، والتسبيح مأخوذ من السباحة ؛ دليله قوله تعالى : {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [سبأ : 10] . وقال قتادة : {يُسَبِّحْنَ} يصلين معه إذا صلى ، والتسبيح الصلاة. وكل محتمل. وذلك فعل الله تعالى بها ؛ ذلك لأن الجبال لا تعقل فتسبيحها دلالة على تنزيه الله تعالى عن صفات العاجزين والمحدثين.
الآية : 80 {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ}
فيه ثلاث مسائل : -
الأولى : قوله تعالى : {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ} يعني اتخاذ الدروع بإلانة الحديد له ، واللبوس عند العرب السلاح كله ؛ درعا كان أو جوشنا أو سيفا أو رمحا. قال الهذلي يصف رمحا :
ومعي لبوس للبئيس كأنه ... روق بجبهة ذي نعاج مجفل
واللبوس كل ما يلبس ، وأنشد ابن السكيت :
ألبس كل حالة لبوسها ... إما نعيمها وإما ما بوسها
وأراد الله تعالى هنا الدرع ، وهو بمعنى الملبوس نحو الركوب والحلوب. قال قتادة : أول من صنع الدروع داود. وإنما كانت صفائح ، فهو أول من سردها وحلقها.
الثانية : قوله تعالى : {لِيُحْصِنَكُمْ} ليحرزكم. {مِنْ بَأْسِكُمْ} أي من حربكم. وقيل : من السيف والسهم والرمح ، أي من آلة بأسكم فحذف المضاف. ابن عباس : {مِنْ بَأْسِكُمْ} من سلاحكم. الضحاك : من حرب أعدائكم. والمعنى واحد. وقرأ الحسن
وأبو جعفر وابن عامر وحفص وروح {لِتُحْصِنَكُمْ} بالتاء ردا على الصفة. وقيل : على اللبوس والمنعة التي هي الدروع. وقرأ شيبة وأبو بكر والمفضل ورويس وابن أبي إسحاق {لِنُحْصِنَكُمْ} بالنون لقوله : {وَعَلَّمْنَاهُ} . وقرأ الباقون بالياء جعلوا الفعل للبوس ، أو يكون المعنى ليحصنكم الله. {فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} أي على تيسير نعمة الدروع لكم. وقيل : {فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} بأن تطيعوا رسولي.
هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب ، وهو قول أهل العقول والألباب ، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء ، فالسبب سنة الله في خلقه فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة ، ونسب من ذكرنا إلى الضعف وعدم المنة. وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع ، وكان أيضا يصنع الخوص ، وكان يأكل من عمل يده ، وكان آدم حراثا ، ونوح نجارا ، ولقمان خياطا ، وطالوت دباغا. وقيل : سقاء ؛ فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس ، ويدفع. بها عن نفسه الضرر والباس. وفي الحديث : "إن الله يحب المؤمن المحترف الضعيف المتعفف ويبغض السائل الملحف" . وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة "الفرقان" وقد تقدم في غير ما آية ، وفيه كفاية والحمد لله.
الآيتان : 81 - 82 {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ، وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ}
قوله تعالى : {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة ، أي شديدة الهبوب. يقال منه : عصفت الريح أي اشتدت فهي ريح عاصف وعصوف. وفي لغة بني أسد : أعصفت الريح فهي معصفة ومعصفة. والعصف التبن فسمي به شدة الريح ؛
لأنها تعصفه بشدة تطيرها. وقرأ عبد الرحمن الأعرج وأبو بكر {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحُ} برفع الحاء على القطع مما قبله ؛ والمعنى ولسليمان تسخير الريح ؛ ابتداء وخبر. {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} يعني الشام يروي أنها كانت تجري به وبأصحابه إلى حيث أراد ، ثم ترده إلى الشام. وقال وهب : كان سليمان بن داود إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير ، وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره. وكان امرأ غزاء لا يعقد عن الغزو ؛ فإذا أراد أن يغزو أمر بخشب فمدت ورفع عليها الناس والدواب وآلة الحرب ، أمر العاصف فأقلت ذلك ، ثم أمر الرخاء فمرت به شهرا في رواحه وشهرا في غدوه ، وهو معنى قوله تعالى : {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص : 36] . والرخاء اللينة. {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} أي بكل شيء عملنا عالمين بتدبيره.
قوله تعالى : {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ} أي وسخرنا له من يغوصون ؛ يريد تحت الماء. أي يستخرجون له الجواهر من البحر. والغوص النزول تحت الماء ، وقد غاص في الماء ، والهاجم على الشيء غائص. والغواص الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ ، وفعله الغياصة. {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ} أي سوي ذلك من الغوص ؛ قاله الفراء. وقيل : يراد بذلك المحاريب والتماثيل وغير ذلك يسخرهم فيه. {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} أي لأعمالهم. وقال الفراء : حافظين لهم من أن يفسدوا أعمالهم ، أو يهيجوا أحدا من بني آدم في زمان سليمان. وقيل : {حَافِظِينَ} من أن يهربوا أو يمتنعوا. أو حفظناهم من أن يخرجوا عن أمره. وقد قيل : إن الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون من استخراج الشياطين.
الآيتان : 83 - 84 {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}
قوله تعالى : {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ} أي واذكر أيوب إذ نادى ربه. {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} أي نالني في بدني ضر وفي مالي وأهلي. قال ابن عباس : سمي أيوب لأنه آب إلى الله تعالى في كل حال. وروي أن أيوب عليه السلام كان رجلا من الروم ذا مال عظيم ، وكان برا تقيا رحيما بالمساكين ، يكفل الأيتام والأرامل ، ويكرم الضيف ، ويبلغ ابن السبيل ، شاكرا لأنعم الله تعالى ، وأنه دخل مع قومه على جبار عظيم فخاطبوه في أمر ، فجعل أيوب يلين له في القول من أجل زرع كان له فامتحنه الله بذهاب مال وأهله ، وبالضر في جسمه حتى تناثر لحمه وتدود جسمه ، حتى أخرجه أهل قريته إلى خارج القرية ، وكانت امرأته تخدمه. قال الحسن : مكث بذلك تسع سنين وستة أشهر. فلما أراد الله أن يفرج عنه قال الله تعالى له : {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص : 42] فيه شفاؤك ، وقد وهبت لك أهلك ومالك وولدك ومثلهم معهم. وسيأتي في "ص" ما للمفسرين في قصة أيوب من تسليط الشيطان عليه ، والرد عليهم إن شاء الله تعالى. واختلف في قول أيوب : {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} على خمسة عشر قولا :
الأول : أنه وثب ليصلي فلم يقدر على النهوض فقال : {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} إخبارا عن حاله ، لا شكوى لبلائه ؛ رواه أنس مرفوعا.
الثاني : أنه إقرار بالعجز فلم يكن منافيا للصبر.
الثالث : أنه سبحانه أجراه على لسانه ليكون حجة لأهل البلاء بعده في الإفصاح بما ينزل بهم.
الرابع : أنه أجراه على لسانه إلزاما له في صفة الآدمي في الضعف عن تحمل البلاء.
الخامس : أنه انقطع الوحي عنه أربعين يوما فخاف هجران ربه فقال : {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} . وهذا قول جعفر بن محمد.
السادس : أن تلامذته الذين كانوا يكتبون عنه لما أفضت حال إلى ما انتهت إليه محوا ما كتبوا عنه ، وقالوا : ما لهذا عند الله قدر ؛ فاشتكى الضر في ذهاب الوحي والدين من أيدي الناس. وهذا مما لم يصح سنده. والله أعلم ؛ قال ابن العربي.
السابع : أن دودة سقطت من لحمه فأخذها وردها في موضعها فعقرته فصاح {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} فقيل : أعلينا تتصبر. قال ابن العربي : وهذا بعيد جدا




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.06 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.43 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.49%)]