
06-07-2025, 05:56 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,685
الدولة :
|
|
رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى

تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (11)
سُورَةُ طه
من صــ 214 الى صــ 223
الحلقة (473)
ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ، ثم بعده الضحا وهي حين تشرق الشمس ؛ مقصورة تؤنث وتذكر ؛ فمن أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة ؛ ومن ذكر ذهب إلى أنه اسم على فعل مثل صرد ونغر ؛ وهو ظرف غير متمكن مثل سحر ؛ تقول : لقيته ضحا ؛ وضحا إذ أردت به ضحا يومك لم تنونه ، ثم بعده الضحاء ممدود مذكر ، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى. وخص الضحا لأنه أول النهار ، فلو امتد الأمر فيما بينهم كان في النهار متسع. وروي عن ابن مسعود والجحدري وغيرهما {وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحاً} على معنى وأن يحشر الله الناس ونحوه. وعن بعض القراء {وَأَنْ تَحْشُرَ النَّاسَ} والمعنى وأن تحشر أنت يا فرعون الناس وعن الجحدري أيضا {وَأَنْ نَحْشُرَ} بالنون وإنما واعدهم ذلك اليوم ؛ ليكون علو كلمة الله ، وظهور دينه ، وكبت الكافر ، وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ، وفي المجمع الغاص لتقوى رغبة من رغب في الحق ، ويكل حد المبطلين وأشياعهم ، يكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر ، ويشيع في جمع أهل الوبر والمدر.
قوله تعالى : {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ} أي حيله وسحره ؛ والمراد جمع السحرة. قال ابن عباس : كانوا اثنين وسبعين ساحرا ، مع كل ساحر منهم حبال وعصي. وقيل : كانوا أربعمائة. وقيل : كانوا اثني عشر ألفا. وقيل : أربعة عشرا ألفا. وقال ابن المنكدر : كانوا ثمانين ألفا. وقيل : كانوا مجمعين على رئيس يقال له شمعون. وقيل : كان اسمه يوحنا معه اثنا عشر نقيبا ، مع كل نقيب عشرون عريفا ، مع كل عريف ألف ساحر. وقيل كانوا ثلثمائة ألف ساحر من الفيوم ، وثلثمائة ألف ساحر من الصعيد ، وثلثمائة ألف ساحر من الريف ، فصاروا تسعمائة ألف وكان رئيسهم أعمى. {ثُمَّ أَتَى} أي أتى الميعاد. {قَالَ لَهُمْ مُوسَى} أي قال لفرعون والسحرة {وَيْلَكُمْ} دعاء عليهم بالويل. وهو بمعنى المصدر. وقال أبو إسحاق الزجاج : هو منصوب بمعنى الزمهم الله ويلا. قال : ويجوز أن يكون نداء كقوله تعالى : {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا} [يس : 52] {لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً} أي لا تختلقوا عليه الكذب ، ولا تشركوا به ، ولا تقولوا للمعجزات إنها سحر. {فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} من عنده أي يستأصلكم بالإهلاك
يقال فيه : سَحَت وَأَسْحت بمعنى. وأصله من استقصاء الشَّعْر. وقرأ الكوفيون {فَيُسْحِتَكُمْ} من أسحت ، الباقون {فَيُسْحِتَكُمْ} من سحت وهذه لغة أهل الحجاز و [الأولى لغة] بن تميم. وانتصب على جواب النهي. وقال الفرزدق :
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف
الزمخشري : وهذا بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه. {وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} أي خسر وهلك ، وخاب من الرحمة والثواب من ادعى على الله ما لم يأذن به.
الآيات : 62 - 64 {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ، قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ، فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى}
قوله تعالى : {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أي تشاوروا ؛ يريد السحرة. {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} قال قتادة {قَالُوا} إن كان ما جاء به سحرا فسنغلبه ، وإن كان من عند الله فسيكون له أمر ؛ وهذا الذي أسروه. وقيل الذي أسروا قولهم {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} الآية قاله السدي ومقاتل. وقيل الذي أسروا قولهم : إن غلبنا اتبعناه ؛ قال الكلبي ؛ دليله من ظهر من عاقبة أمرهم. وقيل : كان سرهم أن قالوا حين قال لهم موسى {وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً} [طه : 61] : ما هذا بقول ساحر. " والنجوى" المنجاة يكون اسما ومصدرا ؛ وقد تقدم.
قوله تعالى : {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} قرأ أبو عمرو {إِنْ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ} . ورويت عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة ؛ وكذلك قرأ الحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم من التابعين ؛ ومن القراء عيسى بن عمر وعاصم الجحدري ؛ فيما ذكر النحاس. وهذه القراءة موافقة للإعراب مخالفة للمصحف. وقرأ الزهري والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن محيصن وابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه {إِنْ هَذَانِ} بتخفيف {إِن} {لَسَاحِرَانِ} وابن كثير يشدد نون {هذانّ} . وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب ، ويكون معناها ما هذان إلا ساحران. وقرأ المدنيون والكوفيون {إِنَّ هَذَانِ} بتشديد {إنَّ} {لساحران} فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب. قال النحاس فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة عن الأئمة ، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ {إِنْ هَذَانِ إِلاَّ سَاحِرَانِ} وقال الكسائي في قراءة عبد الله : {إِنْ هَذَانِ سَاحِرَانِ} بغير لام ؛ وقال الفراء في حرف أبي {إِنْ ذَانِ إِلاَّ سَاحِرَانِ} فهذه ثلاث قراءات أخرى تحمل على التفسير لا أنها جائز أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف.
قلت : وللعلماء في قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال ذكرها ابن الأنباري في آخر كتاب الرد له ، والنحاس في إعرابه ، والمهدوي في تفسيره ، وغيرهم أدخل كلام بعضهم في بعض. وقد خطأها قوم حتى قال أبو عمرو : إني لأستحي من الله أن اقرأ {إنَّ هَذَان} وروى عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قوله تعالى : {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ثم قال : {وَالْمُقِيمِينَ} وفي "المائدة" {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ} [المائدة : 69] و {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} فقالت : يا ابن أختي! هذا خطأ من الكاتب. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه : في المصحف لحن وستقيمه العرب بألسنتهم. وقال أبان بن عثمان : قرأت هذه الآية عند أبي عثمان بن عفان ، فقال لحن وخطأ ؛ فقال له قائل : ألا تغيروه ؟ فقال : دعوه فإنه لا يحرم حلالا ولا يحلل حرما. القول الأول من الأقوال الستة أنها لغة بني الحرث بن كعب وزبيد وخثعم وكنانة بن زيد يجعلون رفع الاثنين ونصبه وخفضه بالألف ؛
يقولون : جاء الزيدان ورأيت الزيدان ومررت بالزيدان ، ومنه قوله تعالى : {وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ} [يونس : 16] على ما تقدم. وأنشد الفراء لرجل من بني أسد - قال : وما رأيت أفصح منه :
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لناباه الشجاع لصما
ويقولونك كسرت يداه وركبت علاه ؛ يديه وعليه ؛ قال شاعرهم :
تزود منا بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التراب عقيم
وقال آخر :
طاروا علاهن فطر علاها ... أي عليهن وعليها.
وقال آخر :
إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها
أي إن أبا أبيها وغايتها. قال أبو جعفر النحاس : وهذا القول من أحسن ما خملت عليه الآية ؛ إذ كانت هذه اللغة معروفة ، وقد حكاها من يرتضي علمه وأمانته ؛ منهم أبو زيد الأنصاري وهو الذي يقول : إذا قال سيبويه حدثني من أثق به فإنما يعنيني ؛ وأبو الخطاب الأخفش وهو رئيس من رؤساء اللغة ، والكسائي والفراء كلهم قالوا هذا على لغة بني الحرث بن كعب. وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أن هذه لغة بني كنانة. المهدوي : وحكى غيره أنها لغة لخثعم. قال النحاس ومن أبين ما في هذا قول سيبويه : وأعلم أنك إذا ثنيت الواحد زدت عليه زائدتين ، الأولى منهما حرف مد ولين وهو حرف الإعراب ؛ قال أبو جعفر فقول سيبويه : وهو حرف الإعراب ، يوجب أن الأصل ألا يتغير ، فيكون {إِنَّ هَذَانِ} جاء
على أصله ليعلم ذلك ، وقد قال تعالى {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ} [المجادلة : 19] ولم يقل استحاذ ؛ فجاء هذا ليدل على الأصل ، وكذلك {إِنَّ هَذَانِ} ولا يفكر في إنكار من أنكر هذه اللغة إذا كان الأئمة قد رووها. القول الثاني أن يكون {إنّ} بمعنى نعم ؛ كما حكى الكسائي عن عاصم قال : العرب تأتي بـ {إنّ} بمعنى نعم ، وحكى سيبويه أن {إنّ} تأتي بمعنى أجل ، وإلى هذا القول كان محمد بن يزيد وإسماعيل بن إسحاق القاضي يذهبان ؛ قال النحاس : ورأيت أبا إسحاق الزجاج وعلي بن سليمان يذهبان إليه. الزمخشري : وقد أعجب به أبو إسحاق. النحاس : وحدثنا علي بن سليمان ، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السلام النيسابوري ، ثم لقيت عبد الله بن أحمد [هذا] فحدثني ، قال حدثني عمير بن المتوكل ، قال حدثنا محمد بن موسى النوفلي من ولد حرث بن عبد المطلب ، قال حدثنا عمر بن جميع الكوفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي - وهو ابن الحسين - عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين ، قال : لا أحصي كم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على منبره : "إن الحمد لله نحمده ونستعينه" ثم يقول : "أنا أفصح قريش كلها وأفصحها بعدي أبان بن سعيد بن العاص" قال أبو محمد الخفاف قال عمير : إعرابه عند أهل العربية والنحو "إن الحمد لله" بالنصب إلا أن العرب تجعل "إن" في معنى نعم كأنه أراد صلى الله عليه وسلم ؛ نعم الحمد لله ؛ وذلك أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح خطبها بنعم. وقال الشاعر في معنى نعم :
قالوا غدرت فقلت إن وربما ... نال العلا وشفى الغليل الغادر
وقال عبد الله بن قيس الرقيات :
بكر العواذل في الصبا ... ح يلمنني وألومنه
ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه
فعلى هذا جائز أن يكون قول الله عز وجل : "إن هذان ساحران" بمعنى نعم ولا تنصب. قال النحاس : أنشدني داود بن الهيثم ، قال أنشدني ثعلبك :
ليت شعري هل للمحب شفاء ... من جوى حبهن إن اللقاء
قال النحاس : وهذا قول حسن إلا أن فيه شيئا لأنه إنما يقال : نعم زيد خارج ، ولا تكاد تقع اللام ها هنا ، وإن كان النحويون قد تكلموا في ذلك فقالوا اللام ينوي بها التقديم ؛ كما قال :
خالي لأنت ومن جرير خاله ... ينل العلاء ويكرم الأخوالا
آخر :
أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من الشاة بعظم الرقبه
أي لخالي ولأم الحليس ؛ وقال الزجاج : والمعنى في الآية إن هذان لهما ساحران ثم حذف المبتدأ. المهدوي : وأنكره أبو علي وأبو الفتح بن جني. قال أبو الفتح : "هما" المحذوف لم يحذف إلا بعد أن عرف ، وإذا كان معروفا فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام ، ويقبح أن تحذف المؤكد وتترك المؤكد. القول الثالث قال الفراء أيضا : وجدت الألف دعامة ليست بلام الفعل فزدت عليها نونا ولم أغيرها كما قلت : "الذي" ثم زدت عليه نونا فقلت : جاءني الذين عندك ، ورأيت الذين عندك ، ومررت بالذين عندك القول الرابع قاله بعض الكوفيين قال الألف في "هذان" مشبهة بالألف في يفعلان فلم تغير. القول الخامس : قال أبو إسحاق النحويون القدماء يقولون الهاء ها هنا مضمرة ، والمعنى إنه هذان لساحران ؛ قال ابن الأنباري : فأضمرت الهاء التي هي منصوب "إن" و "هذان" خبر "إن" و "ساحران" يرفعها "هما" المضمر [والتقدير] إنه هذان لهما ساحران. والأشبه عند أصحاب أهل هذا الجواب أن الهاء اسم "إن" و "هذان" رفع بالابتداء وما بعده خبر الابتداء. القول السادس قال أبو جعفر النحاس وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية ، فقال : إن شئت أجبتك بجواب النحويين ، وإن شئت أجبتك بقولي ؛ فقلت بقولك ؛ فقال : سألني إسماعيل بن إسحاق عنها فقلت : القول عندي أنه لما كان يقال "هذا" في موضع الرفع والنصب والخفض على حال واحدة ، وكانت التثنية يجب ألا يغير لها الواحد أجريت التثنية مجرى الواحدة ؛ فقال ما أحسن هذا لو تقدمك أحد بالقول به حتى يؤنس به ؛ قال ابن كيسان : فقلت له : فيقول القاضي به حتى يؤنس به ؛ فتبسم.
قوله تعالى : {يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} هذا من قول فرعون للسحرة ؛ أي غرضهما إفساد دينكم الذي أنتم عليه ؛ كما قال فرعون {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر : 26] . ويقال فلان حسن الطريقة أي حسن المذهب. وقيل : طريقة القوم أفضل القول ؛ وهذا الذي ينبغي أن يسلكوا طريقته ويقتدوا به ؛ فالمعنى : ويذهبا بسادتكم ورؤسائكم ؛ استمالة لهم. أو يذهبا ببني إسرائيل وهم الأماثل وإن كانوا خولا لكم لما يرجعون إليه من الانتساب إلى الأنبياء. أيذهبا بأهل طريقتكم فحذف المضاف. و {الْمُثْلَى} تأنيث الأمثل ؛ كما يقال الأفضل والفضلى. وأنث الطريقة على اللفظ ، وإن كان يراد بها الرجال. ويجوز أن يكون التأنيث على الجماعة. وقال الكسائي : {بِطَرِيقَتِكُمُ} بسنتكم وسمتكم. و {الْمُثْلَى} نعت كقولك امرأة كبرى. تقول العرب : فلان على الطريقة المثلى يعنون على الهدى المستقيم.
قوله تعالى : {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ} الإجماع الإحكام والعزم على الشيء. تقول : أجمعت الخروج وعلى الخروج أي عزمت. وقراءة كل الأمصار {فَأَجْمِعُوا} إلا أبا عمرو فإنه قرأ {فَاجْمَعُوا} بالوصل وفتح الميم. واحتج بقوله : {فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى} . قال النحاس وفيما حكي لي عن محمد بن يزيد أنه قال : يجب على أبي عمرو أن يقرأ بخلاف قراءته هذه ، وهي القراءة التي عليها أكثر الناس. قال : لأنه احتج بـ {جَمَعَ} وقوله عز وجل : {فَجَمَعَ كَيْدَهُ} قد ثبت هذا فيبعد أن يكون بعده {فَاجْمَعُوا} ويقرب أن يكون بعده {فَأَجْمِعُوا} أي اعزموا وجدوا ؛ ولما تقدم ذلك وجب أن يكون هذا بخلاف معناه يقال : أمر مجمع ومجمع عليه. قال النحاس : ويصحح قراءة أبي عمرو {فَاجْمَعُوا} أي اجمعوا كل كيد لكم وكل حيلة فضموه مع أخيه. وقاله أبو إسحاق. الثعلبي : القراءة بقطع الألف وكسر الميم لها وجهان : أحدهما : بمعنى الجمع ، تقول : أجمعت الشيء جمعته بمعنى واحد ، وفي الصحاح : وأجمعت الشيء جعلته جميعا ؛ قال أبو ذؤيب يصف حمرا :
فكأنها بالجزع بين نبايع ... وأولات ذي العرجاء نهب مجمع
أي مجموع. والثاني : أنه بمعنى العزم والإحكام ؛ قال الشاعر :
يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأمري مجمع
أي محكم. {ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً} قال مقاتل والكلبي : جميعا. وقيل : صفوفا ليكون أشد لهيبتكم وهو منصوب بوقوع الفعل عليه على قول أبي عبيدة ؛ قال يقال : أتيت الصف يعني المصلى ؛ فالمعنى عنده ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه يوم العيد. وحكي عن بعض فصحاء العرب : ما قدرت أن آتي الصف ؛ يعني المصلى. وقال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى ثم ائتوا والناس مصطفون ؛ فيكون على هذا مصدرا في موضع الحال. ولذلك لم يجمع. وقرئ {ثُمِّ ايْتُوا} بكسر الميم وياء. ومن ترك الهمزة أبدل من الهمزة ألفا. {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} أي من غلب. وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض. وقيل : من قول فرعون لهم.
الآيتان : 65 - 66 {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ، قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى}
الآية : ]67 [ {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى}
الآية : ] 68 [ {قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى}
الآية : ] 69 [ {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}
الآية : ] 70 [ {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى}
الآية : ] 71[ {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى}
قوله تعالى : {قَالُوا يَا مُوسَى} يريد السحرة. {إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ} عصاك من يدك {وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى} تأدبوا مع موسى فكان ذلك سبب إيمانهم. {قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ} في الكلام حذف ، أي فألقوا ؛ دل عليه المعنى. وقرأ الحسن {وعُصِيُّهُمْ} بضم العين. قال هارون القارئ : لغة بني تميم {وعُصِيُّهُمْ} وبها يأخذ الحسن. الباقون بالكسر اتباعا لكسرة الصاد. ونحوه دلي وقسي وقسي. {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} وقرأ ابن عباس وأبو حيوة وابن ذكوان وروح عن يعقوب {تَخَيَّلُ} بالتاء ؛ وردوه إلى العصي والحبال إذ هي مؤنثة. وذلك أنهم لطخوا العصي بالزئبق ، فلما أصابها حر الشمس ارتهشت واهتزت. قال الكلبي : خيل إلى موسى أن الأرض حيات وأنها تسعى على بطنها. وقرئ {تَخَيَّلُ} بمعنى تتخيل وطريقه طريق {تُخَيَّلُ} ومن قرأ {نُخَيِّلُ} بالياء رده إلى الكيد. وقرئ "نخيل" بالنون على أن الله هو المخيل للمحنة والابتلاء. وقيل : الفاعل {أَنَّهَا تَسْعَى} فـ {أَنَّ} في موضع رفع ؛ أي يخيل إليه سعيها ؛ قال الزجاج. وزعم الفراء أن موضعها موضع نصب ؛ أي بأنها ثم حذف الباء. والمعنى في الوجه الأول : تشبه إليه من سحرهم وكيدهم حتى ظن أنها تسعى. وقال الزجاج ومن قرأ بالتاء جعل {أَنَّ} في موضع نصب أي تخيل إليه ذات سعي ، قال : ويجوز أن تكون في موضع رفع بدلا من الضمير في {تخيّل} وهو عائد على الحبال والعصي ، والبدل فيه بدل اشتمال. و {تَسْعَى} معناه تمشي.
قوله تعالى : {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} أي أضمر. وقيل : وجد. وقيل : أحس. أي من الحيات وذلك على ما يعرض من طباع البشر على ما تقدم. وقيل : خاف أن يفتتن الناس قبل أن يلقي عصاه. وقيل : خاف حين أبطأ عليه الوحي بإلقاء العصا أن يفترق الناس قبل ذلك فيفتتنوا. وقال بعض أهل الحقائق : إن كان السبب أن موسى عليه السلام لما التقى بالسحرة وقال لهم : {وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} التفت فإذا جبريل على يمينه فقال له يا موسى ترفق
بأولياء الله. فقال موسى : يا جبريل هؤلاء سحرة جاؤوا بسحر عظيم ليبطلوا المعجزة ، وينصروا دين فرعون ، ويردوا دين الله ، تقول : ترفق بأولياء الله! فقال جبريل : هم من الساعة إلى صلاة العصر عندك ، وبعد صلاة العصر في الجنة. فلما قال له ذلك ، أوجس موسى وخطر أن ما يدريني ما علم الله في ، فلعلي أكون الآن في حالة ، وعلم الله في على خلافها كما كان هؤلاء. فلما علم الله ما في قلبه أوحى الله إليه {لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} أي الغالب في الدنيا ، وفي الدرجات العلا في الجنة ؛ للنبوة والاصطفاء الذي آتاك الله به. وأصل {خِيفَةً} خوفة الواو ياء لانكسار الخاء.
قوله تعالى : {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا} ولم يقل وألق عصاك ، فجائز أن يكون تصغيرا لها ؛ أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم ، وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك ، فإنه بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها ، وصغره وعظمها. وجائز أن يكون تعظيما لها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكثيرة الكبيرة فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها ، وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عندها ؛ فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها. و {تَلَقََّفْ} بالجزم جواب الأمر ؛ كأنه قال : إن تلقه تتلقف ؛ أي تأخذ وتبتلع. وقرأ السلمي وحفص {تَلْقَفُ} ساكنة اللام من لقف يلقف لقفا. وقرأ ابن ذكوان وأبو حيوة الشامي ويحيى بن الحرث {تَلْقَفُ} بحذف التاء ورفع الفاء ، على معنى فإنها تتلقف. والخطاب لموسى. وقيل : للعصا. واللقف الأخذ بسرعة ، يقال : لقفت الشيء "بالكسر" ألقفه لقفا ، وتلقفته أيضا أي تناولته بسرعة. عن يعقوب : يقال رجل لقف ثقف أي خفيف حاذف. واللقف "بالتحريك" سقوط الحائط. ولقد لقف الحوض لقفا أي تهور من أسفله وأتسع. وتلقف وتلقم وتلهم بمعنى. لقمت اللقمة "بالكسر" لقما ، وتلقمتها إذا ابتلعتها في مهلة وكذلك لهمه "بالكسر" إذا ابتلعه. {مَا صَنَعُوا} أي الذي صنعوه. وكذا {إِنَّمَا صَنَعُوا} أي إن الذي صنعوه {كَيْدُ} بالرفع {سِحْر} بكسر السين وإسكان الحاء ؛ وهى قراءة الكوفيين إلا عاصما.
وفيه وجهان :
أحدهما : أن يكون الكيد مضافا إلى السحر
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|